2018-04-08

متى يظفر شعب فلسطين بالعدالة؟

سعيد مضية

الجواب واضح وبسيط: عندما تفقد إسرائيل دعم الولايات المتحدة الأميركية. فلا يقلق إسرائيل تنديد دولي ولا يعيق ممارساتها العدوانية قانون أو اتفاق ولا قرار لم تدعمه الولايات المتحدة. ولكن كيف يضمحل الدعم الأميركي او يفقد وزنه فتلك قضية تحتاج الى شرح مطول.

أنشئت منظمة التحرير الفلسطينية بقرار دول الجامعة العربية كيانا سياسيا قائدا للمقاومة الفلسطينية، في عقد الستينات، أبان احتدام الصراع بين الامبريالية وحركات التحرر والديمقراطية للشعوب في قارات آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية. قبل قيام المنظمة ادرجت القضية الفلسطينية والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني أحد بنود البرنامج الوطني لكل من فصائل التحرر الوطني في معظم الأقطار العربية. فبتأثير النكبة اخذت تتصاعد حركات شعبية مناهضة للامبريالية واحلافها، واقترن انتزاع حقوق شعب فلسطين في العودة وتقرير المصير بالنضال المناهض للامبريالية. تصارع داخل المنظمة منذ البدايات عاملان متناقضان - الأنظمة التابعة والحركات الشعبية المناضلة ضد التبعية، تنافس داخل منظمة التحرير تياران رئيسان: يمين ارتبط بالأنظمة الأبوية العربية، ومن خلالها ربط مصير القضية بالولايات المتحدة بالذات لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي ونظامه العنصري، اما اليسار فربط مستقبل المقاومة الفلسطينية بقوى التحرر والديمقراطية، الإقليمية والدولية. اليميني تعجل حل المشكلة الفلسطينية بموقف تتخذه الدولة ذات النفوذ. حينئذ لم تبرز في برامج المقاومة الفلسطينية قضايا اجتماعية، تتعلق بالتنمية وحقوق الكادحين والعدالة الاجتماعية، علما بأن الصراعات القومية لا بد ان تنطوي على منحى ومضمون اجتماعيين.

لم تبرز المشكلة الاجتماعية للمقاومة الفلسطينية ألا بعد تشكل السلطة الفلسطينية؛ آنذاك فرضت نفسها قضايا مثل الاقتصاد السياسي للصمود والتعليم من اجل الصمود وثقافة الصمود. بات الإحساس عاما بأن دولة الاحتلال تضمر التشريد من جديد. لكن القيادة السياسية والرأي العام أغفلوا قضية التغيير الاجتماعي رغم أن الوظيفة المسندة للاحتلال الإسرائيلي تتلخص في التمهيد للتهجير من خلال التضييق على الأوضاع المعيشية ، مثلما يجري حاليا بمدينة القدس الشرقية وفي القرى والبلدات المحاصرة بجدار الفصل العنصري او بالمستوطنات واعتداءات المستوطنين. وبعد اتفاق أوسلو توزع اهتمام الرأي العام بين توجهين يمينيين وضعا الجمهور في صقيع انتظار الذي لن يجيء: توجه سلفي عول على العمل المسلح وآخر علماني انهمك بالتفاوض. 

على غرار قادة عرب أمثال عبد الناصر وعبد الكريم قاسم والقذافي وصدام حسين والأسد مضى ياسر عرفات: ناصب العداء للامبريالية وركيزتها في المنطقة، إسرائيل، ومن جهة مقابلة عمل على ترسيخ نظام أبوي شمولي حرص بوعي وتصميم على إغفال القضايا الاجتماعية وتزييف الديمقراطية بشطب النشاط المستقل للهيئات الشعبية والوطنية. لم تصمد الأنظمة الأبوية الشمولية بوجه الحملات الامبريالية ضد التحرر الوطني والديمقراطية، وانهارت مع منجزاتها. ولحقت نكسات بحركة التحرر الفلسطينية، اصابت بالإحباط قطاعات اجتماعية واسعة، ما أضعف النفوذ الاجتماعي لقوى المقاومة والتغيير الاجتماعي. تصاحب هذا الاتجاه السلبي مع ممارسات وقيم سياسية صدرتها الولايات المتحدة في مناخات الحرب الباردة، وأبرز مظاهرها عنصرية النظام الأميركي ضد السود وكل الملونين في الداخل والعالم الخارجي، تجلت في هجوم امبريالي متعاظم على حركة التحرر والديمقراطية في قارات آسيا وإفريقيا واميركا اللاتينية، مسوغها ان شعوب تلك القارات غير مؤهلين لحكم أنفسهم وعاجزين عن استيعاب نظم الديمقراطية.

