2018-05-14

على هامش الذكرى السبعين لنكبة شعبنا الفلسطيني

من القومية العربية الجامعة إلى الوطنية الفلسطينية القطرية

د. ماهر الشريف

سأتصدى، في ورقتي هذه*، لإشكالية علاقة التفاعل المتبادل بين البعدين الوطني والقومي في النضال الفلسطيني، وهي إشكالية رافقت القضية الفلسطينية منذ نشوئها وإلى اليوم.

بيد أنني أود، قبل أن أطرح افتراضي، أن أتوقف عند الملاحظة الآتية:

يُلاحظ  أن الصراع  مع الصهيونية لم يدفع الفلسطينيين إلى أن يجعلوا من التاريخ سلاحاً من أسلحة المواجهة المتواصلة منذ أكثر من قرن فحسب، بل فرض كذلك أحياناً على كتاباتهم التاريخية موضوعاتها ومحاور بحثها، بحيث أصبحت هذه الكتابات أسيرة الرد على الرواية الصهيونية.

فالمؤرخون الفلسطينيون الذين تصدوا لدراسة التاريخ القديم فرضت عليهم "المدرسة التوراتية"، التي عادت إلى التاريخ القديم لتبرير مشروعية الفكرة الصهيونية الحديثة بإقامة دولة يهودية في فلسطين، محاور بحثهم، بحيث عادوا بدورهم إلى التاريخ القديم للبحث فيه عن حجج  تزكّي الرواية الفلسطينية وتؤيد مشروعية الحقوق الوطنية  الفلسطينية على أرض دار حول قضيتها صراع  حديث لم ينطلق سوى في بدايات القرن العشرين فقط (1). ومن ناحية أخرى، فإن بعض المؤرخين الفلسطينيين الذين تصدوا لدراسة العهد العثماني، حاول، على الرغم من غياب وحدة سياسية وإدارية موحدة باسم فلسطين في ذلك العهد، إرجاع تشكّل الوعي الوطني بين السكان الفلسطينيين إلى القرن التاسع عشر، وربطه بـ "محاولات ومشاريع التوحيد الإداري للمناطق الفلسطينية، وخصوصاً حول منطقة القدس"، كي يرد ضمناً على الزعم الصهيوني بأن وعي الفلسطينيين بكيانهم الوطني لم يكن سوى مجرد رد فعل على مشروع "الوطن القومي" الصهيوني (2).

إنني أرى، من جانبي، أن الحديث عن بروز كيان فلسطيني خاص وشعور بالانتماء إليه، منذ القرن التاسع عشر، فيه شيء من المبالغة، على اعتبار أن بروز الوعي الوطني الحديث لا يتوقف على محاولات التوحيد الإداري لمناطق متنوعة فحسب –وهي محاولات ظلت جزئية وغير حاسمة، قبل مطلع عشرينيات القرن العشرين، في الحالة الفلسطينية- بل يتوقف أيضاً، وفي المقام الأول، على نشوء فئة اجتماعية جديدة تتبنى الفكرة الوطنية الحديثة وتبلور الوعي بها وتشيعه خارج صفوفها، من خلال وسائل وأدوات حديثة. وبكلمات أخرى، لا أعتقد أن في الإمكان الحديث عن وعي وطني حديث قبل انفصال حقل العلم عن حقل الدين، وبروز التعليم الحديث، وتوفر فرصة الاحتكاك بالأفكار الأوروبية، ونشوء أنتلجنسيا حديثة، وظهور الطباعة وانتشار الصحافة. وهي كلها أمور لا يمكن الحديث عنها قبل نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين.

بعد هذه الملاحظة، أقول إن ورقتي تنطلق من التمييز بين الهوية التي هي نتاج سيروة طويلة من التشكّل تنبع من خصائص المكان والأصل والعادات، وبين الوعي الوطني الذي هو بدوره نتاج سيرورة من التطور تتكلل بالوعي بالانتماء إلى كيان سياسي وإداري محدد المعالم. أما الافتراض الذي ستقوم عليه، فهو افتراض مركّب يزعم أولاً  أن سكان المناطق التي ستتشكّل منها فلسطين الانتدابية كانوا جزءاً لا يتجزأ من سكان المنطقة المعروفة بـ "بلاد الشام"، الذين راحت  تبرز مظاهر يقظتهم  القومية  منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر؛ ويزعم، ثانياً، أن  تطبع  الشعور القومي العربي في هذه المناطق بطابع  "وطني" متميّز، جراء  تنامي مخاطر الهجرة والاستيطان اليهوديين، لم يحل دون استمرار ارتباط الحركة العربية في فلسطين، التي اتخذت بعد الحرب العالمية الأولى شكل الجمعيات الإسلامية - المسيحية، بالحركة القومية العربية الجامعة التي جعلت من دمشق مركزاً لها، وجسّدت طموح العرب في المشرق العربي إلى التحرر والتوحد؛ ويزعم، ثالثاً، أن ظروف التجزئة الاستعمارية التي فُرضت على المشرق العربي، عبر نظام الانتدابات، هي التي خلقت شروط قيام حركة عربية في فلسطين بات لها برنامجها الوطني الخاص.

