2018-05-21

مع البروفيسور شلومو ساند في كتابه اختراع الشعب اليهودي

سعيد مضية

تم استعراض كتاب كيث وايتلام ، أحد المؤرخين الموصوفين بالدقة والنزاهة والجرأة،  قدم البينات المادية والفكرية على أن دولة إسرائيل القديمة اكذوبة مفبركة، لم يعرفها التاريخ القديم ولم تترك لها أثرا كما أكدت الحفريات الأثرية الجارية منذ أكثر من قرن ونصف القرن. لم يكن هدف الاستعراض فقط  تقديم ملخص واف للمطاعن في رواية الصهيونية بصدد دولة إسرائيل القديمة؛ إنما تعريف بفكرة الكتاب ومنهجيته، حيث النزاهة العلمية واستقامة الضمير وجهتا الباحث في التأريخ القديم إلى تجسم متاعب الوقوف بوجه حركة ذات حول وطول، وتتنكر لليبرالية وأفكار التنوير.

وقارب الرواية الصهيونية أيضا، من خلال بوابة الصدق العلمي، البروفيسور شلومو ساند، الأستاذ بجامعة تل أبيب. صدر كتابه عام 2008 وصدر مترجما إلى العربية عن مركز الدراسات الإسرائيلية في رام الله في أيلول 2010، ترجمه سعيد عياش ودقق الترجمة أسعد زعبي وراجعها قدم للكتاب الباحث بالمركز أنطوان شلحت.

ركز البروفيسور ساند دراسته المتشعبة على قضيتين: إثبات التزوير في المفهوم القومي للصهيونية، من خلاله تثبت أكذوبة انتساب اليهود جميعا الى الأصل الضارب في القدم، وهذا يناقض فكرة تشكل الشعوب والإثنيات ومفهوم الارتباط بوطن؛ اخترعوا "الأصل الواحد الضارب في القدم ذي الجوهر الإثني الصلب والراسخ ولا يتغير على مر التاريخ". اما الموضوعة الثانية التي ركز عليها الباحث فتتلخص في دحض المنفي القسري لليهود عن "أرض الميعاد". اليهود المنتشرون منذ العصور القديمة في أكثر من صقع معظمهم ينتسب لإثتيات عرقية بعيدة عن الإسرائيليين الأوائل، اعتنقوا اليهودية واستثمرتهم الصهيونية في مغامرتها الامبريالية في الشرق الأوسط.

كشف الباحث الزيف المتضمن في  مفهوم "القومية اليهودية"، وبين أن الفكرة، كما دخلت في الثقافة الشعبية لمجتمعات الغرب، قومية "شاذة تمرد ت على نواميس العلم والتطور الطبيعي عوضت اعتلال فكرها بإرهاب معارضيها". نظرا لدرايته بعدم صمود الفكر الصهيوني للنقد الجاد يتساءل بحق، "وهل هتلر، الذي مني بهزيمة عسكرية في العام 1945 انتصر في نهاية الأمر فكريا وعقليا في الدولة اليهودية'؟" [ 43 ]؛ خرج الباحث من دراسته بخلاصة عن معالم "قومية مرتبكة.. تتخفى خلف هيئة شعب عرقي مرتجل" [34]، ولدت في ماكينة تهجين، فجاءت محيرة بصورة ممضة لمن شملتهم رعايتها قبل ضحاياها. الجزع العميق من المس بمشروعية الكيان الصهيوني في حالة معرفة أن الجمهور اليهودي المستوطن ليس وريثا مباشرا ل " بني إسرائيل" ، جاء مصحوبا بالخوف من أن تمتد هذه اللاشرعية لتقوض بصورة تامة حق دولة إسرائيل في الوجود. [310].

 وعلى غرار ساند كون أبراهام بورغ ، الرئيس الأسبق للكنيست والوكالة اليهودية ،رؤية عن مجتمع

إسرائيل، الذي يطالب نتنياهو وانصاره بتحويله الى دولة قومية خالصة لليهود، تقليدأ شبه الأصل عن مجتمع النازية الهتلرية؛ فأهاب بيهود إسرائيل من خلال عنوان كتابه الأخير،" لننتصر على هتلر" الخروج من مستنقع النازية. الليبرالية تتعرض لحملات شرسة في المجتمع الإسرائيلي، خاصة في الميدان الأكاديمي.

ومن ثم "لا تراود المؤلف أوهام بصدد طريقة استقبال الكتاب (...) "ولعل محاضرين في التوراة، مؤرخي العصر القديم والعصر الوسيط، علماء الآثار، وخاصة ’خبراء' في شئون الشعب اليهودي سيهاجمون هذا المؤلف الذي اقتحم بصورة غير شرعية حقولا بحثية ليست من اختصاصه'" [42].

، حيث استخدم الباحث الكلمة mythنلفت القراء الى أن مترحمي الكتاب اختاروا مفردة "ميثة" كمرادف التي تعني خرافة ؛ كما استعمل كلمة هيستوريوغرافيا بمعنى " التأرخة" أو عملية التاريخ، وتتكرر اللفظتان المنقولتان في سياق البحث. وفي هذه المرة أيضا يختزل الاستعراض 396 صفحة من القطع الكبير في بضع صفحات، حيث العرض لا يغني عن مطالعة الكتاب، بل هو فتح شهية لمطالعته.

