2018-04-14

اليوم عدوان على سورية... وغداً ماذا؟؟؟

د. ماهر الشريف

اعتبر تيم كين عضو مجلس الشيوخ عن ولاية فرجينيا، الذي كان مرشح الحزب الديمقراطي لمنصب نائب الرئيس في حال فوز هيلاري كلينتون في الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي جرت في خريف 2016، أن الضربات العسكرية التي استهدفت سورية هي"غير شرعية"، وقال: "إن آخر شيء يمكن أن يفعله الكونغرس هو أن  يعطي شيكاً على بياض إلى هذا الرئيس كي يشن حروباً ضد أي كان، وفي أي زمان".

وأضاف:"يتوجب علينا  أن نضع حدوداً واضحة قبل أن يبدأ حرباً جديدة...لقد وجّه اليوم ضربة إلى سورية، فما الذي يمنعه لاحقاً من قصف إيران أو كوريا الشمالية؟".  

والواقع أن الخطر الذي يحذر منه السيناتور كين هو خطر حقيقي ، في ظل وجود ثلاثي يميني متطرف، "حربجي" و"عدواني، يلتف حول رئيس متهور، ومتقلب المواقف، وليس له دراية بالشؤون الدولية، يرفع شعار "أميركا أولاً" ويستهتر بالعالم أجمع.

ويتشكّل هذا الثلاثي من  كلٌ من مايك بومبيو، وزير الخارجية، الذي حلّ محل ريكس تيلرسون، وجون بولتون، مستشار الأمن القومي، وجينا هاتسل مديرة وكالة المخابرات المركزية الجديدة.  وكان  الصحافي سيلفان سيبل عرض في مقال نشرته  مجلة "أوريان 21" الالكترونية، في 2 نيسان الجاري، سيرتي بومبيو وبولتون ومواقفهما إزاء عدد من القضايا الدولية. 

ينتسب بومبيو، الذي شغل منصب مدير وكالة المخابرات المركزية  منذ 23 كانون الثاني 2017، إلى التيار الأصولي المسيحي، وهو قريب من كبير مستشاري ترامب السابق ستيف بانون منظّر "اليمين البديل" الذي يتشكّل من القوميين البيض العنصريين، كما كان زعيماً لـ حركة"حزب الشاي" التي شنت أبشع الحملات العنصرية ضد الرئيس السابق باراك أوباما. وعُرف عنه نزوعه العدواني والحربي، وهو وعد في تشرين الأول 2017  بأنه سيجعل من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية وكالة "أكثر عدوانية، ووحشية، لا ترحم". كما أكد ان السياسة الحازمة التي انتهجها دونالد ترامب هي التي سمحت بالاتفاق على القمة المقبلة مع الزعيم الكوري كيم جونغ أون. وهو يؤيد قيام وكالات الأمن بجمع بيانات الأميركيين الشخصية وخلق محرك بحث يقاطع هذه البيانات مع معلومات عن الأحوال المالية وأنماط  حياة الأشخاص المستهدفين.

ويتبنى بومبيو، صديق  بنيامين نتنياهو الحميم،  نظرية الحرب المستعرة  بين "الخير"  الذي تمثّله أميركا، و"الشر" الذي يمثّله الآخرون وخصوصاً الإسلام. وكان قد طالب باتخاذ خطوات حقيقية للتصدي لسياسات موسكو، وتشديد العقوبات المفروضة عليها وإعادة إطلاق سياسات "الردع" تجاهها، معتبراً أنها تمثّل  "خطراً" على الولايات المتحدة الأميركية. وتعهد أيضا ببذل جهود من أجل إنكار تبعية القرم لروسيا، ومواصلة دعم أوكرانيا في "حماية سيادتها"، وتوريد "أسلحة دفاعية" لها. كما رأى في الصين  الشعبية "تحديا استراتيجيا للولايات المتحدة"، وأكد ضرورة نزع سلاح كوريا الشمالية النووي بجميع الوسائل. واعتبر أن سورية "تمثل خطرا على حقوق الإنسان والأمن القومي والاستقرار في المنطقة، وتستحق ردا قاسيا جداً"، وعارض انسحاب القوات الأمريكية من سورية خلال اجتماع  مجلس الأمن القومي. وبشأن برنامج إيران النووي، دعا بومبيو إلى إزالة "عيوب" الاتفاق النووي الموقع مع إيران أو الانسحاب منه، ووعد بمناقشة هذا الأمر مع حلفاء أميركا  الرئيسيين خلال اجتماع "الدول السبع الكبار"، الذي سيعقد في 22 نيسان الجاري، وخلال الاجتماع الوزاري لحلف شمال الأطلسي.

