2018-03-25

صرخة عتاب من القدس تذكير بمحنتها (1- 2)

سعيد مضية

 القدس تكابد وتتحدى تحت وطأة احتلال استيطاني واقتلاعي. أطلت مدينة القدس بكبرياء التاريخ الوطني وتحديات القهر من خلال يوميات الكاتبة الفلسطينية نسب اديب حسين - "أسرار أبقتها القدس معي" (دار الجندي، الطبعة الأولى 2016)، ترفع صوتها بالعتاب على الهجر. تطرز الكاتبة بحذق حواراتها مع أحياء المدينة وازقتها، مع الجوامع والأقصى ومع كنائسها وكنيسة القيامة، تلتظم خيوطها مكابدة التجار وتحديهم  وإبداعات المثقفين وندواتهم تصر ان "القدس لنا".

بعينها اللاقطة وشغفها بالبشر والحجر، وبعزيمة لا تكل ترددت مرارا على أرجاء المدينة القديمة، وأصغت لبوحها .. التقطت كالمغناطيس عينات اجتماعية، احتملت أغبرة الشارع واختلطت بالبؤساء والبسطاء. تقصت أحوال الناس وسبرت همومهم ولامست نبض الناس ولغة الشارع البسيطة. أبدعت نسب لوحاتها البانورامية سرديات لجغرافية المدينة ستبقى شواهد ملهمة تترك أصداءها بالروح، على عروبة المدينة تتحدى التسميات العبرية المقحمة. سجلت انشطة ثقافية انخرطت فيها تقاوم هجران المدينة وعزلتها المفروضة من قبل الاحتلال؛ كما كابدت منغصات التفرقة العنصرية يغذيها احتلال كولنيالي لا يوقف محاولات تهويد المدينة وشحن الكراهية العرقية. لوحات نبضت إيقاعات فنية ورهافة إحساس وطهارة وجدان يتدفق بالمشاعر الوطنية والإنسانية، يستحيل اختزالها، إنما يكتفى بتقديم عينات ذات دلالة. كراهية الاحتلال هي الطاقة الدافعة لدى الكاتبة، تستكشف أسرار القدس وترصد مصادر أوجاعها ومحفزات آمالها وتطلعاتها.

مع الأنشطة الثقافية

دخلَت نسب المدينة طالبة جامعية تدرس الصيدلة، ثم موظفة في نفس الاختصاص، حيث سكنتها محبة المدينة لدرجة العشق. منذ البداية وجدتها أليفة مرحبة. "أمرّ بالسور .. قد كانت قصيدته معلقة ذات يوم مقابل باب الساهرة ضمن ملصقات حملت شعار "شعر على الشارع"، التقيتها في أيامي الأولى للقائي بالمدينة.. وكم فرحت يوم لقيتها تحتضن قصيدة عمي .. وعدت اهلل الى القرية (الرامة) سعيدة أقول لأمي: قصيدة عمي سميح تزين الشوارع في القدس! (166). في الحال انخرطت في انشطة كتّابها المبدعين. انتسبت الى منتدياتها وشاركَت بالمسرح و في تأسيس ملتقى "الدواة على السور"، ملتقى شبابي أدبي في القدس.." قلق كان ينتابني في تلك الأيام، وامضي الى المسرح كما لو أنني في الدرب الى امتحان.لكن الفرق بين امتحان المسرح وامتحان الجامعة .. انني أحببتها وصرت أترقب وامضي اليها سعيدة. قال العم ابراهيم جوهر اليوم انه يشعر بالأمل عندما يراني، ويرى متابعة حضوري الى الندوة ومشاركتي فيها .. هذه قُبلة المدينة لي هذه الليلة. يقول انه يرى حصاد ندوة اليوم السابع بي .. وبإنتاجي وبابنتي "الدواة"، حفيدة اليوم السابع .. فيشير العم جميل: "أجت معلمة من بيت أبوها"، ليقول العم ابراهيم ان الندوة أثرتني وأثرت علي."(254) ، "شيوع نشر اليوميات في القدس في تلك الفترة بعد نشر كتاب مرايا البلاد لمحمود شقير وأقحوانة الروح لإبراهيم جوهر زاد من شجاعتي لنشر هذا النوع من الأدب الذي كنت أكتبه في السابق".