في الفصل الأول من الكتاب ينطلق المؤلف من الطابع التاريخي لتطور مفاهيم "الشعب"، "الأمة"، "القومية"، المواكبة للتقدم الحضاري وذلك لدحض خرافة " شجرة أنساب متسلسلة ل ’شعب' قديم متميز، تستبعد الانفصال عن الأمة مهما نأت به الترحالات". فمنذ بدايات التاريخ المكتوب درجت العادة على إطلاق اسم شعب على " كل من أقام داخل أو على مقربة من مدن السلطة الرسمية... وحيث الحكم (آنذاك) ’هبة من الله' كان على الحكام المحافظة على درجة من الورع والهيبة إزاءهم" [50]. ولم ترسم حدود فاصلة وواضحة بين شعب وآخر إلا "مع تعاظم دور المدينة وبداية تطور وسائل مواصلات واتصال متقدمة أكثر في غربي أوروبا في القرن الخامس عشر". تحددت ضفاف الشعب باللغة [52]، واتسع نطاق الانتماء مع تطور العلاقات الاقتصادية، ليظهر المفهوم (إثنوس) "خليطا بين الخلفية الثقافية وبين ’روابط الدم'(...) الجماعة الإثنية هي في المحصلة مجموعة بشرية ذات خلفية ثقافية لغوية مشتركة، ليست دائما محدودة المعالم تماما، لكنها من النوع الذي يوفر جزءا من المواد الأولية الضرورية للبناء القومي" [53]. توضحت معالم "الشعب" كمفهوم بات قيد التداول باعتباره "مجموعة اجتماعية تعيش في حيز جغرافي محدد ولها ملامح وسمات تشير إلى قواعد وسلوكيات ثقافية دنيوية مشتركة (لهجات لغوية متقاربة، مأكولات وملابس، ألحان موسيقية شعبية وغير ذلك)." [55].

مفهوم اجتماعي تاريخي

في العصر الحديث أخذت تبرز معالم الدولة ـ الأمة، تتجسد فيها معالم الحداثة المواكبة لظهور وتطور البرجوازيات في أوروبا. "الأمة"، كما وردت في القرآن تعني مجموعة متآلفة ، ولم تتضمن المفهوم العرقي، إنما بزغت في العصر  الحديث كتعبير عن عرق. هي مفهوم حداثي لم يظهر إلا في العصر الحديث واقترن ظهوره بتجليات اقتصادية وسياسية وفكرية ـ ثقافية واجتماعية. شخّص مفكران بارزان في القرن التاسع عشر، هما آرينست رينان وجون ستيوارت ميل، الجوهر الديمقراطي في نشوء الأمة "ليس صدفة ان المؤلفيْن كانا من الليبراليين الذين نظروا بتخوف إلى ثقافة العامة، ومع ذلك قبلوا مبدئيا حكم الشعب. لم يقيض لهما وضع مؤلفات منهجية واسعة النطاق عن القومية، إذ أن القرن التاسع عشر لم يكن ناضجا لذلك" [58]. الماركسية هي التي "وجهت الأنظار الى العلاقة الوثيقة بين صعود اقتصاد السوق وتناميه وبين تبلور الدولة القومية (...) كانت الرأسمالية ، وهي أبسط أشكال السيطرة على الممتلكات ، تحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى قانون يكرس الملكية الخاصة بالإضافة إلى حاجتها بطبيعة الحال إلى قوة الدولة التي تشكل ضمانة لتطبيق هذا القانون" [59].

لكن القومية كانت بحاجة أيضا إلى فكر يبلورها وينضجها. وتعثر القومية العربية مثال على ضحالة الفكر القومي وعجزه عن تلمس الأسس الفلسفية والثقافية للقومية العربية. افتقرت الثقافة العربية التحررية إلى مثقفين يبلورون فلسفة القومية العربية وينشرون ثقافتها على الصعيد القومي. الحركات الديمقراطية التي سارعت لتحدي الممالك التقليدية سرعان ما تحولت إلى قومية. ففي إطار الدولة القومية فقط يمكن تجسيد " حكم الشعب" ... في إطار القارة الأوروبية كانت القومية تنتصر، ووصلت نضجها المكتمل عقب إقرار قانون التعليم الإلزامي وحق الاقتراع العام مع نهاية القرن التاسع عشر.

أدخلت الثقافة الحديثة رسم الخرائط، وبات ملموسا حدود الوطن الذي يلهم الأعمال الإبداعية والبطولية دفاعا عنه أو إضافة لهيبته. "برسم الخرائط وطباعتها في العصر الحديث نبعت الروح الوطنية المتأججة لدى الجماهير واستعدادها المدهش لأن تميت وتموت ليس فقط من أجل كامل الوطن المجرد، وإنما من اجل حفنة صغيرة من تراب وطنها" [68].

