2018-04-19

نصر حامد أبو زيد في ذكرى رحيله

حرية البحث والتفكير والتعبير

سعيد مضية


تصادف هذه الأيام الذكرى السابعة لوفاة المفكر نصر حامد أبو زيد. ويبدو أن الذكرى تمر وسط تجاهل تام، ربما بسبب انشغال المثقفين العرب بهموم الحاضر، وربما مواصلة لحالة الركود والكساد الثقافيين. فالراحل خاض لوحده شبه معزول صراعه الفكري مع الاستبداد السياسي والديني بقاعدتيهما السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتعليمية، فأُدخل عنوة في محنة قاسية صمد لها بشجاعة واقتدار. وفاقم المحنة ووسعها لتشمل الثقافة والتعليم أن منطلق المحنة هي الجامعة والنشاط الأكاديمي المحض نقطة الانطلاق. تهرب العقل النقلي المقلد والقاصر من الدخول في حوار مع العقل المبدع واحتكم إلى التحريم والتجريم وجرجره الى المحاكم. 
إن مقاومة الإلحاد احد أسلحة المحافظة في التصدي لحرية التفكير والتقدم. وعبثا يردد العلمانيون أنهم لا ينوون فصل الدين عن المجتمع، فينتاب السلفيين إصرار هدفه خبيث ومدان على أن العلمانية مرادفة للكفر. فالحوار لا يجدي في هذه المجال؛ إنما ينبغي الدفع بقوة لفرض الديمقراطية بما تنطوي عليه من حريات، وفي الأساس حرية التفكير العلمي. التفكير العلمي ركيزة أساس للتحديث والعصرنة، وهو مشدود إليها بحبل صري. إنه الشرط الأولي للتعامل العقلاني مع مظاهر الحياة الاجتماعية كافة، حيث ينشط العقل ويترعرع في الميدان العلمي.

