2018-04-01

زيوف وتلفيقات ضمن مكائد الامبريالية

سعيد مضية

منذ تفجيرات الحادي عشر من أيلول في نيويورك والإملريالية ورديفتها الصهيونية توجهان الإدانات دون دليل وحتى قبل إجراء التحقيق. لم يتوقف تحريف الوقائع وتشويه الحقائق وتلفيق الأخبار لتبرير جرائم العدوان التي ازهقت مئات الوف وربما ملايين الضحايا، مثل غزو العراق وحرب التدخل في سوريا وقبل ذلك استيطان الصهاينة في الأرض الفلسطينية طبقا لادعاءات سخيفة ومبتذلة. وما زالت الزيوف والكيد تعتمد لشن حملات التحريض ضد إيران وروسيا ودول اخرى ترفض هيمنة الولايات المتحدة الأميركية.

لو اقتضت جريمة الجاسوس القتل لصدر حكم قضائي مبرر ومفهوم في حينه بإعدامه. أما العاصفة المثارة بصدد موت عميل مستهلك ونفذت خبراته ومعلوماته الاستخبارية فلا يتساوق إلا مع مسلسل الكيد وإنزال العقوبات وشن حملات التحريض والتشويه عقابا على مواقف أفشلت مؤامرات على شعوب المنطقة وتعارض الهيمنة الأميركية المنفردة على العالم، وآخرها إنقاذ سوريا من التفتت. الأقرب للمعقول ان العميل تمت التضحية به بعد ان استهلك وأحيل على التقاعد. وجاءت مبادرة رئيسة الحكومة البريطانية، علاوة على الكيد والانتقام، محاولة لتحصين موقفها وموقعها بوجه مطامع من داخل حزبها للحلول محلها . وهي تود التمظهر بالمرأة الحديدية، سيما وقد ألمحت الى أن تصديها لروسيا ليس له سابقة خلال ثلاثين عاما، أي منذ وزارة تاتشر. 

المستحضر الكيماوي، نوفيتشوك، ليس بالسلعة النادرة، فقد تردد ذكره في المحافل الأكاديمية، بما في ذلك عناصره التركيبية، بحيث بات يحضر من قبل العديدين. ونبه رئيس المعارضة، كوربين ، لدى رده على رئيسة الوزراء في مجلس العموم البريطاني نبه بان هذه المادة الكيماوية موجودة بأيدي المافيا في أوروبا الشرقية. ان التضحية بعميل او بآلاف البشر الأبرياء البعيدين عن السياسة ممارسة مألوفة من قبل الهيئات الاستخبارية والأجهزة السرية في دول الغرب الامبريالية.
تقترن حكاية دخول اميركا الحرب العالمية الثانية بتحطيم اسطولها الحربي في ميناء بيرل هاربر. لم يباغت العدوان الياباني القيادة العليا الأميركية، فقد تم بتدبير ومعرفة تامة من قبلها، لكنها اخفت الخطة عن الجمهور الأميركي. مرارا ضحت الدبلوماسية الأميركية بملايين الأميركيين وأبناء الشعوب الأخرى على مذبح المصالح العليا للاحتكارات عابرة القارات. راح ضحية الحادث 2403 من جنود البحرية الأميركية، مما اثار غضب الشعب الأميركي، واكسب خيار الحرب موافقة الرأي العام. وغدت بيرل هاربر نموذجا يستلهم لحفز التأييد الشعبي للحروب. 

كشف الصحفي الأميركي ،كيفين باريت، أن مقالة ظهرت بمجلة فورين أفيرز كتبها فيليب زيلكاو، الصديق المقرب لبول وولفويتز وكلاهما من صقور المحافظين الجدد، توقع فيها حدثا مثل بيرل هاربر يسفر عن نتائج سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية تتيح للولايات المتحدة الذهاب في مغامرات حربية جديدة. يقول باريت، هذه المقالة تشكل بينة على معرفة مسبقة بتفجيرات 11 ايلول 2001 في نيويورك. ورغم ذلك عين زيلكاو من قبل تشيني – بوش الابن مشرفا على التحقيقات بشان الحادث. نقل الكاتب باريت عن مصدر صحفي ان زيلكاو وضع الخطوط العريضة لتقرير لجنة التحقيق قبل أن تشرع عملها. سيطر زيلكاو تماما على كتابة التقرير الذي جاء بمثابة رواية مشوقة. ويقول باريت مورس تعذيب شديد على خالد شيخ محمد، احد المتهمين وعضو القاعدة، شملت 83 مرة تمثيل الإغراق بالماء، ضمن عملية غسل دماغ، بحيث اجبر على اعترافات جاءت مطابقة لنص التقرير. اجبر على ترديد رواية زيلكاو المفبركة. 