تمضي في رصد تأثرها بأجواء القدس الثقافية، فهي متعددة المواهب الفنية: كاتبة تهوى المسرح وتعزف الموسيقى وتعلمت الرسم التشكيلي على يد "العم" طالب الدويك، "حلمي الذي بدت فكرته ذات يوم عسيرة وجنونية قد صار حقيقة.. أتأمل الوجوه المقبلة لتقديم التهاني والملاحظات، وأدرك أي صرح عظيم هو مسرحنا الفني، "القدس لنا"، حين تقدمين عملا وتجدين اساتذة وأصدقاء من أدباء ونقاد مسرحيين وفنانين في الموسيقى والرسم ، صحفيين وقراء متابعين .. يأتون اليك ليتحدث كل منهم عن رأيه من وجهة نظره .. فتدركين كم من الجهد ، في وقفتك على المسرح لترين الابتسامة في عيونهم جميعا (43) .. واقتحم الجند المسرح بعد مغادرتكم ومنعوا مهرجانا للأطفال جهزت له إدارة المسرح لمدة طويلة ، عل المهرجان يدخل بعض الفرح لأطفال المدينة لمدة أسبوع... (43).

"كما ان وجودي في كنف ادباء كبار كمحمود شقير وجميل السلحوت وابراهيم جوهر يبعث الكثير من الأمان والراحة الداخلية في صدري، لأنني ادرك دوما حين التوجه اليهم انني بين أياد امينة في القدس مثلما انا بين أيادي عميّ سميح ونبيه (الدكتور الأكاديمي والناقد الأدبي) في الرامة" (254).

يوم 18/11/2013 ندخل، انا وأمي، مركز يبوس لنجد الكاتبين، أو عمّاي كما أحب مناداتهما، محمود شقير وجميل السلحوت، جالسين بالمدخل، تلقيانا بابتسامتيهما وترحيبهما الرائعين .. يدخلني بعض الاطمئنان لوجودهما. أعتذر منهما، وأتوجه للقاعة للإطلاع على آخر الترتيبات قبل بداية حفل توقيع كتابي "اوراق مطر مسافر". (78) .. يتضاءل الارتباك مع امتلاء المقاعد بعدد كبير من الكتاب والفنانين والقراء والأصدقاء.. خاصة حين يلوح وجه العجوز"أبو سلام"، يأتي بخطوات متأنية بمرافقة ابنه وحفيدته الصحفية ديما دعنا.. لم تخذلني المدينة كما عهدتها .. انظر الى العيون الدامعة التي تصغي باهتمام الى كلماتي، بصوت الطفلة تالا عابدين، لقصة (احلام صغيرة ودروب ضيقة).. أشعر براحة لنقلي جرحا من جراح المدينة عبر كلماتي .. (79).

يوم 16 آذار 2014 "ابتسامة على وجه المدينة".. أجلس مساءً اتابع الصور بفرح، قد تجمع الأصدقاء في مجموعة شباب البلد في تحقيق حلمهم، "اطول سلسلة قارئة حول سور القدس" .. يحزنني عدم قدرتي على الحضور بسبب موعد العمل. وتفرحني الأخبار السارة عن هذا الإنجاز.. كم من الجميل أن تحاط المدينة بالكتب ومحبيها! (107)

يرقى الحدث الى عيد سنوي للقراءة. في العام 2016 تحتفي وزارة الثقافة الفلسطينية بذكرى هذه المأثرة؛ فيقرر الوزير إيهاب بسيسو  ذلك اليوم - 16 آذار- يوما للقراءة، يحتفى به كل عام.

يوم 29/3/2014 جاء دور دار إسعاف النشاشيبي، الأديب الفلسطيني الراحل، لتكون معلما أدبيا ثقافيا بالقدس. التقينا بمدير المركز، ولم تكن دهشتي باقل عندما دخلت متحف دار الطفل ورأيت المأثورات الشعبية هناك، اما فرحتي الأكبر عندما دعتني المنسقة الإدارية لدار إسعاف، الأخت دعاء قرّش، لعرافة حفل افتتاح الدار كمركز ثقافي ادبي فني. (112).

