2018-03-17

ثلاثون عاما على الانتفاضة الكبرى 1987

تيسير عاروري: نضال ضد الابعاد الجماعي - القضاء والمحاكم

(الحلقة الرابعة)

أمل غضبان/عاروري

رئة للانتفاضة

قدِّمت طلبات اللجوء السياسي الى السفارة الايطالية والفرنسية واليونانية من خلال مدير مركز القدس للإعلام الرفيق غسان الخطيب، وهو المركز الذي استقبل اعتقال تيسير بقليل اواخر العام 1987 وكان الذراع الاعلامي للحزب الشيوعي الفلسطيني ولمساعدة الصحافيين الوافدين من كافة انحاء العالم لتغطية احداث الانتفاضة، حيث ”كان دعم تيسير لهذه المبادرة نابعًا من بعد النظر السياسيّ، لادراكه انّ الانتفاضة في حاجة الى رئة تتنفّس بها وفي حاجة الى منفذ الى العالم الخارجيّ

مركز عالٍ

من قرارات لجنة الاعتراضات بحق تيسير: ليس لدينا اي شك في ان المستانف تيسير العاروري، حتى في حال اعتقاله، سيقوم بدور قيادي داخل المعتقل، وانه سيواصل ممارسة التاثير على الاحداث في المنطقة. اثناء فترة اعتقاله الاداري احتل تيسير العاروري مركزا كبيرا بين المعتقلين وقام في تلك الفترة بنشاطات سرية بما في ذلك تجنيد احد المعتقلين معه لصفوف الحزب الشيوعي الفلسطيني.

بعد تسعة ايام من اعتقال تيسير في سجن الحكم العسكري في المقاطعة في البيرة / رام الله، وبالتحديد  في السابع عشر من اب 1988 تم تجميع المجموعة السادسة من المرشحين للإبعاد منذ بدء الانتفاضة في زنزانة واحدة في سجن جنيد قرب نابلس، والمعتقلون من الضفة الغربية كانوا خمسة عشر: عثمان داوود، يوسف حرب، سرحان دويكات، محمد عبد الجليل المطور، محمد اللبدي، ماجد اللبدي، رضوان زيادة، عودة معالي، بلال الشخشير،عبد الحميد البابا، هاني الحالوب، مسعود زعيتر، عاكف الحمدالله،  تيسير نصرالله، وتيسير عاروري.

تم تجميعهم من سجون مختلفة: المسكوبية، رام الله، طولكرم وانصار 3، وفي مساء ذلك اليوم تم استدعاؤهم واحدا واحدا لاستلام قرارات الابعاد الموقعة من الجنرال عمرام متسناع، قائد المنطقة العسكرية الوسطى للضفة الغربية. التهمة المشتركة لخمسة منهم ومن بينهم تيسير كانت العضوية في اللجان الشعبية التي كانت ذراع الانتفاضة وعقلها المدبر، والتي صدر بحقها في 18 اب 1988، اي في اليوم التالي، قرارٌ عسكري يمنع العضوية فيها، فكان هذا منفذا مهما للتقاضي مع سلطات الاحتلال حيث جاءت التهمة وقرار الابعاد قبل صدور قرار المنع. بقرار الخمسة عشر المرشحين للإبعاد التوجه الى لجنة الاعتراضات العسكرية (وهي اللجنة التي تقوم بنقل الاعتراضات الى محكمة العدل العليا الاسرائيلية التي تصدر القرار القضائي)؛ بدانا، المعتقلين وعائلاتهم ومحاميهم معركة شرسة من النضال سعيا لإلغاء أوامر الابعاد، وفي اقله فضح تواطؤ المنظومة القضائية الاسرائيلية في قمع وتشريد شعبنا عالميا.

