2018-05-02

"كيث واينلام" في كتابه اختلاق إسرائيل القديمة.. إسكات التاريخ الفلسطيني

سعيد مضيه

لأول مرة يصدر تشكيك رسمي عربي في الرواية الإسرائيلية التي استأثرت بتاريخ فلسطين والمنطقة ما بين النيل والفرات؛ فقد أشار الرئيس الفلسطيني، محمود عباس الى كتاب آرثور كوستلر "القبيلة الثالثة عشر" الصادر عام 1977، وهو العام الي تسلم فيه ميناحيم بيغن الحكم في إسرائيل وعهد الى الوزير اريك شارون إعداد برنامج استيطاني يجعل من المستحيل إقامة دولة فلسطينية غربي النهر.هوجم كوستلر الصهيوني وصودر كتابه من المكتبات ولم يعد في الغرب من يتجاسر على ذكر اسم الكتاب.

الصهاينة - الديمقراطيون جدا وبناة الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط بين دول استبدادية-  لا يقبلون الرأي الآخر ولو صدر مبنيا على الأبحاث العلمية،  ولا يعرفون الحوار الفكري ويهاجمون بشراسة كل رأي يناقض ادعاءم بتملك فلسطين كاملة، بل إن إسرائيل تمنع ذكر دولة الخزر التي نشأت في القرن العاشر الميلادي في جنوب روسيا، ودمرها هولاكو أثناء زحفه على المنطقة أثناء الحروب الصليبية؛ كما يغفلون  دولة اليهود في اليمن، يقاومون بضراوة أي ذكر ليهود اعتنقوا اليهودية من غير نسل إسرائيل الضارب في التاريخ والمتطلع دوما للعودة مهما نأت به الترحالات حسب مزاعمهم.لا تقبل الصهيونية تاريخا لفلسطين والمنطقة غير تاريخ امبراطورية داوود وسليمان الممتدة ما بين النيل والفرات. تعتبرر الصهيونية والمستشرقون من قبلها أن تاريخ فلسطين تجمد طوال مرحلة غياب اليهود " القسرية" عن فلسطين. بمعنى أن اليهود هجروا قسرا من فلسطين وبقي حنينهم يحثهم على العودة.

حتى الآن لم تتطرق السياسة  الفلسطينية والثقافة الفلسطينية الى كتاب آخر من تأليف كيث وايتلام عالم تاريخ الشرق الأوسط القديم و صدر العام1996، والذي يقوض الرواية الصهيونية حول قيام دولة يهودية قديمة في فلسطين. عنوان الكتاب "اختلاق إسرائيل القديمة شطب التاريخ الفلسطيني"، وفيه يفند الكاتب غزير المعرفة واسع الاطلاع مقولتي وطن الآباء وأرض الميعاد التي فبركها المستشرقون تمهيدا لسلب فلسطين من محيطها العربي. في هذا الكتاب يقول وايتلام ان التوراة، كما ترجمت الى اللغات الحديثة، استلهمت مخطط إقامة دولة إسرائيل في العصر الحديث وليس العكس. لم يستلهم مشروع الدولة المعاصرة تاريخا قديما ولم يأت اليهود إلى وطن الآباء، إنما هم مجرد مستوطنون على غرار المستوطنين الأوروبيين في الولايات المتحدة الأميركية. أيد وايتلام استنتاجات الباحثين الأركيولوجيين خلال الثلث الأخير من القرن الماضي بأن التوراة ليست كتاب تاريخ وانها مدونات لأساطير تم تناقلها شفاهة حتى القرن الخامس او السادس قبل الميلاد ، دونها عدد من الكتاب في فترات متباعدة فجاءت بصبغ متعددة. اما الصهيونية فهي فكرة استدعتها الاطماع الامبريالية الأوروبية لاستعمار  منطقة الشرق الأوسط من خلال تثبيت مركز خاص أو قلعة امامية للحضارة الأوروبية وسط الهمجية الآسيوية، كما قال هيرتزل مؤسس الحركة الصهيونية. من بعده تعهد الصهاينة بالحفاظ على قناة السويس مقابل دعم الغرب لمشروع الصهيونية في فلسطين. 

لم تكن الدراسات الاستشراقية موضوعية، إذ لم تنزه عن الغرض، و لدى الترجمة عن السريانية واليونانية القديمة الى اللغات الحديثة أُّوّلت نصوص توراتية وأسماء مواقع كي تطابق أسماء داخل فضاء فلسطين.