العرب الفلسطينيون يساهمون في الحركة القومية العربية الناشئة

تعود  بدايات اليقظة القومية في المشرق العربي إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وذلك بتأثير النزعات والأفكار القومية الأوروبية، التي انتشرت في الولايات العربية، التي كانت تخضع للحكم العثماني، عن طريق المدارس التبشيرية والأهلية  والطلبة العرب الذين أتيحت لهم فرصة الدراسة في أوروبا، وعن طريق الترجمة وانتشار المكتبات والمطابع الحديثة. وقد طاولت هذه اليقظة القومية سكان المناطق التي تشكّلت منها  فلسطين الانتدابية عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، إذ إن  خطوط التقسيمات الإدارية العثمانية في المشرق العربي "لم تشكّل قط حدوداً لكيانات سياسية قطرية تتمايز فيما بينها من حيث الهوية والانتماء"، واستتباعاً لذلك كان الحراك العربي "الهادف إلى إعادة ترتيب صيغة العلاقات التركية-العربية ... متصفاً بأفق قومي عابر للخطوط الإدارية  العثمانية". وكان الفلسطينيون، في هذا الحراك، "جزءاً عضوياً منه من حيث الأهداف وإيقاع الحركة والوسائل" (3).

لقد شهدت تلك الفترة نشوء فئة من الأنتلجنسيا الفلسطينية، بات لها دور فاعل في جميع التيارات السياسية، الإصلاحية والقومية، التي ظهرت بين عرب بلاد الشام، إذ شارك كلٌ من شكري الحسيني وجميل الحسيني من القدس في تشكيل "جمعية الإخاء العربي العثماني"، في أيلول/سبتمبر 1908، ثم كان جميل الحسيني، بعد صدور قرار حل  هذه الجمعية، من المشاركين في تأسيس "المنتدى الأدبي" في صيف 1909. وكان علي النشاشيبي من القدس من مؤسسي "الجمعية القحطانية" سنة 1909، وشارك كلٌ من عوني عبد الهادي، ورفيق التميمي ورشدي الشوا في سنة 1909 في تأسيس "جمعية العربية الفتاة" التي تشكلّت أول هيئة إدارية لها في سنة 1911، وضمت 21 عربياً من فلسطين من مجموع أعضائها المئتين. كما كان كلٌ من سليم عبد الهادي من نابلس، وحافظ السعيد من يافا، وعلي النشاشيبي من القدس من الأعضاء البارزين في "حزب اللامركزية الإدارية العثماني" الذي أنشئ في القاهرة في سنة 1912. وكان عدد من الفلسطينيين، ومنهم  سليم الأحمد عبد الهادي معتمد "اللامركزية" في جنين، من بين القوميين العرب الذين أعدموا في آب/أغسطس 1915 على يد حاكم بلاد الشام والحجاز جمال باشا، كما  كان أحمد عارف الحسيني وولده مصطفى وعلي النشاشيبي ومحمد الشنطي، من بين القوميين العرب الذين أعدموا، في السادس من أيار/مايو 1916 (4) .

تطبع وعي الفلسطينيين القومي بطابع "وطني" خاص

أدّى توسع الاستيطان اليهودي في فلسطين إلى تزايد مشاعر القلق لدى الفلاحين العرب واحتدام الصراع بينهم وبين المستوطنين اليهود الغرباء، الذين كانوا يجهلون اللغة العربية، ولم تكن لديهم معرفة بالعادات والتقاليد العربية، والذين راحوا يستحوذون على أخصب الأراضي ويطردون الفلاحين العرب العاملين عليها. وسُجّل أول تذمر رسمي من عرب فلسطين على الهجرة اليهودية في صيف سنة 1891، حينما أبرق جمع من زعماء القدس، في الرابع والعشرين من حزيران/يونيو، إلى الصدر الأعظم في استانبول، يطالبونه بإصدار فرمان يمنع الصهيونيين من دخول فلسطين ومن شراء الأراضي فيها. ومما ورد في تلك البرقية: "إن اليهود يستولون على كل الأراضي على حساب المسلمين، ويسيطرون على التجارة ويدخلون الأسلحة إلى البلد". وقد أشار قنصل بريطانيا في القدس، جون دكسن، إلى هذه البرقية في تقرير رفعه إلى وزارة الخارجية، وعزى فيه موقف العرب المعارض هذا " إلى ازدياد عدد المهاجرين حتى أصبح ثلثا سكان القدس يهوداً " (5).

