2018-03-24

احتلال عفرين "يحرر" مشروع تقسيم سوريا

"النداء" اللبنانية

كتب أدهم السيد في صحيفة "النداء" اللبنانية، مقالاَ حول العدوان التركي على منطقة عفرين السورية وتداعياته، جاء فيه:

خلال الحرب السورية الممتدة طوال السبع سنوات، بكل آلامها وتحدياتها، بكل هزائمها وانتصاراتها، ومنذ تحرير حلب من الفاشيين الجدد، لم يكن هناك أهمية لمنطقة كأهمية منطقة عفرين (ذات الغالبية الكردية).

ففي الكثير من المعارك كان مفهوماً ومبرراً أن ينسحب الجيش السوري من منطقة ما، ليعزز وجوده في منطقة أخرى لها الأولوية لناحية الأهمية الجغرافية والسياسية، كما حصل مثلاً في إدلب ودمشق. لكن الأمر لا ينطبق على عفرين، ففي هذه المنطقة اجتمعت الكثير من العناوين الاستراتيجية، حتى يمكننا القول إنه مع احتلال عفرين أعيدت الحياة إلى مشروع التقسيم الذي ناضل الشعب السوري لسنوات طويلة منعاً لتحقيقه.

هكذا، أعادتنا التقديرات الخاطئة التي أتاحت للنظام التركي احتلال عفرين، إلى مربع التقسيم الأول، من خلال تمكين الاحتلال التركي من وصل مناطق سيطرته ببعضها، وإتاحته إمكانية وصلها بمناطق سيطرة الاحتلال الأميركي قريباً، جغرافياً وسياسياً.

فعفرين، لم تكن مدينة حرب كباقي مدن سوريا. فقد أثمر صمودها أمام غزوات داعش والنصرة وكل الفصائل التي تأتمر تركياً، نوعاً من الهدوء لسنوات، في محيط مشتعل بكل المقاييس. هكذا، أصبحت هذه المدينة الفلاحية ملجأً للعديد من النازحين السوريين من "مناطق الحرب" في الداخل السوري، دون تمييز بين القوميات والأديان وحتى الانتماءات الإيديولوجية. لذا، يصبح السؤال الأول المهم: لماذا شنّت تركيا هذه الحرب على عفرين؟ ولماذا الآن؟

فعفرين لم تكن تشكل تهديداً لأي طرف، حتى لتركيا. فعلى مدى السنوات السابقة، لم تشن أي عملية عسكرية أو أمنية نحو الأراضي التركية انطلاقاً من عفرين! على الرغم من ذلك، حشد الأتراك كل قواهم وجمّعوا كل مرتزقتهم، وشنوا هذه الحرب التي ذكرتنا بماضيهم الفاشي المتمثل بالإبادة العرقية اوائل القرن الفائت. وإذا أضفنا إلى هذا المعطى التواجد الضخم لوحدات حماية الشعب الكردي في منبج والقامشلي والحسكة وكل الحدود التركية شرق الفرات، لتأكدنا أن الهدف ليس ضرب وحدات حماية الشعب في منطقة عفرين، بل وصل مناطق سيطرة تركيا ومرتزقتها ببعضها: في إدلب وأريافها مروراً بعفرين وأعزاز والباب وصولاً إلى جرابلس. ولاحقاً ستعمل تركيا للسيطرة على منطقة منبج باتفاق مع الأميركي، لتكون هذه المدينة ضحية جديدة لتسويات دولية (كما حصل في عفرين، حيث كان الروس والإيرانيين مشاركين في الصفقة، حسب المعطيات المتوفرة، أقله بالمعنى الميداني والسياسي)، ولكن هذه المرة بالاتفاق مع الأميركي. وهذا ما سيستفيد منه الفاشي التركي حصراً ومن خلفه المشروع التفتيتي، كيف؟

إن استكمال هذا السيناريو، أي سيناريو ربط مناطق سيطرة الأتراك بمناطق سيطرة الأميركان، مسألة وقت، حيث أن عفرين كانت العقبة الأصعب، كونها كانت عائقاً جغرافياً وسياسياً أمام ترابط مناطق سيطرة الاحتلال التركي، في ظل وجود نوع من الغطاء الروسي الذي لم نكن نتوقع إزاحته بسهولة. ليس حباً بالقوى التي تسيطر على عفرين، بل لأن الروسي لا مصلحة له في إعادة إحياء مشروع تقسيم سوريا. أما في منبج فالأميركي استهلك كل ما يريده من ورقة الاكراد، وهو في صدد إعادة ترتيب أوراقه، ولنا عودة لهذا الموضوع.