غريبة تلك الاحاسيس التي انتابتني بسماع خبر استلام تيسير قرار الابعاد في ذلك اليوم المشئوم، لأنني حتى تلك اللحظة كنت اعيش الامل بأنه معتقل وسيبقى في السجن لفترة، رغم كل المؤشرات يوم اعتقاله. مشاعر صعبة، المٌ ليس بعده الم، هو افظع بكثير من الالم. صدمة من النوع القاتل. ماذا؟ هل ساقتلع من وطني واهلي واصدقائي وعملي؟ هل ساحرم منهم جميعا؟ ولماذا؟ لاننا نريد الانعتاق الى الحرية؟؟ واطفالي؟ هل كتب عليهم العيش بالغربة وحيدين، بعيدين عن اهلهم واصدقائهم  بعد كل هذا الحب والدفء الذي يعشونه بين اهلهم؟

اني اخترتك يا وطني، واخترت ان اتعلم فيك، واعمل فيك، واناضل فيك ضد الاحتلال من اجل تحررنا وانعتاقنا من ظلمه،  ولكرامة شعبنا وتحرره. ما هذا الذي حل بعائلتي؟ ما هذا؟ ما هذه القساوة؟ ما هذه البشاعة؟ من انت ايها المحتل لتحرمنا حياتنا التي اخترناها؟ اية قوانين وايُّ ظلمٍ هذا؟ ايُّ شعور؟ الاقتلاع؟ نعم شعور الاقتلاع، شعرت بألم شجرة زيتون معمرة غارسةً جذورها في الارض لعقود وقرون وهي تقتلع من الارض. نعم هو اقتلاعٌ لروحنا المتعلقة بالوطن وأهله.

ليس للكلام حضور. نعم ليس للكلام حضور في لحظة الحرمان من الوطن. الوطن هو فسحة انسانية في القلب والضمير والاحاسيس والمشاعر، صعبٌ وصفها وصعب التعويض عنها، او العيش بدونها. ولكنها اكسير حياتنا تيسير وانا. من يقرر لنا بان ننفى عن الوطن ويحتم علينا ان نبدأ حياتنا من جديد في الغربة؟

طلب المبعدون مباشرة بعد استلام أوامر الإبعاد اللقاء مع محاميهم، واخبروهم بقرارهم التوجه للجنة الاعتراضات العسكرية،وطلبوا منهم تشكيل لجنة للدفاع عنهم. تألفت اللجنة من عدة محامين، اتذكر منهم جواد بولس وليئه تسيمل. طلب المرشحون للإبعاد من المحامين ان يعمدوا الى المماطلة في الاجراءات القانونية لأطول فترة ممكنة وإثارة اقصى ما يمكن من القضايا الفنية القانونية لكسب الوقت وتمديد الفترة التي تسبق الابعاد. بدأت المعركة، وسُجِّلت هذه الحالة كالأولى من نوعها في القضاء الاسرائيلي الذي اعتاد على عدم توجه المرشحين للابعاد  للاعتراض على القرارات لدى المحاكم الاسرائيلية والتسليم للقرار تحت عنوان"عدم التعاطي مع القضاء الاسرائيلي لعدم شرعيته".

تهَم على نشاطات مجتمعية واكاديمية جماهيرية!

وجِّهت لتيسير مجموعة من التهم لنشاطات مجتمعية وأكاديمية جماهيرية (اذا جاز تسميتها بتهمٍ تؤدي الى الاعتقال ثم الابعاد عن الوطن)، كتابين للرفيق غسان حرب الذي توفي بالسرطان؛ واعتقاله الاداري لخمسة وأربعين شهرا (1974-1978) بدون تحقيقٍ معه او توجيه اية تهمةٍ له؛ والاشتراك بمظاهرة باب الواد عام 1987 والتي نظّمتها حركات سياسية اسرائيلية ممثلة بالكنيست وغيرها كحركة السلام الان، ركاح، مبام، يوجد حد، حقوق المواطن وغيرها،والعضوية في لجنة العمل التطوعي في قرية برهام؛ والاشتراك في مؤتمر 20 سنة على الاحتلال والتوقيع على عريضة  العام 1984 بدون ذكر موضوعها! ومن التهم ايضا كان ادراج اسمه في قائمة فيصل الحسيني لعضوية المجلس الوطني لدورة العام 1988، وتهمة نشاطه داخل السجن بتعليم وتثقيف الشباب السجناء فيما عُرِفَ بـ"مدرسة تيسير" في السجن؛ وهي التجربة التي وصفها الصديق سمير حليلة بالانتقال ”من عالم القلق على مستقبلي الى دائرة الفعل متسلّحًا بارادة وإصرار ومثابرة المناضل" (ص. 52في كتاب ”تيسير: تاريخ يروي سيرة يصعب ردفها“ المهدى لذكراه)، وكتب عنها الصديق الرفيق عصام عاروري قائلا:

"من المعروف في تلك الايّام، وفي يومنا هذا، انّ تجربة السجن لشابّ صغير حديث التجربة قد تكون مدمّرة، وقد تكون نقطة قوّة وانطلاق جديدة نحو الافضل. في حالة شبه الضياع تلك، كان لقائي العابر بتيسير نقطة التماسك والتحوّل. ومن بين عدد من الاشخاص الذين ساعدوني في التجربة، كان تيسير اكثرهم تاثيرًا عليّ. (…) تيسير كان له سحر خاصّ يجعلك تحترمه، ان لم تحبّه، مهما اختلفت طباعكما. (…) علمت من تيسير ومن الشيوعيّين الاخرين، انّهم لا ينظّمون احدًا في السجن. بدات اراكم معرفتي انّني امام اناس مختلفين في سلوكهم ومعرفتهم وقوانينهم. علاقاتهم مميّزة، وقضاء وقتهم مميّز بالقراءة والرياضة ونسخ الكتب، التي كانت شحيحة، بخطّ اليد، اذ كان على كلّ من خطّه جميل او حتّى مقروء، ان ينسخ كتابًا او جزءًا من كتاب. وهكذا كانت الكتب المنسوخة بخطّ يد هؤلاء المناضلين، ومنهم تيسير، اوّل الكتب التي تتلمذت عليها.“ (ص. 194-195)

بعدَ عدّة جلساتٍ من المحاكم للجنة الاعتراضات العسكرية في سجن جنيد حيث مُنع الاهالي من حضور الجلسات، وما رافقها من حملات اعلامية تضامنية محلية وعالمية قمنا بتنظيمها بالتنسيق مَع المهددين بالابعاد ولجنة المحامين، بدا واضحا انَّ الخطة نجحت. ففي الوقت الذي لم تتوقع سلطات الاحتلال ان تتحول محاكمة المبعدين الى محاكمة لها،اي  لسلطات الاحتلال، لجات الى اسلوب المساومة وعرضت على المبعدين عن طريق محامي فلسطيني يعمل في قضايا حقوق الانسان استعداد وزير الدفاع الاسرائيلي انذاك اسحق رابين لتحويل القضية برمتها الى ابعاد عن البلاد لمدة ثلاث سنوات بشروط. رفض المعتقلون "العرض"جملةً وتفصيلا لان الموافقة عليه تعني نسفَ كل ما حققوه من نجاح في اثبات عدم قانونية الابعاد تبعا لاحكام القانون الدولي وعدم ثبوتية التهم الموجهة لهم.

في كانون الأول 1988 صدرت قرارات لجان الاعتراض واعطي كل معتقل الخيار بالموافقة على قرار الابعاد او اللجوء الى محكمة العدل العليا، وقد تضمنت القرارات ابعاد 14 متهما من اصل 15 حيث استبدل قرار ابعاد سرحان دويكات بالاعتقال الاداري.

"كان نشيطا في الحزب الشيوعي الفلسطيني"

جاء قرار لجنة الاعتراضات بحق تيسير كالتالي:

تيسير راغب علي عاروري - مواليد 1946- من سكان البيرة يعمل محاضرا في جامعة بيرزيت، وهو اكبر المستأنفين عمرا، وتشكل لدينا انطباع بانه يحتل ارفع مرتبة تنظيمية بين زملائه كما لمسنا الاحترام البالغ الذي يكنونه له. ولمسنا ايضا بان تيسير تحول الى قائد لمجموعة المستانفين - او المهددين بالإبعاد - وتبين ذلك من خلال النقاشات التي جرت امامنا.

تيسير العاروري عاد الى المنطقة في عام 1973 بعد ان انهى دراسته في الاتحاد السوفيتي في اطار برنامج جمع الشمل، ومنذ عودته للمنطقة كان نشيطا في الحزب الشيوعي الفلسطيني حيث احتل مرتبة تنظيمية رفيعة.

اعتقل تيسير العاروري اعتقالا اداريا بتاريخ 22 نيسان 1974 وبقي في المعتقل حتى 19 كانون الثاني 1978، وقد اعتقل بعد الكشف عن تنظيم الجبهة الوطنية الذراع العسكري للحزب الشيوعي، ومن بين التهم التي وجهت اليه في حينه البحث عن اسلحة وتخزينها ولكنه لم ينجح في ذلك حتى اعتقاله.