نشأت القوميات في أوروبا ضمن دول ذات سيادة وذابت المعازل اليهودية ، حيث اندمجوا في مجتمعات الدول الناشئة واكتسبوا حقوق المواطنة وحق المساواة. قوة القومية تضاهي الديانات التقليدية الكبرى [70].

سيطرت مع صعود القوميات الأوروبية اليهودية الإصلاحية مستلهمة أفكار التنوير وتدفع باتجاه توسيع وتعميق النزعات الديمقراطية.

ونظرا لانحصار التوجه الديمقراطي في الجزء الغربي من القارة الأوربية، فقد ظهر في أوروبا شكلان للقومية : منفتحة مندمجة "استمدت زادها من إرث النهضة وعصر التنوير، وقامت مبادئها على الفردية والليبرالية، من الناحيتين القانونية والسياسية. والطبقة الحاملة لرسالة القومية هي البرجوازية العلمانية الواثقة بنفسها" .[73]، وقومية في أوروبا الشرقية "طبعت بطابع غير عقلاني ورجعي ، وسمت بالغيبية والاحتقان القومي المنغلق" [74].

المفهوم القومي للحركة الصهيونية تمسك بمهوم منغلق لاعقلاني للقومية، وما زال يتشبث بالمفهوم. ضمن الفضاء الحداثي وأفقه الديمقراطي المفتوح على التقدم يأتي شاذا وبعيدا عن المنطق أن "تصر دولة إسرائيل على اعتبار نفسها دولة يهودية ينتمي إليها يهود العالم، رغم أن هؤلاء ليسوا مهاجرين مطاردين بل مواطنون متساوون في الحقوق في البلدان التي اختاروا بإرادتهم العيش فيها. ان التبرير لهذا المس الفظيع بأحد المبادئ الأساس التي تبنى عليها الديمقراطية المعاصرة والمحافظة على اثنوقراطية عديمة الحدود بواسطة ممارسة أشد أشكال الاضطهاد لجزء من مواطنيها ، يستند إلى الخرافة الفعالة حول وجود امة خالدة من المفروض أن تجتمع في يوم من الأيام في ’أرض وطنها'"./44

"انطوت نظرة القوميات المنغلقة على ميثات مرتكزة على أصل ضارب في القدم ذات جوهر إثني صلب وراسخ لا يتغير على مر التاريخ، وعن شجرة أنساب متسلسلة ل "شعب" قديم متميز.تستبعد الانفصال عن الأمة مهما نأت به الترحالات"[75] . في هذا المناخ ظهر مثقفون نادوا بقومية يهودية منغلقة مهدت لظهور الصهيونية.

ننتقل إلى الفصل الرابع "أقاليم الصمت"، حيث الجانب الآخر للتزوير الصهيوني. يصمت البحث الصهيوني عن حقائق ووقائع من شأنها، لو شاعت أن تنسف الرواية الإسرائيلية من أساساتها. يمسك الباحث حالة إقصاء متعمد، لتواريخ دول وهجرات تثبت دخول أجناس متعددة في الديانة اليهودية بما يحيل إلى خرافة (ميثة) مفهوم القومية اليهودية.

فقد وصل واحات الجزيرة العربية الموجودة على طريق القوافل التجارية تجار من مملكة يهودا قرر بعضهم الاستيطان في تلك المناطق.[254]؛ حمل هؤلاء التجار معهم عقيدة الإله الواحد، وتهود ت قبائل عربية في تهامة؛ ويلقي لضوء على أخبارهم المؤرخ العربي في القرن الحادي عشر، عبد الله البكري [255].

ويلقي الباحث الضوء على مملكة يهودية في اليمن "لا يعرف عنها شيئا خريجو المدارس الثانوية" في إسرائيل. "حمْيَر" كان اسما لقبيلة كبيرة تمكنت في بداية القرن الثاني قبل الميلاد من هزيمة جيرانها وأخذت تتبلور تدريجيا كمملكة قبلية. هي من العرب البائدة. "نجحت روما في إقامة علاقات معها، وكذلك الملوك الساسانيون في بلاد فارس. دعي حاكم الحميريين في الروايات العربية تبع، وهو لقب يوازي الملك أو القيصر . [256].

إن قدوم الحميريين إلى فلسطين تدل عليه مدافن الموتي المكتشفة عام 1936 في بيت شعاريم قرب حيفا. ويستدل من النقوش اليونانية على شاهد لأحد القبور يفيد أن المدفونين دعوا أبناء حمير وأنهم كانوا يهودا لأن لقب أحدهم كان (مناحم شيخ الطائفة).. أغلب الظن أنها شيدت في القرن الثالث الميلادي....وفي عام 378م شيد الملك ماليكارب بهامن أبنية وجدت عليها عبارات تقديس مثل "بقوة الرب ، رب السماء". كما وجدت عبارات مثل " إله السموات والأرض"و "رحمنن" [257].]

