2018-04-23

احتفاليّة ١١٠ أعوام على صدور قاموس "المنجد" وإطلاق "المنجد الإلكترونيّ"

بيروت: أقامت دار المشرق لنشر الكتب في لبنان والدول العربيّة، بالشراكة مع كلّية اللّغات والترجمة في جامعة القدّيس يوسف في بيروت احتفاليّةً، تحت عنوان «المنجد…المعاصر دومًا»، وذلك يوم الثلاثاء الماضي الموافق ١٧نيسان ٢٠١٨، في مسرح بيار أبو خاطر، حرم العلوم الإنسانيّة، في جامعة القدّيس يوسف - بيروت؛ حيث استضافت دار المشرق لفيفًا من المحاضرين في حقول اللّغات والألسنيّات والتربيّة والتعليم. وتلى المحاضرة الاحتفال بالـ١١٠ أعوام على صدور قاموس المنجد، وإطلاق المنجد الإلكترونيّ، والمنجد المفصّل ٢٠١٨ بنسختَيه عربيّ / فرنسيّ، وعربيّ / إنكليزيّ.

إفتتح الحدث البروفِسور سليم دكّاش، رئيس جامعة القدّيس يوسف في بيروت، بكلمة تحت عنوان «المنجد… التاريخ إن حكى»، أكّد فيها دور عمل الأب لويس معلوف، إذ كان المنجد «أداة في إخراج اللّغة العربيّة من زمن الانحطاط وخير مساعدٍ للطالب وللمثقّف وللكاتب العربّي في قدرته على استخدام اللّغة العربيّة وكذلك الإسهام في النهضة الأدبيّة العربيّة الكبرى.

تبعت الافتتاحيّة كلمة للأب صلاح أبو جودة، مدير دار المشرق، بعنوان «المنجد هو القاموس» مُسلّطًا الضوء على انسجام المنجد «مع رؤيةِ الرهبانيَّةِ اليسوعيَّةِ التربويَّةِ التي تؤمِنُ بالعلمِ أساسًا يبني الإنسانَ ومجتمعَه. 

ثم قرأ على الحاضرين البروفِسور أمين فرشوخ، عميد كلّيّة الدارسات الإسلاميّة في جامعة المقاصد - بيروت، كلمة وزير الثقافة البروفِسور غطّاس خوري، ونوّه فيها إلى أنّنا «بمثل هذه الاحتفالية نؤكد هوّيتنا الثقافيّة، مقدّرين جهود علمائنا وروّادنا وأصحاب الرؤى في ماضينا وحاضرنا ومشجّعين للجيل الجديد، ليزرع أيضًا متفائلاً بمستقبله وبمستقبل الوطن.

بعدها، كانت أولى المُداخلات التقنيّة مع البروفِسورة جينا أبو فاضل سعد، عميدة كلّيّة اللّغات والترجمة في جامعة القدّيس يوسف، بعنوان «المنجد الثنائيّ ٢٠١٨: على دروب الترجمة» عرضت فيها المسيرة الّتي قادت فريق إعداد المنجد، الّذي حضَر في غالبيته الحدث، فسلَّطت الضوء على «الصعوبات الّتي واجهتهم … منها تعدّدية المعنى والصور البلاغية والأمثال. فلا يغفل على أحد أنّ المفردة الواحدة قد تكتسي معانيَ متعدّدة ومختلفة باختلاف السياقات التي تندرج ضمنها.»

المداخلة التقنيّة الثانية كان صاحبها البروفِسور هنري عويس، عميد كلّيّة اللّغات والترجمة الفخريّ ومدير مرصد اللّغات/ العربيّة وأخواتها في جامعة القدّيس يوسف، تحت عنوان «ماذا تأخذون: الجعة أو ماء الشعير أو البيرة؟». فأبرز ما يُميّز إصدار المنجد المفصّل ٢٠١٨، حيث إنّه «أبقى الاختيار في عهدة المترجم»، وطرح أهمّ مفهوم في الترجمة وأبرزه على الغلاف، ألا وهو: «الاستعمال في السياق.

أمّا المداخلة الثالثة، فكانت للبروفِسور جرجورة حردان، مدير المعهد العالي لإعداد الدكتوراه في علوم الإنسان والمجتمع في جامعة القدّيس يوسف، وحملت عنوان «ما بعد المنجد» وكان في قسمها الأوّل تأكيد من حردان أنّ ما سيأتي بعد المنجد، هو المنجد نفسه، أمّا في القسم الثاني من المداخلة، فكان دعوة إلى «تعديل جوهريّ في إعداد معاجمنا العربيّة، وبخاصة الحديثة منها، والمنجد من بينها.»