للتدليل على اهمية مركزه التنظيمي نشير بهذا الصدد الى نشاطاته والى الدور الذي قام به في الاحداث ومن ضمن ذلك نشر اسمه، وان كان ذلك بدون علمه كما يقول، على وثيقة الاستقلال الفلسطينية كأحد المندوبين وكعضو في المجلس الوطني الفلسطيني.

اما اخطر نشاطات تيسير العاروري على الأمن في المنطقة فتظهر بوضوح في المواد السرية التي قدمت الينا، كما انها تَظهر ايضا في المواد العلنية التي لا يمكن التقليل من اهميتها.

لقد رد تيسير العاروري على جميع المعلومات التي وردت في المواد العلنية التي واجهناه بها.

وقد رفض بعضها، وقد دافع عن بعضها الاخر وفسر حسب وجهة نظره كيف ان هذه النشاطات المنسوبة اليه هي نشاطات شرعية وقانونية، وبالنسبة لمعلومات اخرى صحح تفاصيل صغيرة او جوهرية ومن الناحية الاجمالية فقد اجاب بصورة اساسية على جميع المعلومات التي طرحت امامه.
مع ذلك فقد تجاهل تيسير العاروري بصورة مطلقة التطرق لمعلومة مركزية واحدة نسبت اليه ولم يذكرها او يتطرق اليها لا من قريب او بعيد ويتعلق ذلك بدفتر الملاحظات الذي ضبط بحوزته اثناء اعتقاله تمهيدا لتنفيذ قرار الابعاد الذي صدر بحقه. ان دفتر الملاحظات المذكور تضمن من بين ما تضمنه تقارير عن اللجان الشعبية، وافكارا ممكنة لبلورة خطة للتصعيد بالاعتماد على هذه اللجان، واقتراح لاعلان اضراب في السجون، وقائمة باسماء مطلوبين لقوات الامن بهدف حل مشكلة اخفائهم، وايضا تضمن دفتر الملاحظات معلومات عن مصاريف وما شابه، واقتراحات عن توفر قوى اضافية لتصعيد الانتفاضة لم تستخدم بعد.

وتبين ايضا انه لم يكن لدى المستانف تيسير العاروري اي تفسير لاتهام واضح وصريح يتعلق بعلاقته المباشرة والمستمرة بنشاطات الاخلال بالنظام ولمركزه الرفيع في توجيه وقيادة الانتفاضة، وقد اقتنعنا ان المستانف تيسير العاروري قام بدور هام وكبير وعملي في ادارة وتوجيه احداث الانتفاضة من خلال تحديد اساليب وطرق العمل او من خلال مهام اخرى.

ليس لدينا اي شك في ان المستانف تيسير العاروري، حتى في حال اعتقاله، سيقوم بدور قيادي داخل المعتقل، وانه سيواصل ممارسة التاثير على الاحداث في المنطقة. اثناء فترة اعتقاله الاداري احتل تيسير العاروري مركزا كبيرا بين المعتقلين وقام في تلك الفترة بنشاطات سرية بما في ذلك تجنيد احد المعتقلين معه لصفوف الحزب الشيوعي الفلسطيني.

كما اننا نخشى ايضا، ان المستانف تيسير العاروري سيواصل نشاطاته من خارج حدود المنطقة والدولة، في اطار الحزب الشيوعي الفلسطيني، وبغياب اي مراقبة لقوات الامن على نشاطاته فمن الممكن ان يضاعف من هذه النشاطات ويواصل العمل باقصى طاقاته لتحقيق الاهداف التي يؤمن بها. ومع ذلك فليس لدينا شك بان الاضرار التي سيتسبب بها من خلال وجوده داخل المنطقة هي اكبر بما لا يقاس من تلك الاضرار التي يستطيع ان يتسبب بها ضد قوات الامن من مكان اخر.

وعلى خلفية الجهود الكبيرة المبذولة لاعادة الامن والنظام الى منطقة يهودا والسامرة فان ابعاد تيسير العاروري من المنطقة هو خطوة لا مفر منها (لدعم هذه الجهود). ان تيسير العاروري هو الذي جلب لنفسه هذا الحكم القاسي من خلال نشاطاته غير المبررة من اجل تحقيق اهدافه بصورة غير صحيحة.