استلهمت الدراسات التوراتية الفكر الاستشراقي، فتجلت مجالا التقت فيه وتآلفت السياسة البريطانية التهويدية في فلسطين مع التوجهات الأمريكية لدراسة آثار فلسطين، بل وشكلت الأساس القانوني والمادي لها. برز في بداية عهد الانتداب البريطاني على فلسطين مؤرخ من المدرسة الأميركية للآثار، يتبع طائفة المسيحيين الأصوليين ممن يساندون الصهيونية، هو الأميركي"وليام فوكسويل اولبرايت""*. رافق جيش الاحتلال البريطاني وشرع في تنقيباته حول القدس وجنوبي الخليل. هيمن البرايت على الدراسات التوراتية حتى ثمانينات القرن الماضي وعبأت كتاباته الوعي الغربي بصدد فلسطين وأثرت على عدد كبير من المؤرخين.

ترجع أصول علم الآثار الحديثة إلى فترة تدخل نابليون في مصر، وتواصلت مؤامرة دولية، حيث أن "التاريخ التوراتي والكشف عن الكنوز الأثرية في المنطقة قد استخدمتها القوى الغربية لمصلحتها في صراعها من أجل الهيمنة السياسية وإضفاء الشرعية على طموحاتها الاستعمارية... استملاك الماضي هو جزء من سياسة الحاضر . ويمكن تطبيق هذا المبدأ على جميع دول المعمورة[كيث وايتلام : 39].

ربط أولبرايت – على غرار الفكر الاستشراقي وأتباع المسيحية الأصولية - التاريخ بذنب اللاهوت ووضع حركة التاريخ خارج إرادة البشر. تاريخ تطور الديانة اليهودية من موسى حتى عيسى ـ حسب مفهوم أولبرايت ـ إنما هو درب الصعود للوقوف " في ذروة التطور البيولوجي تماما مثل تطور الجنس البشري".

إن ذروة التقدم البشري ومنجزات الأمم المتحضرة كانت قمة العقيدة اليهودية الإسرائيلية والإسرائيلية ذاتها، ومن خلال أبحاث أولبرايت كان "المجتمع الغربي يعود إلى جذوره. ليس ذلك مصادفة عشوائية؛ لأن التاريخ يقع في مضمار الوحي الإلهي. التاريخ برمته ملك لعلم اللاهوت، وليس التاريخ الإسرائيلي فقط". [وايتلام: 126]. بهذا المفهوم الجبري يركب  اولبرايت التاريخ البشري، وقاطرته تاريخ إسرائيل.

والأشد خطورة أن أولبرايت، الذي هيمن على الدراسات التوراتية و"إثبات" تاريخ إسرائيل القديمة حتى ثمانينات القرن الماضي، دأب على الاسترشاد بتوجيهات السياسة، لدرجة أنه وضع منهج التعامل اللاحق مع الشعب الأصلي في فلسطين، فهو يحكم برفعة آداب الإسرائيليين على الكنعانيين ، كمواز مناظر لرفعة أخلاق الصهيونية المعاصرة على الشعب الفلسطيني. ينقل وايتلام عنه (أولبرايت1957: 88،89) قوله " ولا يمكن لأي شعب آخر أن يضاهي الإسرائيليين في موضوعيتهم بمثل هذه الأمور، إذا حكمنا عليهم من خلال آدابهم وعقلانيتهم ، مقابل لا عقلانية الكنعانيين ، والتي يجب استبدالها بعملية لا ترحم"[ وايتلام :130]. 

لم يثر موضوع حقوق السكان الأصليين في الأرض عملا بالقانون الدولي للأبحاث الآركيولوجية يحفظ حقوق السكان المقيمين بالقعة الجاري بها الاستكشاف؛ بل إنه حاول بشكل مخيف تبرير إبادة هذا الشعب. راح أولبرايت، وهو والد مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية الاميركية سابقا، يركّب البحث الأثري على معطيات التوراة، " يثبت" من خلالها "أن حق إسرائيل في الأرض يعتمد بشكل أساسي على حقها في الغزو"، مستلهما في قوله سفر يشوع. وأظهر البحث الموضوعي في التاريخ القديم زيف المقولة الواردة في سفر يشوع؛ إذ لم تدمر أريحا ا في القرن الثالث عشر قبل الميلاد ، وهو تاريخ اقتحام العبرانيين فلسطين المزعوم.