أما جون بولتون، الذي عيّنه ترامب مستشاراً للأمن القومي محل الجنرال ماكماستر، فهو من اليمين المحافظ الذي احتل مكانا بارزا في إدارة الرئيس السابق جورج بوش الابن، وعمل سفيرا لواشنطن لدى الأمم المتحدة في الفترة بين آب 2005 وكانون الأول 2006، وهو يعبّر عن التوجه الذي يريد حل جميع المشكلات عن طريق القوة العسكرية، ويتبنّى رؤية أحادية الجانب وحربية للسياسة الخارجية الأميركية، تجعل من "الحرب الوقائية" قاعدة استراتيجية لها. وهو ينتسب، كما يشير سيبل، إلى المدرسة القومية المتطرفة والعدوانية التي تندرج في تراث دوغلاس ما ك آرثر الرجل الذي دعا في سنة 1948 إلى إلقاء قنبلة ذرية على الصين لكبح التقدم الشيوعي ثم على كوريا الشمالية في سنة 1951.  وكان قد سارع في سنة 2002، عندما تحدث جورج بوش الابن عن "محور الشر" بين كوريا الشمالية وإيران والعراق، إلى تأكيد وجود "صلات قوية بين الأنظمة الثلاثة" لتصنيع أسلحة الدمار الشامل، وساهم في تشجيع الإدارة الأميركية على غزو العراق. كما كان قد كتب مقالاً، قبل التوصل إلى الاتفاق النووي مع إيران، نشره في صحيفة "النيويورك تايمز" في 26 آذار 2015 ، بعنوان: "لوقف القنبلة الإيرانية، علينا  أن نقصف إيران".

ويُعرف عن بولتون أنه من أشد أصدقاء إسرائيل، وخصوصاً زعماء اليمين المتطرف فيها، وهو يعتبر أن حل الدولتين لا معنى له وأن دولة فلسطينية "ستصبح بلا ريب دولة إرهابية على حدود إسرائيل"، ويرى أن المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية هي "مضيعة للوقت". وقال مراراً إنه يشجع  نقل السفارة الأمريكية في إسرائيل إلى القدس، وذلك حتى قبل  قرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وإعلان نيته نقل السفارة الأمريكية إليها.وبخصوص الإسلام، يتبنى بولتون أطروحة "صدام الحضارات"، وهو من مؤيدي حركة "وقف أسلمة أميركا" اليمينية العنصرية.

ووصف بولتون التدخل الروسي المزعوم في الانتخابات الأمريكية في سنة  2016 بأنه  "عمل من أعمال الحرب تجاه واشنطن لا يجب أن نتسامح إزاءه".  ثم قال مؤخرا، بشأن قضية  تسميم العميل السابق سيرغي سكريبال في بريطانيا، الذي ألقت الحكومة البريطانية مسؤوليته على روسيا، إن الغرب "لابد وأن يرد على روسيا بقوة".  وهو  يرى أن شن ضربة وقائية ضد كوريا الشمالية، في حال امتناعها عن التخلص من سلاحها النووي، هو "أمر مبرر"، كما هو "مبرر"، في نظره، قصف إيران.

وكان بولتون قد انتقد إدارة الرئيس السابق باراك أوباما لموافقتها على الاتفاق النووي مع إيران في سنة 2015، معتبراً أن نص الاتفاقية "تضمن ثغرات كبيرة، سمحت لإيران بأن تطور صواريخها وبرنامجها النووي من خلال تلك الثغرات". وقدّر، في آذار  2015، أن "الحل العسكري هو الحل  الوحيد لهذه المشكلة، والوقت المتاح محدود ولكن ما زالت هناك فرصة لنجاح هجوم، ومثل هذا الإجراء يجب أن يواكبه دعم أمريكي قوي للمعارضة الإيرانية بهدف تغيير النظام في طهران". كما عُرف عنه تشككه بهيئة الأمم المتحدة، إذ اعتبر، في خطاب له في سنة 1994، أنه "لا وجود لشيء اسمه الأمم المتحدة، بل هناك مجتمع دولي قد تقوده أحيانا القوة الحقيقية الوحيدة المتبقية في العالم وهي الولايات المتحدة، عندما يتوافق ذلك مع مصالحها"، وأنه لا بدّ من أن يكون هناك عضو دائم واحد في مجلس الأمن هو الولايات المتحدة.