وتعرف العرب مملكة يهودية قامت في منطقة حمير، خلال الفترة ما بين الربع الأخير من القرن الرابع الميلادي والربع الأول من القرن السادس، وهي فترة مماثلة لمملكة الحشمونيين [259]. وسوف نقدم الحشمونيين والمكابيين مملكتان ظهرتا في اليمن وكافحت كل منهما الغزو الروماني. "بعد سنوات من هيمنة المسيحية عادت اليهودية الى الحكم في شخص ذي نواس.آخر ملوك الحميريين.خاض صراعا مريرا مع المسيحية، اضطهد وتجبر ضد نصارى نجران. وحول افعاله الشنيعة تدور الآيات القرانية قتل رأصحاب الأخدود النار ذات الوقود إذ  هم عليها شهود وما نقموا إلا أن أن يؤمنو بالله العزيز الحميد". هم جماعة نصارى نجران نكل بهم الملك ذي نواس قبل الرسالة المحمدية قرابة نصف قرن. ويقال أن القسطنطينية كلفت مملكة اثيوبيا بمحاربته، حيث تغلبت عليه؛ ولما دارت عليه الدوائر اندفع بفرسه في عرض البحر.

وبعد تشكيل دولة إسرائيل احترسوا في الكتب المدرسية من ذكر تهود تلك المنطقة، وفضل المؤرخون القفز عن هذا الفصل المزعج [261].

وفي شمال إفريقيا ظهرت كذلك مملكة عبرية أغفلها التاريخ الإسرائيلي. فأثناء التمرد المسيحاني ضد الوثنية (115 ـ 117م) ظهر ملك هليني ـ يهودي باسم لوكواس{دعاه مؤرخون آخرون أندرياس}نجح لفترة من الوقت في السيطرة على دويلة سيرنيكا المعروفة حاليا باسم برقة. وقد وصل في احتلالاته العنيفة والكاسحة حتى الاسكندرية [263]. و يقال أن الفينيقيين الأفارقة (البونيين) تحولوا إلى اليهودية.

حفظ التاريخ اسمي ترتليانوس (160ـ 230م) وأوغسطينوس (354 ـ 430) مفكريْن مسيحييْن في شمال إفريقيا [265]، أبدى الأول قلقه من قوة اليهودية في قرطاج مسقط رأسه. وله إلمام واسع بالتناخ( التوراة بلغتها الأصلية)[266]. وقدر ابن خلدون أن البرابرة هم من أصل كنعاني قدموا من سوريا واعتنقوا اليهودية؛ وفي مجال آخر يرجعهم إلى أصل حمْيَري..

ويعود ابن خلدون إلى مقاومة ملكة البربر، داهية الكاهنة، للاحتلال الإسلامي. وحدت القبائل البربرية عام 689م وألحقت هزيمة بالجيش الزاحف؛ لكن المسلمين أعادوا الكرة بعد خمس سنوات، حيث قتلت الملكة في المعركة وتوصل أبناؤها إلى اتفاق مع المسلمين [266]. ويذكر الباحث أن من البربر طارق بن زياد الذي قاد الهجوم على اسبانيا؛ وكان في صفوف جيشه عدد من اليهود. كما نقل عن فاكسلر ، الباحث الإسرائيلي في الألسنيات أنه اعتبر يهود إسبانيا من أصول عربية وبربرية. وقال أن العبرية والآرامية بدأتا فعلا الظهور في النصوص اليهودية في القرن العاشر فقط. واللغتان ليستا نتاج تطور لغوي تدرجي سابق لهذا التاريخ؛ فالمهاجرون من يهودا لم يسكنوا في إسبانيا في القرن الأول الميلادي، ولم يجلبوا معهم لغتهم الأصلية.

يأتي الباحث على اتصال اليهود بالثقافة الهلينية المتطورة وإقبال العديدين من ثم على الديانة اليهودية." لولا التعايش بين اليهودية والهلينية الذي ساهم أكثر من أي شيء آخر في تحويل عقيدة التوحيد اليهودية إلى دين ديناميكي مهود على مدى أكثر من 300 سنة، لكان عدد اليهود في العالم قد بقي إلى هذا الحد أو ذاك مثل عدد السومريين اليوم. الأمر الذي حكم بالموت نهائيا على أي تذكر لمملكة الخزر. [303].

اما مملكة الخزر التي ينتسب لها اليهود الأشكيناز الوافدون من أوروبا وأميركا فيسهب الدكتور ساند في الحديث عنها. "وعلى الرغم من عدم وجود لاهوتيين يمدحونها ويخلدونها كمؤلفي التناخ إلا أنه توجد حول تاريخها مصادر خارجية أكثر تنوعا وغنى من تلك التي توفرت حول مملكة داوود وسليمان. وغني عن الواقع أن مملكة الخزر كانت أوسع بما لا يقاس مقارنة مع أي مملكة أخرى قامت في أرض يهودا. [297].