أبرز الأب بطرس عازار، أمين عامّ المدارس الكاثوليكيّة في لبنان، في كلمته الّتي جاءت بعنوان «… ويبقى منجد الطلّاب وسيلةً للتواصل» على الدور المهمّ الّذي يؤدّيه المنجد وخاصّةً منجد الطلّاب الّذي أوصى على استعماله بجانب المنجد المفصّل ٢٠١٨ بنسختيه، لأنّ المنجد سيُنجد الطلّاب في تكونينهم وتربيتهم على «الحريّة المسؤولة، والحوار الإيجابيّ، والتواصل الفعّال» ويُساعدهم على أن يكونوا يكونوا بُناة التقدّم والتطوّر في عصر التكنولوجيّا.

ختامًا، كانت مُداخلة البروفِسور أمين فرشوخ، عميد كلّيّة الدراسات الإسلاميّة في جامعة المقاصد - بيروت، بعنوان «المنجد، في اللّغة والحداثة» وبعد أن أثنى على الجهود المبذولة، أوصى بأن تُعقد الجلسات «يشارك فيها علماء وباحثون مهتمّون بالعمل المعجميّ، يقدّمون اقتراحات عملية، بعد قراءة نقدية للمعجم» كي يحافظ المنجد على طابعه المعاصر على الدوام.

تبع المداخلات، إطلاق السيّدة مايا شرفان متّى، مديرة التواصل والعلاقات العامّة في دار المشرق، مقدِّمة الحدث ومنظِّمته المنجد الإلكترونيّ على الرابط www.mounged.com ، الّذي يمكنكم البحث بواسطته في المنجد في اللغة العربيّة المعاصرة الصادر عن دار المشرق - بيروت. وسيكون الموقع مفتوحًا للعامّة مدّة ثلاثين يومًا، وينتظر الفريق المختصّ في دار المشرق تعليقات الزوّار وآرائهم ونصائحهم على البريد الإلكترونيّ:mounged@darelmachreq.com، كي يأخذها بعين الاعتبار. كما سحبت السيّدة مايا شرفان متّى القرعة وأعلنت أرقام الفائزين بستّين نسخة من المنجد المفصّل ٢٠١٨، استلموها على الفور من منصّة مكتبة إسطفان موزّعون.

بعدها رفع المنظّمون نخب المناسبة في وسط حضور ناهز الـ٤٥٠ شخصًا، من أطياف مختلفة: لغويّون، ومترجمون، وأساتذة وطلّاب جامعيّون، بالإضافة إلى مُحبّي اللغة العربيّة والتُراث الإنسانيّ. وبادروا إلى توقيع نسخهم من قِبل فريق إعداد المنجد المفصّل ٢٠١٨. وكان للطلّاب مفاجئة خاصّة، إذ قُدِّم إليهم مشروب خاصّ بعد تداول «كلمة السّرّ» فيما بينهم في وسط جوّ من الفرح والبهجة.

علمًا أنّه رافق الاحتفاليّة معرض ضمّ أكثر من ثلاثين منجدًا نادرًا في نسخاتها الأولى، الّتي يعود بعضها إلى العام ١٩١٣، كما رافقها حوالى عشرين مقالًا من الصحُف اليوميّة منذ العام ١٩٣٢.

القاموس الذي توالدت منه قواميس عدة وبيع منه ملايين النسخ

توثق «دار المشرق» باستمرار لكل ما يحيط بهذا القاموس الذي توالدت منه قواميس عدة، فقد أصبح على مرّ السنين بمتناول القارئ «منجد الجيب» و«منجد الصغار» و«المنجد الإعدادي» و«المنجد الوسيط»، وغيرها. وتأكيداً على أن المسار متواصل، خصوصاً أن هذا القاموس بيع منه ملايين النسخ على مرّ السنين، وكانت طبعاته تخضع باستمرار لتجديد وإعادة نظر، ومحاولة دائمة للبقاء على تماس مع مفردات العصر وتحولات استخدامات الألفاظ، فإن «دار المشرق» ستعلن عن إطلاق «المنجد الإلكتروني» و«المنجد المفصل» عام 2018، بنسختيه: عربي / فرنسي، وعربي / إنجليزي، وستهدى في أثناء الحفل 30 نسخة من «المنجد المفصل» الجديد، و30 نسخة أخرى من «منجد الطلاب» 2017، إلى الحضور بسحب القرعة، علماً بأن الدعوة مفتوحة لكن تتطلب حجزاً مسبقاً.