نحن مقتنعون ان ابعاد تيسير العاروري سيشكل ضربة قاسية للحزب الشيوعي الفلسطيني في المنطقة وخصوصا للجهاز التنظيمي الذي يقف من وراء احداث الانتفاضة. وهذه الضربة - ضد الحزب الشيوعي - ستساهم اسهاما حقيقيا وعمليا لصالح المحاولات المبذولة لوضع حد للانتفاضة العنيفة الدائرة حاليا في المنطقة.

نحن نوصي بالاستمرار بإجراءات ابعاد تيسير العاروري - المستانف رقم 6.

نقل معركة الملف السري الى المحكمة العليا

قررت مجموعة من المعتقلين نقل معركة الملف السري الى محكمة العدل العليا التي استمرت حتى اواخر اب 1989 (قرر ثمانية عدم المواصلة ونفذت اوامر ابعادهم في 1/1/1989).

محكمة العدل العليا تهتم ببحث فقه القانون وبالتالي مدى قانونية الاجراءات والقرارات المعروضة امامها. وفي قضية المبعدين بحثت ان كان قائد المنطقة الوسطى متسناع قد تجاوز صلاحياته باصدار اوامر الابعاد، ام انها جاءت ضمن اختصاصاته. في هذه المرحلة انضم الى جواد بولس في الدفاع عن تيسير المحامي الشهير افيغدور فيلدمان. كان واضحا وجليا ان المحاكمة سياسية بامتياز، وفي معرض مناقشة فيلدمان قسوة قرار الابعاد من الناحية الانسانية ووصفه له انه يفوق قسوة حكم السجن المؤبد،اجابه القاضي ”ان اسرائيل لا تطبق عقوبة الاعدام، لذا فان البديل الوحيد هو تطبيق عقوبة الابعاد“.

كانت المحاكمات تجري باللغة العبرية وبدون ترجمة للمعتقلين او الحضور، ولك ان تتخيل/ي نفسك امام قضاة يصادقون على قرار ابعادك عن الوطن وانت جالس/ةامامهم لا تفهم/ين ما يقولون. كتب تيسير في صدور امر ابعاده

"في يوم الخميس 24اب 1989 نقلنا من سجن جنيد الى سجن الرملة، ومن هناك الى القدس حيث مثلنا امام محكمة العدل. بعد انتظارٍ استمر اكثر من نصف ساعة دخل القاضي وسال عن محامي الدفاع فاخبره بعض المسئولين انهم لم يحضروا، وسأل ان كان المحامون قد ابلغوا بموعد الجلسة فاجيب الايجاب. فتح القاضي ملفا كان بيده، وقرا بصوت منخفض جملا بالعبرية لم نسمعها، ثم نهض وخرج. كل هذاتم بسرعة عجيبة بحيث ان احدا منا لم يفهم ماذا حدث، فتوجهنا الى جنود حرس الحدود الذين كانوا يحيطون بقفص الاتهام  الذي وقفنا فيه ومعظمهم من الطائفة الدرزية وبالتالي يتكلمون اللغتين العربية والعبرية، لكن احدا من هؤلاء الجنود الذين يتميزون بالشراسة لم يجبنا على سؤالنا عما حدث. بدلا من جواب لحيرتنا سمعنا ضحكا ساخرا وكلماتٍ مبهمة مثل 'كلكم ستغادرون الى منازلكم ولكن الى لبنان'. توجهوا الينا لاقتيادنا الى خارج القاعة وهناك كان احدهم من الادب والتهذيب بحيث اخبرنا ان التماسنا قد رفض، مما يعني ان اجراءات المحاكمة في عرف العدل الاسرائيلي سليمة من الناحية القانونية، وان القرار بابعادنا يجب ان ينفذ. بهذه الهزالة اعلن عن فاجعتنا… كلمات قليلة، قاضٍ مرتبك، صوت خفيض، واعلان قرار محكمة العدل الاسرائيلية بقانونية ابعادنا… قرار عبثي بموجبه توجب علينا مغادرة ارضنا، وطننا، منازلنا، ان نفارق عائلاتنا، زوجاتنا وابناءنا وما تبقى لنا من اباء واخوة واخوات.“ (مقتطف من شهادة كتبها تيسير توثق مرحلة الاعتقال والابعاد وسيتم نشرها قريبا).