وراح  الوعي القومي العربي، الذي عبر عنه العرب الفلسطينيون الذين شاركوا في تأسيس الأحزاب والجمعيات القومية الإصلاحية وانخرطوا في نشاطها، يتطبع بطابع "وطني" خاص، مع تزايد الشعور بالخطر الصهيوني، وخصوصاً بعد قدوم مهاجري الموجة الثانية من الهجرة اليهودية إلى فلسطين، في العقد الأول من القرن العشرين، الذين رفعوا شعاري: "احتلال الأرض" و"العمل العبري". وهذا "التمايز" الفلسطيني، الذي عبّر عن الإرهاصات الأولى لوعي وطني فلسطيني، عبرت عنه الصحف الفلسطينية، وفي مقدمها صحيفة "الكرمل"، التي صدرت في مدينة حيفا سنة 1908 لصاحبها نجيب نصار، وصحيفة "فلسطين"، التي صدرت في مدينة يافا سنة 1911 لصاحبها عيسى داود العيسى. ففي رده على الانتقادات التي وجهتها جريدة "المفيد" البيروتية إلى وجهاء القدس، لأنهم، كما زعمت، لا يتبعون مثال وجهاء بيروت ولا يركّزون جميع جهودهم على النضال من أجل الإصلاح واللامركزية، كتب نصّار في مقال نشره في أيلول/سبتمبر 1913 بعنوان: "الجامعة العربية الفلسطينية": "البيروتيون يقتصرون على مطالبة الحكومة بالإصلاح، لكنهم لا يسعون في تنظيم جامعة الأمة وحملها على إصلاح شؤونها بنفسها... ما لنا وللبيروتيين! نحن الفلسطينيين على شفا جرف، فالخطر السياسي والاجتماعي والاقتصادي يهددنا من كل صوب، والأمة التي تنازعنا البقاء في وطننا برهنت على كونها أمة حية قوية تعمل لنفسها وتعتمد على نفسها... عقلاء الشعوب أدركوا أن دعائم الحياة هي صيانة المصلحة العمومية والتضامن على إحكام ربط الجامعة القومية، فلماذا لا يقوم أبناء الأمراء والشرفاء والكبراء والمتعلمون والغيورون في فلسطين لعقد مؤتمر يفكر بتنظيم جامعة عربية فلسطينية، تهتم بإحياء التجارة وإنهاض الزراعة والتعليم؟ فلماذا لا يقوم رجال في هذا الوسط  يختارون الحياة ويعملون لها فيوجدون في فلسطين جامعة تعمل على حفظ البلاد وإحيائها، فتكون عضداً للعرب عموماً وللحكومة؟" (6).

وفي جريدة "فلسطين"، كتب أحد وجهاء القدس، الحاج راغب الخالدي، حول الموضوع نفسه، مقارناً بين أحوال أهالي دمشق وأحوال أهالي فلسطين: "ألم يأن لنا أن نفكر في مستقبل بلادنا الفلسطينية وفي حفظ الموازنة السياسية وفي تقوية عنصرنا العربي ليستطيع البقاء في هذا القطر...أنتم بني وطني لا تقاسون بأهالي دمشق. إن دمشق لم يزاحم أهلها أجنبي حتى الآن، بل إن الذين يهاجرون إليها هم من بني جلدتنا وإخواننا في التابعية، وأما أنتم، فانظروا، كيفما التفتم، هلا ترون أن سيل مهاجرة الأجنبي يكاد يغرقكم" (7).

