2018-03-22

الثورة من الشمال إلى الجنوب (4)  

د. سمير أمين

ترجمة: د. عماد الحطبة

أوروبا الجنوبية

تم الدفع بإيطاليا، بشكل مؤقت، إلى مركز الاهتمام سواء في التحليل النقدي أو الفعل وذلك خلال في مرحلة “عام 1968” خلال السبعينيات. وكانت قوة تلك الحركة كافية للتأثير، بطريقة معينة، على “يسار الوسط” في ذلك الوقت، على الرغم من التكيف الذاتي للحزب الشيوعي الإيطالي. لقد انتهت تلك المرحلة السعيدة من التاريخ الإيطالي. ولم يتبق لنا اليوم، سوى الانهماك في دراسة ثغرات البنية الاجتماعية التي جعلت ذلك الانهيار ممكنا.

نستطيع تفسير الإحساس المتنامي بالهوية الوطنية بحقيقة أن حكام الدول الإيطالية كانوا في الغالب من الأجانب، لذلك لم ير فيهم الناس سوى خصوم يسعون لخداعهم بكل الوسائل الممكنة. لقد عبرت هذه الثغرة عن ذاتها بظهور شعبوية تغذت على الفاشية المتصاعدة. في إيطاليا وفرنسا، كان الكفاح من أجل التحرير خلال الحرب العالمية الثانية شبيها بالحرب الأهلية. بعد النصر، أُجبر الفاشيون على الاختفاء في العقود التي تلت عام 1945 دون أن يختفوا نهائيا. يبقى اقتصاد البلاد، رغم “المعجزة” التي منحت الإيطاليين مستوى عيش جيد حتى الأزمة الراهنة، ضعيفا وهشا. وأعتقد، أن الدعم غير المشروط للخيار الأوروبي، الذي يسيطر تماما على الفضاء السياسي الإيطالي بأكمله، هو السبب الرئيسي في وضع البلاد على هذا الطريق المسدود، الطريق الميت الذي تجد فيه البلاد نفسها.

لقد ساهم نفس الدعم المنقطع النظير للمشروع الأوروبي بقوة في فشل الحركات الشعبية، التي وضعت حدا للفاشية في إسبانيا والبرتغال واليونان، في إدراك إمكانيات التغيير الجذرية الكامنة فيها.

كانت هذه الإمكانية محدودة في إسبانيا حيث انتهت الفرانكوية ببساطة بعد الموت الهادئ لزعيمها (الجنرال فرانكو) في الوقت الذي تم فيه الإعداد الجيد والسلس للانتقال من قبل نفس البرجوازية التي كانت تشكل الداعم الرئيسي للفاشية الإسبانية. لقد تم القضاء على المكونات الثلاثة للحركة العمالية والشعبية – الاشتراكية والشيوعية والفوضوية – من قبل ديكتاتورية استمرت في قمعها الدموي حتى أواخر السبعينات، وتلقت دعما كاملا من الولايات المتحدة مقابل الالتزام بمحاربة الشيوعية والسماح ببناء قواعد للجيش الأميركي على الأراضي الاسبانية. في عام 1980، اشترطت أوروبا انضمام اسبانيا إلى حلف الناتو مقابل الموافقة على انضمامها إلى الاتحاد الاوروبي، بعبارة أخرى الموافقة على إضفاء الطابع الرسمي النهائي على هيمنة واشنطن! حاولت الحركة العمالية المساهمة في عملية الانتقال من خلال “لجان العمال” التي تشكلت في السر خلال السبعينيات. لكن، ولسوء الحظ، لم يستطع الجناح الجذري للحركة الحصول على دعم قطاعات أخرى من الطبقات الشعبية والتجمعات الفكرية، ولم يستطع منع البورجوازية الرجعية من السيطرة على عملية الانتقال.

