2018-03-22

لغز بوتين والانتخابات الروسية

كتب/ عبد الله حبه

أظهرت الانتخابات الرئاسية في روسيا التي حقق فيها فلاديمير بوتين فوزا ساحقا(حصل على حوالي 77 بالمائة من الاصوات)، وجرت في اجواء من الشفافية وحضور أكثر من 1500 مراقب من 115 دولة ، أن هذا الرجل فعلا يعتبر"اقوى رجل في العالم"- حسب ما وصفته به وسائل الإعلام الغربية.

وتكمن قوته في تمسكه في الدفاع عن مصالح روسيا وأمنها. وقد لوحظ أنه كلما إشتدت الهجمات الضارية على بوتين في الغرب تزداد شعبيته في داخل البلاد. وظهر بذلك بجلاء من الأحداث التي سبقت الانتخابات في روسيا مثل فضائح المنشطات في الالعاب الاولمبية وفرض العقوبات الاقتصادية وحادث تسمم الجاسوس الروسي السابق سيربال وأبنته في بريطانيا. وقد قال بوتين للصحفيين بعد إعلان نتائج الانتخابات إن أي رجل سليم التفكير لا يقوم بعملية كهذه عشية انتخابات الرئاسية. لقد أدت هذه الضغوط الغربية الى تصاعد شعبية بوتين بشكل غير مسبوق وساعدت كثيرا على فوزه في الانتخابات . إن المواطن الروسي سواء في داخل روسيا وخارجها (وقوف الناخبين في طوابير عند السفارات والقنصليات الروسية في اوروبا وامريكا) إعتبر أن كافة الهجمات ضد دولتهم وبوتين شخصيا إهانة لكرامتهم الوطنية ولايصدقون الإدعاءات حول المنشطات والسموم بإعتبارها مدبرة خصيصا في إجهزة المخابرات الاجنبية للتشنيع ببلادهم.

إن الاعلام العربي الخاضع عموما للدعاية الغربية يتعامل مع الوضع في روسيا من دون تفهم حقيقة الأمور في داخل روسيا وإتجاهات التفكير فيها. وقد إستغربت لدى مطالعة مقالة للكاتب الصحفي المعروف غسان شربل بعنوان " جيمس بوند في سرير ستالين"، فهي إن دلت على شئ فأنما تدل على جهل تام بشكل النظام في روسيا اليوم. ويتحدث الصحفيون الغربيون ويتبعهم بعض العرب دائما عن بوتين بصفته رجل المخابرات السابق وجيمس بوند الروسي. وأنا لم أقرأ يوما عن قول احدهم عن جورج بوش الأب رئيس الاستخبارات الامريكية السابق بأنه جيمس بوند. علماً أن بوتين كان ضابطا صغيرا فقط في الاستخبارات العسكرية السوفياتية وليس رئيسا لها.

إن بوتين تولى السلطة في عام 1999 بعد تخلي الرئيس السابق بوريس يلتسين، وتأثر بالأوضاع المزرية التي آلت إليها البلاد بعد سقوط الاتحاد السوفيتي. ووجهت الحرب الشيشانية ضربة شديدة الى السلطة والجيش وشكلت خطرا في تصاعد الحركات الانفصالية في مناطق أخرى من البلاد. وتوقفت المصانع الضخمة عن الانتاج وإنهارت الاوضاع الاقتصادية بعد استيلاء حفنة من رجال "الاوليجاركيا" (من المقربين لزوجة يلتسين) وتواصل تهريب الأموال من البلاد. وكان لا بد أن يقود ذلك الى تفكك الدولة أكثر وإستيلاء الرأسمال الأجنبي على مفاصل اقتصاد البلاد. وبدأ فعلا عرض المؤسسات الكبرى للبيع . 

في هذه الظروف كان لابد من عمل شئ ما من أجل إنقاذ البلاد. وقد عمل بوتين ما يجب أن يعمله أي شخص يحب بلاده وهو إعادة الأمور الى نصابها. وبدأ قبل كل شئ بالقضاء على الحركة الانفصالية الشيشانية المدعومة من قبل الدول الغربية والخليجية (أنا لا أعرف أية مصلحة كانت للدول الخليجية في ذلك). وقد تمكن من تصفية جماعة باسايف وخطاب وابو الوليد وغيرهم من القادمين من مختلف البلدان لدى الهجوم على داغستان. وإستخدم بوتين بذكاء نفور الداغستانيين التاريخي من الشيشان، ولهذا فإنهم دعموا الجيش وإنتهت الحركة الانفصالية بسرعة بعد إعلان المفتي الشيشاني أحمد قادروف وقوفه الى جانب موسكو.