يقول: في منتصف القرن العاشر الميلادي، العصر الذهبي اليهودي في إسبانيا أرسل حسداي بن شبروط ( 915ـ 975) وهو طبيب وسياسي ذو شأن في ديوان الخليفة عبد الرحمن الثالث في قرطبة، رسالة إلى يوسف بن أهرون ملك الخزر، بعد ما انتشر نبأ قيام امبراطورية يهودية قوية على الحدود الشرقية لأوروبا، حيث ازداد الفضول والتفاخر لدى النخب اليهودية في أوروبا. ورد ملك الخزر على الرسالة، وتعددت نسخ الرسالة الجوابية. فصّل الملك بأسلوب قصصي ممتع عملية تهويد الخزريين وعدّد أسباب تفضيل يهودية آبائه على الديانتين التوحيديتين الأخريين[276]. تناقل خبر المراسلات عدد من رجال الدين اليهود في العصر الوسيط ؛ وكان أبراهام هركابي من أوائل المؤرخين اليهود في روسيا؛ عين رئيس قسم الآداب اليهودية والمخطوطات اليدوية الشرقية في المكتبة العامة القيصرية . كان باحثا مثابرا، ألف كتابه " اليهود ولغة السلاف" وكتاب " قصص الرواة اليهود عن الخزر والمملكة الخزرية"، الذي لم يترجم إلى العبرية.

وكانت مراسلات حسداي ـ يوسف قد اكتشفت في المكتبة . وشجعت السلطة السوفييتية في بداية عهدها البحوث في مسألة يهود الخزر. كتب يهود عديدون عن المملكة اليهودية الخزرية ومنهم أبراهام بولاك ، الذي أخذ عنه دينور (مؤرخ وأول وزير تربية في إسرائيل). عين بولاك رئيسا لقسم الشرق الأوسط بجامعة تل أبيب في خمسينات القرن الماضي؛ ونشر عدة مؤلفات عن العالم العربي. ومنذ ذلك الحين لم يصدر كتاب واحد عن تاريخ الخزر. [298].

وفي عام 1954 نشر دوغلاس دونلوب وهو باحث بريطاني بحثا معمقا عن دولة الخزر دون أن يذكر شيئا عن مصيرها وكيف انهارت [243].

وفي سبعينات القرن الماضي نشر كوستلر كتابا عن الدولة وقال فيه : " الأغلبية الكبرى من اليهود في العالم كله هم من اًصل أوروبي شرقي ، ولعلهم بالدرجة الأولى من أصل خزري . وإذا كان الأمر كذلك فهذا يعني أن أجدادهم لم يجيئوا من الأردن ، بل من نهر الفولغا. اجل لم يجيئوا من أرض كنعان بل من القوقاز التي اعتقد فيما مضى أنها مهد الجنس الآري.

في الفصل الثاني "الميثو تاريخ" يكشف ساند كيف استعانت الصهيونية وحكومات إسرائيل بعناصر دينية معجونة بالخرافة بديلا لمعطيات التنوير والعقلانية. راحوا يلملون سقط الفكر ويلتقطون زوان المعرفة لينسجوا منها تاريخ "الأصل الواحد الضارب في القدم ذي الجوهر الإثني الصلب والراسخ ولا يتغير على مر التاريخ". يلاحظ الباحث أنه لم يسجل عبر العصور القديمة والوسطى تاريخ لليهود بأيدي يهود. "من ناحية عملية ظل كتاب التوراة الكتاب الأبرز لدى القرائين في الماضي البعيد ولدى البروتستنت حتى بداية العصر الحديث. أما التناخ فكان بالنسبة لمعظم اليهود على مدار سنوات بمنزلة الكتب المقدسة الإلهية التي لم تكن قابلة للإدراك تماما من ناحية روحية ، بالضبط مثلما أن الأرض المقدسة لم تكن تقريبا في مخيلهم الديني جزءا واقعيا وحقيقيا من فضاءات الحياة على وجه الأرض. [109].

اكتُفي بأسفار التوراة ، حيث اقتصرت التوراة على اليهود فقط، إلى أن جاءت مرحلة الإصلاح الديني، حيث "أضفى البروتستنت على العهد القديم هيبة وقيمة إضافيتين تعاظمتا بشكل خاص لدى الكنيسة الأنغليكانية والمنشقين عنها" [99]. سيطر على المثقفين اليهود اتجاهان متناقضان: رغبة في الاندماج وأخرى في الاحتفاظ بالخصوصية الثقافية وقوامها الميثولوجيا. شرع المؤرخون اليهود في العصر الحديث يتناولون التاريخ اليهودي من حقب متأخرة.

في العام 1820 ظهر الجزء الأول من كتاب المؤرخ الألماني اليهودي، إيزاك يوست (1793ـ 1860)، وأسماه "تاريخ الإيزرائيليتيم منذ أيام المكابيين وحتى يومنا"، والإزرائيليتيم تسمية أطلقها على أنفسهم ألمان وفرنسيون من أتباع موسى. قفز يوست من حقبة التناخ إلى فترة الحشمونيين" [100]. ومن وجهة نظر يوست ومجايله المؤرخ زونز (ليوبولد1792ـ 1886) فالتاريخ اليهودي بدأ بالعودة إلى صهيون من بابل. في تلك الفترة بدأت تنبثق اليهودية التاريخية ـ الدينية التي يكمن مصدر تبلورها الثقافي في حقبة المكوث في المنفى [102]. إلى أين عاد اليهود ومن أين أخذوا إلى النفي الأول؟ بقيت مسلمات رهينة بالفكر الاستشراقي ولم يتم التدقيق في تلك الحقبة التاريخية؛ حتى المؤرخون العرب واصلوا الأخذ بالتأويل الاستشراقي. اكتسب اليهود في بلاد فارس ثقافة متقدمة دخلت في مضمون التوراة البابلية فجاءت أكثر تقدما من التوراة الأورشليمية. وأي أورشليم ؟ فقد كان باليمن ثلاث مدن تدعى أورشالم والقدس . ومازال بعضها يحمل الاسم حتى الوقت الحاضر. 