يلقي الضوء على المفارقة تقييم الدكتور كينغ، داعية الحقوق المدنية في ستينات القرن الماضي، لمظاهرات صيف 1966 وصيف 1967 في الولايات المتحدة ضد التمييز العنصري.

"العنصرية والظلم الاجتماعي والحرب مكونات مركب السياسة الأميركية التي تتطلب تحولات اجتماعية للتخلص منها"، كما نقل عنه الكاتب الأميركي التقدمي، باول ستريت، المؤرخ والمحلل السياسي في بحث نشره بمجلة كاونتر بانش (4نيسان /ابريل 2018). وحسب باول ستريت، "لم يعتذر كينغ عن العنف الممارس من قبل السود، والقى المسئولية على هياكل السلطة في البلاد التي ما زالت تحافظ على جدران العزل العنصري دون ان تمس. ان مجتمع البيض غير مستعد وغير راغب في إحداث تغييرات بنيوية راديكالية." 

في نفس البحث رصد ستريت أن عهد كندي شهد تنامي حركة الحقوق المدنية لإنصاف السود... العقيدة الاقتصادية، التي اعتنقها الرؤساء كافة، تقول ان مفتاح التنمية الاقتصادية يكمن في إطلاق حرية الشركات الكبرى في السعي من أجل الأرباح. بهذه الرؤية فإن كندي وشقيقه روبرت، الذي شغل منصب المدعي العام، أبديا التعاطف مع مناهضي العدالة للسود، باستثناء عناصر فاشية. بموقفهم من العنصرية ضد السود تعاطف آل كندي مع ممارسات إسرائيل العنصرية تجاه شعب فلسطين. تتجذر عنصرية البيض في بدايات تشكل مجتمع البيض في القارة الجديدة، وترتبط بتأويل مغرض للتوراة؛ بذلك رسم استيطان البيض في القارة الجديدة خارطة طريق للاستيطان اليهودي بفلسطين. اطلق المستوطنون على انفسهم حملة الرسالة المقدسة.

استعاروا من العهد القديم صفة العبرانيين يطاردون الكنعانيين ليبنوا على أنقاضهم حضارة متقدمة. حمل الاستيطان الأبيض بالقارة الجديدة خرافات التوراة وقدم مثال الاستيطان في اميركا تغذية ارتجاعية للاستيطان اليهودي بفلسطين، الى جانب التماثل الوجودي والثقافي بين المجتمعين الأميركي والإسرائيلي. أثناء الاستيطان بالقارة بات حق القوة لا ينازع، بحق القوة عرفت الولايات المتحدى ومارست "حدود وسيادة" ثم رسمت لنفسها حدود "امن". وهذا ما نقلته الصهيونية وغدا قانونا إسرائيليا نافذا : حدود امنها تصل إيران وباكستان وجنوب السودان.

وبحق القوة تحول اغتصاب الأرض الى حيازة والحيازة الى ملكية. تسن لنفسها القوانين وتتعامل مع المستجدات في تنظيم علاقات الغلبة والسيطرة . باتت القدرة على استصلاح الأرض مصدر حق لوضع اليد، بديلا للملكية الأصلية. القانون يكتبه الأقوياء. "الخلاص من الهنود الحمر ارخص بكثير من محاولة تمدينهم، فهم همج برابرة لكن النصر عليهم سهل ووسائل النصر كثيرة: بالقوة، بالمباغتة، بالتجويع، بحرق المحاصيل، بتمزيق شباك الصيد، بتدمير القوارب والبيوت ... وفي المرحلة الأخيرة المطاردة بالجياد السريعة وبالكلاب المدربة، تخيفهم وتنهش الجسد العاري." تلك هي خصوصية قيم الاستيطان في ظل القوة المتفوقة. 

