2018-04-11

ماذا حدث في دوما؟

د. عماد الحطبة

كان تحرير الغوطة كاملة أمرا متوقعا، بل أن الكثيرين إعتبروا أن الدولة السورية تأخرت في إنهاء ملف الغوطة الشرقية، خاصة بعد أن تمكنت مع حلفائها من حسم الكثير من المعارك الكبرى في القلمون وحلب وتدمر ودير الزور.

الاعتقاد السائد لدى الجميع، أن التأخير في هذا الملف يعود إلى عاملين، قدرة المسلحين على إمطار دمشق بالاف قذائف الهاون والصواريخ التي ستعرض العاصمة للخطر وتشكل ضغطا عسكريا عليها، والضغوط السياسية التي تتعرض لها دمشق من الجهات الدولية والاقليمية الداعمة للإرهاب التي ستفقد ورقة مهمة من أوراقها في الداخل السوري. تتصدر المملكة العربية السعودية هذه الأطراف كون جيش الإسلام يمثل ورقتها الرابحة في الشأن السوري بعد خلافها مع تركيا وقطر، آخذين بعين الاعتبار أن فصائل الجنوب المدعومة من السعودية عبر الأردن وإسرائيل أضعف من أن تترك أثرا مهما في سير المعارك على الأرض السورية.

ضمن هذه المعطيات لجأت الدولة السورية إلى القضم البطيء لمناطق سيطرة المسلحين، مع بعض العمليات الدقيقة ذات الطابع الجراحي التي نفذتها ضد مواقع الإرهابيين وقادتهم كما فعلت بقتل زعيم جيش الإسلام زهران علوش. وضمن نفس المعطيات تم النظر إلى العملية التي أطلقها الجيش العربي السوري لتحرير الغوطة الشرقية شهر آذار الماضي، حيث راهن الكثيرون على أنها ستنتهي بمصالحات لن تغير الكثير من الواقع على الأرض. وقد تعزز هذا الانطباع بعد التباطؤ في العملية التي انطلقت باندفاعة سريعة، ثم عاد الحديث عن تسويات مع الإرهابيين، ترافقت بمئات قذائف الهاون التي حصدت أرواح مئات الشهداء في دمشق، وبدء الإعداد الدولي لمسرحية كيماوية جديدة، والسعار الذي أصاب الأمم المتحدة التي عقدت عدة إجتماعات لمنظماتها المختلفة وأعدت التقارير المفبركة على عجل لوضع المزيد من الضغوط على الحكومة السورية.

رغم خروج الإرهابيين وعائلاتهم من معظم مدن الغوطة الشرقية باتجاه إدلب، إلا أن العيون بقيت شاخصة نحو دوما، حيث المقر الرئيسي لجيش الإسلام السعودي، وتعزز الانطباع بعدم وجود نية للحسم بعد طرح مبدأ التسوية باكرا وقبل الشروع في المعارك. برز على السطح طرحان للتسوية:

  • طرح الدولة السورية: خروج من يرغب من المسلحين بأسلحتهم الخفيفة نحو الشمال، والمصالحة مع من يرغب بالبقاء وعودة السيطرة كاملة للدولة وأجهزتها على مدينة دوما.
  • طرح جيش الإسلام: إجراء مصالحة، بحيث تشكل وحدات جيش الإسلام شرطة وقوات دفاع محلية، مع السماح لمؤسسات الدولة المدنية بالدخول ومباشرة أعمالها داخل المدينة.

بدت الأمور وكأن الحلفاء الإيرانيين والروس قد قبلوا في قمة أنقرة بطرح جيش الإسلام مع تعديلين يشملان تسليم الأسلحة الثقيلة ودخول الشرطة العسكرية العسكرية الروسية إلى داخل دوما. لكن المفاجأة كانت بدخول الحكومة السورية على الخط وإعلانها إعطاء جيش الإسلام 48 لقبول خطة الحكومة السورية، وحصر المفاوضات بشأن هذه الخطة بالدولة السورية. كانت هذه المرة الأولى التي يبدو فيها أن خلافا ما يدور بين الحلفاء على الأرض. لقد سبق أن حدثت خلافات سياسية خاصة فيما يتعلق بالدستور السوري لكن التوافق في التخطيط والتنفيذ على الأرض كان ثابتا منذ سنوات.

إعتقد البعض أن الحلفاء قبلوا بالتفرد السوري بالقرار، لتلقين القيادة السورية درسا بأنها غير قادرة على حسم المعركة دون دعمهم، لكن النتائج جاءت صاعقة للجميع. خلال ساعات استطاع الجيش العربي السوري تدمير جميع أبراج الاتصالات الخاصة بالمسلحين، واحتلال إحدى غرف عملياتهم وتدمير الأخرى، ولم تمض 24 ساعة على بدء عملية الجيش العربي السوري حتى رضخت مجموعات جيش الإسلام الإرهابي لجميع شروط الدولة السورية، حتى قيل أن قائدها البويضاني سلم نفسه للشرطة العسكرية الروسية.

ما الذي حدث في دوما؟

أثبتت الدولة السورية أنها رغم احترامها وتقديرها للحلفاء ودعمهم، إلا أنها الوحيدة الممسكة بناصية القرارات السيادية على الأرض السورية، وأنها في هذا السياق جاهزة للتحرك بشكل منفرد بما يحقق مصالحها الاستراتيجية.

أثبت الجيش السوري أنه يتمتع بالكفاءة والقدرة التخطيطية والتنفيذية العالية لخوض العمليات على الأرض منفردا، وبفعالية عالية، وأن التأخير في إنجاز بعض العمليات قد يكون مرتبطا بالحسابات السياسية للحلفاء خاصة الروس، ولا علاقة له بالإمكانيات العسكرية على الأرض.

إحترام الحلفاء للسيادة السورية، وقرارات القيادة السورية، وعدم التدخل فيها، بل ودعمها سياسيا وعسكريا ودبلوماسيا، وهو ما اتضح من الموقف الروسي الصلب في مجلس الأمن، والتحذير الذي أطلقه الوزير لافروف من أي هجوم أميركي على سوريا.

تراجع الدور السعودي في الشأن السوري إلى أدنى مستوياته، هذا الدور الذي يعبر عن مصالح مشتركة إسرائيلية أردنية سعودية مشتركة مرشح للتلاشي تماما، إذا اتخذت الدولة السورية قرارا بتصفية المجموعات الإرهابية في الجنوب السوري، وهو الأمر الذي دفع إسرائيل إلى شن غارتها على مطار تي 4، للتأكيد على أخذ مصالحها بعين الاعتبار، في أية تسوية قادمة، خاصة فيما يتعلق بالمناطق الملاصقة لحدود الجولان السوري المحتل.

ما حدث في دوما يتجاوز تحرير بضع عشرات من الكيلومترات، أو بضع مئات من المختطفين، لذلك نجد أن داعمي الإرهاب قد خرجوا عن طورهم وفقدوا اتزانهم السياسي والعسكري بحثا عن وسيلة يخففون بها وقع هزيمتهم، أو يعيدون بها عقارب ساعة الأزمة إلى الوراء.