تأثر المثقفون بالتنوير واستلهموه في إدخال إصلاحات على الديانة اليهودية[103]. ومن جهة ثانية استلهم الإزرائيليون توجه البحث في إرث الماضي . "وعلى غرار النهوض الثقافي للبحث عن الأصول لدى قوميات أوروبا، وجهت البراعم الأولى نحو القومية اليهودية ازدهارها صوب الضوء الساطع المنعكس من مملكة داوود الميثولوجية ، والذي احتفظ بقوته طوال مئات السنين في شواحن العقيدة الدينية [110]. أغلب أنصار الإصلاح في القرن التاسع عشر ومنهم أبراهام جينجر (1810ـ 1874) "أدركوا أن الكتب الدينية قد كتبت في أزمنة مختلفة على أيدي مؤلفين مختلفين ولا توجد لنصوصها ثبوتات خارجية(..)تعلم اليهود في بلاد فارس واكتسبوا من الفارسيين وجهة نظر دينية جديدة ونمط حياة. كلمة "دات" وتعني دين أصلها فارسي. في نظر يوست "ليس ثمة كيان قومي يفصل ما بين اليهود وغير اليهود. ومن حقهم أن يتمتعوا بحقوق متساوية كسائر الطوائف والمجموعات الثقافية الأخرى" [104].

نظر الفكر التنويري إلى الإنسان بأنه "لا ينطوي على الشر" لأن الشر ليس جزءا من الطبيعة البشرية؛ وبذا أسقط فكرة الخطيئة الأولى التلمودية، وبين أنها لا تستند إلى أساس محسوس. الإنسان ظاهرة سوسيولوجية والحضارة والمجتمع ليسا معطيات مقدسة بل نتاج التاريخ. "عملت الحداثة على إقصاء الحقيقة المطلقة الإلهية من مكانتها الرفيعة وانحسر تقديس الحقيقة " [99]. 

تجاوب اليهود مع التحديث وانخرطوا في الحركة العقلانية (الهكسلاة) ومعناها التنوير."الأفكار المسيحية ساعدت الإصلاحيين على تخليص التراث اليهودي من قبليته ومن تاريخيته. انفتحت الإصلاحية اليهودية على التاريخ الإنساني [67]. تطورت الحركة الإصلاحية من 1750 إلى 1880. "كان موشى مندلسون أول دعاة التنوير اليهودي؛ أنكر أن اليهودية دين سماوي بل مجموعة قوانين أخلاقية. ترجم أسفار موسى الخمسة إلى الألمانية كي يطلع عليها اليهود العاديون، وكتب تعليقا مستنيرا عن الكتاب المقدس" [ 63]؛ كما أصدر مجلة ثقافية تنشر ثمار الثقافة الإنسانية بالعبرية وطالب بمنح كل فرد حرية العقيدة ليعمل ما يشاء حسب ما يمليه عليه ضميره الأخلاقي [64]. بلغ التيار الإصلاحي أقصى مداه في قرارات مؤتمر بيتسبرغ (1885)، حيث قرر أن الكتاب المقدس ليس من صنع الله ، بل هو وثيقة من صنع الإنسان. وتضمنت فكرة الإصلاح استبعاد العناصر القومية من الدين اليهودي، التي تؤكد انعزال اليهود.

ركزت الإصلاحية على الجوهر الأخلاقي للتلمود. نادى ابراهام جينجر بحذف كل العبارات التي تشير إلى خصوصية الشعب اليهودي من الطقوس والعقائد والأخلاق والأدب؛ رفض الإصلاحيون فكرة عودة المشيح، وأحلوا بدلها فكرة العصر المشيحاني، حيث يحل فيه السلام والكمال. سيأتي العصر المشيحاني من خلال التقدم العلمي والحضاري وسيؤدي إلى خلاص الجنس البشري كله [66]. يلاحظ هنا تأثير المسيحية بروحها الإنسانية. اعتقد هولدهايم أن الدين أداة أبدعها الإنسان من أجل تطوير المجتمع البشري؛ وهو كأي أداة لابد أن يواكب التطور ، وأن يعدل من آونة لأخرى. كانت تقاليد اليهودية ولاهوتها ملائمة للماضي ؛ لكنها فقدت صلتها بالواقع الراهن، ولا بد من تطويرها [ 65]