في هذا السياق أكد الرئيس الإيطالي الأسبق فرانسيسكو كوسيغا لصحيفة كورييرا دي لا سيرا ان تفجيرات 11 أيلول تمت "بتدبير عقول رفيعة المؤهلات تتوفر لدى الموساد والسي آي إيه، وهذا معروف لدى جميع دوائر الاستخبارات في أميركا واوروبا. والقصد من ورائها التشهير بالعرب ودفع دول الغرب للمشاركة في غزو أفغانستان والعراق".

سجلّ الدبلوماسية في الغرب حافل بالتزوير والتلفيق بقصد الكيد وتبرير المغامرات الحربية. في هذه المناخات تشكل وتطور التجمع الصناعي - العسكري أخطبوطا مد أذرعه داخل قطاعات الحياة الأميركية والدولية. ورغم تحذير الرئيس الأميركي أيزنهاور في خطاب نهاية فترة إدارته من خطورة هذا الكائن المفترس فقد غدا مكونا عضويا في اقتصاد الولايات المتحدة وسياساتها وثقافتها؛ غدت الحروب مصدر عافية للاقتصاد الأميركي. فقد انشغلت الولايات المتحدة في الحروب طوال 218 عاما من عمرها الذي تجاوز ال 240 بقليل.

وخلال نصف القرن الأخير من سيطرة الليبرالية الجديدة تشكل نظام شمولي قلص الحريات العامة وأشاع العنف في سياسات الداخل والخارج. تم إلغاء كل ما ينمي التفكير النقدي من برامج الدراسة، وباتت الأكاذيب أمرا معتادا، وينظر بازدراء او التجاهل لعلاقة الجمهور بالحقيقة. كلمة ميديا تنطوي على مضمون لاهوتي يعني الواسطة او مبلغ الرسالة(ميديوم)، حيث وظيفة الميديا تبليغ رسالة المؤسسة او الملأ وعلية القوم الى الجمهور. ليس مهمة الميديا الصدق ، فقد أخْلت ديمقراطية الإعلام مكانها للتزوير والتلفيق ولسيطرة الاحتكارات الكبرى على الإبداع الثقافي وأجهزته. أفرغت الكتب المدرسية من كل ما يذكر بالتكافل الاجتماعي وبقول الحقيقة. انتقل المتطرفون ودعاة الحروب الى صدارة السلطة السياسية، وأشيعت ثقافة القسوة والكراهية ونشر المخاوف كي يتقبل الجمهور سلطوية الحكم ومراقبة السلطة للجمهور بدل مراقبة الجمهور للسلطة السياسية. سقطت العدالة الاجتماعية والتبصر السياسي للصالح العام ضحايا للفردية المنفلتة وللجشع الذي بات فضيلة قومية، وأخذت تذوي المؤسسات التي قصد من إنشائها مخاطبة القضايا والمشاكل الاجتماعية الحيوية.

"نحن الصحفيين جميعنا نكذب لصالح السي آي إيه .. حان الوقت للقول ان الميديا الأميركية والألمانية تحاولان إدخال شعوب اوروبا في الحروب ضد روسيا..". هذا ما ورد في اعترافات الصحفي الألماني ، الدكتور اولف كوته الباحث في معهد غلوبال للأبحاث، على شاشة التلفزيون العمومي عام 2015. قال في تصريحه "لقد اجبرت على نشر أعمال عملاء الاستخبارات مذيلة باسمي"، مضيفا ان "عدم الإذعان لأوامر السي آي إيه يسفر عن فقدان الوظيفة." ومضى اولف كوته الى القول انه خدم في الصحافة مدة خمسة وعشرين عاما، تلقى خلالها دروسا في الكذب والغدر وعدم قول الحقيقة للجمهور.. "والآن بلغْتُ نقطة اللاعودة وانوي التوقف والقول أن ما قمت به في الماضي كان خطأً، حيث تلاعبْتُ بعقول الناس ونشرْتُ الدعايات ضد روسيا. وما يقوم به زملائي وما قاموا به خطأ لأنهم يتلقون الرشاوى للغدر بالناس ليس في ألمانيا فقط، بل في أنحاء اوروبا."