وفي بحث اعده نوعام تشومسكي عام 1993، حول حركة الحقوق المدنية في ستينات القرن الماضي "أبهج الإخوة كندي اتهام داعية حقوق الإنسان الدكتور مارتن لوثر كينغ بالشيوعية، ودعموا موقف العنصري ادجار هوفر مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي في فرض الرقابة الدقيقة على تحركات كينغ وخطبه" ، وافضى التحريض عليه الى قتله على يدي "متطرف ابيض". 

دحض تشومسكي الزعم بأن كندي كان يتجه نحو تخفيف التوتر الدولي ووقف الحرب في فيتنام، بالعكس طفق يبحث عن ديكتاتور مثل سوهارتو، زعيم الانقلاب في اندونيسيا، ينوب عن أميركا في سحق الثورة الفييتنامية. اكد تشومسكي انه لدى اغتيال كندي كانت السي آي إيه ومستشارو الرئيس كندي منهمكين في تدبير انقلاب عسكري ضد حكومة غواو غولارد البرازيلية المنتخبة ديمقراطيا. ونفذ الانقلاب عام 1964، بعد شهور من اغتيال كندي .نظمت إدارة كندي عدة مؤامرات لتحطيم النظام الثوري في كوبا واغتيال فيدل كاسترو منها غزو خليج الخنازير الذي انتهى بالفشل .دشن انقلاب البرازيل حركة انقلابات نظمتها المخابرات المركزية الأميركية، تجسدت في المجزرة المروعة في أندونيسيا (1965) أبيد خلالها ثلاثة ملايين من التقدميين، واستؤصلت من جرائرها القدرات الثقافية للبلاد، ثم الانقلابات في غانا (1966) والأرجنتين واليونان وكوريا الجنوبية وفيتنام الجنوبية وتشيلي (1973).وضمن المسلسل تم العدوان الإسرائيلي عام 1967.

استجاب كندي بحماس لنصيحة كبير مستشاريه الاقتصاديين، غالبرايت، لترويج نمط الاقتصاد الاستهلاكي باعتباره المظهر للتقدم والرفاهية. من خلال نمط الاقتصاد الاستهلاكي، تركت السياسات الأميركية أثرها المقوض لاستقلال بلدان العالم الثالث وأعطبت ثقافاتها. امكن كسب عواطف نخب الاقتصاد الكمبرادوري في بلدان العالم الثالث وربطها بتبعية اقتصادية وسياسية وثقافية للولايات المتحدة. مع تنشيط الاستهلاكية نشطت بالتفاعل معها هيئات الفساد الإداري والاقتصادي في بلدان العالم الثالث وتعطلت مشاريع التنمية وتوجهات التحرر الاقتصادي. هيأت الاستهلاكية الأرضية الاجتماعية لليبرالية الجديدة بعد عقد من الزمن، فحولت الظاهرة الجديدة نزعة الرأسمال للتسلط السياسي إلى موجة طاغية اسست لنظم شمولية تحكمت في التعليم وقلصت الديمقراطية وتنكرت لمصالح وحاجات الجماهير ونشرت ثقافة الكراهية والقسوة والفردية.
شنت إسرائيل عدوانها عام 1967 بالتعاون مع الولايات المتحدة وضمن مسلسل ضرب حركات التحرر الوطني في قارات آسيا وإفريقيا واميركا اللاتينية. تزامن العدوان مع إشاعة نمط اقتصاد الليبرالية الجديدة وثقافتها، وتشابكت نتائج الحدثين اللذين شكلا منعطفا تاريخيا في حياة المنطقة والعالم بأسره. كان هدف العدوان الإطاحة بنظام عبد الناصر او على الأقل تحطيم نفوذه على الصعيدين الإقليمي والدولي. ومن جانب إسرائيل استهدف العدوان الشروع في المرحلة الثانية من التطهير العرقي التام بفلسطين. ولهذا الغرض بسطت نظام الأبارتهايد عبر الخط الأخضر ليشمل أراضي فلسطين كافة. الحرب الخاطفة لم توفر الفرص لتكرار نموذج الطرد الجماعي بالقوة وعهد الى نظام الأبارتهايد إنجاز المهمة. مخططات الاحتلال في الضفة موجهة بغرض تضييق الخناق على الفلسطينيين وجعل حياتهم لا تطاق، وهيأت لها الليبرالية الجديدة التي امسكت بخناق الأنظمة الأبوية، الفرصة للانفراد بالشعب الفلسطيني ومحاصرته ببرنامج استيطاني، إذا لم ينحسر ويفكك فإنه يجعل من المستحيل قيام دولة فلسطينية بجانب إسرائيل.
تعززت العلاقات الاستراتيجية بين إسرائيل والولايات المتحدة نتيجة "انتصار" حزيران، بتأييد شبه مطلق من شعبي البلدين. تعاظم نفوذ المحافظين الجديد، ونواته المسيحيين الصهاينة، التي استوعبت ضمن مشروعها للهيمنة الكونية مشروع الصهيونية للاستحواذ على كامل فلسطين.