ونجم  عن هذا الإحساس بتنامي مخاطر المشروع الصهيوني بروز جمعيات تركّز نشاطها، في المقام الأول، على مكافحة هذا المشروع. فمنذ سنة 1913، راحت تظهر جمعيات مناهضة للصهيونية في مناطق متفرقة من الدولة العثمانية، من بينها "جمعية فلسطين" في بيروت، التي تأسست على يد طلاب فلسطينيين في جامعة بيروت الأمريكية. كما صارت تبرز جمعيات للشبيبة الفلسطينية في عدد من المدن، مثل يافا وبيروت واستانبول (8). وكان النواب عن المدن الفلسطينية  في مجلس المبعوثان  قد بدأوا يثيرون قضية فلسطين منذ  سنة 1909. كما صار عدد من المثقفين الفلسطينيين الذين أتيحت لهم فرصة الاطلاع على الكتابات والنشاطات الصهيونية، خلال إقامتهم في دول أوروبا ودراستهم في جامعاتها، يحذرون، في تلك الفترة، من مخاطر المشروع الصهيوني، كما فعل يوسف الخالدي، الذي قدّر، في خريف سنة 1909، أن قيام دولة يهودية في فلسطين لا يمكن أن يتم دون اندلاع صراع دموي نتيجة المعارضة الشديدة التي سيبديها العرب لقيام هذه الدولة، مقترحاً، لحل مشكلة اليهود في أوروبا، إيجاد وطن لهم خارج فلسطين (9). كما  أعدّ روحي الخالدي، خريج جامعة السوربون الذي تأثر بالفكر السياسي الغربي وبمفكري الثورة الفرنسية قبل أن يصبح نائباً عن القدس في مجلس المبعوثان، ما بين 1909 و 1912، مقالة مطولة عن الصهيونية. وألّف محمد المحمصاني، وهو من مؤسسي " جمعية العربية الفتاة " ومن حملة شهادة الدكتوراه في الحقوق من باريس، كتاباً بعنوان: " دعاة الفكرة الصهيونية " (10).

بيد أنه لم في إمكان هذه الأنتلجنسيا الفلسطينية أن تذهب، في تلك الفترة ، إلى حد أبعد من إبراز بعد خاص "وطني" للحركة العربية في فلسطين، والتشديد على أهمية اعتمادها على نفسها في مواجهة الخطر الذي يتهدد البلاد، إذ لم تكن المعطيات القائمة، قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى، تسمح بطرح فكرة تشكيل كيان سياسي خاص، أو حتى طرح فكرة الانفصال عن الإمبراطورية العثمانية.

من الدعوة إلى الاستقلال في إطار سورية إلى الدعوة إلى تشكيل حكومة وطنية في فلسطين

على  الرغم من أن التخوف من الخطر الصهيوني أضفى على الحركة العربية في فلسطين طابعاً خاصاً، وساهم في ظهور الإرهاصات الأولى للوطنية الفلسطينية، فإن هذه الوطنية بقيت مندمجة حتى مطلع عشرينيات القرن العشرين في الحركة القومية العربية الجامعة التي جسدت طموح العرب، وخصوصاً في المشرق العربي، إلى التحرر والتوحد في إطار دولة واحدة. وعليه، فقد تبنى العرب الفلسطينيون، منذ شهر أيار/مايو 1918، علم الثورة العربية ونشيدها، وظل نشاطهم مرتبطاً بالنشاط القومي العربي العام، ولم تنفصل تعبيراتهم السياسية الأولى، التي اتخذت شكل الجمعيات الإسلامية-المسيحية، عن الحركة القومية التي جعلت مدينة دمشق مركزاً لها. وفي المؤتمر الذي عقدته هذه  الجمعيات في مدينة القدس في أواخر كانون الثاني/يناير ومطلع شباط/فبراير 1919، بمشاركة 27 مندوباً يمثلون معظم المدن الفلسطينية، واصطُلح فيما بعد على تسميته بـ " المؤتمر العربي الفلسطيني الأول "، تقرر إرسال مذكرة إلى مؤتمر الصلح  في باريس، جرى التأكيد فيها على ما يلي: "إنّا لا نعتبر فلسطين إلا جزءاً من أجزاء سوريا العربية، لم تنفصل عنها في دور من أدوارها تربطنا وإياها العلاقات القومية والدينية واللغوية والأخلاقية والاقتصادية والجغرافية"، و"إننا نريد أن تكون مقاطعتنا هذه جنوبي سوريا أي فلسطين غير منفصلة عن الحكومة السورية العربية المستقلة المرتبطة بالوحدة  العربية خارجة عن كل نفوذ أو حماية أجنبية" (11). وأعيد التأكيد، بعد أشهر، على هذا  الموقف نفسه خلال المؤتمر السوري العام الذي التأم في دمشق في 7 حزيران/يونيو 1919 بمشاركة عدد من ممثلي المدن الفلسطينية، إذ  جاء في قراراته: "إننا نطلب عدم فصل القسم الجنوبي من سوريا المعروف بفلسطين والمنطقة الساحلية الغربية التي من جملتها لبنان، ونطلب أن تكون وحدة البلاد مصونة لا تقبل التجزئة بأية حال كانت"، ونطالب بـ "الاستقلال السياسي التام الناجز"، و"رفض الانتداب"، و"نرفض مطاليب الصهيونية بأن نجعل القسم الجنوبي من البلاد السورية –أي فلسطين- وطناً قومياً للإسرائيليين، ونرفض هجرتهم إلى أي قسم من بلادنا" (12).