ويؤكد إدموند غريب الأكاديمي والخبير في الشؤون الأمريكية في حديث لمؤسسة "دويتشه فيله" الإعلامية الألمانية، "أن سياسيين جمهوريين مثل كوندليزا رايس وزيرة الخارجية السابقة، وروبرت غيتس وزير الدفاع الأسبق، نصحا ترامب خلال حملته الانتخابية بعدم إعطائه [بولتون] أي منصب بمسؤولية مهمة، ومع ذلك اختاره ترامب لأنه يريد إلى جانبه أشخاصا قريبين منه أيديولوجيا وعقائديا". أما الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، فقد وصف تعيين جون بولتون مستشارا للرئيس لشؤون الأمن القومي، بأنه "أحد أسوأ أخطاء" الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وقال، في حوار مع موقع "'ٍUSA today"، عن تعيينه بمنصب المستشار إنه "كارثة على البلاد"، مضيفاً: "ربما كان أحد أسوأ الأخطاء التي ارتكبها الرئيس ترامب منذ توليه منصبه هو الاستعانة في العمل ببولتون الذي وقف لفترة طويلة مع الحرب ضد كوريا الشمالية، وأيضا الهجوم على إيران، كما كان أحد النشطاء الرائدين الذين كانوا وراء قرار غزو العراق".

أما ثالث هذا الثلاثي فهي جينا هاسيل، التي عيّنها ترامب مديرة لوكالة المخابرات المركزية الأميركية محل مايك بومبيو، لتكون أول امرأة تشغل هذا المنصب. وكانت قد عينت في 2 شباط 2017 نائباً لمدير الوكالة، وهو ما أثار الكثير من الجدل، إذ وُجهت لها اتهامات بتورطها في عمليات تعذيب جرت داخل أحد سجون المخابرات المركزية الأمريكية السرية في تايلاند، ودعت منظمة حقوق الإنسان في برلين، مكتب الادعاء العام الاتحادي، المكلف بالتحقيق في قضايا الإرهاب في كارلسروه، إلى إلقاء القبض على هاسيل، فور دخولها أوروبا. وهي تنتسب أيضاً إلى التيار اليمني المحافظ، وعرفت بماضيها المظلم في السجون السرية الأميركية ولجوئها إلى أساليب التعذيب الشنيعة، ومنها الإيهام بالغرق، وهو أسلوب تعذيب يحاكي عملية الغرق الحقيقية. وهي انضمت إلى وكالة المخابرات  المركزية في سنة 1985، وكانت نائبة المسؤول عن محاربة الارهاب في الوكالة خوسيه رودريغيز، وعملت عميلة للوكالة في دول عديدة، وخصوصاً في بريطانيا، وارتبطت بمبادرة  تدمير دلائل التحقيقات مع المعتقلين في سجون الوكالة.

ويتساءل الصحافي سيلفان سيبل: لماذا عيّن ترامب ممثلين اثنين للتيار "الهوياتي" الأميركي، هما بومبيو وبولتون، في أهم منصبين في إدارته، أحدهما يمثل اليمين القومي المتطرف، والثاني يمثل التيار الأنغليكاني الملتزم، ويجمعهما "هوس" الدفاع عن الرجل الأميركي الأبيض "المهدد بهويته وبفقدان مكانته المسيطرة؟"، ويشير إلى أنه في الرد عن هذا السؤال، برز رأيان: الأول يرى أن تعيينهما جاء لخلق الذعر لدى الأطراف الأخرى، مثل كوريا الشمالية، تمهيداً لبدء التفاوض معها من موقع قوة، بينما يرى الرأي الثاني أن هناك احتمالاً بأن يقود ترامب بلاده نحو حرب عالمية ثالثة، إذ من  الصعب على الإيرانيين تقديم أي تنازل لإعادة النظر في الاتفاق النووي، الذي من المرجح أن تنسحب الولايات المتحدة منه في 12 أيار القادم، وهو ما سيزيد  من فرص التصادم المباشر مع إيران.