تعمقت مظاهر العنصرية والظلم الاجتماعي والحرب، ضمن مكونات مركب السياسة الأميركية، وجاء انتخاب ترامب حصيلة طبيعة لأعراض الوباء المستفحل في الحياة الأميركية منذ قرون. اعتبر المفكر الأميركي مارك بروجينسكي انتخاب ترامب: "يعكس جانبا هاما من اميركا؛هذا الجانب معروف جيدا (ولو ان تفاصيله غير معروفة تماما) فقد تغذى من فساد الطبقة السياسية وحدبها على منافعها الخاصة، إنها جماعات الضغط والمتنفذون من ملأ السلطة، الى جانب الميديا الرئيسة في الولايات المتحدة. والكثير من معالم "الاستثنائية" الأميركية وذهنية القتل وفدت من السيكولوجية العميقة التي يحرص ترومب على تمجيدها وتغذيتها لكي يستثمرها" .

في إطار الحرب الباردة تعاظم النهم الأميركي للهيمنة، فحرضت المخابرات المركزية الاستخبارات العسكرية الباكستانية على تدبير الاستفزازات ضد جمهوريات الاتحاد السوفييتي.

ولدى قيام الحكم الوطني الديمقراطي في أفغانستان سارع بريجيبسكي في الحال لدفع العناصر السلفية في العالم الإسلامي على التدخل . قبل ستة أشهر من التدخل السوفييتي أبلغ بريجنسكي، مستشار الأمن القومي، الرئيس كارتر أن الولايات المتحدة، إذ تدعم "المجاهدين"، فإنها "تستدرج الاتحاد السوفييتي للتدخل العسكري". أظهر شيوخ القبائل والإقطاعيون وأقطاب الجماعات الدينية المنتشرة في أفغانستان الحرص على منع التغييرات الاجتماعية، مثل تعليم المرأة وفتح المدارس في مختلف أنحاء البلاد وتطوير الخدمات الطبية في البلاد، جرى تمويه الصراع بقناع الدفاع عن الدين. أعلن بريجنسكي ان الولايات المتحدة سوف توفر "الفرصة لتوريط الاتحاد السوفييتي في حرب فييتنام"، بقصد الاستنزاف. سارعت دول مصر والسعودية وغيرهما في الشرق الأوسط بتشكيل فصائل "المجاهدين من اجل الحرية" في أفغانستان، وقدمت لهم المساعدات السخية. لدى توجيه الصحفييْن الأميركيين، اليكسندر كوكبيرن وجيفري سانت كلير السؤال الى بريجينسكي هل ندم بسب تقديم المشورة والأسلحة الى "الإرهابيين اللاحقين"، أجاب: ما هو الأهم في تاريخ العالم؟ طالبان أم انهيار الاتحاد السوفييتي؟ سخط المسلمين ام تحرير أوروبا الوسطى وانتهاء الحرب الباردة؟ 