وصار التحذير من خطر فصل القسم الجنوبي من سورية  من أهم موضوعات صحيفة "سوريا الجنوبية"، التي كانت من أوائل الصحف التي أُنشئت  في القدس بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، إذ أنشأها في أيلول/سبتمبر 1919 المحامي محمد حسن البديري كمنبر لـ "النادي العربي"، وتسلّم  عارف العارف رئاسة تحريرها وغدت الأكثر نفوذا في فلسطين. ففي مقال نشرته في تشرين الثاني/نوفمير 1919 ورد: "نحن سكان سورية الجنوبية لا نريد تقسيما بل نريد سورية مستقلة ونحن ضد الهجرة الصهيونية"، وأكدت في مقال آخر نُشر في كانون الأول/ديسمبر 1919، أن أي اتفاق ينتهك "الجامعة العربية والوحدة السورية" سيواجه بمعارضة الشعب (13).

وفي السابع من آذار/مارس 1920، أعلن مندوبو المؤتمر السوري العام استقلال سورية بحدودها الطبيعية ورفض مزاعم الصهيونيين "في جعل فلسطين وطناً قومياُ لليهود أو محل هجرة لهم" (14). وتلا محمد عزة دروزة عضو المؤتمر عن مدينة نابلي في اليوم التالي، وأمام الجماهير المحتشدة في ساحة المرجة بدمشق، ، القرار الذي أقره المؤتمر، معلناً قيام المملكة العربية السورية على أراضي سوريا الطبيعية وتنصيب الأمير فيصل ابن الشريف حسين ملكًا عليها. ومما ورد في ذلك القرار: " نحن أعضاء ... المؤتمر السوري العام، الذي يمثل الأمة السورية العربية في مناطقها الثلاث الداخلية والساحلية والجنوبية (فلسطين)، [نعلن] بإجماع الرأي استقلال بلادنا السورية بحدودها الطبيعية، ومن ضمنها فلسطين، استقلالاً تاماً لا شائبة فيه على الأساس المدني النيابي، وحفظ حقوق الأقلية، ورفض مزاعم الصهيونيين في جعل فلسطين وطناً قومياً لليهود أو محل هجرة لهم ... وقد اخترنا سمو الأمير فيصل ابن الملك حسين، الذي واصل جهاده في سبيل تحرير البلاد وجعل الأمة ترى فيه رجلها العظيم، ملكاً دستورياً على سوريا... [كما]  نحن نطالب باستقلال القطر العراقي استقلالاً تاماً، على أن يكون بين القطرين اتحاد سياسي واقتصادي" (15).

وكرس الممثلون الفلسطينيون هذا التوجه بمشاركتهم في أجهزة الدولة العربية ومؤسساتها، التي نُصّب فيصل ملكاً عليها.

غير أن اندفاعة الحركة القومية العربية الجامعة في سورية الطبيعية ما لبثت أن توقفت بفعل عاملين مترابطين، أديا إلى انقسام هذه الحركة إلى جداول قطرية، أصبح لكل منها برنامجه الخاص. وقد  تمثّل العامل الأول في مؤتمر سان ريمو، الذي عقده الحلفاء في نيسان/أبريل 1920، وقرروا فيه وضع سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، وفلسطين والعراق تحت الانتداب البريطاني. ويبدو أن قادة "جمعية العربية الفتاة" بعد أن وصلت إليهم أخبار مؤتمر الحلفاء هذا، سارعوا، في أوائل حزيران/يونيو 1920، إلى إنشاء واجهة علنية  باسم "الجمعية العربية الفلسطينية"، وذلك  "بعد أن اعتبرت الخطط الاستعمارية الصهيونية فلسطين وحدة إقليمية تسعى هذه الخطط لفصلها عن سوريا والتصرف في مصيرها، وفقاً للمصالح الاستعمارية الصهيونية المشتركة". وتحددت مهمة هذه الجمعية في: "العمل لجمع كلمة الجمعيات الفلسطينية وتوحيد غاياتها والسعي لمقاومة الهجرة الصهيونية وإدخال فلسطين ضمن الوحدة السورية"، وكان من بين أعضاء هيئتها الإدارية المنتخبة محمد عزة دروزة، ومعين ماضي وعارف العارف (16) أما العامل الثاني، فقد تمثّل في دخول القوات الفرنسية، في 25 تموز/يوليو 1920، بقيادة الجنرال غورو إلى دمشق بعد هزيمة الجيش العربي في معركة ميسلون وقيامها بإسقاط حكومة الملك فيصل.