إن إدخال العلم في الحياة الاجتماعية، من شأنه أن يطلق الإبداعات في مناحي الحياة كافة، ويحرك قاطرة التقدم. لابد أن ينهض المثقفون بجرأة ضد كل أنماط التضييق على حرية الرأي والبحث والتعبير. في كتيب أصدره المفكر الفلسطيني الراحل، ادوارد سعيد، عام 1994، أوجب فيه على المثقف " أن يقول الحق بوجه السلطة، ولا يقل مبدئية عن المسيح وسقراط، يدافع عن المعايير الأزلية للحق والعدل". وكان نصر حامد أبو زيد مثال المثقف الجريء الذي تتطلبه المرحلة، اختزل الحياة الثقافية الجديدة بتصدي الفكر العقلاني للتفسيرات اللاعقلانية للدين، حيث السلفية تثير الأغبرة، وتعمد للترويع، تملأ الفضاء بالارتباك والإحباط، خاصة حينما تسلط الجهلة وذوي السوابق الجرمية. 
وللتدليل على المعدن الفولاذي للمفكر والباحث في رحاب المنهجية العلمية فضل أن يبقى المثابر بإصرار على الموقف. كان بمقدوره التملص من محنته بالتقدم، غير كاذب ولا منافق، ينطق بالشهادتين أمام القاضي ورجال الدين ومندوبي الإعلام، ثم يصطحب زوجته الدكتورة ابتهال يونس إلى البيت، ويحمل أوراقه في اليوم التالي إلى الجامعة ليمارس وظيفته الأكاديمية ... كأنّ شيئاً لم يكن. لكن الرجل لا يدافع عن نفسه فقط ؛ فالمتبتل في محراب العلم أبت عليه ذهنيته قبول وصاية على الضمير. لا يجوز لأي كان مهما علا موقعه ان ينصب نفسه شرطيا يفتش في ضمائر الناس، أو الإذعان ل«سلطة البحث في قلوب الناس». وتجلت بتمامها عظمة المثقف ذي الرسالة وصاحب المشروع الفكري حين وصل بلاد الغرب محاضرا؛ فلم يقبل لنفسه الظهور بمظهر اللاجئ طالب الأمان. قدم نفسه مبعوث ثقافة عربية ـ إسلامية تبحث عن هويتها الحضارية، فبادر بنطق الشهادتين أولا كي لا يفهموه خطأ .
تجسد مفهوم الثقافة في تراث نصر حامد أبو زيد في العقل النقدي المعبر عن الضمير الجمعى المستشرف مستقبل التقدم الاجتماعي، ويسدد الخطى باتجاهه . كان يدافع عن حق المجتمعات العربية في التقدم ونفض الماضي البليد. خاض معركة التفكير في زمن التكفير. لم ترعبه الأفاعي المتربصة على قارعة الطريق. أعلن أبو زيد في العديد من مؤلفاته أنه لا ينكر ألوهية القرآن وأنه يتوقف أمام الوسيط البشري الذي نقله والذي لا يستقيم فهمه ـ بطبيعة الحال ـ بعيدا عن الظروف التاريخية التي نزل فيها. لكن منتصف تسعينيات القرن الماضي شهدت حالة من العدوان السافرعلى كل الأفكار النهضوية التي دعت الى ضرورة استخدام العقل لتجديد الخطاب الديني. وقد شهدت هذه الفترة ذرى تجليات العنف الديني في مصر.
تسلح أبو زيد بمفهوم الدلالة التأويلية للنص، ينقب بها متسلحا بجهاز مفهومي استوعب بعمق فقه اللغة. فأن تقول يد الله يناقض قوله تعالى "ليس كمثله أحد"/ ويجب تفسير مفردة اليد بتأويل المعنى الى دلالته، التي تأخذ مضمونا خاصا كل عصر وأحيانا من مجتمع لآخر. الخطاب البلاغي الجديد استوعب التقدم الذي أحرزته علوم اللغة وعلم النفس ونظريات الجمال والشعرية الألسنية والتقنيات الأسلوبية؛ استوعب وطور بنظرة متجددة منجزات القدامى أمثال عبد القادر الجرجاني، المتوفي عام 1078م، والمحدثين من علماء الأدب العرب والغربيين، ممن وضعوا أدوات معرفية ومفاهيم شكلت أحجار "علم النص". ثم تعمق الباحث في الدراسات الصوفية، وبالذات في نصوص ابن عربي حول القرآن. كان هذا موضوع رسالة الدكتوراة. وأثناء البحث توصل إلى الاقتناع بأن مسار عملية تفسير القرآن يخضع للعوامل الاجتماعية والسياسية والثقافية. تفسير القرآن مجال نضال اجتماعي - سياسي – ثقافي تاريخي،أي يتبدل بتبدل الحياة الاجتماعية.  وإذا كان ذلك كذلك يغدو القرآن مجال النضالات المعاصرة. لا يجوز لأحد أو فريق احتكار تفسير النص القرآني، لأن التفسير يتقرر بطابع الانتماء الاجتماعي لمن يقوم بالمهمة.
يرجع أبو زيد مفهوم الحاكمية الى الدولة الأموية التي بدأت عندما شعرت بهزيمتها في معركة صفين امام جيش الإمام علي. فأشار الداهية عمرو بن العاص، لرفع المصاحف على أسنة السيوف طالبة الاحتكام الي كتاب الله. لم يؤمن بكتاب الله حَكَما اإلا بعد فشل خيار الصراع السياسي الاجتماعي، وكان ذلك مكيدة وتحايلا، كما اظهرت الوقائع. في هذا الصدد يقول أبوزيد: "ولا خلاف على أنها كانت حيلة أيديولوجية استطاعت أن تخترق باسم النص صفوف قوات الخصوم وان توقع بينهم خلافا أنهى الصراع لصالح الأمويين. إن حيلة التحكيم تكشف عن محتواها الأيديولوجي حين ندرك أنها نقلت الصراع من مجاله الخاص السياسي الاجتماعي إلى مجال آخر هو مجال الدين والنصوص". وقد أدرك الأمام علي ذلك وكان قوله لرجاله: عباد الله امضوا على حقكم وصدقكم في قتال عدوكم، فإن معاوية وعمرو بن العاص (وذكر أسماء أخرى) ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، أنا اعرف بهم منكم، قد صحبتهم أطفالا، وصحبتهم رجالا، فكانوا شر الأطفال وشر الرجال، ويْحَكم أنهم ما رفعوها لكم إلا خديعة ودهاء ومكيدة.

ويضيف أبوزيد أن "هذا الموقف ترتب عليه نشوء ظاهرة أهدرت قيمة عقائدية، وأسست لظاهرة الحاكمية ويؤكد أن افتقار الدولة الأموية الى المشروعية هو الذي دفعها الى ذلك".