بعد ذلك انتكست أفكار الإصلاحية الدينية وانزوت في عتمة الغياب. والغريب أن البروفيسور شلومو ساند يغيب تماما أثر بروز المرحلة الامبريالية، حيث أخذت تنتشر المسيحية الأصولية المتمحورة حول عودة اليهود إلى أرض الآباء وإقامة دولة اليهود وبناء الهيكل كمقدمة محتومة لعودة المسيح. ضمنت الامبريالية البازغة في أوروبا انتصار الاتجاه المنغلق للقومية في أرجاء أوروبا الغربية، ولم تعد العقلانية تحظى بالتمجيد. توطدت المصالح المتعلقة بالخرافة. فقد أسدت خرافات التناخ حول الأصل العريق لشعب المعجزات، الذي قدم من الصحراء واحتل بلادا واسعة وبنى لنفسه مملكة عظيمة.."أسدت خدمة عظيمة ومخلصة لصعود القومية اليهودية والمشروع الاستيطاني الصهيوني" [164]. ظهر هنريخ غريتس مؤرخا من المعيار القومي المنغلق. سمى غريتس كتابه الأول "استيطان إسرائيل في البلاد وبداية تحوله إلى شعب" ركز على الرواية التناخية مبرزا الأعمال البطولية والقوة العسكرية والسيادة الرسمية وبالأساس القوة والمناعة الأخلاقية في فترة طفولة الأمة اليهودية. وجاء هيس مؤرخا يهوديا بعد غريتس. رأى هيس أن استمرارية "الأمة اليهودية" كامن في عقيدتها [115]. فلماذا أغفل ساند بدء حقبة التوسع الكولنيالي وفكرها الاستشراقي؟!

احتدم الصراع في تلك الحقبة بين الاتجاهين: في عام 1882 عالج باحث التناخ المعروف يوليوس ولهاوزن في مؤلفه "مقدمة لتاريخ إسرائيل" تراكيب قرابة مائة عام من النقد الذي حاول حل لغز مواعيد الكتابة المختلفة لسفر الأسفار. فمن خلال تحليل فيلولوجي بارع بدا يشكك في جزء من قصص التناخ كتبت بعد مرور زمن طويل على الأحداث الموصوفة فيه. فصيرورة الديانة اليهودية كانت، حسب رأيه،عملية متدرجة وتطورية، وأن كل جزء من الأجزاء الخمسة يعبر عن مواعيد فترات مختلفة[124]. 

هوجمت أفكار ويلهاوزن من قبل غريتس والقوميين اليهود . وكان ما أغاظهم قول المؤرخ أن التناخ كتب بعد العودة من السبي الأول، بمعنى أن مصدر إعادة كتابة التاريخ اليهودي القديم لا يكمن في ثقافة "شعب عظيم مفعم بالقوة والشموخ"؛ وإنما في طائفة صغيرة عادت من بابل..

أزعج اكتشاف أن اليهود غادروا مصر إبان سيطرة الفراعنة على فلسطين؛ فكيف إذن تمرد العبيد على المملكة وغادروها ليحتلوا أرض كنعان بالقوة؟ [130]. 

في فلسطين برز يتسحق باعر أول مؤرخ يهودي فلسطيني استبعد النصوص التناخية التي تصف بدايات الأمة ـ فترة الآباء وفترة جبل الصحراء. وقال أن الوصف المثالي لليهود يتحلقون في الصحراء حول "خيمة الاجتماع" وسحابة الله التي تسير أمام المخيم لا يمكن أن تكون حقيقة. وبرز المؤرخ دينور أول وزير تربية في حكومة بن غوريون. ويمكن القول أن المؤرخ دينور جعل من الكتاب المقدس بعد أن جرده من الميتافيزيقيا الإيمانية ،بمثابة عقيدة قومية صرف. [145] أخضع اللاهوت بأكمله لعملية غربلة؛ فيما استبدل كلام الله الذي يرد في كل صفحة تقريبا من صفحات التناخ ببعض المصادر غير التاريخية التي ورد ذكرها.

شارك دينور في منتدى الآثار الذي اعتاد بن غوريون الالتقاء به في بيته. استخدم بن غوريون بذكاء الكتاب المقدس كتابا علمانيا ـ قوميا يشكل منهلا مركزيا لتصاوير ماضوية جماعية ويساهم في تحويل مئات ألوف المهاجرين الجدد إلى شعب موحد متكاتف ويربط الأجيال الشابة بالأرض. لم يكن صدفة أن تتمركز النقاشات الصاخبة حول سفر يوشع . شارك بن غوريون في اجتماعات علنية حول التناخ وساهم في مبادرة لمسابقة حوله تحولت إلى مهرجان قومي إعلامي. كما شجع زخم الحفريات الأثرية [147]. ركز بن غوريون على إبادة يهوشع للعمالقة في أرض كنعان.