أن يفرض على الصحفي مواقف تحت التهديد بالطرد امور مألوفة في دول الغرب منذ ان دخلت الحرب الباردة ضد السوفييت والاشتراكية. فقد أجبر صحفيون غربيون، تحت طائلة الطرد من العمل، على التنصل من كتاباتهم، كمراسلين حربيين، وكانت إيجابية عن الاتحاد السوفييتي ومآثر "العم ستالين"، إبان الحرب العالمية الثانية. هكذا بدأت الحرب الباردة الثقافية ضد الاتحاد السوفييتي. ولم يخجل تشرشل، السياسي البريطاني البارز آنذاك، من استخدام عبارة "الستار الحديدي" التي صاغها هتلر من قبل.

ليس الدكتور اولف كوته وحيدا في ما أقدم عليه فهناك الكثير من الصحفيين التائبين، من بينهم الصحفية الأميركية، امبرليون، الفائزة ثلاث مرات بجائزة إيمي الصحفية. قالت في اعتراف لها أن الصحفيين يتسلمون بصورة روتينية مبالغ من حكومة الولايات المتحدة وحكومات اجنبية أخرى لنشر تقارير منتقاة تشوه الحقائق بصدد أحداث معينة. كما كشفت عن ان الحكومة تشرف على تحرير المواد الإخبارية. يتزايد بذلك اعداد الناس ممن يعبرون عن القلق من أن الميديا الرئيسة تقوم بعمليات غسيل دماغ وتقديم عالم وهمي مغاير للواقع والحقيقة. يجري هذا لدى مقاربة قضايا الصحة والتغذية والفقر كما يجري في الأخبار العامة. وتعاقب حكومات الولايات المتحدة أية حكومة اجنبية لا تمتثل لتوجيهات تصدر من اميركا لنشر الوعي الزائف بصدد القضايا المطروحة للجمهور.

روبرت كوسوث اكاديمي متقاعد عمل محاضرا وإداريا بجامعة ويسكونسين سوبيرير. في مقال نشره بمجلة كاونتر بانشن (29 آذار 2018) شبّه تصرفات الحكومات الأميركية بطاعون كافكا في روايته "الطاعون". نزل "انتخاب ترامب احد اعراض الوباء المستفحل في الحياة الأميركية منذ قرون". قال كوسوث ان للعنصرية جذورا عميقة في المجتمع الأميركي، إذ تزامنت مع تشكل مجتمع البيض في القارة الجديدة، واستيراد العبيد للعمل في زراعة القطن. واكب تطور مجتمع البيض في الولايات المتحدة ترسخ قيم مثل العنف المسلح واستثنائية الولايات المتحدة والفردية الأنانية وثقافة العنف والكراهية ودعايات الميديا. "ما من مشكلة ليس لها حلول عسكرية حسب الثقافة الأميركية، ومعارضو الحرب اناس غير وطنيين.. بات واجبا على كل من يريد الارتقاء الى النخب تبني قيم البيض"، مثلما فعلت كوندوليزا رايس ومن بعدها باراك اوباما، الذي شهدت إدارته ارتفاع مناسيب التمييز ضد السود بما في ذلك القتل العشوائي. 