وفي ظروف التجزئة التي فرضت على المشرق العربي، انعقد المؤتمر العربي الفلسطيني الثالث في مدينة حيفا، في كانون الأول/ديسمبر 1920، ورفع مندوبوه  مذكرة إلى المندوب السامي البريطاني طالبوا فيها بريطانيا "بذل المبادرة إلى تأليف حكومة وطنية مسؤولة أمام مجلس نيابي ينتخب أعضاؤه الشعب المتكلم باللغة العربية القاطن في فلسطين حتى أول الحرب"، وأعربوا عن عدم رضاهم على الإدارة البريطانية لـ "اعترافها بالجمعية الصهيونية كهيئة رسمية" و"شروعها بتنفيذ المآرب الصهيونية". ولم يشر هذا المؤتمر بصورة واضحة، في قرارته، إلى الوحدة مع سورية؛ فكان ذلك المؤتمر نقطة الانطلاق الحقيقية للحركة الوطنية الفلسطينية (17).

تواصل التفاعل المتبادل  بين البعدين الوطني والقومي

على الرغم من أن أفكار الوحدة والتضامن العربي لم تغب عن الفكر السياسي الفلسطيني الذي صارت تعبّر عنه حركة وطنية في إطار وحدة إدارية وسياسية قائمة بذاتها ومستقلة عن سورية، هي فلسطين الانتدابية، فإن ظروف التجزئة الاستعمارية، شجعت  تبلور تيار أخذ يشكك صراحة في جدوى القومية العربية والوحدة العربية، رافعاً شعار "فلسطين للفلسطينيين" كما هي مصر للمصريين والعراق للعراقيين. وشدد هذا التيار، المغرق في قطريته، والذي كان من أشد أنصار التعاون مع بريطانيا، على ضرورة التعامل بواقعية مع الحقائق التي أفرزتها الحرب العالمية الأولى، التي "أقامت سدوداً قوية تحول دون العربي وأخيه في الأقطار الحجازية والمصرية والسورية والفلسطينية والعراقية واليمانية...، وهو الأمر الذي يحتم على الفلسطينيين بالتالي أن يعملوا على تحرير أنفسهم وتنظيم شؤونهم الداخلية قبل أن يفكروا في الأقطار العربية جمعاء ووحدتها". أما الدعوة إلى القومية العربية، فقد نُظر إليها بصفتها فكرة "استنبطتها أدمغة أجنبية لصرف قوى هذه الشعوب عن تنظيم أقطارها الخاصة والاهتمام بنفسها إلى التلهي بالأحلام البعيدة أو بالأحرى لشق صفوفها وتفكيك عراها وتفريق كلمتها وحمل أكثرياتها وأقلياتها على التنابذ" (18).

بيد أن فكرة الوحدة العربية عادت لتحتل موقعاً متميزاً اعتباراً من مطلع ثلاثينيات القرن العشرين، وخصوصاً مع تشكيل حزب الاستقلال العربي في آب/أغسطس 1932 اذ رأى مؤسسوه أن القضية الفسطينية تقاذفتها الرياح المختلفة والعوامل المتناقضة منذ أن "انفصلت عن القضية العربية الكبرى". وقد انعكس هذا التوجه القومي الوحدوي لحزب الاستقلال على برنامج جميع الأحزاب العربية التي تشكلت في النصف الأول من الثلاثينيات، باستثناء حزب الدفاع الوطني إلى حد ما، إذ صار يُنظر إلى القومية العربية باعتبارها رديفاً للوطنية الفلسطينية، وعاد إلى البروز من جديد شعار استقلال فلسطين في إطار الوحدة العربية، وصار ينظر إلى مشاريع المشاركة السياسية على أساس الحكم الذاتي باعتبارها "لا تنسجم مع طموح البلاد إلى الاستقلال التام والوحدة العربية"، كما ورد في بيان الحزب العربي الفلسطيني في نيسان/أبريل 1936 "تعقيباً على مشروع بريطانيا الجديد لإقامة مجلس تشريعي في فلسطين" (19). ويرى بعض الباحثين أن مطالبة الحركة الوطنية الفلسطينية بالاستقلال في إطار الوحدة العربية مثلت آنذاك "هروباً إلى أمام" لا سيما وان الأقطار العربية الأخرى كانت على أعتاب الحصول على شكل من أشكال استقلالاتها الوطنية.