"إن هذا يدل على مركزية ’ الميثة التاريخية' التناخية في الهندسة الإيديولوجية الصهيونية. فلو تأملنا كتاباته ’ تأملات في التناخ' فلسوف نندهش من أسلوبه الكتابي المرن الذي يتراوح بين البراغماتية السياسية المراوغة وبين الإيمان الصادق والخاص في ’الحقيقة' الماضوية. وصرح مرارا وتكرارا بأن سفر الأسفار هو هوية الشعب اليهودي وهو البرهان لصك الانتداب على ’أرض إسرائيل'".[148] 

وفي نظر موشيه دايان فالتناخ يشكل التبرير الأسمى للتواجد والاستيطان اليهودي في العصر الحديث. ومن هنا فإن كل معركة إن هي إلا صدى لأفعال قديمة. وينتهي الكتاب إلى التعبير عن تعطش مكشوف لأن تكون إسرائيل مشابهة لمملكة داود، القوية، والعيش في أرض إسرائيل واحدة تمتد من النهر إلى البحر، ومن صحراء سيناء وحتى الحرمون ( جبل الشيخ) [152]. 

في العام 1964 أصدر عالم الآثار البروفيسور أهروني أطلس كارتا لحقبة التناخ. رسم بدقة متناهية تحركات الشخصيات المركزية في التناخ: ترحال إبراهيم وترحال يعقوب وخروج مصر، تسلل الجواسيس إلى أرض كنعان، تقاذف "تابوت العهد"، تحركات جيش داوود، طرق تجارة مملكة سليمان،مع المكتشفات الأثرية غير التناخية لترسم تواصلا كرونولوجيا مدهشا. ولعله ليس غريبا أن يكون أهروني من أوائل الموقعين على أرض إسرائيل الكبرى، بعد حرب حزيران. [155]

غير أن الفرحة الغامرة لدى أهروني وزملائه بدأت تذوي مع تقدم البحث. تمردت بعض المكتشفات الأثرية على النص المقدس، غير أن علماء الآثار قاموا جريا على عادتهم، بحل المشاكل بطريقة تبريرية محكمة استنطقوا فيها المعطيات الصماء كما يحلو لهم ولاءموها كي تتناغم مع الأصوات المتنفذة القادمة من التناخ [155]. ففي مناطق الجبل المركزي جبل منشيه وجبل أفرايم وفي محيط القدس وجبال يهودا اكتشفت معطيات أكدت بعض المخاوف والظنون،التي تولدت في السابق إثر حفريات جرت في مواقع سابقة[156]... 

أخذ علم الآثار التناخي يشهد انحسارا متزايدا في مكانته المهيمنة. وظهر اتجاه نقدي أكثر انفتاحا في الساحة الإسرائيلية العامة، وهو ما دفع بعض الباحثين عن الآثار أيضا إلى إسماع صوتهم الأجش علنا. فلغاية ذلك الوقت كانت حناجرهم مليئة بالتراب القومي المقدس [157]. 

باحثون غير إسرائيليين، وعلى رأسهم الفرنسي الجريء توماس تومبسون،أدركوا في مرحلة مبكرة جدا انعدام المنطق في هذه التأرخة المربكة. والكثير من الأسماء في سفر التكوين ظهرت في القرنين السادس والخامس. ومن المؤكد أن كتبة هذا السفر عرفوا بابل وآشور اللتين أقيمتا بعد "العليا" المقدرة في القرن العشرين قبل الميلاد بفترة طويلة [159]. 

"ولحسن الحظ لم تجد ميثة الاستيطان الدموية، والتي وصفت بحيوية صارخة في سفر يوشع كواحدة من عمليات الإبادة الجماعية الأولى في التاريخ، وعلى غرارها يبررون جرائم الإبادة للفلسطينيين.. ثبت ان لا أساس لها من الصحة. وهكذا فإن احتلال أرض كنعان المعروف كان الميثة التالية التي هزمت تماما بواسطة معارك علم الآثار الحديث"[160].

الحفريات الأثرية التي جرت في القدس في سبعينات القرن العشرين، أي بعد قيام حكومة إسرائيل توحيدها "إلى الأبد" كانت مربكة للخيال الماضوي الفخور. لم يتم العثور في سائر المواقع المدشنة حول الأقصى بقايا أو آثار تدل على وجود مملكة مهمة في القرن العاشر قبل الميلاد. وهو العصر المقدر لحكم داوود وسليمان. لم يكتشف أي شاهد على بناء عظيم؛ ولم يكن هناك أسوار ولا قصور فخمة[161]. الحفريات الحديثة التي جرت في أريحا عاي وحشبون، تلك المدن "الحصينة" و"القوية" التي قيل إن بني إسرائيل احتلوها وسط نفخ الأبواق وإطلاق صيحات النصر أكدت مجددا معطيات معروفة:

في نهاية القرن الثالث عشر ق.م كانت أريحا قرية صغيرة بائسة وبالقطع غير محصنة بالأسوار. 

"التناخ بدأ نصا أملاه الرب على موسى، ثم صار تحت النقد كتابات سجلت في أزمنة مختلفة وأخيرا فسر بأنه من خلفية فارسية أو حتى هلينية؛ ولكن من المشكوك فيه أن تقيض لنا معرفة أكيدة لأزمنة الكتابة ولهوية أولئك الكتاب المجهولين"[165].