2018-04-14

بدون مؤاخذة: صمود سوريا والتخاذل العربي

جميل السلحوت

العدوان البربريّ الذي تعرّضت له سوريّا صباح هذا اليوم 14-4-2018، لم يكن مفاجئا، فالدّول الدّاعمة والمشعلة لنار الحرب في سوريّا منذ العام 2011، لم تتخلّ عن مخطّطاتها التي تسعى لتحقيقها في المنطقة العربيّة، وليس من السّهل عليها أن تعترف بهزائمها أمام انتصارات الجيش العربيّ السّوريّ على قوى الارهاب العالميّة التي تعيث في سوريّا تخريبا وتدميرا وقتلا وتشريدا، تمهيدا لتقسيمها وتقسيم غيرها من الدّول العربيّة إلى دويلات طائفيّة متناحرة، وتصفية القضيّة الفلسطينيّة لصالح المشروع الصّهيونيّ، على حساب الحقوق الوطنيّة الطبيعيّة والمشروعة للشّعب الفلسطينيّ، وبناء شرق أوسط جديد تكون فيه السّيادة المطلقة لاسرائيل، كونها قاعدة عسكريّة أمريكيّة متقدّمة في المنطقة، ولن يتعدّى دور العربان سوى أن يكونوا "حطابين وسقّائين" حسب التّعبير التّوراتي، وقد ارتضت غالبية الأنظمة العربيّة ذلك، وجنّدت شعوبها لقبول هذا المصير البائس الذي ينتظرهم.

والعدوان الذي تبنّته كلّ من أمريكا وتابعتيها بريطانيا وفرنسا، لم يقتصر على هذا الثّلاثي، فاسرائيل وتركيّا وبعض الدّول العربيّة شريكة فيه أيضا، ومثلما انطلقت جيوش العدوان عام 2003 من دول عربيّة، وجرى تمويل عربيّ لاحتلال العراق وتدميره وهدم دولته، وقتل وتشريد شعبه، ونهب تراثه وحضارته، لا يختلف عمّا جرى في ليبيا عام 2010، من هدم للدّولة الليبيّة، واسقاط نظام القذّافي بغارات طائرات حلف الأطلسي، ومشاركة مخابرات عربيّة، وتمويل عربيّ لاشعال نار الفتنة التي لا تزال مستمرّة في ليبيا، تماما مثلما الحال في سوريا التي جرى تجنيد مئات آلاف المرتزقة المتدثّرين بعباءة الدّين، وخلق تنظيمات ارهابيّة كداعش وجبهة النّصرة وغيرهما، وجرى تمويلهم وتدريبهم وتسليحهم في دول عربيّة وفي تركيا "المسلمة" بإيعاز من قوى الاستعلاء الامبريالي لتدمير سوريا، وما سبق ذلك من عدوان على لبنان عام 2006 تحت شعار "القضاء على حزب الله اللبناني"، حيث أعلنت كونداليزيا رايس وزيرة خارجيّة أمريكا وقتئذ من بيروت أنّه "الآن بدأ تطبيق "مشروع الشّرق الأوسط الجديد". لكنّ صمود حزب الله قد أفشل المشروع الذي لم يتخلّ أصحابه عنه.

ومن الأمور التي لم تعد عجيبة ولا مستغربة، أنّ بعض الأنظمة العربيّة التي لم تكن تجرؤ على الاعلان عن عمالتها لأعداء الأمّة، أصبحت تجاهر وتفاخر بها، في محاولة من قادتها للتّشبّث بكراسي الحكم على حساب شعوبهم وأوطانهم. وتثبت الأحداث المتواليّة أنّه كلّما استشرست قوى الاستعلاء الامبريالي في عدوانها كلّما ازداد العربان رضوخا وتخاذلا، وكأنّهم في سباق في الوصول إلى حضيض الهزيمة، وحتّى من يسمّون أنفسهم "الثّورة السّوريّة"، لم يرفّ لهم جفن وهم يدعون من تل أبيب، ومن عواصم غربيّة وعربيّة إلى تدمير بلدهم سوريّا.

وإذا كانت الشّعوب والحكومات تتعلّم من أخطائها وأخطاء غيرها، فإنّ العربان استثناء من هذه القاعدة، ومن هنا جاء الاعلان في وسائل الاعلام أنّ الطائرات الأمريكية والصّواريخ الذّكية قد انطلقت من قواعد لها في قطر وفي تركيّا، وهذا يعني أنّها اخترقت أجواء عربيّة في طريقها للعدوان على الأراضي السوريّة العربيّة، وهذا يؤكّد أيضا أنّ العربان لم يتّعظوا ممّا جرى للعراق، ليبيا وغيرها، ويواصلون الدّور المرسوم لهم في تدمير سوريّا وقتل وتشريد شعبها، واستنزاف جيشها، وكذلك الحال في اليمن الذي يجري تدميره وقتل وتشريد وتجويع شعبه. وإذا كانت أمريكا قد فشلت في "فتنمة" حربها على فيتنام، وخرجت منها عام 1976 تجرّ أذيال فشلها، فإنّها نجحت في "عربنة وأسلمة" حروبها في المنطقة العربيّة.

لكنّ الصّمود الأسطوريّ لسوريّا قيادة وجيشا وشعبا، ووقوف قوى المقاومة وروسيا وايران معها سيردّ كيد الأعداء إلى نحورهم.