بعد ثورة القوات المسلحة في البرتغال التي أنهت السلازارية في نيسان 1974 حدث انفجار شعبي هائل شكل الشيوعيون، سواء الحزب الشيوعي الرسمي أو التيار الماوي، عموده الفقري. لكن هزيمة هذا الاتجاه داخل المؤسسة الحاكمة أبعدت القيادة الشيوعية لصالح الاشتراكيين المترددين. ومنذ ذلك الحين، عادت الحالة السياسية مرة أخرى إلى السبات.

في اليونان أيضا، لم يكن الخيار لصالح أوروبا محسوما بعد سقوط العسكريين. فقد نجح الحزب الشيوعي اليوناني، خلال الحرب العالمية الثانية، كما فعل الحزب الشيوعي اليوغوسلافي، في تشكيل جبهة واحدة مناهضة للفاشية. فاليونان ويوغوسلافيا لم تكتفيا بمقاومة الغزاة الألمان فقط، كما فعل آخرون؛ لكنهما خاضا حربا حقيقية لعبت دورا حاسما في انهيار الجيوش الإيطالية عام 1943، وهو ما أجبر الألمان على إنشاء قواعد لقواتهم على أراضي هاتين الدولتين. لقد تحولت المقاومة اليونانية إلى ثورة في عام 1945، لكن هذه الثورة هُزِمت نتيجة التدخل المشترك للولايات المتحدة وبريطانيا العظمى. لقد قام اليمين اليوناني، بعد ذلك، بدمج البلاد في حلف شمال الأطلسي، حيث أخذ المشروع الأوروبي شكله النهائي كمشروع يقدم فوائده الحصرية للكومبرادور البرجوازي صاحب الطبيعة العالمية «الكوزموبوليتاني».

لقد أدى تعمق الأزمة البنيوية للرأسمالية الاحتكارية إلى كارثة اجتماعية لا مثيل لها في بلدان جنوب أوروبا الهشة. كما تضرب نفس الكوارث بشدة في بلدان أوروبا الشرقية، وإلى درجة أقل بقليل في بلدان أوروبا الغربية شبه المستعمرة، ولا سيما ألمانيا. من السهل أن ندرك، بعد ذلك، الظهور الحالي لحركات شعبية كبيرة (سيريزا في اليونان، بوديموس في اسبانيا) استطاعت تحقيق بعض الانتصارات الملفتة في سياق رفضها لسياسات التقشف المتطرفة التي فرضتها برلين وبروكسل. رغم ذلك، يجب أن ندرك أن الرأي العام في هذه البلدان لم يصل بعد إلى مرحلة يناقش فيها ضرورة تفكيك النظام الأوروبي؛ يفضل معظم الناس دفن رؤوسهم في الرمال والاقتناع هذه أوروبا قابلة للإصلاح. نتيجة لذلك، لا تزال تحركات الجماهير مشلولة.

أوروبا الشمالية

حافظت بلدان الشمال الأوروبي، حتى الآن، ولأسباب مختلفة على موقف مشكك بالمشروع الأوروبي.

 حاولت السويد، تحت قيادة أولوف بالم، اتباع مسار عالمي ودولي ومحايد. إذا عدنا إلى المسار الأوروبي الحديث للبلاد والتحول اليميني لقواها الديمقراطية الاجتماعية، فإنا سنجد هذه الردة مفاجئة تماما. لكن هذه الردة تدفعنا للتأمل عن كثب في نقاط ضعف التجربة السويدية الاستثنائية: لقد كان لشخصية بالم دورا مهما وشخصيا في تلك التجربة، أضف إلى ذلك أوهام الشباب الذين عاشوا تجارب محدودة في هذا البلد المعزول نسبيا، اكتشفوا العالم في وقت متأخر، وبجرعة جيدة من سذاجة ما بعد عام 1968، ولكنها، في نفس الوقت جرعة مشوهة، تمثل ماضٍ تم إخفاؤه منذ الحرب العالمية الثانية.