وتوطدت صلتها مع احد المساهمين في إثراء النشاط الثقافي، العجوز عمير دعنا، صاحب محل بيع الكتب والمجلات بالمدينة. "في مدخل طريق نابلس مقابل باب العمود وعند بناية مقابلة لمدرسة شميدت الألمانية وجدتني أسير اليه لأشتري صحيفة. هذا البائع نعتبره انا واصدقائي، من معالم المدينة منذ أتيناها ونحن نراه أمام كشك صحفه القديم. قال: " أنا بشتغل هون من واحد وستين سنة واشتغلت قبلها في المدينة الغربية خمسة عشر عاما في توزيع الصحف (38). فعلا يذكره صاحب هذه السطور شابا تقدميا غي أوائل الخمسينات، يوفر المجلات والكتب التقدمية لقرائها. ومن قبل، أثناء الانتداب، كان يوصل الصحيفة لخليل السكاكيني في بيته بالطالبية، وله معه ذكريات حميمة.

يصعب أن يأتي مثقف الى القدس ولا يمر بأبي سلام (92)، لكن هل تردد والدها عليه، وهو يدرس طب الأسنان بالجامعة؟ توفي والدها وهي في السادسة، وهي تحاول رصد خطواته بالمدينة، وترددت في سؤال العم أبي سلام عنه.

وحين بلغها خبر وفاة أبي سلام يوم 25 شباط 2015، وكانت تؤدي وظيفتها بالصيدلية "احاول ان أكظم حزني، أن أنهي تقديم الوصفة الطبية التي بين يدي .. لكنني فقدت تركيزي .. ورحت أحقن عيني. سألتني زميلتي بالعمل: نسب هل كل شيء على ما يرام؟ وجدتني انفجر بالبكاء دفعة واحدة. وجاءتني زميلة أخرى لتسألاني سوية: ماذا حصل؟ لم أعرف ماذا أقول لهما ؟هل اخبرهما ان لدي صديق في الخامسة والثمانين من عمره قد توفي؟ (301) .. وحين خرجت من العمل شعرت بأنني املك الحرية لأن أبكي كما أشاء .. وإذا بأمي تتصل لتسألني عن احوالي، حاولت أن أبدو طبيعية، ولكن سرعان ما جاء سؤالها: هل توفي بائع الصحف الذي تحبينه؟ (302).

عروبة المدينة

تمتد المدة الزمنية لليوميات من حزيران 2012 حتى آب 2015، وتحتل السنتان الأخيرتان القسم الأعظم من الكتاب. ولذا فمن الطبيعي ان لا يتضمن احداثا هامة جرت بعد هذا التاريخ. تقول الكاتبه:  احترت أن اكتب يومياتي مع المدينة تعبيرا عن الصداقة. وخلالها دابت على البحث عن قضية او حدث تركز عليه. عايشت الوضع الاقتصادي للتجار في المدينة والنشاط الثقافي والسياحة العربية المهملة والتهويد من خلال المهرجانات اليهودية، ازداد اهتمامها بعد تسجيلها مساق الماجستير في "دراسات القدس" بجامعة القدس "ابوديس". تنتسب لجامعة القدس – كلية هند الحسيني- في مساق ماجستير "دراسات مقدسية". "أنظر الى البطاقة وأشعر بفرح شديد .. اسير صوب مركبتي،  واعود لأتامل حروف اسمي باللغة العربية.. ها هي الدهشة تتملكني مرة اخرى، مثلما حدث عندما استلمت اوراق قبولي في جامعة القدس مكتوبة بالعربية.. فادرك ان هذا الأمر سبب كاف ليدفعني خوض هذه التجربة في الدراسة (296) واجهَت مشاكل سلوان مع الاستيطان واعتقالات الأطفال وتعرضت للأبعاد التاريخية والجغرافية (21). شهدت بحرقة حوادث قتل الفلسطينيين بدم بارد وترددت على بيوت العزاء.