خاتمة

في السنة التي انعقد فيها المؤتمر الصهيوني العالمي الأول، قام الأديب الإنكليزي يسرائيل زانغويل، المقرّب من تيودور هرتزل،  بزيارة فلسطين وتعرّف إلى حقائقها الديموغرافية. وفي سنة 1901، نشر مقالاً  في مجلة "نيو ليبرال ريفيو"، أورد فيه عبارته الشهيرة: "فلسطين بلد بلا شعب واليهود شعب بلا بلد"، وذلك بعد أن استعارها من بعض أنصار ما أُطلق عليه اسم تيار "الصهيونية المسيحية" في القرن التاسع عشر ومن بعض السياسيين البريطانيين، مثل اللورد شافتسبري ( 20).

وعنت فكرة "الأرض الخالية"، في نظر زانغويل، أن السكان القاطنين في فلسطين  هم "أشباه بدو" لا يمتلكون أي روابط، ثقافية أو قومية، تربطهم بالأرض التي يعيشون عليها، الأمر الذي يجعل من السهل رحيلهم عن هذه الأرض، أو ترحيلهم عنها. وهو ما صار يؤكد عليه، عقب صدور تصريح بلفور، إذ أشار في كتاب له بعنوان: "صوت القدس" إلى أنه: "يتوجب علينا أن نقنعهم بلطف بأن [يرحلوا نحو البادية]. أليست جزيرة العرب ومساحتها مليون ميل مربع كلها لهم؟ ليس ثمة ما يدعو العرب إلى التمسك بهذه الحفنة من الكيلومترات؛ فمن عاداتهم وأقوالهم المأثورة "طي الخيم" و"التسلل". لندعهم الآن يعطون المثل لذلك" (21).

لقد حاولت، في هذه الورقة، أن أبيّن أن العرب الذين قطنوا المناطق التي ستتشكّل منها فلسطين الانتدابية، والذين تطبعت هويتهم  منذ القدم  بطابع  هذه المناطق، صاروا يمتلكون  خصائص ثقافية وقومية  منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر مع  انطلاق  اليقظة القومية التي شهدتها  البلاد المعروفة ببلاد الشام، أو سوريا الطبيعية، بصفتهم جزءاً لا يتجزأ من سكان هذه البلاد. كما حاولت أن أبيّن، من دون أن أنكر تأثير الهجرة والاستيطان اليهوديين، أن المشروع الصهيوني لم يختلق الوطنية  الفلسطينية، بل ولدت  هذه الوطنية  في رحم القومية العربية الجامعة في بلاد الشام، ولم تستقل عن هذه القومية الجامعة سوى نتيجة التجزئة الاستعمارية للمشرق العربي، عقب الحرب العالمية الأولى، وقيام كيان سياسي وإداري واضح المعالم صار يُعرف باسم فلسطين الانتدابية.

الهوامش

* قُدمت هذه الورقة في مؤتمر: "100 عام على تصريح بلفور و 70 عاماً على قرار التقسيم"، الذي نظمته مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بالتعاون مع معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية في الجامعة الأميركية في بيروت، في 13-14 كانون الأول 2017، ونسّق أعماله د. ماهر الشريف.  

1-انظر في هذا الصدد: الحوت، بيان نويهض. فلسطين: القضية، الشعب، الحضارة. التاريخ السياسي من عهد الكنعانيين حتى القرن العشرين (1917). بيروت: دار الاستقلال للدراسات والنشر، 1991؛ شوفاني، الياس، "الموجز في تاريخ فلسطين السياسي- منذ فجر التاريخ حتى سنة  1949." بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2003 .

2- يستخلص عادل مناع، على سبيل المثال، في خاتمة كتابه: "تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني 1700-1918"، أنه على الرغم من أن فلسطين كانت، طوال العهد العثماني، بلداً مقسماً إلى ألوية إدارية متعددة، لا وحدة سياسية واحدة، فإن ذلك "لا يعني أن تاريخ هذه الألوية والأنحاء كان منفصلاً تماماً بعضه عن بعض"؛ فالحقيقة –كما يكتب- "هي أن التاريخ السياسي والاقتصادي والاجتماعي لفلسطين طغى عليه الاتصال، انسجاماً وتعاوناً أحياناً، وتنافساً وتناحراً أحياناً أخرى".