إذاً، في حال استكمل هذا السيناريو، فإنه سيحول خريطة السيطرة في سوريا إلى ثلاث قطع لا يستهان بحجم كل واحدة منها. ولكن الأخطر سيكون إن عاد التركي ليخلّ بالتزاماته مع الروس كما فعل في كثير من المحطات، فيلتف ليضم أوراقه إلى أوراق الولايات المتحدة! عندها ستنقسم السيطرة على الجغرافيا السورية إلى قسمين متساويين تقريباً، بدءاً بإدلب-عفرين-الباب-منبج، يضاف إليها كل منطقة شرق الفرات المتصلة جغرافياً بتلك المناطق المسيطر عليها أميركياً، بالإضافة إلى مدينة التنف. هكذا، ستعادل مساحة هذه المنطقة إن تم وصلها، مناطق سيطرة الدولة السورية تقريباً، وهذا ما سيعيدنا إلى مربع التقسيم الأول.

كل هذا السيناريو التقسيمي ما كان ليطرح لولا سيطرة التركي على عفرين. وهذه أول دلالة على الأهمية الاستراتيجية لهذه السيطرة بهذا التوقيت. فعفرين كانت شوكة في خاصرة مشروع التقسيم وليس العكس.

ماذا عن شرق الفرات، ومقولة الأكراد خونة؟

من المعروف أن "التحالف" الأميركي - الكردي نشأ بعد معارك كوباني. فبعد اقتحام تنظيم داعش الإرهابي لأحياء المدينة التي صمدت لأكثر من شهر، وقاتل فيها الأكراد قتالاً أسطورياً، استغل الأميركي وضعية الأكراد الذين كانوا يحتاجون لتدخل أي طرف لإنقاذهم، خاصة من قبل سلاح الجو. يومها لم يكن الروسي "على السمع"، والجيش السوري كان في حالة لا يحسد عليها.

هكذا تحولت الولايات المتحدة إلى "المنقذ"، وهذا ما لم نكن نتمناه بالطبع، إلاّ أن الولايات المتحدة وبصفتها البنيوية التي تجعلها عدوة كل شعوب العالم، من المستحيل أن تقدم هكذا "مساعدة" لأسباب إنسانية أي دون مقابل ميداني! فكان التحالف الذي أصبح من بعده الأكراد الذراع العسكرية الأساسية والقوية للأميركي، وخاضت بهم معظم معاركها في سوريا غرب وشرق الفرات ضد داعش، مما مكنها من السيطرة على كامل شرق الفرات وصولاً إلى الحدود العراقية بكل ما تحمله تلك المنطقة من ثروات طبيعية من نفط وغاز وغيره. فهل كان الأكراد مذنبون؟ بالطبع ليس دورنا التبرير للأحزاب الكردية تموضعهم مع الأميركي، فقد أثبتت الأحداث إن هذا التموضع خطيئة كبرى، وها هم يدفعون ثمنها، إلاّ أننا نتخذ موقع محلل أحداث وقعت فعلياً، بغض النظر إن كان ذلك يعجبنا أم لا، لذا فإن الذنب الأساسي للأكراد أنهم أساؤوا التقدير، فذهبوا بعيداً في هذا التحالف. إلاّ أنه يسجل لهم أنه وعلى الرغم من غرقهم في التحالف الأميركي، إلاّ أنهم لم يطرحوا يوماً فكرة دولة مستقلة. هذا هام. اكتفى الأكراد بموضوعة الكونفدرالية، وهو طرح سابق أصلاً لتحالفهم مع الأميركي (راجعوا مقالنا السابق المعنون "عفرين تقاوم" حول إن الأكراد السوريون بمعظمهم يرفضون فكرة الاستقلال، موضحين خلفيات المواقف الفكرية والتاريخية).

ربما قام الأكراد بذلك لعدم تمكنهم من قراءة تقاطع المصالح الدولية، والتي حذرنا منذ اليوم الأول لتحالفهم هذا بأنهم سيكونون ضحيتها الأولى إن لم يقوموا بمراجعة سريعة. واليوم أيضاً، كما قبل احتلال عفرين، تطرح عليهم هذه المهمة: على الاكراد مراجعة موقفهم وعلاقتهم بالأميركي، وقطع هذه العلاقة والعودة إلى موقعهم الطبيعي إلى جانب الشعب السوري وليس إلى جانب عدوه الأول أي الولايات المتحدة.

بهذا المعنى لا يمكن تصنيف الأكراد كخونة، فهم إلى اليوم لم يقطعوا علاقتهم بالدولة السورية، وخاصة في الحسكة والقامشلي، حيث هناك الكثير من المرافق الأساسية لا تزال بيد الدولة السورية، رغم سيطرة الأكراد على معظم تلك المناطق. كما أن موقفهم كان مؤثراً جداً خلال معارك حلب الشرقية، حيث وقفوا إلى جانب الجيش السوري في معاركه هناك، بالإضافة إلى المساعدات الدائمة لمنطقتي نبل والزهراء خلال الحصار. كل هذه المعطيات وغيرها تجعل من مطلقي تلك الاتهامات بحق الأكراد في موضع المتسرع بأقل تقدير.