اما جولاتها المتكررة عبر الأحياء والأزقة وترددها على مطاعم المدينة المنزوية ومقاهيها فتذكرنا بأخبار الرحالة يخلدون الاماكن التي يمرون بها. تشكل جولات الكاتبة خارطة المدينة بأسمائها العربية التي تميزت بها عبر التاريخ. كنيسة ستنا مريم بين اشجار السرو والمقبرة على منحدر جبل الزيتون وأشجار وادي قدرون وتصعد صوب جبل المدينة، ترى طريقا ومقبرتين ثم سور البلدة القديمة وباب الذهب الذي يجمع بابي الرحمة والتوبة المغلقين، ثم المبنى الثماني ذي الزخارف الفسيفسائية الزرقاء تعلوه القبة المذهبة لتدرك أنها أقدم أثر معماري إسلامي هو قبة الصخرة. تتجه الى الجهة الغربية فتلتقي بقبة كنيسة القيامة، وتتجه غربا نحو كنيسة سان سافيور القريبة من الجهة الغربية الشمالية للسور. (28)

في شارع الزهراء افتتح عام 2013 احد اربع مقرات رسمية لمعهد ادوارد سعيد للموسيقى، داخل بناية مسورة تحمل لافتة "معهد ادوارد سعيد للموسيقى". تدخل البوابة الى ساحة عشبية يتوسطها تمثال حجري لقيثار وأشجار كينا خلفها يقوم البناء الحجري القديم بنوافذ  ذات زجاج ملون. (41).

أسعر بشيء من الضيق واقرر التوجه صوب كنيسة القيامة، هناك اجد بعض الراحة .. أتنهد وامضي لأطوف بالكنيسة وأستمتع مرة أخرى بالرهبة التي يضفيها المبنى كثير الدهاليز، وروعته التي تأخذني عميقا في التاريخ، وتجعلني في كل مرة آتي هنا أشعر بالفخر بوجود المكان في وطني.  قرأت الفاتحة على قبر السيد المسيح.

لدى الخروج رأيت الأنوار الكنسية تختلط بنور أخضر منبعث من مئذنة مسجد عمر .. تختلط همهمات الأدعية بصوت المؤذن تاليا الشهادتين. اخرج الى الساحة التي مضى منها الخليفة عمر بن الخطاب الى قرنة قريبة قاصدا الصلاة، بعد رفض دعوة الأب صفرونيوس للصلاة في الكنيسة، خشية على حق المسيحيين فيها، وحيث صلى أقيم مسجده (مسجد عمر). (53).

أنظر حولي، أشعر بفرح وراحة شديدة، أي تناغم وأي عظمة تحمل هذه المدينة! أتجه لأغادر مارة من امام مدخل سوق أفتيموس في طريق الدباغة الى سوق خان الزيت، وعند باب العمود سمعت صفارات دخول السبت، رجال ونساء يهرولون داخلين، عند صعودي المدرج المحيط بالباب.(54،55) نجد الأسواق تحمل أسماء السلع المتداولة.

"أواخر كانون اول 2013 امر بالشارع الرئيسي في الحي طريق جبل الزيتون، والذي يربط شارع صلاح الدين مع جبل المشارف لأرى مظاهرة الشيخ جراح الأسبوعية لليساريين الإسرائيليين والمتضامنين الأجانب للدفاع عن حق سكان الحي في بيوتهم التي سرقها المستوطنون .. تبدو المظاهرة هذه المرة أكبر من العادة، أعلام فلسطين تخفق وتعب الهواء، والحشد منتشر في مقطع كبير من الشارع. هذه المظاهرة مستمرة منذ سنوات والاستيطان مستمر كذلك. (87).

أخرج من موقف المسرح نحو شارع صلاح الدين. أتأمل برج كنسية المطران عن يميني، وانتبه انني صرت على مفترق شارع علي بن ابي طالب  في الجهة اليسرى، فأتردد هل امر بمقر صحيفة القدس هناك؟ .. أتقدم في هذا الجزء من الشارع، حيث المحكمة المركزية عن يساري ووزارة العدل الإسرائيلية عن يميني .. أصل نهاية شارع صلاح الدين مقابل باب الساهرة، أعبر تقاطعه مع شارع السلطان سليمان القانوني الممتد مقابل سور المدينة الشمالي من الشرق الى الغرب .. وعلى يمينه محطة باصات الجنوب الفلسطينية. (90).