ظهرت طبعة جديدة لكتاب أولبرايت عام 1957( الطبعة الأولى ظهرت عام 1940) " و لم يشعر أولبرايت بضرورة إعادة النظر في آرائه بعد الكشف عن جرائم الهولوكست النازية، ولم يعترف بالتناقض المروع لأفكاره اللاهوتية إذ كتب ’ان الديانة التوحيدية اليهودية قد أنقذت أخلاقها التوحيدية العالية عن طريق إبادة السكان المحليين".[ وايتلام: 129] . مضى اولبرايت شوطا بعيدا في مفارقة العقلانية والتفكير السليم تزلفا لدولة إسرائيل لدرجة أن يادين، كما يقال، دعاه لتخفيف غلوائه: "إقامة إسرائيل هدية من الرب وليس تجريد الناس من أرضهم ، بل أعطاها لهم الإله . إسرائيل كانت الواسطة الإلهية في تدمير حضارة فاسقة ،إذ أنه ضمن النظام الأخلاقي للحضارات السماوية يجب تدمير مثل هذا الفجور الفظيع. ومن ناحية أخرى فإن هناك عناية إلهية من وراء اختيار إسرائيل للقيام بهذه المهمة وبإعطائها تلك الأرض". [وايتلام : 139].

لم تتعرض استخلاصات أولبرايت للنقد من أي جهة ، بل صرح تلميذه برايت مباشرة بما أضمره الرائد، أولبرايت، فدعا إلى ضرورة "إبادة أصحاب البلاد الأصليين".

عمليا اكتسب بناء إسرائيل القديمة طابع الواقع الفلسطيني لحظة الشروع في الإعداد للمشروع الصهيوني، وحملت الصياغة" طبيعة فلسطين في الوقت الذي صيغت فيه تلك الأحداث."، أي عشرينات القرن العشرين.

كان المجتمع الفلسطيني المكون من عشائر، لم يتوحد بعد في كيان متماسك فنظرت التخيلات التوراتية إلى القبائل الكنعانية على هذه الشاكلة. وحيث أن المستوطنين القادمين من مجتمعات متقدمة وجدوا أنفسهم متفوقين على الفلاحين العرب آنذاك ، فالمتخيَل التوراتي لا بد أن يضع الكنعانيين في موقع دوني. عملية التأرخة (الهيستوغرايا حسب تعبير شلومو ساند) تنطلق من رؤية الحاضر وتستوحي أهدافه السياسية والاجتماعية ." تخيل الماضي تم إسقاطه لإضفاء الشرعية عليه ولتبرير الحاضر. وقد أدى ذلك إلى تشييد ماض خيالي احتكر خطاب الدراسات التوراتية، وهيمن على التاريخ الفلسطيني بل وأنكر وجوده في الأساس.

لم يكتب تاريخ شعوب المنطقة بأغلبيتها الساحقة حتى الآن لأنه لم ينسجم مع مصالح واهتمامات البحث التاريخي في الغرب [وايتلام : 49]. واستخلص وايتلام من دراساته ، ولدى استعراض كم كبير من معطيات قدمها من سبقوه أو جايلوه ، مؤكدا " إذا تمكنا من تغيير المنظور الذي تنبع منه التصورات لنبين أن خطاب الدراسات التوراتية قد اختلق تاريخا كثيرا ما يعكس حاضرها في كثير من جوانبه ، عندئذ فقط يمكن أن نحرر التاريخ الفلسطيني [وايتلام : 321].

استتبع الالتزام بمرامي السياسات الحديثة تركيز "ثقل الدراسات التوراتية وكثافة البحث في مواقع دون غيرها "، بما يخلق تصور ماض مطابق لادعاءات الحاضر، وإسكات كل ما يتعارض معه. يمضي اولبرايت في تبرير العنف المعد لطرد الشعب الفلسطيني من دياره : لا يمكننا الارتقاء روحيا إلا من خلال الكوارث والمعاناة، بعد التخلص من العقد النفسية ، وذلك عن طريق التطهر . وهذا التنفيس والتطهر العميق هما اللذان يرافقان التحولات الرئيسة . كل فترات المعاناة الذهنية والمادية هذه ، والتي يتم فيها إعادة القضاء على القديم قبل ولادة الجديد تثمر نماذج اجتماعية مختلفة عقيدة روحانية أعمق [وايتلام: 131]. ولم يجد غضاضة في الاستشهاد بإبادة االجنس الأبيض للسكان الأصليين في أميركا، وذلك لتبرير ما يدبر ضد الشعب الفلسطيني.

