2018-03-11

الولايات المتحدة تغامر وتقامر بمصير العالم !

(الحلقة الثانية)

عصام مخول

إن تفحُّص الممارسات السياسية والعدوانية الامريكية على مدى ما يقارب ثلاثة عقود يفضح الطابع الامبريالي لمشاريع الولايات المتحدة، ويشي بحقيقة الذرائع الامنية ومحاربة الارهاب التي استعملتها الولايات المتحدة، وحقيقة الحرب ضد القاعدة وإعلان التخلص من بن لادن عندما انتهى دوره في خدمة العدوانية الامريكية وتبريرها، والحرب ضد "الترسانة النووية العراقية" غير الموجودة، وما رافقها من "عملية تجريف حضاري" كما وصفها الباحث سليم نزال في كتابه "حصاد مرّ"، وشيطنة إيران وسوريا، والدور المشبوه لـ"التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في محاربة داعش" وفي إنشاء داعش وغيرها من منظمات الارهاب (باعتراف وزيرة الخارجية الامريكية السابقة هيلاري كلينتون) .. ويتكشف أن هذه التهويمات ما هي إلا تبريرات لسياسات ارهابية تمارسها الامبريالية الامريكية بحق الشعوب ومن أجل اخضاع الدول وابتزازها في أشبه ما يكون بممارسة البروتيكشين الدولي.

والولايات المتحدة التي وضعت هدف محاربة "الارهاب الاسلامي" كهدف استراتيجي يشكل عنوانا للعصر، كانت الأقوى حضورا في انتاج هذا الارهاب من "القاعدة" الى "داعش" واستعماله في خدمة مشاريع الهيمنة الامريكية وما تزال تستعمله اليوم أيضا في سوريا والعراق لتبرير وجودها العسكري العدواني وقواعدها العسكرية لمنع القضاء على الارهاب بشكل يحرر الشعوب منه

والولايات المتحدة عندما تعلن حقها في  التصدي لأية محاولة تعيق مخططاتها الاقتصادية ولأية قوة ترفض الخضوع لآليات هيمنتها الاقتصادية او السياسية، أو تحد من عمق تأثيرها في عالم القطب العالمي الأوحد فإنها تعني ما تقول.  فقد ربطت الاستراتيجية الامريكية بين سطوتها العسكرية وجبروتها الاقتصادية،  ووظفت الأولى في خدمة الأخيرة .. فكيف ينعكس ذلك في عالم السياسة والاستراتيجيا ومشروع "نشر الديمقراطية" في عالم القطب الأمريكي الواحد؟ .

الدولة العظمى والعِملَة العظمى: أو موقع الدولار في التجارة العالمية !

في الحرب العالمية الثانية بعد أن لاح في الأفق انتصار الحلفاء اجتمعت في تموز 1944 في مدينة بريتون وودز الامريكية بمبادرة من الحكومة الامريكية، 44 دولة للاتفاق على نظام نقدي دولي جديد يوفر حرية التجارة ويمد الدول الاعضاء بالسيولة الكافية. وبرزت في المؤتمرهيمنة الولايات المتحدة الامريكية، وقد توصل المؤتمر الى وضع اتفاقيات تم بموجبها إنشاء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للانشاء والتعمير (إعادة الإعمار!!) ورفض الاتحاد السوفييتي المشاركة في هذه المؤسسات في ظل الهيمنة الامريكية الواضحة عليها .  

ويمكن القول أن"نظام ثبات أسعار صرف العملات الاجنبية كما وصفه أكرم الحوراني، كان حجر الزاوية في مؤتمر بريتون وودز، إذ يقوم هذا النظام النقدي الجديد على أساس "قاعدة الصرف بالدولار الذهبي" وعلى أساس "مقياس التبادل الذهبي"، وبذلك تحول الدولار الامريكي من عملة محلية الى عملة احتياط دولية، بمعنى أن احتياط الدول بات يعتمد الذهب أو الدولار في المعاملات التجارية الدولية، الى أن أعلن الرئيس الأمريكي نيكسون في العام 1971 أن الولايات المتحدة تلغي قابلية تبديل الدولار الى ذهب وأن الولايات المتحدة تعتمد الدولار وحده كمقياس للتبادل التجاري فارضة بذلك هيمنتها على الاقتصاد العالمي من خلال هيمنة عملتها المحلية على النظام النقدي الدولي.