لم تنته الحرب الباردة. بعكس ما انتظره العالم جرى تنفيذ برنامج ضخم للتسلح وسط تحذيرات سياسيين أميركيين متنفذين من خطر وافد وتحريض على رفع مخصصات الحرب وتطوير معداتها. نزلت الى الساحة الثقافية مقولة صراع الحضارات. في هذا السياق طرح روبرت كاغان، عميد المحافظين الجدد، خطة الهيمنة الأميركية طوال قرن كامل على العالم، وأسس مراكز الأبحاث لخدمة هذا الهدف. قدرت هيلاري كلينتون، وزيرة خارجية الولايات المتحدة، مواهب فيكتوريا نولاند، زوجة كاغان، وخدمت في إدارة الجمهوريين السابقة مساعدة لنائب الرئيس ديك تشيني، وعينتها مسئولة قسم اوروبا ، فنجحت في إحداث الانقلاب في أكراينا نفذه النازيون الجدد. تباهت نولاند بإنفاق خمسة مليارات دولار تكاليف الحملة لتغيير نظام الحكم في أكراينا. وبدات الحملة لشيطنة روسيا ورئيسها بوتين؛ وحملات الدعاية المعادية تمهد عادة للحروب.

تضمن نص برنامج المحافظين الجدد، الذي خطه بول وولفوويتز ، بندا ينص على "سحق أي دولة تتصدى للمشروع العولمي الأميركي او تستحوذ على إمكانات مادية وعلمية تؤهلها لاحقا للوقوف بوجه الولايات المتحدة". ونُشِرت مقالات تستدعي بيرل هاربر جديدة تطلق ايدي الأميركيين في شن الحروب. وبالفعل حدثت تفجيرات 11/9/2001 في نيويورك التي اطلقت أيدي المحافظين الجدد لتوجيه السياسات الأميركية، الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية والثقافية، وكان غزو أفغانستان والعراق، وتشكيل فرق السلفيين الجهاديين يغرقون الأقطار العربية بالدماء.

كان جيمز بيكر قد وعد ميخائيل غورباتشوف، ان لا يتمدد حلف الأطلسي "بوصة واحدة" باتجاه الشرق قريبا من روسيا، مقابل التعاون في توحيد المانيا ،. لكن حدث في العام 1999 أن قبلت جمهورية تشيكوسلوفاكيا(التي انقسمت الى جمهوريتي تشيكيا وسلوفاكيا) وهنغاريا وبولندا في حلف شمالي الأطلسي. وضمت المانيا الشرقية الى الغربية. وعلق جورج كينان أحد استراتيجيي الحرب الباردة أواخر أربعينات القرن الماضي وسفير أميركا سابقا في الاتحاد السوفييتي، بالقول،"اعتقد انها بداية حرب باردة جديدة، وأعتقد أن الروس سوف يردون على الخطوة وسيؤثر ذلك على سياساتهم. ارى ان الغرب اقترف خطأً تراجيديا، وما من مبرر لذلك... فالخطوة تظهر إدراكا ضعيفا بتاريخ روسيا والتاريخ السوفييتي". ادركت إدارة أوباما في السنتين الأخيرتين محدودية القوة الأميركية وهبوطها عن مستوى طموحات الهيمنة المطلقة، وفي مقابلة صحفية أعلن الرئيس اوباما عدم موافقته على برنامج المحافظين الجدد، فبرنامجهم أعلى من قدرات أميركا المحدودة نسبيا. وإسرائيل أيضا لم يعد بمقدورها شن الحروب حسب المشيئة والخروج منها بالمكاسب وتغذية حاجات المنطقة المستدامة للسلاح.

أحدثت الليبرالية الجديدة وأنظمتها الأبوية المستبدة حالة بيات شتوي طويلة نسبيا جمدت الأنشطة السياسية والثقافية في المجتمعات العربية. الامبريالية وقوى المحافظة التابعة لها تمعن في محاولات عزل تيار التغيير وقمع عناصر التغيير التقدمي وشيطنتها؛ والعزلة بدورها تولد التباسات مربكة تطغى حيالها على استجابات الجماهير مظاهر اللامبالاة حيال المصير الوطني. مكامن الشحن الثوري اطلقت في العقد الثاني من القرن، كالعنقاء من بين الرماد، انتفاضات شعبية رفعت شعار "الشعب يريد إسقاط الحكم" ونادت بمطالب الخبز والحرية والكرامة. جسدت الانتفاضات رفض نظم الليبرالية الجديدة في العالم العربي. ردت قوى الليبرالية المحلية والدولية سريعا على التحركات الشعبية، وموهت ثورتها المضادة بتلفيقات "الربيع العربي".