وكان بطرس أبو منّه، في تقديمه كتاب مناع الأول: "أعلام فلسطين في أواخر العهد العثماني (1800-1918)، قد توقف مطولاً عند هذه المسألة، إذ قدّر أنه نتيجة التحولات الإدارية والسياسية، التي طرأت بعد سنة 1841، "بدأت تظهر في [فلسطين] صورة لكيان منفرد كانت القدس مركزاً إدارياً له"، معتبراً أن قيام الباب العالي بفصل متصرفية القدس عن ولاية سوريا ساعد "في تبلور فكرة كيان فلسطيني خاص".

انظر: مناع، عادل. تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني 1700--1918 (قراءة جديدة). ط 2. بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2003 ، ص 273 ؛ أعلام فلسطين في أواخر العهد العثماني (1800-1918). ط 2.  بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1995، ص 4-5 .

3- سخنيني، عصام. فلسطين والفلسطينيون: صيروة تكوين الاسم والوطن والشعب والهوية. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2003، ص 173-174.

4- قاسمية، خيرية. الحياة الفكرية في فلسطين أواخر العهد العثماني. بيروت: الرواد للنشر والتوزيع، 1994، ص 113-132؛ عوض، عبد العزيز محمد. مقدمة في تاريخ فلسطين الحديث 1831-1914. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1983،  ص 117- 124؛ الحوت، بيان نويهض. القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 1917-1948. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1981، ص 27-40 و ص 84-51.

5- صايغ، أنيس. الهاشميون وقضية فلسطين. صيدا-بيروت: منشورات جريدة المحرر والمكتبة العصرية، 1966، ص 44 .

6- نصّار، نجيب. "الجامعة العربية الفلسطينية"، الكرمل (حيفا: العدد 336، 19 أيلول 1913، ص 1).

7-الخالدي، الحاج راغب أفندي. "الإصلاح الحقيقي"، فلسطين ( يافا: العدد 226، 2/4/1913، ص 1).

8-عوض، مقدمة في تاريخ فلسطين الحديث 1831-1914، المصدر المذكور، ص 126-128.

9- الأهرام (القاهرة: 7 أكتوبر 1909)؛ نقلاً عن الكيالي، عبد الوهاب. تاريخ فلسطين الحديث. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1970، ص 50 .

10--  الحوت، القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 1917-1948، المصدر المذكور، ص 41 .

11- المصدر نفسه،  ص 96-97.

12- الريماوي، سهيلة. الحكم الحزبي في سوريا أيام العهد الفيصلي 1918-1920. عمان: دار مجدلاوي للنشر والتوزيع، 1998، ص 114-121.

13- Khalidi, Rashid. L’identité  palestinienne la construction d’une conscience nationale modern. Traduit de l’anglais par Joëlle Marelli. Paris: éditions La fabrique, 2003, p.247-253.

14 - العاصمة (دمشق: العدد 108، 11 آذار 1920، ص 1-2).

15- العاصمة (العدد 108، 11 آذار 1920، ص 1-2)؛ شهرستان، ماري ألماظ. المؤتمر السوري العام 1991-1920. بيروت: دار أمواج، 2000، ص 100-103.

16- الريماوي، سهيلة. جمعية العربية الفتاة السرية: دراسة وثائقية 1909-1918. عمان: دار مجدلاوي للنشر والتوزيع، 1988، ص 114-115.

17- غنيم، عادل حسن. الحركة الوطنية الفلسطينية من 1917 إلى 1936. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1974، ص 80-81؛ الحوت، القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 1917-1948، المصدر المذكور، 139-141.

18- فلسطين (المصدر المذكور، العدد 1037، والعدد 1039، كانون الأول 1927)؛ في: محافظة، علي. "الفكر السياسي الفلسطيني قبل عام 1948". الموسوعة الفلسطينية ( بيروت: القسم الثاني، المجلد الثالث، 1990، ص 559-560 ).

19- الكيالي، تاريخ فلسطين الحديث، المصدر المذكور، ص 300-301 .

20-Muir, Diana. “A Land without a People for a People without a Land”. Middle East Quarterly, vol XV -2, Printemps 2008, pp. 55-62; Laurens, Henry. La Question de Palestine, tome premier 1799-1922. L invention de  la Terre Sainte. Paris: Fayard, 1999, p. 184.

21- مصالحه، نور الدين. طرد الفلسطينيين: مفهوم "الترانسفير" في الفكر والتخطيط الصهيونيين 1882-1948. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1992، ص 13.