2018-06-02

استعدوا لساحة المعركة الجديدة في الشرق الأوسط: الجولان

كتبت/ شارمين نارواني

ترجمة: عماد خالد الحطبة

يمكن وصف تبادل القصف الصاروخي على الحدود السورية “الإسرائيلية” بأي شيء عدا أنه حدث عادي أو طبيعي. لقد أدت المواجهة المسلحة إلى استحداث قواعد جديدة للاشتباك في المنطقة، وجعلت المناطق التي تحتلها “إسرائيل” في مرتفعات الجولان “مسرحا للعمليات” في الأزمة السورية.

الرواية الإعلامية التي سادت وسائل الإعلام أن الأحداث بدأت عندما قامت إسرائيل برد انتقامي على هجمات صاروخية إيرانية، وأن “جيش الدفاع الإسرائيلي” دمر الإمكانيات العسكرية الإيرانية داخل سوريا. لكن هذه المعلومات ظلت موقع شك: فقد جاءت– حصرا– من وسائل الإعلام “الإسرائيلية” التي لا توفر فرصة لقرع طبول حرب “التهديد الإيراني”.

في الأحداث التي تتالت لتقود إلى مناوشات 10 أيار– بعد فترة وجيزة من انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق النووي مع إيران الموقّع عام 2015– عمد المسؤولون “الإسرائيليون” إلى التحذير من هجوم إيراني وشيك ينطلق من سوريا. ثم، وبعد ساعات من الاشتباك المسلح، أعلن متحدث رسمي باسم “جيش الدفاع الإسرائيلي” أن وحدة النخبة في الحرس الثوري الإيراني “لواء القدس” أطلقت 20 صاروخا على مرتفعات الجولان المحتلة، ثم غرّد وزير الدفاع “الإسرائيلي” أفيغدور ليبرمان “لقد قصفنا كل البنية التحتية الإيرانية في سوريا

المتحدث الرسمي باسم “جيش الدفاع الإسرائيلي”، البريغادير جنرال رونن مانيلاس، وصف الرد الإسرائيلي بأنه “واحد من أعظم العمليات العسكرية التي يقوم بها سلاح الجو الإسرائيلي خلال العقد الحالي”. لكن غبار المعركة هدأ، وتكشف عن تسلسل مختلف تماما للأحداث.

بمراجعة التسلسل الزمني الحقيقي للأحداث نجد أن “إسرائيل” بدأت الأحداث بهجومها على أهداف عسكرية سورية في الكسوة (في ضواحي دمشق) ومدينة البعث (القنيطرة) خلال اليومين السابقين للرد السوري. كانت روسيا قد حذرت كل من سوريا وإيران من الهجوم الوشيك مما أدى إلى عدم وقوع خسائر في الأرواح أو العتاد في الجانبين السوري والإيراني. ردت القوات العسكرية السورية (وليس الحرس الثوري الإيراني) بإطلاق 55 صاروخا على مواقع عسكرية “إسرائيلية” في الجزء المحتل من الجولان السوري. أشارت المواقع الإعلامية العربية إلى أن الأهداف التي أصيبت كانت مراكز مراقبة إسرائيلية، نجم عن تدميرها إعاقة “عيون وآذان” إسرائيل على طول خط الفصل الحيوي. فشل نظام الدفاع الجوي “الإسرائيلي” المسمى “القبة الحديدية” في اعتراض معظم الصواريخ السورية، في حين تمكنت القوات السورية من اعتراض أكثر من نصف الصواريخ “الإسرائيلية”، حسب مصدر رسمي عسكري روسي.

الحقيقة الثابتة: أن القصف المتبادل كان أول مواجهة عسكرية بين “الإسرائيليين” والسوريين في الجولان المحتل منذ العام 1973، مما يجعل الجولان مسرحا للعمليات للمرة الأولى منذ ما يقرب من أربعة عقود. كما أنها المرة الأولى خلال الأزمة السورية التي تقوم فيها سوريا بالرد على الهجمات “الإسرائيلية” بقصف مواقع عسكرية “إسرائيلية”، وليس فقط التصدي للصواريخ أو الطائرات التي تطلقها. لقد أصبحت “إسرائيل” مضطرة للتعامل مع حقيقة مفادها أن أي معركة تبدأها يمكن أن تنشب في ساحتها الخلفية.

من الواضح أن إسرائيل لم تتوقع لا هذا الرد ولا تلك النتيجة.