شملت الثورة المضادة احتضان الحركات السلفية التكفيرية وتسليحها وتمويلها كي تشغل المجتمعات العربية بالقتل والتدمير. حدث جزر مؤقت للنشاط الثوري، لكنه لم يدخل مرحلة الموت السريري. في الأجواء الملبدة بدخان انتظار المجهول يهيمن ارتباك سياسي - ثقافي، إذ أوقف الحراك الشعبي رهن مشيئة اليمين الديني؛ بينما تصرف اليسار كمن ينشر الغصن الذي يجلس عليه. تهميش الجماهير آفة سياسة –ثقافية وعقب أخيل لليسار الاجتماعي والسياسي ومن ثم لنضالات التحرر والتغيير الاجتماعي التقدمي.

الجماهير بدون تحفيز قوى التغيير، تعتاد تردي الأوضاع التدريجي والتهميش وحتى الاستلاب. في تجربة بيولوجية على ضفدع القيت في وعاء به ماء وضع فوق النار، هجعت ولم تشعر بارتفاع حرارة الماء الى أن هلكت لدى غليان المياه، بينما القيت ضفدع في ماء يغلي فقفزت من الوعاء وهربت. إذا طغت على استجابات الجماهير مظاهر اللامبالاة والحيدة حيال المصير الوطني فذلك مؤشر خطر. بينت مظاهرات يوم الأرض - الجمعة 30 آذار – انطواء المجتمع الفلسطيني وكل المجتمعات العربية على خزان طاقة ثورية، وأخشى ما تخشاه إسرائيل هو الحراك الشعبي والمقاومة الشعبية، تسلط عليه النيران كي يُستثار ويتحول الى مواجهة مسلحة غير متكافئة تتيح للعسكر التعامل بالقوة المسلحة مع المقاومة والفتك بالجماهير وترويعها. 

القيادة الملتصقة بالشعب تقيم صلات منتظمة ومتواترة مع الجماهير، تحلل وتركب وتستخلص، تصدق القول، إذ ترشد وتحذر فتكتسب ثقة الجماهير، وتحركها الى فعل التغيير التقدمي. ومن خلال الفعل الثوري يجري تطوير الثقافة الثورية. الفعل الثوري يمعن النظر في التباسات الواقع وتشابك خيوطه لتتبين طبيعة الوجود العربي تقتضي تحقيق وحدة كفاحية تضم مجتمعات المنطقة، او على الأقل المجتمعات المواجهة لإسرائيل، تشدد عزلتها وتستهدف المصالح الأميركية بالمنطقة، تسرع وتعظم تدفيع أميركا ثمن دعمها لعدوان اسرائيل، وصولا لتصفية مصالح اميركا بالمنطقة باعتبارها مصالح امبريالية غير مشروعة. يصعب إدراك الجماهير هذه الحقائق وهي في حالة عزلة وسكون.

مع تصاعد النضال الشعبي تغدو الثقافة من معارف علمية وفنون بمختلف أشكالها مطلبا للجماهير كمطلب الغذاء اليومي ولا تعود الثقافة مقتصرة على النخب المتعلمة. إلى جانب نقل الوعي الثوري من جانب العناصر المثقفة والأحزاب السياسية ينبغي تأصيل التثقيف الذاتي، بموجبه يغدو البحث عن المعرفة والإقبال على الكتاب ثم متابعة منتجات الفنون التشكيلية والأدبية والموسيقية والمسرحية الخ مطلبا وممارسة جماهيريتين. إن الإقبال على الكتاب احد معايير التطلع الشعبي للمعرفة تفك ألغاز الواقع الاجتماعي وسيرورة النضال التقدمي. والمعرفة قوة تتيح إمكانات السيطرة على سياق التغيير الاجتماعي التقدمي.

إذا استوعبت الحركات المناوئة لبرنامج الهيمنة الأميركية دروس التجارب السابقة، خاصة أهمية الديمقراطية والاستناد الى حركة الجماهير المستقلة والواعية في رفع كفاءة النضال التحرري، فإنها تستطيع إلحاق الهزيمة بالتحالف الاستراتيجي الامبريالي - الإسرائيلي. ومصير المقاومة الفلسطينية مندمج عضويا بمصائر حركات التحرر الوطنية الديمقراطية داخل الاقليم وخارجه ومشروطة بتجفيف مستنقعات التوتر الدولي وإسكات طبول الحرب.