لوحظت ثغرات في حكايات التوراة انطلق منها باحثون جادون للتنقيب. تحرروا من نصوص التوراة، وشرعوا أبحاثهم بالمواقع العيانية. شيئا فشيئا اخذت تتكشف الحقائق المناقضة للنصوص، حيث شاع الاعتقاد بأن التوراة ليست كتاب تاريخ. كان أول من قدم رؤية متكاملة استحوذت على انتباه علماء الآثار هو البروفيسور الفرنسي توماس طومسون. وتميز بقدر من الشجاعة وفقد وظيفته الأكاديمية. نشر كتابه عام 1992بعنوان، (التاريخ المبكر لشعب إسرائيل من المصادر الآركيولوجية المدونة)**  وفيه كشف تواطؤ علماء الآثار التوراتيين على التزييف. ظهر توماس طومسون في ميدان الآثار ليفسد الزفة المقامة بمناسبة توحيد القدس. عارض التوراتيين التقليديين، وأورد في كتابه "إن مجموع التاريخ الغربي لإسرائيل والإسرائيليين يستند إلى قصص من العهد القديم تقوم على الخيال". فُصل هذا العالم المتميز من منصبه كأستاذ علم الآثار في جامعة ماركويث في ميلووكي. ولم يستطع نائب رئيس الجامعة إلا أن يشيد بالمكانة العلمية للبروفيسور ، وهو يبرر قرار طرده، إذ قال إنه "من أبرز علماء الآثار وفي طليعة المختصين بالتاريخ القديم لمنطقة الشرق الأوسط." برر نائب رئيس الجامعة الطرد بأن "الجامعة تحصل على المساعدات المالية من الكنيسة الكاثوليكية" ، تبريريلقي الضوء على جمود نظرة اللاهوت وتحديها لكل مكتشفات العلم. إنه التمسك بنواميس العقيدة الدينية كما أقر جوناثان تاب*** خبير الآثار في المتحف البريطاني، وهو يعد بين أعظم علماء تاريخ المنطقة العربية القديم ان "ثومسون دقيق جدا في بحثه العلمي الكبير وشجاع في التعبير عما كان كثير منا يفكر فيه حدسا منذ زمن طويل ، وكانوا قد فضلوا كتمانه". هذه الشهادات عن العالم المتميز جمعها مع غيرها البروفيسور كيث وايتلام في كتابه المنشور عام 1996، والذي سيكون موضوع هذا العرض.

أصدر البروفيسور كيث وايتلام ؛ أستاذ الدراسات الدينية في جامعة "ستيرلينغ" في سكوتلاندا، كتابه "اختلاق إسرائيل القديمة إسكات التاريخ الفلسطيني" سنة 1996. وفيه دعا إلى الاهتمام بالتاريخ الفلسطيني القديم، الذي طمس في معرض تلفيق تاريخ قديم مزعوم لإسرائيل؛ كما سجل على المثقفين العرب تقصيرهم في الاستفادة من بحث الاستشراق للدكتور ادوارد سعيد. صدر كتاب كيث ويتلام الجريء قي فضح كل زيوف الآثاريين التلموديين، وقامت الدكتورة سحر الهنيدي بترجمة الكتاب إلى العربية وصدر ضمن سلسلة "عالم المعرفة" (عدد249 عام 1999). وهو يتكون من مقدمة وستة فصول هي على التوالي: "نصوص منحازة وتواريخ متصدعة"،"إنكار المكان والزمان على التاريخ الفلسطيني" ، "إختلاق تاريخ إسرائيل القديمة " ، "إنشاء دولة إسرائيلية"، " البحث مستمر"،  و"رد الاعتبار للتاريخ الفلسطيني".