كيف وصلنا إلى هنا؟ أرادت “إسرائيل” خلق “منطقة عازلة” على طول حدودها مع سوريا، لكن جهودها بهذا الاتجاه عانت من إحباط جدي مع قيام الجيش العربي السوري وحلفائه بطرد المسلحين من ضواحي دمشق المهمة خلال هذه السنة.

قدمت “إسرائيل” دعما للعديد من التنظيمات المسلحة العاملة على حدودها مع سوريا، وشمل ذلك الدعم الطبي وأشكال أخرى من الدعم للمتطرفين، مثل النصرة، ودعما معنويا لداعش حافظ على وجود صغير لها على الحدود السورية مع “إسرائيل”. استند هذا الدعم على كون النصرة وداعش كانتا، رغم كل شيء، من أنجح التنظيمات “المعارضة” التي قاتلت الجيش العربي السوري خلال الأزمة السورية، لذلك كانت ذات قيمة لدى “إسرائيل”، خاصة وأن أيا من التنظيميين لم يستهدف “إسرائيل” بنشاطاته، بل إن داعش اعتذرت “لإسرائيل” بعد اشتباك قصير جرى بين بعض عناصره وقوات “جيش الدفاع الإسرائيلي”.

ما أرادته “إسرائيل”، كان سوريا مقسمة وضعيفة، لأن ذلك يعني إفشال واحدة من أقوى الدول العربية وأهم حليف حيوي لإيران. لكن ما حدث في الواقع أن الجنوب السوري امتلأ بالجيش العربي السوري وقوات الحلفاء، الذي يضعون ضمن أولوياتهم إتمام حملتهم الجنوبية نحو مناطق تعتبرها “إسرائيل” عمقها الاستراتيجي.

خلال كانون الثاني الماضي، حرر الجيش السوري بلدة بين جن التي كانت آخر موقع عسكري مهم يحتله المسلحون في جنوب غرب دمشق، وقالت التقارير أن ذلك كان بمساعدة عناصر من حزب الله والحرس الثوري الإيراني. تقع بلدة بيت جن على ممر جبلي يصل بين سوريا ولبنان و”إسرائيل”– على حدود خط الفصل في الجولان– وقد أدت خسارتها إلى إرباك كبير في “إسرائيل”.

لقد وضعت هذه الخطوة العسكرية كلا من حزب الله، والإيرانيين، والسوريين في نقطة استراتيجية مهمة على حدود الجولان، وهو التطور الذي حاولت “إسرائيل” بشكل محموم تجنبه منذ عقد الاتفاق الأميركي– الروسي– الأردني لخلق مناطق “خفض التصعيد” في جنوب سوريا العام الماضي.

في التاسع من نيسان، أطلقت “إسرائيل” هجوما غير مسبوق ضد أهداف إيرانية في قاعدة التيفور العسكرية في حمص، ما أدي إلى مقتل سبعة من عناصر الحرس الثوري الإيراني بينهم أحد القادة. كانت تلك واحدة من 100 غارة جوية “إسرائيلية” منذ الغارة الجوية “الإسرائيلية” الأولى عام 2013. لكن غارة التيفور غيّرت كل شيء. بالنسبة لمحور المقاومة– الذي تشكل إيران مع سوريا وحزب الله عموده الفقري– كان الوقت قد حان لتحميل “إسرائيل” بعض “العواقب” والتحكم بالتصعيد “الإسرائيلي” المستمر.

بعد أربعة أيام، ظهر السيد حسن نصر، الله الأمين العام لحزب الله، على الهواء، ليؤكد للإسرائيليين وبوضوح على هذا التغيير: “على الإسرائيليين أن يعلموا بأنهم ارتكبوا خطأً تاريخيا. ليس خطأً عاديا… فهذا حدث محوري في الوضع في المنطقة. ما سبق هذا الحدث لا يشبه نهائيا ما سيحدث بعده”.

نادرا ما قامت سوريا أو حزب الله بالرد على الأعمال العسكرية الإسرائيلية بشكل مباشر، وذلك، حسب تصريح نائب الأمين العام لحزب الله في لبنان، لأن هذا المحور يرفض السماح “لإسرائيل” “بالتحكم بقواعد الصراع”. لقد كان توازنا يصعب الحفاظ عليه، لكن “إسرائيل” أصبحت أكثر جرأة مستفيدة من الردود المقننة والمحسوبة لخصومها الثلاثة. لكن هذه المرة، باءت بالفشل، ولو تدريجيا، محاولة “إسرائيل” بالحصول على قواعد اشتباك أفضل لمصالحها وتسببت بنتائج عكسية.