بمعنى أن كل تجارة بين دولتين يفترض أن تكون بالدولار .. مما جعل الولايات المتحدة قادرة على طبع أي كمية من الدولارات، لأن البنوك في العالم كانت بحاجة الى دولارات. وبناء على الاهداف الاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة كما جئنا عليها في هذا التحليل، فقد تصدت الولايات المتحدة لكل من سيحاول الانسحاب من استعمال الدولار واعتبرت ذلك رافعة لعدوانيتها بغض النظر عن المبررات التي افتعلتها لحروبها.

ومن المثير أن نشير أن أول من تحدى ذلك وقرر الانسحاب من النظام النقدي المعتمد عل الدولار وأن يجري تجارته باليورو .. كان الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين . وبعده أعلن القذافي أنه يريد إدارة التجارة بالاعتماد على الذهب! وبادر الى تأسيس بنك مركزي افريقي على هذا الاساس. وبعد ذلك أعلنت ايران أنها لن تبيع النفط بالدولار .. فانطلق المشروع الامريكي لـ"نشر الديمقراطية" في الشرق الاوسط، ومنذ ذلك الوقت وضعت إيران أيضا، على المشرحة وتجري شيطنتها بشتى الوسائل ، وفي الدرك الأسفل من هذه الشيطنة ما تقوم به المؤسسة الاسرائيلية ورئيسها نتنياهو والإدارة الامريكية ورئيسها الحالي ترامب.

تطويق روسيا وتطويق الصين !

في وقت لاحق دخلت روسيا والصين في الصورة .. في العام 2014 تم توقيع أضخم صفقة غاز في العالم بين الصين وروسيا بقيمة 400 مليار دولار لمدة 30 عاما، تتم المتاجرة فيها إما بالروبل وإما باليوان الصيني وليس بالدولار، في ظل تصعيد العقوبات الامريكية الاقتصادية بحق روسيا وفي محاولة للتضييق عليها وابتزازها في قضية البحش الامريكي في أوكراينا

وقررت الصين وروسيا تأسيس بنوك كبيرة جدا احتياطها يصل الى 100 مليار دولار لكل منهما .. لتقديم القروض لدول أخرى بحاجة الى قروض في شروط مريحة. وكان هذا يعني: إعلان المنافسة مع صندوق النقد الدولي الخاضع للولايات المتحدة والتابع لسياساتها الامبريالية وتوفير بديل له، يشكل بديلا لشروط التبعية القاسية والإخضاع التي كان يفرضها على الدول الدائنة، بينما عرضت الصين وروسيا تقديم القروض بشروط مريحة، وعلى أسس اقتصادية. إن  الولايات المتحدة تعي أن النيل من موقع الدولار والنيل من مكانة صندوق النقد الدولي .. هو نيل من موقع الإمبراطورية الأمريكية وزعزعة لنظام القطب الواحد الذي تسعى الى تخليده !  وهو ما سعّر استهداف روسيا والصين والتحرش بهذين العملاقين العالميين واتخاذ الإجراءات لتضييق الخناق على كل منهما وتلويح العدوانية الامريكية بالحرب والسير على حافة ترسانتها النووية "وتفوقها" .

وفي إطار وضع أهداف الولايات المتحدة الاستراتيجية الكبرى حيز التنفيذ، التفتت إدارة الرئيس أوباما إلى مسألة التحكم بطرق التجارة الدولية وفي طليعتها الممرات المائية والمضائق والجزر المتحكمة بها كما حددتها الدراسات الاستراتيجية التابعة للبنتاغون منذ العام 2005. وأعلن الرئيس أوباما في العام 2011 عن خطة لتحويل ثلثي القوة البحرية الأمريكية حتى العام 2020 الى المحيط الهادئ وبحر الصين