دخلتُ من باب الساهرة، وامام المفرق المباشر عند المدخل حيث تقع الزاوية الهندية، ويكون الانعطاف صوب الجنوب الى حارة السعدية، او يسارا في طريق تؤدي لحارة باب حطة، انعطفت يسارا. وكدت أتوقف حين رأيت جنديين واقفين هناك .. في اول السوق البسيط، أسفل المقهى الذي يقع في الجهة الشرقية للباب،..مضيت نحو عقبة القادسية يمر بي الأطفال..تبدأ المنطقة بسوق صغير نسبيا، غير مزدحم كسوق باب العمود. أنزل أدراج القادسية ثم أدراج عقبة درويش،، وتداخلني فرحة حين تطل علي قبة الصخرة من تحت القوس الأخير.. (97).

... أصل طريق المجاهدين، او درب الآلام، وأقف لحظة مترددة امضي نحو مقصدي ناحية اليمين مباشرة ام أنعطف نحو اليسار لأطل على باب الأسباط، فمنذ مدة لم أزره. أنعطف تلقائيا نحو اليسار، وترتد خطاي تلقائيا وأنعطف نحو اليمين. أعود للاستدارة والنظر الى الخلف بحذر، أراهم قادمين. ما هذه الكثافة؟ ماذا حصل؟ هل قرروا تأكيد الاحتلال للمدينة؟.. أنظر الى اليمين مرة أخرى وإذا بشاب يخاطبني بالعربية: تفضلي بتقدري تدخلي، وسارعت بالدخول .. في الداخل، في الساحة بين كنيسة الجلد وكنيسة الحكم شعرت بالطمأنينة، تنفست الصعداء .. ورحت أتأمل المكان الذي يمثل المرحلة الثانية من درب آلام المسيح .. أتساءل لماذا هربت؟ لم أشعر بانهم يطاردونني. أيكون السبب انني كلما أتيت المدينة أثبت انها لي حشروا انفسهم وحجبوا عني رؤياي؟.. من هنا حمل صليبه ومشى .. وأمضي على اثر خطواته في درب العذاب .. أمر بالمصلين عند المراحل الستة التالية حتى أصل عقبة الخانقة .. لأحصل هناك على استراحة .. خرجت من المطعم وقررت التوجه الى حارة المغاربة، في الجزء الجنوبي الشرقي من المدينة، التي هدمت فور احتلال المدينة عام 1967. تقدمت نحو سوق البازار الذي يمتد على جوانب أدراج مبلطة، تهبط من ميدان عمر غرب المدينة صوب الجهة الشرقية، ومنه دخلت حارة الشرف متجهة الى السور الجنوبي. مارة بالقرب من كنيس الخراب الذي أعيد بناؤه قبل بضعة أعوام. أنظر الى قبته البيضاء وأتذكر قول أحد المرشدين السياحيين، وكان يمينيا متعصبا، بأن الناظر الى المدينة من المتنزهات المشرفة عليها سيرى قبة الصخرة وقبة كنيسة القيامة وكنيسة النياحة، وقبابا أخرى كثيرة، وما من قبة تعبر عن الديانة اليهودية (100).

تكتشف جماليات مباني المدينة فتتحسر.. "أنظر الى وجوه العجائز المرهقة على طول الطريق، أشرف على سوق القطانين، شرطي وجندي في مدخل السوق. قبل أن أدخل ظهر أبو إياد (دليلها في رحلة استكشافية) بقبعته البيضاء وكوفيته .. سرنا في طريق الواد .. مقابل الزقاق في الجهة اليمنى وقف شرطيان وجندي للمراقبة والتحقيق مع كل من يحاول دخول الزقاق. انعطفنا يسارا صوب عقبة التكية. يقول بلهفة: هذه حارتي .. نصعد الأدراج بخطوات بطيئة.. ونقف امام مبنى مدخل حجري مميز فيقول لي: هذا المبنى تكية(مكان الأكل المجاني) خاصكي سلطان زوجة السلطان سليمان القانوني .. راح أبو إياد ينزل الأدراج ويدعوني للنزول. وإذا به المطبخ وبه القدور الضخمة ومواقد النار. يواصلان الصعود ويمران بأحد أبواب قصر الست طنقش (زوجة احد الأمراء حكام فارس)، رحلت الى القدس مع عائلتها إثر نكبة ألمت. يضم القصر خمسا وعشرين غرفة. مدخل القصر مرتفع حجارته حمراء، موقع سياحي بامتياز. تسأل نسب معتبرة المكان جزءا من التراث الإسلامي. تقول نسب: "لو ترى يا عم  كم من الأماكن والمتاحف اليهودية  في حارة اليهود على انقاض حارة الشرف.تكاد اليوم تتجاوز العشرين موقعا في منطقة صغيرة. أنظر عندنا كيف الوضع!  السائح العادي القادم الى القدس لا يعرف من التراث الإسلامي والتاريخ العربي سوى الأقصى وقبة الصخرة والأسواق" (262).