وكانت الخطوة التالية التي قام بها بوتين بعد الحرب الشيشانية إعادة الاعتبار الى سمعة الجيش وتقويته. وقد عمل بنصيحة القيصر الكسندر الثالث:" لا يوجد حليف لروسيا سوى الجيش والاسطول". وإنطلق بوتين في موقفه هذا من أخذ العبر من تاريخ روسيا . فقد كانت بريطانيا وفرنسا والمانيا والنمسا خلال عدة قرون تسعى الى تهميش دور روسيا في السياسة الاوروبية لا سيما بعد أن أصبحت دولة قوية في عهد بطرس الأكبر. فقد شن نابليون حملته الفاشلة على روسيا في عام 1812 بحجة إشاعة التمدن والحضارة في " روسيا البربرية" والقضاء على نظام القنانة فيها . وفي عام 1941 شن هتلر هجومه أيضا بحجة القضاء على "جرثومة البلشفية" التي هددت اوروبا المتحضرة. وقد باءت حملته هذه بالفشل أيضا.

وبعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية، كان أول ما أعلنه ونستن تشترتشل هو وجوب القضاء على النظام الشيوعي – المقصود دولة الاتحاد السوفيتي. وبهذا بدأت الحرب الباردة مع ما رافقها من حروب في كوريا وفي فيتنام ومن ثم في الشرق الاوسط حيث وقف الغرب الى جانب اسرائيل ضد العرب.

ويشير المحللون الروس دوما الى ما قالته مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية الامريكية سابقا إن وجود سيبيريا بثرواتها الطبيعية الهائلة تحت سيطرة موسكو أمر غير عادل. إن الرأسمال الإمريكي الذي بات يسيطر على الأسواق المالية العالمية لا يروق له بقاء روسيا بقدراتها الاقتصادية خارج سيطرته.

ولهذا تعمل واشنطن بإصرار على منع مد خط انابيب الغاز الروسي الثاني الى المانيا، كما منعت بلغاريا من مد خط مماثل الى البلقان عبر أراضيها، وذلك بعد توقف ضخ الغاز الروسي عبر الترانزيت الاوكراني. إن هدف الولايات المتحدة وحليفاتها إضعاف روسيا إقتصاديا لتصبح مطيعة لها مثل دول الاتحاد الاوروبي التي لا يمكن القول الآن إنها مستقلة فعلا. وتريد الولايات المتحدة أن تكون حقول النفط والغاز ومكامن الثروات الطبيعة الأخرى في روسيا مرتبطة بالرأسمال الأمريكي كما هو الحال في الدول الأخرى. وتتمنى أن تكون روسيا بلا قدرات نووية وبلا جيش قوي ويسود فيها الاقتصاد الإستهلاكي كما في بلدان العالم الثالث .

وعمل بوتين على جعل روسيا دولة قوية وإقامة تحالفات وعلاقات مع دول الاقتصاد النامي وتأسيس منظمة شنغهاي وتقوية العلاقات مع جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق.

وعندما فرضت الولايات المتحدة والدول الغربية العقوبات الاقتصادية على روسيا بسبب الأحداث الاوكرانية وإعادة ضم القرم الى روسيا، قام بوتين بأول خطوة مقابلة بتوقيع اتفاقية مد خط انابيب الغاز " قوة سيببريا" الى الصين.كما وقع قبل هذا اتفاقية مع تركيا لمد خط انابيب الغاز التركي. وعموما فان العقوبات قد أعطت مردودا معاكسا . فقد إضطرت روسيا الى إعادة تشغيل المصانع السوفيتية السابقة ولا سيما المصانع الحربية.

وصارت تنتج بنفسها مجددا الطائرات والسيارات والماكينات التي ستكون لها مكانة الصدارة في الأسواق المحلية خلال الأعوام القليلة القادمة. 

ولابد من الإشارة الى ان روسيا كانت خلال الفترة الماضية دوما في موقع المدافع عن نفسه. فقد هاجمت جورجيا اوسيتيا الجنوبية وابخازيا، الاقليمين اللذين ضمها ستالين في زمانه الى جمهوريته الأم، وإضطرت قوات حفظ السلام الروسية المرابطة هناك الى الاصطدام مع القوات الجورجية المهاجمة بقيادة جنرال اسرائيلي متقاعد. وفي عام 2014 دبرت دول حلف الاطلسي الانقلاب على السلطة في كييف وهرب فكتور يانوكوفتش رئيس الجمهورية الاوكراني الى روسيا حينما رفض توقيع الاتفاقية بشأن ضم اوكرانيا الى معاهدة التكامل الاوروبي، وفي الواقع الى حلف الناتو. وكان جنرالات الناتو يحلمون بالسيطرة على القرم لكي ترابط سفنهم في سيفاستويول. ومعروف ان من يسيطر على القرم يسيطر على البحر الأسود كله (بالمانسبة حصل بوتين على 93 بالمائة من اصوات الناخبين في القرم). وبعد ذلك خشيت روسيا ان تفقد قاعدتها البحرية في طرطوس فتدخلت روسيا هناك بطلب من حكومة دمشق نفسها. ولهذا يعتبر الروس وجودهم هناك شرعيا أما وجود القوات الامريكية وغيرها في سوريا فهو غير شرعي.

إن بوتين الرئيس المنتخب مجددا ، لولاية رئاسية رابعة ، هو ليس "جيمس بوند" روسيا، بل هو مواطن روسي يعمل من أجل ضمان مصالح بلده في الداخل والخارج.