2018-04-10

الثورة من الشمال إلى الجنوب (5)

د. سمير أمين

ترجمة: د. عماد الحطبة

ما هو مستقبل أوروبا؟

في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، إعتقدتُ أن تشكيل محور “محايد” بين شمال وجنوب أوروبا، يتألف من السويد وفنلندا والنمسا ويوغوسلافيا واليونان، أمراً ممكنا، وأنه قادر على ترك آثار إيجابية على دول أوروبا الغربية والشرقية.

كان يمكن أن يشجع هذا الحلف على إعادة التفكير في الإنحياز الأطلسي، وربما وجد صدى مواتيا في فرنسا. لكن لسوء الحظ، لم يعد ديغول موجودا، ونسى الديغوليون، تماما، تحفظات الجنرال حول الناتو. كان يمكن لهذا المحور أن يشجع إمكانية تحرك بلدان أوروبا الشرقية نحو مواقع يسار – الوسط، وبالتالي تجنب السقوط لاحقا نحو اليمين. كما كان يمكن لهذا المشروع أن يطلق بناء “أوروبا الأخرى” “الأصيلة ” الإشتراكية حقا، وبالتالي يفتح المجال أمام صياغة إشتراكية القرن الحادي والعشرين التي تحترم المكونات الوطنية، وتكون مستقلة عن الولايات المتحدة، وتسهل إجراءات إصلاح حقيقية في ما كان يعرف ببلدان الكتلة السوفياتية. كان هذا البناء ممكنا، بشكل يترافق مع أوروبا بروكسل، كون الوحدة الاقتصادية، في ذلك الوقت، كانت محدودة. لقد تمكنت من عرض هذه الأفكار على قيادة اليسار في البلدان المعنية وتولد لدي الإنطباع بأنها لم تستنكر الفكرة. لكنها لم تتابعها أيضا.

لم يقيّم اليسار الأوروبي المعطيات بشكل صحيح ودعم تطوير المشروع الأوروبي بقيادة بروكسل. لقد كان هذا المشروع رجعيا منذ البداية، وضعه مونيت (الذي كانت آرائه المناهضة للديمقراطية شرسة، كما هو مبين في كتاب “لا فوت دي مونسيو مونيت” الذي أعده جان بيير شوفنمان). كان هدف المشروع الأوروبي، إلى جانب خطة مارشال التي وضعتها واشنطن، إعادة تأهيل القوى اليمينية (تحت غطاء “الديمقراطية المسيحية”) أو حتى الفاشيين، التي خَفَتَ صوتها إلى درجة الصمت بعد الحرب العالمية الثانية، وذلك لإجهاض أي فرصة لممارسة الديمقراطية السياسية. لقد فهمت الأحزاب الشيوعية ما يحدث. إلا أن أوروبا على النمط السوفيتي، لم تكن بديلا ذو مصداقية. كما أن الالتزام غير المشروط الذي أبدته الأحزاب الشيوعية، لاحقا، بالمشروع لم يكن أفضل، على الرغم من أنه كان متخفيا بشكل “الأممية الأوروبية”.

اليوم، نستطيع القول أن دور الاتحاد الأوروبي لم يقتصر على حصر خيارات شعوب القارة في طريق مسدود، يرعاه الخيار “الليبرالي” والأطلسي (الناتو)، بل أصبح، أيضا، أداة  “لأمركة” أوروبا، بحيث تحل ثقافة “الإجماع” الأميركية محل ثقافة الصراع السياسي التقليدية الأوروبية. إن التزام أوروبا بالأطلسي أمر يمكن فهمه، في سياق إدراكها لمزايا استغلال الكوكب لصالح الثلاثي الإمبريالي. و”الصراع” مع الولايات المتحدة ليس سوى نزاع حول تقاسم الغنائم، لا أكثر ولا أقل. لذلك إذا كان للمشروع أن ينطلق يوما ضد الجميع، فإن المؤسسات الأوروبية ستكون العقبة الرئيسية أمام تقدم شعوب أوروبا.

إعادة الإعمار الأوروبي، إذن، تتطلب تفكيك المشروع الأوروبي الحالي. فهل يمكن حتى التفكير بتغيير المشروع الأوروبي – الأطلنطي بوضعه الحالي، وبناء أوروبا بديلة إشتراكية، غير امبريالية تجاه بقية العالم؟ أعتقد ذلك، بل وأعتقد أن إنطلاق مشروع بديل من أي مكان سوف يجد صدى مواتيا في جميع أنحاء أوروبا خلال وقت قصير. اليسار الأصيل لا ينبغي أن يفكر بخلاف ذلك. إذا امتلك جرأة التفكير بهذه الطريقة، فأنا واحد من أولئك الذين يعتقدون أن الشعوب الأوروبية يمكن أن تثبت أنها ما تزال قادرة على لَعِب دور هام في تشكيل عالم في المستقبل.

باختصار، الإحتمال الأقوى هو انهيار المشروع الأوروبي وتحوله إلى فوضى، وهو الأمر الذي لن يثير استياء واشنطن. يمكن أن تصبح أوروبا اشتراكية، إذا امتلكت قوى اليسار الجرأة على جعلها كذلك، أو أنها ببساطة لن تكون.

أعتقد أن التغيير لا يمكن أن يبدأ إلا إذا اتخذت فرنسا بعض المبادرات الشجاعة في الاتجاه الصحيح. من شأن ذلك أن يقود ألمانيا إلى التحرك في نفس الاتجاه، وبالتالي بقية أوروبا. ستكون الطريق مفتوحة للتقارب مع الصين وروسيا. إن وضع أوروبا على الساحة السياسية الدولية يدين بعدم أهميته إلى دعمها لمشروع واشنطن للسيطرة على العالم. إذا كان لها أن تتبع المسار المبين أعلاه، فإنها سوف تستطيع استغلال قوتها الاقتصادية لإعادة بناء عالم حقيقي متعدد الأقطاب. إذا لم يحدث ذلك، فإن “الغرب” سيبقى أمريكيا، وستظل أوروبا ألمانية، وسيظل الصراع بين الشمال والجنوب مركزيا، وأي تقدم محتمل سيقتصر إلى حد كبير على محيط النظام العالمي، وبعبارة أخرى، سنحصل على “طبعة جديدة” من القرن العشرين.

في الختام، أشير مرة أخرى إلى أن نظام العولمة النيوليبرالية قد دخل مرحلته الأخيرة؛ وقرب انفجاره أصبح واضحا، كما يظهر، من بين أمور أخرى، من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، انتخاب ترامب، وصعود أشكال مختلفة من الفاشية الجديدة. إن نهاية هذا النظام الغامضة تفتح المجال أمام حالة ثورية محتملة في جميع أنحاء العالم. لكن هذه الإمكانية لن تصبح واقعا إلا إذا عرفت القوى اليسارية الجذرية كيفية اغتنام الفرص المتاحة وتصميم وتنفيذ استراتيجيات هجومية جريئة تقوم على إعادة بناء الطابع الدولي للعمال والشعوب في مواجهة الطابع العالمي لرأس المال المالي للقوى الإمبريالية. إذا لم يحدث ذلك، فإن القوى اليسارية في الغرب والشرق والجنوب ستكون مشاركة في المسؤولية عن الكارثة التي ستحدث.