حسناً، ماذا عن الأميركي؟

الولايات المتحدة تعمل بشكل جدي وبسرعة لا بأس بها على الانتهاء من ملف الأكراد، الذي سيكون عنوان المقايضة مع الأتراك، مقايضة ستؤدي إلى جمع مناطق السيطرة التي تحدثنا عنها سابقاً. ومن المعلوم أن الولايات المتحدة تعمل على إنهاء "قوات سوريا الديمقراطية" التي يعتبر المكون الكردي الأساس فيها، وذلك من خلال شق صف الأكراد: عبر استمالة بعض قياداتهم ليعلنوا ولاءهم المباشر للأميركي أولاً، وثانياً وهو الأهم، "إعادة تدوير" إرهابيي داعش الموجودين اليوم شرق الفرات بحماية القوات الخاصة الأميركية. فهناك يتم تجهيزهم وتدريبهم في معسكرات خاصة في منطقة الشدادي وغيرها، لتقديمهم لاحقاً بمسميات أخرى مثل "جيش سوريا الجديد" أو ربما تحت مسميات عشائرية من عشائر الشدادي والرقة والطبقة وغيرها. هذه القوات الفاشية تتناسب تماماً مع مخططات الولايات المتحدة، فلها تجربة ناجحة معهم في العراق، وسيكون ولائهم بالكامل لها دون أي خلفيات، والأهم أنها تكسب بذلك نظام أردوغان الفاشي إلى جانبها، من خلال بيعه ورقة الأكراد.

لماذا تركتم عفرين وحيدة؟

خلال متابعتنا لما جرى ويجري في عفرين، كان كل حريص على سوريا يتساءل: ما الذي يجري هناك؟ وبأي ثمن بيعت عفرين؟ وهل حلفاء سوريا هم من باعوها؟

ولكن بعيداً عن التفاصيل والإشاعات المسماة تجاوزاً "صحفية" (حيث أن بعض المواقع تنسج روايات خرافية غير مسبوقة) وبالنظر إلى المعطيات التي قدمناها، وإن استبعدنا نظرية الصفقة، يصبح من الغباء السماح للفاشي التركي ومرتزقته باحتلال عفرين.

فمن قاتل ضد التقسيم لسنوات وقدم ما قدم، كيف يهدي هكذا هدية لأعداء سوريا وشعبها؟ كيف يسمح للمشروع التقسيمي أن يحيا من جديد؟ كيف يسلم حياة مئات آلاف السوريين لفاشي مثل أردوغان ومرتزقته؟

أما من يتحمل مسؤولية مواجهة المحتل التركي؟ فبكل وضوح: هي مسؤولية كل وطني سوري، لا بل كل شخص وطرف يرفض تقسيم سوريا، وكل مدافع عن حق الشعب السوري بحياة كريمة، هذه ليست مسؤولية الأكراد وحدهم، بل كان على الجميع مواجهة ذلك بدلاً من أن تترك عفرين وحيدة لتواجه الفاشية التركية.

لذا فإن احتلال عفرين وصمة عار على جبيننا جميعاً، ستبقى إلى أن تأتي المقاومة وتمحوها بتحرير عفرين وكل المناطق المحتلة في سوريا، منهية بذلك الأحلام الأميركية بالتقسيم.

سألتُ إحدى الرفيقات الكرديات وهي من "القامشلو" (كما تلفظها) وموجودة حالياً في منبج، عن وضعهم ومعنوياتهم، قالت لي "معنوياتنا عاليةً جداً، لقد مررنا بالكثير من المحن سابقاً، وكانت جميعها مفتاحاً لنصرٍ لاحقٍ"

في لبنان خلال الاجتياح الإسرائيلي لبيروت، وفي اليوم الأول لدخول قوات الاحتلال لأحيائها بعد حصار طويل، قال الشهيد "مهدي عامل" للرفيق الراحل محمد دكروب ما معناه: "إنه التناقض، الاحتلال سيولد المقاومة، والمقاومة ستجلب النصر حتماً، انتظر.. إنها مسألة وقت".

وفعلاً، بعد ساعات قليلة بدأت عمليات جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية وكان التحرير والنصر.

واليوم، الآن هنا، وبُعيد احتلال عفرين، نحن بانتظار بدء عمليات المقاومة، وهي حتماً ستجلب لنا النصر في عفرين، وكل أخواتها في سوريا.