يتشكل المجتمع النرويجي من صغار الفلاحين والصياديين، مع غياب طبقة أرستقراطية تشبه تلك الموجودة في السويد أو الدنمارك. لذلك فمن الطبيعي أن تكون مسألة حيوية في هذا المجتمع. كما تفسر هذه البنية الاجتماعية القوة النسبية لحزب اليسار المتشدد والتميز الجذري للقوى الديمقراطية الاجتماعية التي تقاوم، حتى الآن، صوت صفارات الإنذار في أوروبا. ظهر الخضر في هذا البلد قبل وجود تنظيمهم في أي بلد آخر. رغم ذلك، فإن عضوية البلاد في حلف شمال الأطلسي والثروة المالية المرتبطة بنفط بحر الشمال (التي ستكون مصدرا للفساد على المدى البعيد) تتصدى لهذه التوجهات الإيجابية.

حصلت فنلندا على الاستقلال خلال الثورة الروسية دون نضال (قبل لينين بهذا الاستقلال دون تردد) لكن هذا الاستقلال لمن يكن مطلبا جماعيا حقيقيا، أو لنقل إنّه كان أقل بكثير مما يتم تصويره. لقد تمتعت تلك الدوقية الكبيرة بدرجة عالية من الحكم الذاتي في ظل الإمبراطورية الروسية، وهو ما اعتبر مرضيا تماما بمعيار اراء ذلك الزمن. لذلك، قدمت الطبقات الحاكمة خدماتها للقيصر بنفس القدر من الإخلاص الذي قدمته دول البلطيق.

لم تكن الطبقة العاملة الفنلندية غائبة عن برنامج الثورة الروسية. لعل هذا هو السبب الذي يكمن وراء فشل الاستقلال في حل مشاكل البلد، التي بقيت دون علاج حتى نهاية الحرب الأهلية. لقد انتصرت القوى الرجعية في تلك الحرب (بدعم من الإمبراطورية الألمانية، ولاحقا الحلفاء).  لقد انحرفت هذه القوى فيما بعد نحو الفاشية وتحالفت معها خلال الحرب العالمية الثانية. إن ما يسمى “الفنلندة”، التي اعتبرها حلف شمال الأطلسي (الناتو) غير مقبولة وشن ضدها حملة دعائية منظمة، لم تكن في الواقع سوى الحيادية (التي فرضتها أصلا معاهدة السلام) وكان يمكن لتلك السياسة أن تشكل أحد الأسس لإعادة بناء أوروبا على قواعد أفضل من تلك التي بني عليها التحالف الأطلسي. لقد نجحت الضغوط الأوروبية في المجال النقدي (بمشاركة فنلندا في اليورو) فهل تنجح في التهام هذا الإرث التاريخي العريق؟

هل يمكن للمرء أن يتوقع شيئا من الدنمارك مع اقتصاد يعتمد كثيرا على ألمانيا؟ لقد تم اختبار هذا الاعتماد عصبيا، كما تظهرنتائج سلسلة غامضة ومربكة من الاستفتاءات حول مسألة اليورو. ومع ذلك، لا أعتقد أن القوى الديمقراطية الاجتماعية الشديدة النمطية يمكن أن تشكل تحديا للنهج الحالي. لذلك نستطيع اعتبار «التحالف الأحمر – الأخضر» معزولا إلى حد ما. من المعروف أن هولندا كانت صاحبة الثورة البرجوازية الأصلية في القرن السابع عشر، وذلك قبل انكلترا وفرنسا. إلا أن الحجم المتواضع للمقاطعات المتحدة حال دون أن يتمكن هذا البلد من تحقيق إنجازات تشابه ما حققه منافسوه وتلامذته. على الرغم من أن التراث الثقافي لهذا التاريخ لم يضع، إلا أن النظام الاقتصادي والمالي لهولندا، اليوم يعمل ضمن بيئة المارك/اليورو.

يتبع...