يؤكد الرجل في ذلم النقام أن هذه اللعبة تكشف عن بداية عملية تزييف الوعي وهي عملية ظل النظام الأموي يمارسها بحكم افتقاده إلى الشرعية التي ينبغي أن يقوم عليها أي نظام سياسي وقد ظلت بنية الحكم طبقا للأسلوب الأموي مسلكاً سائداً في كل أنماط الخطاب الديني المساند لأنظمة الحكم غير الشرعية في تاريخ المجتمعات الإسلامية. بهذا الفهم المتقدم غزير المعرفة، المندمج مع قضية التقدم الاجتماعي، شرع أبو زيد أبحاثه العلمية مطورا ما انتهى إليه الفكر المعتزلي في التأويل المجازي لكل ما يتناقض مع العقل في منطوق القرآن الكريم، والتي لا تزال قاعدة راسخة، وأفاد منها الفكر الإسلامي عبر تاريخه الطويل. اعتبر أن إنكار وجود المجاز في القرآن يخل إخلالاً بالغاً بقضية الإعجاز، التي تعتمد أساساً على التفوق الأسلوبي والبلاغي للغة القرآن. 
اندفع الباحث في جهده الثقافي مستلهما قضية التطوير الشامل للحياة الاجتماعية ، وتقديم الثقافة التنويرية المرشدة لحركة البناء الاجتماعي التقدمي.

صدر قرار القضاء على مختلف مراتبه ، وآخرها محكمة النقض بتكفير الباحث وتطليقه من زوجته، التي تضامنت معه ووقفت بجانبه. صدر الحكم الجائر المناقض لحرية التفكير دليلا على تأثر القضاء المصري في حينه بالتأثير السيئ للبعثات الى السعودية. اضطر القضاة للحكم بموجب أحكام الفقه الوهابي،فتأثروا بثقافتها الصحراوية ، ونقلوها معهم لدى عودتهم الى مصر. تأثر سلبيا كذلك المعلمون المبتعثون إلى السعودية ودول الخليج. تغلغل فكر المناهج الوهابي في وعيهم وعادوا الى مصر يحملون ثقافة التخلف ، وعادت المعلمات أو زوجات المبتعثين محجبات ومنقبات. قدم المفكر النقدي للمحاكمة بموجب نظام الحسبة الذي أجاز في حينه لأي كان رفع الدعوى؛ وبعد الضجة العالمية على القرار الكيدي أدخل تغيير على النظام بحيث اقتصر حق رفع الدعوى على النائب العام.

صدر قرار المحكمة وسط بهجة وسرور دوائر الحكم، التي لم بوفرها الباحث النقدي من انتقاداته اللاذعة. رفعت اعداد محدودة من المثقفين الوطنيين أصوات التضامن مع المفكر النقدي.