نقلت صحيفة " تايمز ليتراري سابليمينت"****  تصريحا للمفكر إدوارد سعيد في 21 نوفمبر 1996 بصدد سؤال أفضل كتاب قرأه ذلك العام، وأجاب :"إنه كتاب كيث ويتلام، عمل أكاديمي من الطراز الأول ، أسلوبه بالغ الدقة، وكاتبه يتمتع بجرأة كبيرة في نقده لعديد من الفرضيات حول التاريخ التوراتي." وضعت المترجمة دراسة كمقدمة للترجمة العربية القت الضوء على جريمة الاستشراق والمسيحية الأصولية بحق الشعب الفلسطيني. تناول وايتلام كتابات عدد من علماء الآثار سبقوه او جايلوه ، بما فيها كتاباته، حيت شرعت في بداية عقد السبعينات تطعن في الدراسات التوراتية، وتكشف عن اختلالات عملية تأرخة فلسطين وارباكاتها.

خلال الثلث  الأخير من القرن الماضي تجاسر عدد من علماء الآثار والمؤرخين العالميين وخرجوا على النصوص التوراتية، معتمدين الأساليب العلمية في التنقيب الأثري. خرجت الأبحاث العلمية بحصيلة نقضت الفكر الاستشراقي  وقوضت الرواية الصهيونية المستلهمة من الفكر الاستشراقي، المضمن في حكايات التوراة وتأويلاتها المغرضة. تقوضت حكاية دولة إسرائيل القديمة وامبراطوريتها الممتدة بين النيل والفرات، وتبين انها محض اختلاق لا يسنده وقائع.

من بين رواد البحث الآركيولوجي  ديفيز في كتابه (البحث عن إسرائيل القديمة)*****، حيث نقل وايتلام عنه أن "النموذج اللاهوتي للتاريخ التوراتي تم الحفاظ عليه بإجماع المتخصصين في الدراسات التوراتية، من خلال مواقعهم في كليات اللاهوت وحلقات البحث، وهم الذين أسهموا بل أيدوا ادعاءات إسرائيل بامتلاك الحقيقة [وايتلام: 314]. فجر ديفيز جدلا واسعا حول ما إذا كان التراث التوراتي يمثل رؤية للماضي مطابقة للواقع. وحسب تعبير وايتلام في كتابه "... من الواضح أن رؤيتنا للماضي هي شيء سياسي بالدرجة الأولى ؛ كما أن لها تداعيات مهمة في العصر الحديث لأن هذه التمثلات الذهنية تؤكد الهوية الشخصية أو الاجتماعية أو تنكرها[وايتلام: 36]. أثارت شرخا في الدراسات التوراتية دراسة أجراها ميلر وهيز^ 1986، حيث اعترفا بالمشاكل المتعلقة بالنصوص التوراتية المرتبطة بمرحلة ما قبل ملكية شاؤول ثم داوود، حتى أنهما باتا غير مستعدين للخوض في هذه البناءات التاريخية لهذه الفترات. جاء عملهما هذا نقطة تحول رئيسية في كتابة تاريخ إسرائيل من منظور توراتي" . [ وايتلام: 64].

قدمت العلوم الاجتماعية بصدد تكوين الدول، ومنها دراسة كوهن وسيرنس (1987) ما يطعن في الصدقية التاريخية للتراث التوراتي وفكرة إقامة نظام ملكي غريب قدم  من الخارج. تجسيد الحكايات التوراتية بأسلوب الشعوذة  تم على شكل تخمينات من نموذج ما طلع به أحد المؤرخين التوراتيين، "لا يمكن للمرء إلا أن يعتقد أن قوما آخرين (غير الكنعانيين) هم الذين أقاموها، قوما كان من المؤكد أنهم إسرائيليون" [وايتلام: 163]. وكرر وايتلام مرارا مسئولية الفكر الاستشراقي في صياغة تخيلات ذاتية وإسقاطها على الفضاء الفلسطيني ، خدمة لأهداف كولنيالية . حتى ان نص التوراة باللغات الحديثة استوحى مشروع إقامة دولة إسرائيل وظروف المكان والزمان. بناء على تزييف التاريخ القديم جاء إعلان قيام دولة إسرائيل بصيغة "إعادة بناء الدولة اليهودية".