كما لاحظ إليجيا ماجنير، المراسل المخضرم لميدإيست البلجيكية في سوريا، “أي هجمة “إسرائيلية” جديدة اعتبارا من الآن، ستنقل المعركة إلى الجولان. لم يتوقع “الإسرائيليون” ذلك. لقد اعتقدوا مخطئين أن الأسد سيكون مشغولا في معارك مخيم اليرموك والبادية وغيرها، وأن رده سيكون مشابها للمرات الماضية”.

في الخطاب الذي ألقاه نصر الله يوم الإثنين أكد على: “لقد وصلت الرسالة إلى العدو الإسرائيلي. وهي تقول أن الزمن الذي كنتم فيه تقصفون سوريا دون رد قد ولى”. وقال قائد حزب الله أن حلفاءه حملوا رسالة إلى “إسرائيل” عبر طرف ثالث، مفادها: “إذا تجاوزتم الخطوط الحمراء في سوريا، فإن المزيد من الصواريخ سيطلق، وهذه المرة ستضرب عمق إسرائيل”.

توقع “الإسرائيليون” أن الحكومة السورية، وإيران وحزب الله سيكونون غارقين في معاركهم ضد المسلحين في مناطق أخرى، وأن ردود أفعالهم ستقيدها روسيا، التي أعلنت صراحة أنها ستبقى بعيدة عن المعارك بين “إسرائيل” وحزب الله وإيران. لم يتوقعوا أن يغير الحلفاء وجهة العمليات نحو الأهداف الأرضية “الإسرائيلية” داخل مرتفعات الجولان المحتلة، والتي ما زالت تعتبر قانونيا أراضٍ سورية.  الإجماع الدولي على أن “الجولان سوري”  ورد بالنص في عدد لا يحصى من قرارات الأمم المتحدة، بما في ذلك قرار تم تبنيه في كانون الأول الماضي، وهو ما يجعل الموقف السياسي “الإسرائيلي” أكثر هشاشة، إذ لا تستطيع “إسرائيل” الادعاء بأن الجولان يشكل حدودها الشمالية.

لقد تعمقت هشاشة الموقف “الإسرائيلي” منذ عام 2011، عندما شاهد الدروز الذين يشكلون أغلبية سكان الجولان المحتل، إخوانهم وأقرباءهم على الجانب الآخر من الحدود يتعرضون لاحتلال قراهم، ومضايقتهم، وحتى قتلهم على يد المسلحين الإسلاميين المدعومين من “إسرائيل”. يسعى “المحور” إلى توظيف مشاعر الخوف التي تسود الدروز، وتقديم الدعم للمقاومة المناهضة “لإسرائيل” في الجولان. لذلك، فإن الوضع في الجولان أصبح ناضجا للتأثر والتفاعل مع العوامل الداخلية والخارجية، وقد جاءت الغارات “الإسرائيلية” الأخيرة لتحوله إلى هدف.

قد لا يعجب هذا التحول في مسار الأحداث الروس- فهم يفضلون التركيز على خفض التصعيد وحل الصراع السوري. لكن موسكو التي تتسامح مع الضربات “الإسرائيلية” الصغيرة ضد الأهداف العسكرية التابعة للجيش السوري أو الحلفاء، قادرة على احتواء حجم وتكرار هذه الهجمات. ما يعيق “إسرائيل” هو قدرة روسيا على تزويد سوريا بأنظمة الدفاع الجوي S-300 وS-400، وهذا الأمر إذا ما حدث سيكون بمثابة تغيير كبير في اللعبة الإقليمية.

في المقابل ، وفي حين أنه من غير المحتمل أن يختار أي من خصوم “إسرائيل” الثلاثة (سوريا أو إيران أو حزب الله) خوض معركة مع “الإسرائيليين” في الوقت الحالي، فمن الواضح، أيضًا، أنهم جميعًا سيردون إذا تم استفزازهم. لم يكن الشرق الأوسط قريباً من الحرب خلال السنوات السبع الماضية، كما هو عليه اليوم، لهذا السبب هناك حاجة ملحة لهذا السبب هناك حاجة ملحة إلى أن تسود العقلانية، حتى لو كانت هناك ضرورة  للرد العسكري- كما مع سوريا وإيران وحزب الله- بهدف عدم تأجيج الصراع وتأسيس مبدأ للردع.