أراها البيت الذي ولد فيه بالحارة ثم بيت الحاج امين الحسيني - دار البيرق؛ يعودان لصعود عقبة التكية، ومع التقائها بخان الزيت وسوق الدباغة ثم سوق العطارين واللحامين تلتقي عرضيا مع سوق البازار فطريق المناضلين في حارة الشرف، حيث الحوانيت مغلقة نظرا لعدم توافد الجمهور الى المكان.

"ونعود الى طريقنا التي تختلف معالمها عن بقية مناطق البلدة القديمة يمر بنا اصحاب الجدائل (اليهود المتدينون)، وتحت عقد حجري نتوقف اما باب فرن، ليتنهد ابو إياد ويقول: هذا هو فرننا". ننزل أدراجا قليلة لندخل الفرن ويسأل الشباب شو كان اسم جدتنا؟ ويجيبون "نسب". يرد مبتسما: وهاي الأخت نسب. تم ترميم الفرن وتزويده بآلات حديثة وإعادته للعمل قبل أشهر، قلما يصل العرب اليه واليهود لا يتعاملون معه." نحن مستهدفون يا عمي .. يحاولون الضغط علينا لنبيع الفرن، واسا وزارة الصحة الإسرائيلية مش قبلانه اننا نستعمل السولار للفرن، وبدهم ايانا نحوله للغاز ومعنا مهلة ثلاثة أشهر، وإذا ما بنفذ شروطهم راح يسكروا المخبز. وهذا يكلف حوالي سبعين ألف شيكل (حوالي20 الف دولار) ومش عارفين شو نعمل ولمين نلجأ".. قدم لها العمال فطورا مناقيش زعتر وكأس شاي .. واصلا الرحلة .. عبرا عدة شوارع" أشعر بمسئولية اكبر تلقى على عاتق كلماتي، وتعاودني كلمات أبي إياد الأخيرة في الفرن: الفرن مش راح نسكره  ولا نبيعه لو شو ما صار وإحنا راح نضل صامدين (269).

صمت (صاحب المطعم) لحظة وقال إحنا اكلناها في القدس اقتصاديا .. يعني الضفة مفتوحة على بعضها.. وإحنا هون مقطوعين .. بتعرفي أنه أنا كل فترة الحرب على غزة وانا مسكر. وما ترزقت ولا قرش..؟نظرت اليه مستغربة وتساءلت ان غاب عنه الزبائن كليا، فأجاب بالإيجاب، واردف: الحركة السياحية توقفت كليا واليهود بطلوا ييجوا عنا ولا اولاد البلد .. فتحت كم يوم لقيت اني بربح خمسين أو ثلاثين شيكل وهيك خسارتي أكبر .. فالأفضل أني ما أفتح .. وسكرت. (177 )

ينتقل ليحدثني عن وضع الشباب بالقدس.. أفق العمل الصعب والمحدود .. الأجر قليل. وأجور المنازل المرتفعة..وعدم منح رخص البناء. فإن فعلها الشاب وبنى فوق منزل اهله تأتي البلدية تهدمه وتكلفه أجرة الهدم. وإن أراد السكن في شقة مستأجرة فغالبا ما تكون الأجرة فوق طاقة احتماله .. يمضون نحو مخيم شعفاط او قلنديا او الرام وكفر عقب خلف الجدار، لأن الأجور هناك أرخص؛ فتأتي البلدية تبحث عنهم في منزل الأهل، وإن لم يثبت خلال نصف عام انه يسكن في القدس تبدأ بسحب حقوقه كالتأمين الصحي ويحاولون عدم تسجيل أطفاله ومنحهم الحقوق الصحية (219).

يتبع..