نظرا لجمود النشاط الثقافي في المجتمعات العربية في ظل الأنظمة الاستبدادية التي اهدرت العقل والتفكير والإرادة الشعبية، وفي هجعة كسل العقول عن إبداع الجديد، خاصة في ظرف البيات الشتوي للسياسة، تم العزوف عن التجديد الثقافي، أتم إغفال  جبهة الثقافة في الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي. بالنتيجة لم تدخل المنجزات العلمية للتنقيب الأثري ميدان الثقافة الوطنية ولم تعبر حيز السياسة.حدث قصور أفقد المقاومة الفلسطينية أداة كفاحية في ظرف استقواء الصهيونية بقدراتها العسكرية وتعزز مطلب التهجير العرقي في سياساتها، وتدفق ثقافة الليبرالية الجديدة عبر منابر الثقافة والإعلام المحتكرة بأيدي الأنظمة السلطوية. تواصل القبض على التاويل الاستشراقي المغْرض لنصوص التوراة وتشويه التراث القومي للشعوب لصالح الغزوات الكولنيالية للامبريالية الأوروبية.

بحق لم يخف الدكتور ادوارد سعيد، صاحب الاستشراق تألمه من هذا القصور" يؤسفني القول بالتالي، ان الاستقبال العربي ل "الاستشراق"، رغم الترجمة المرموقة التي قام بها كمال أبو ديب، تابَعَ إهمال ذلك الجانب بالتحديد من الكتاب: أي ذاك الذي يقلل من الحمية القومية التي استمدها البعض من نقدي للاستشراق، والذي قرنته ببواعث الهيمنة والسيطرة المتوفرة وهي الامبريالية أيضا." [ إدوارد سعيد تعقيبات على الاستشراق :112]. أجمل الدكتور إدوارد سعيد في كتابه الاستشراق رؤى التيار الرئيس للمستشرقين في عدد من الثوابت تعكس نظرتهم إلى «الشرق» أهمّها: النظرة الدونية، باعتبارها شعوبا متخلفة عرقيا ينبغي وضعها تحت الوصاية؛ وكذلك الديمومة ، إذ قيموا الشرق مرة وإلى الأبد. كما قدموا العرب جوهرا واحدا له نفس الخصائص السلبية وافترضوا ان معرفة الجزء تندرج على الكل. وقدروا الشرق من منظور ثقافوي نمطي مختزل في الدين. ثم أتبع ادوارد سعيد لومه بنقد حاد للنظرة الدونية التي ترشح من كتابات المؤرخين العرب: "لماذا لا تكون لدينا إسهامات عربية معاصرة أكثر أهمية في دراسة فرنسا او ألمانيا او أميركا؟ إذا نظرت في واجهات المكتبات هنا في باريس ستجد أن العرب أسرى حالة من ال"غيتو" لأنهم يكتبون عن العالم العربي بالفرنسية، وينظر إليهم كمخبرين محليين".[ تعقيبات:149].

 سوف يتبين في دراسات لاحقة، أبرزها دراسة شلومو ساند بعنوان "اختراع الشعب اليهودي"، كيف طمست الصهيونية ودولة إسرائيل الكثير من الوقائع التاريخية المناقضة لمتخيل العنصر الإسرائيلي الواحد والمتواصل عبر التاريخ. "هذا الإسكات للتاريخ الفلسطيني هو نتاج للسياق الاجتماعي والسياسي الذي جاءت فيه الأعمال المرتبطة بالتاريخ الأوروبي ، وفرض نموذج الدولة الأوروبية القومية على الشرق الأدنى القديم، هذا النموذج الذي أكدته أوروبا وتبناه الغرب في دعمه لدولة إسرائيل الحديثة. أما التاريخ الفلسطيني فقد استبعد من خطاب الدراسات التوراتية . ولذا فلا وجود له في الحاضر." [وايتلام :207].

يربط البروفيسور وايتلام طروحات أولبرايت بالفكر الاستشراقي السائد حينئذ: " لا يمكن اعتبار هذه الأفكار نتيجة لأفكار شخص ما في فترة زمنية معينة. دراسته وكتاباته شكلت ولا تزال تشكل إدراك أجيال من دارسي التوراة والباحثين في هذا المجال، خاصة الأميركيين والبريطانيين منهم. حتى الثمانينات اعتبر أولبرايت رمزا للموضوعية. إعادة بناء الماضي لدى أولبرايت ارتبط إلى حد بعيد بالحاضر السياسي الذي عاش فيه. "فما هو أهم من الحق التاريخي الصريح هو قوة الدفع العاطفية الهائلة لإحياء صهيون" [ وايتلام:133] وعلى الأجنحة المحلقة لهذه الأفكار اللاهوتية مضت إسرائيل ومضى تيار الصهيونية المسيحية خلف مغامراتها الحربية، وخلف التوسع الاستيطاني فوق الأراضي الفلسطينية وشكلت نهج الأبارتهايد المتجسد في حياة الدولة منذ أيامها الأولز