حث كوسوث على المثابرة في مكافحة وباء الطاعون، وحيث تأتي النتائج دوما غير حاسمة، فإن الكفاح يجب أن يتواصل. قال ورغم أن بيرني ساندرز طرح البديل إلا اننا بعيدون عن التوصل الى البديل؛ فلكي تتخلص الدبلوماسية الأميركية من عرض فيتنام ( الخشية من خسائر الحروب) تم اللجوء الى طائرات بدون طيار ، تقذف الضحايا "بأسلحتها الذكية" بدل إرسال الجنود كي لا يسكب الدم الأميركي النفيس كما كان يحدث في سنوات خلت. تقترن العدوانية الأميركية المزمنة بما يطلق عليه "الاستثنائية الأميركية". وقال ساخرا، "تتمتع اميركا بخصوصية، حروبها تجلب الحرية والديمقراطية وتثبت حقوق النساء في مجتمعات القهر والظلامية!"

الرئيس الأميركي ترامب وعد بلقاء رئيس كوريا الشمالية والتباحث معه لإيجاد حل سياسي لأزمة السلاح النووي في كوريا؛ وفي نفس الوقت عين جون بولتون مستشاره للأمن القومي. بولتون داعية مزمن لاستبدال السياسة بالحروب.. ضرب كوريا الشمالية بالسلاح النووي والتدخل العسكري فى مختلف بقاع العالم، ومهاجمة ايران بالسلاح النووي، وضرب كوبا وتغيير النظام في إيران "مثلما غيرت أميركا الأنظمة في الشرق الأوسط" حسب قوله. بولتون يواصل أسوأ تقاليد الحرب الباردة التي دشنتها الدبلوماسية الأميركية بعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية.

وكانت بريطانيا والولايات المتحدة قد تدخلتا عسكريا في اليونان لتصفية حركة الأنصار التي حررت مساحات من اليونان من الاحتلال الألماني إبان الحرب. رفض ستالين نجدة الثوار ونجحت القوات المسلحة وأحكام الإعدام التي نفذت في الحال، وترويع السكان من إخضاع شعب اليونان للامبريالية. 

مثال تحكم الاحتكارات بالسياسة ما نشرته صحيفة واشنطون بوست خبرا مبهما لم تهتم له بقية الصحف الأميركية حول محاولة روبرت موردوخ، صاحب الامبراطورية الإعلامية في الولايات المتحدة وبريطانيا واستراليا، "شراء الرئاسة الأميركية". نقل الخبر للصحيفة الصحفي البارز بوب وودوارد. ونشرت الغارديان البريطانية تفصيلا للخبر كتبه الصحفي بيرنشتاين، أورد فيه أن موردوخ بعث عام 2011 بيل جرايلز، رئيس غوكس نيوز، أحدى منابره الإعلامية، الى الجنرال ديفيد بيتريوس قائد القوات الأميركية في أفغانستان لإقناعه بالترشح منافسا لباراك اوباما في انتخابات عام 2012. ورفض الجنرال العرض. وقال بيرنشتين، ان لموردوخ عملاء كثر بين السياسيين البريطانيين، وله تارخ حافل بإفساد مؤسسات الديمقراطية الأساس على طرفي الأطلسي، تعتبر من بين القصص الإخبارية السياسية – الثقافية خلال السنوات الثلاثين الأخيرة.

يعلق الصحفي الإسرائيلي التقدمي،جوناثان كوك، على الخبر ويقول، ان بيرنشتين ادرك ما لم يدركه رئيسه بالصحيفة، والقصة تظهر ان موردوخ لا يشكل لوحده خطرا على الديمقراطية، إن للاحتكارات عابرة القارات هيمنة على النظام السياسي في الولايات المتحدة، حيث تتحكم في ما نسمعه ونراه. والسخرية المرة ان الصحفيين العاملين بالمؤسسات الإعلامية يراعون المعايير المفروضة من قبل رؤسائهم. وهذا ينطبق أيضا على وودووارد وبيرنشتين، أبرز العاملين بالمهنة. 
في ضوء الاندماج العضوي بين ميديا الغرب ومصالح الاحتكارات عابرة القارات يمكن بسهولة تفهم سبب وحقيقة ما يصدر عن الغرب تجاه روسيا ورئيسها بوتين. السعار المحموم المنفلت عقب اغتيال العميل البريطاني المستهلك كشف عن حقد دفين على إفلات سوريا من مصير اسود دبرته لها مكائد الامبريالية – الإسرائيلية مدعومة بامتثال الأنظمة العربية المحافظة وتواطؤها.