لم يجد المفكر نصر حامد أبو زيد السند الفعال بعد صدور قرار محكمة النقض بتطليقه من زوجته شرح تجربته الرائدة في حديث مع صحيفة " الأهرام الأسبوعي" فأوردت الصحيفة على لسانه: "وهذا ما كشف لي خطورة ترك تفسير القرآن ضحية العشوائيات والأمزجة.. ومن هنا رحت أتفحص الإطار الذي تمت فيه دراسة القرآن لدى مختلف المدارس". وبدون تهيب او تردد دخل أبو زيد هذا المجال متقحما بمنهجية العلم وبروحية الباحث العلمي. في الغربة وازن نصر حامد أبو زيد بين انتمائه الثقافي وبين ثقافة الغرب الذي يعمل فيه. تجنب منزلق البحث عن اعتراف المؤسسات الأكاديمية الغربية والحفاوة به. وعي بوضوح أن المنزلق قد يحرمه من الانتماء إلى المجال الثقافي الغربي، بينما يضيع بوصلة المحافظة على انتمائه الى مجاله الثقافي الأصلي. ويقول أبو زيد: "أما بالنسبة إلي، فأنا هنا أستاذ زائر وهي صفة تجعلك جزءاً من المؤسسة الأكاديمية ولكنك في الوقت نفسه تنتمي الى فضائك الثقافي الخاص. وإذا كنت أنا نفسي ضد فكرة ان أعيش بإحساس الضحية، فإن سعادتي كانت كبيرة لأن الجسم الأكاديمي في جامعة ليدن لم يتعامل معي كأستاذ ينشد الحماية بل كأستاذ زائر له شرفه الخاص كمفكر وكإنسان، ولا يرضى أن يتاجر بقضيته." 
بقي الفقيد جذريّاً في شجاعته الفكريّة. لم يتنازل عن قناعاته على شبكات الأثير كما فعل بعض زملائه، لا ولم يسقط مثل بعضهم أيضاً في لغة المُلاسَنة المجانيّة والسفسطة الاستعراضيّة التي تحفل وتحتفل بها الفضائيّات العربيّة. ظل ذلك الصوفي الناسك في محراب العقل حتى وهو في ديار الغربة. رأسماله هو فكره النقدي. كتبت مجلة أخبار الأدب المصرية، تنعيه وجاء في النعي: السفاهة ان تنتصر السفاهة مستغلة قانوناً عجيباً هو قانون الحسبة، كي تحاكم الفكر بلغة الرعاع، وتمتحن الفلسفة بمنطق الخرافة، وتجبّ تاريخ الفكر العربي والإسلامي، وترميه في سلة المهملات. السلطة هي التي ارتضت تقسيما وظيفيا بينها وبين الظلاميين، تعطيهم الثقافة والمجتمع، وتُحكم قبضتها على السياسة". وبعد صدور الأحكام القضائية ضد الباحث العلمي عدلت الحكومة المصرية قانون الحسبة بقصر رفع دعوى الحسبة على النائب العام وحد ونزعه من أفراد المجتمع.
في إحدى المراثي بمناسبة رحيله المباغت قال كاظم جهاد ،" لحظة استثنائيّة أخرى جمعتني بالفقيد، تمثّلت في قراءتي مجموعة دراساته المعنونة «إشكاليّات القراءة وآليّات التأويل». يندر في اعتقادي أن تجد في الدراسات الحديثة والمعاصرة كتاباً أكثر إضاءة منه لبعض أخطر مسائل البلاغة العربيّة وتداعياتها الفكريّة. وعلى رأس هذه المسائل يقف ثنائيّ المجاز والحقيقة، يعرضه أبو زيد عبر الفكر العربيّ القديم كلّه، اللغويّ منه والدينيّ، مع تركيز على الأشاعرة والمعتزلة، بلغة جمع فيها التبحّر إلى الكثافة العالية والتعليل الرّصين".
وقريبا من مجال نشاطه اشتغل محمد أركون، لكن في فرنسا بعيدا عن قاذفي حجارة التكفير.

تركز مشروعه حول " نقد العقل الإسلامي". استرعى اهتمام أحد مترجمي أعماله إلى العربية، أن "سيطرة الفهم الحنبلي الوهابي ألظلامي على تفسير الدين أغرى البعض بالاعتقاد ان الإسلام دين مضاد للعقل! وهذا من اكبر الأخطاء. فالإسلام هو دين العقل بامتياز إذا ما فهمناه على وجهه الصحيح، أي كما كان يفهمه ابن مسكويه والتوحيدي والفارابي وابو الحسن العامري وابن رشد وكل الكلاسيكيين الكبار."إن مراجعة أعمال المفكرين الإسلاميين في العصر الوسيط يظهر عرقا نفيسا من تراثنا العقلاني ومنتجه الحضاري والإنساني، طمسه التزمت والتعصب، حجبه بعد أن كفره طيلة عصر الانحطاط وموت الفلسفة.
القطيعة مع شوائب إرث الماضي ، بكل ما شابها من فساد واستبداد هو بعض مهام الثقافة. إنه إحدى جبهات الصراع بين التقدم والمحافظة. فقدت الجبهة نصر حامد أبو زيد ومحمد أركون، وبرحيلهما منيت بخسارة لابد من تعويضها . تركا أبحاثا ودراسات تلح على مواصلة البحث لردع ثقافة التعصب والتزمت.
تقوم علاقة جدلية بين قوة المجتمع المعنوية والمادية، الاقتصادية و العسكرية والسياسية، وبين إنتاج العلوم والتقاني، وإشاعة المنهجية العلمية في مقاربة قضايا المجتمع. وهو ما تفتقر إليه الأقطار العربية. فما لم تتفاعل المدرسة والجامعة مع تنمية اقتصادية واجتماعية ضمن إطار التحرر والديمقراطية والتقدم فإن مستخرج الزيادة العددية في أعداد المتعلمين والمتعلمات يظل جمهورا من الموظفين البيروقراطيين، وكتلا من العاطلين عن العمل المفتوحين على الأنشطة الإجرامية.