كان الأب لويس معلوف، وهو أديب وصحافي ولغوي، قد وضع هذا القاموس عام 1908 بجهد منفرد وجبار، وبتشجيع من الآباء اليسوعيين، بعد ما لمسه في أثناء رئاسة تحريره لجريدة «البشير» (من سنة 1906 إلى سنة 1933) من عمق المشكلات اللغوية التي يعانيها الكتاب. وكان العصر لا يزال تحت تأثير مرحلة الانحطاط، فقرر الإفادة من المعاجم الكلاسيكية ليضع قاموساً يسهل تداوله بين الناس، ثم أضاف إليه قسم الأعلام الذي وضعه برفقة راهب آخر، هو الأب فرناند توتل.
وتجدر في هذه المناسبة العودة إلى لويس معلوف، أحد الأعلام الذين اشتغلوا على اللغة في سياق النهضة اللغوية، وولدت في ظلها صحف وأسماء بارزة جددت في الأدب، من إيليا أبو ماضي إلى جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة، ولا ينسى دور الجامعات في بيروت، كالأميركية وجامعة القديس يوسف التي كان صاحب «المنجد» أحد تلامذتها. فبعد تخرجه في لبنان، توجه لويس معلوف إلى أوروبا في ثلاث سفرات، حيث درس الفلسفة في إنجلترا، وأفاد من كتب المتحف البريطاني، وتزود بعلم اللاهوت في فرنسا، وأجاد لغات شرقية وغربية، منها: الإنجليزية، والفرنسية، واللاتينية، واليونانية، والسريانية، والعبرانية.

وأثار «المنجد» عند صدوره في طبعته الأولى، وكان من 737 صفحة، مرفقاً بـ400 صورة توضيحية، صدى كبيراً طيباً في المنطقة العربية، شرقاً وغرباً. فقد وصف يومها بأنه «جامع مانع»، وأنه «يلحق بالمعيوش»، و«لم ينجز شبيه له من قبل». وكتبت «المقتطف» المصرية، عام 1908، محتفية به: «هو قاموس اختصره جامعه وأحسن ترتيبه، وأضاف إليه كثير من الكلمات التي عرّبت حديثاً، وأوضح بعض تسمياته بالصور، فهو يفضل على كل قاموس عربي وقع عليه نظرنا».

ومر المنجد منذ انتدب لوضعه الأب لويس معلوف إلى اليوم بمراحل عدة: ففي عام 1956، أضيفت إليه أقسام في مختلف الاختصاصات. وعام 1960، أعيد النظر بشكل كبير في تسهيل طريقة البحث فيه، حيث رُجِع إلى الجذرين الثلاثي والرباعي لتبسيط مهمة المستخدم للقاموس. وعام 1973، رأينا «المنجد في اللغة والأعلام».

ثم عام 1998، كانت ولادة «المنجد في اللغة العربية المعاصرة». ورصد حياة «المنجد» بمتفرعاته على مدى قرن وعشرة أعوام تحتاج بحثاً مطولاً. لكن من الظريف العودة إلى تلك المقدمة التي كتبها معلوف للطبعة الأولى شارحاً: «إن أدباء العربية وأئمتها لهجوا بمسيس الحاجة إلى معجم ليس بالمخل المعوز، ولا بالممل المعجز، فخصصنا الوقت الطويل لمطالعة الأمهات واختيار المواد وترتيبها على نسق سهل المراس، وتحرينا المحافظة على عبارات الأقدمين، وتوخينا أن يكون هذا المؤلف على صغره غزير المادة وافرها، وأسميناه المنجد، وأملنا أن يجد فيه المتأدب والكاتب عوناً حسناً ونجدة وافية في البحث والتنقيب».

على أمل أن يجتهد اللغويون العرب، ليتجاوزوا «المنجد» الذي لم يسلم من النقد، رغم كل الجهود التي بذلت لتطويره. فلا يزال وجود معجم عربي عصري جامع بالفعل حلماً يراود الكثيرين، وحاول العلامة عبد الله العلايلي وتوقف متحسراً، كما حاولت المجامع اللغوية ثم تحنطت، ولم نعد نسمع عن محاولات جادة؛ ربما لهذا يستحق الموجود الاحتفاء والاحتضان بانتظار غد أفضل.