بعد ظهر ذلك اليوم، الخميس 24 اب 1989،اتصلت معي الصحافية ميخال تسيليع والتي كانت تعمل في صحيفة الجروزاليم بوست، وتتابع قضية تيسير وملف الابعاد الجماعي، وقد كنت كما يوم اعتقاله قبل عام في 8 اب 1988 في حضانة مرح في البيرة (انظر/ي الحلقة الاولى)،واخبرتني بقرار محكمة العدل العليا بالمصادقة على قرار ابعاد تيسير. صدر القرار حوالي الساعة الواحدة والنصف من بعد الظهر، بدون علم اي من محاميه او نحن عائلته بالجلسة. اغلقت خط الهاتف وانتقلت مباشرة للعمل ”الخطة ب“ التي كنت قد اتفقت عليها مع جواد بولس وغسان الخطيب ونصير عاروري، وهي تامين دولة تقبل بإبعاد تيسير اليها بدلامن ان يتم ابعاده الى جنوب لبنان حيث كان المبعدون يتيهون لشهور بين قوات لحد على الشريط الحدودي وعناصر الامن اللبناني قبل الوصول لبيروت، فتضيع قضية ابعادهم.

خلال ساعات، قدِّمت طلبات اللجوء السياسي الى السفارة الايطالية والفرنسية واليونانية من خلال مدير مركز القدس للاعلام الرفيق غسان الخطيب، وهو المركز الذي استقبل اعتقال تيسير بقليل اواخر العام 1987 وكان الذراع الاعلامي للحزب الشيوعي الفلسطيني ولمساعدة الصحافيين الوافدين من كافة انحاء العالم لتغطية احداث الانتفاضة، حيث ”كان دعم تيسير لهذه المبادرة نابعًا من بعد النظر السياسيّ، لإدراكه انّ الانتفاضة في حاجة الى رئة تتنفّس بها وفي حاجة الى منفذ الى العالم الخارجيّ، وذلك من اجل تغيير صورة نضال الشعب الفلسطينيّ وزيادة فرصه في تحقيق الدعم الدوليّ الذي يستحق والذي لا غنى عنه لتحقيق النصر“ (ص. 83، غسان الخطيب، كتاب”تيسير“). بعد اقل من 24 ساعة، قبل ظهر الجمعة ابلغنا الفرنسيون بموافقتهم على استقبال تيسير كلاجئ سياسي، ويوم العطلة الرسمية السبت فتحت السفارة الفرنسية ابوابها لتجهيز وتسليمنا اوراق تيسير. بعد ظهر الاحد استلم مندوب الصليب الاحمر جواز سفر الابعاد عن الوطن، وحقيبة ملابس، وصور للعائلة، ومبلغا من المال ليؤمنها لتيسير في رحلة الابعاد الى المنفى.
وهكذا كان، في ضحى الاحد 27 اب 1989، نقل تيسير من سجن الرملة الى مطار اللد لتنفيذ قرارالابعاد، حيث ذهبت والأطفال وابنة عمتهم خولة ومجموعة من المتضامنين لمحاولة وداع تيسير، وحيث  تواجد ايضا عدد من اعضاء اليمين الاسرائيلي للتظاهر تأييدا لقرار الابعاد وضد وجودنا في المطار. اثر دخولنا اعتقلت انا والأطفال وخولة في سجن المطار حتى ما بعد منتصف الليل، ما بين الاروقة وفي غرفة صغيرة، نتاشا التي تجاوزت حرارتها الاربعين درجة ممدة على دسك خشبي وكمادات الماء بالكاد تساعد في لجم حرارتها، ناديا متعلقة على ذراعي، فارس يراوح ذهابا وايابا بينما تحاول خولة الهائه، وانا اتمزق بين اطفالي المحتجزين وتيسير المحلق بعيدا عن الوطن في رحلة باتجاه واحد. اطلق سراحنا بعد منتصف الليل بعد ان تمكنت من الاتصال بالرفيق مائير فيلنر امين عام الحزب الشيوعي الاسرائيلي وعضو الكنيست، حيث سُمِحَ لي بالاتصال مع والدي لاعلمه باننا معتقلون، فاغتنمت الفرصة واتصلت بفيلنر. وقد اثار اعتقالنا بالتزامن مع ابعاد تيسير ضجة سياسية كبيرة، وطبعا ابعد تيسير بدون لقاء او وداعنا نحن عائلته.

صباح 28 اب 1989، تيسير في المنفى، وانا في الوطن مع اطفالي الثلاثة، ماذا ستحمل لنا الايام القادمة بعد ان شُطِرت عائلتي؟