أسند الحاضر رغباته وآماله على تخيل للماضي يسند به ادعاءاته المعاصرة. والأحداث التي جرت منذ بداية القرن العشرين تركت آثارا لا تمحى في عقول الباحثين التوراتيين وفي مخيلتهم ( وهذا هو الأهم )، وفي الثقافة الشعبية في اوروبا وأميركا. كانت بمثابة تعبئة إيديولوجية، حيث كانوا في خيالهم صورة عن الماضي المتعلق بمملكة داوود وكأنها العصر الذهبي للتاريخ الإسرائيلي. [ وايتلام : 179].

لفقوا تاريخا متخيلا لم يتطابق مع اكتشافات التنقيبات الأثرية، ولفقوا أيضا بطولات، منها بطولة المسادة، حيث زعم ان حامية داخل قلعة المسادة اقدمت على الانتحار الجماعي كي لا تقع بأيدي العدو. كثيرا ما استلهمها دايان لدى دعواته لمقاومة ضغوط المجتمع الدولي للانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة. "حادثة غامضة في التاريخ أهملها التلمود والآداب اليهودية في العصور الوسطى . ولم تصبح الأداة مركز الاهتمام إلا في القرن التاسع عشر [ وايتلام:42]. ونقل وايتلام ما كتبه يادين بهذا الصدد: " كانت أهميتها بالنسبة إلينا كبيرة ؛ ولكن الأهم من ذلك هو أن المساداة تمثل بالنسبة إلينا جميعا في إسرائيل وخارج إسرائيل، علماء آثار أو الناس العاديين، رمزا للشجاعة ، ونصبا لأبطالنا القوميين، هؤلاء الأبطال الذين اختاروا الموت على حياة العبودية المادية والمعنوية".

الى جانب خلق تاريخ مزور فبركوا بطولات فردية وجماعية ضمنوها التاريخ القديم، وكذلك زيفوا انتفاضة غيتو وارصو ، حيث شطبوا جماعات شاركت في الانتفاضة.

ولتكريس النظرات العنصرية إلى التاريخ القديم "افتتحت الجامعة العبرية قسمين منفصلين كليا للتاريخ:

 الأول دعي قسم تاريخ شعب إسرائيل وسوسيولوجيا اليهود؛ فيما سمي الثاني قسم التاريخ. ومنذ ذلك الوقت بات الفصل قانونا صارما في جميع جامعات إسرائيل، يتعين بموجبه تدريس دراسات التاريخ اليهودي بشكل منفصل عن تاريخ "الأغيار" بدعوى أن مبادئهم ، أدواتهم ، مفاهيمهم، ونبض الزمن في هذه الدراسات مختلف كليا[وايتلام:141].

صاغت التخيلات التوراتية توجهات مجموعات كبيرة من المثقفين والسياسيين وعبأت كذلك جماهير الغرب بفهم مغلوط ومشوه عن التاريخ القديم للمنطقة. ونظرا للتعبئة الإيديولوجية التي استمرت أكثر من قرن سبق، فإن هيكل التلفيقات لا ينهار أمام زفرة عالم، ولو كان رفيع المقام. وكما كتب فيما بعد، البروفيسور شلومو ساند، أستاذ التاريخ القديم بجامعة تل أبيب، فإن "مركزية الخرافة التاريخية التوراتية كامنة في الهندسة الإيديولوجية الصهيونية، وفي اللاهوت المتمسك بصنمية النصوص، وكذلك في اعتبارات

الاستراتيجية الامبريالية، وفي التعبئة الإيديولوجية المكثفة لأجيال من المسيحيين المخدوعين بسياسات الامبريالية والمتحمسين لحروبها العدوانية.

....................................................

Albright *

**Thomas Thomson: Early History of The Israelite People From The Written& Archaeological Sources

***Jonathan Tab

**** Times Literary Supplement

***** In Search Of Ancient Israel

^Miller and Hayes