وفي العام 2016 نفذت البحرية الامريكية أكبر مناورات عسكرية لها مع البحرية الاسترالية في بحر الصين الجنوبي، واعتبرت الولايات المتحدة ذلك رسالة (إقرأ/ي تحديا استفزازيا) الى الصين. وأعلنت الولايات المتحدة أن هدف المناورات هو التدرب على إغلاق المضائق بين جزر سبريتلي ومضائق "مَلَقَا" بين ماليزيا وسومطرة وهو الممر المائي الذي تمر منه كل تجارة الصين البحرية والتي تصل قيمتها الى خمسة تريليونات دولار سنويا. وقامت إدارة الرئيس ترامب بتوجيه إنذار الى الصين على لسان وزير الخارجية تيلرسون يطالبها بالامتناع عن الطيران فوق جزر سبريتلي . ويأتي ذلك في إطار سعي واشنطن للتصدي لما تعتبره سعيا من الصين لتأكيد قوتها في المحيط الهادئ، وقيام الصين بانشاء جزر صناعية في بحر الصين الجنوبي ، بينما تؤكد الصين أن لها السيادة الكاملة تقريبا على بحر الصين الجنوبي، وأن أي نزاع بحري مع دول في المنطقة يمكنها حله بشكل سياسي وودي، وطالبت الولايات المتحدة بعدم التدخل

وبالمقابل تمتلك الولايات المتحدة 40 قاعدة نووية موجهة الى الصين، تنتشر في كل من اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا، إضافة الى حاملات الطائرات الامريكية في المنطقة. وتنصب الولايات المتحدة منظومة صواريخ ضد الصواريخ في كوريا الجنوبية، وهو ما يوفر بالنسبة لها الفرصة لتوجيه ضربة نووية أولى فيما لو قررت ذلك .

روسيا ومصداقية الاتفاقات مع الولايات المتحدة!

في العام 2001 ومع إطلاق "الحرب على ألإرهاب أعلن الرئيس جورج دبليو بوش انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية ABM من جانب واحد. وكانت هذه المعاهدة قد جرى توقيعها بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة في العام 1972. وبحسب المعاهدة يلتزم الطرفان بالامتناع عن بناء قواعد صواريخ مضادة للصواريخ. ومنطق ذلك أنه ما دام هناك توازن رعب نووي متبادل، فلن يبادر أي طرف الى الحرب .. وأنه مع نشر منظومة صواريخ مضادة للصواريخ من قبل طرف ما،  فإن هذا الطرف سيتصور أن بمقدوره أن يدمر القوة النووية للطرف الآخر والتصدي لصواريخ الطرف الآخر الناجية من الضربة الاولى، ما يتيح له توجيه ضربة أولى  تحسم توازن القوى العالمي نهائيا في حرب نووية يتوهم انه قادر على الانتصار فيها

أما منطق قرار إدارة الرئيس بوش بالانسحاب من المعاهدة فهو تقديرات الصقور في إدارة بوش أن توازن القوى بات في صالح الولايات المتحدة عالميا، وأن على أمريكا ألا تفوّت فرصة تفجيرات 11 سبتمبر من العام نفسه كفرصة لانتصارها النهائي والتاريخي، وعلت الأصوات داخل الادارة الامريكية تدعو الى أن الولايات المتحدة قادرة على تحقيق هذا الانتصار لو قررت اللجوء الى توجيه الضربة الاولى او الضربة المانعة لخصومها، أو إخضاعهم لمشاريعها. (والقوة العسكرية المعنية هنا هي روسيا).

 وكانت عملية قضم منظومة الأمن العالمي وتوازن القوى قد تصاعدت  مباشرة بعد تفكك الاتحاد السوفييتي. وكان قد جرى الاتفاق بين الرئيس السوفييتي غورباتشوف والرئيس الامريكي بوش الاب بعد توحيد الالمانيتين الغربية والشرقية على أن يعترف الاتحاد السوفييتي بألمانيا الموحدة مقابل التزام الولايات المتحدة بعدم توسيع حلف الناتو شرقا ولو مترا واحدا والامتناع عن ضم دول أخرى من حلف وارسو سابقا الى حلف شمال الأطلسي .. فكيف نفذت الولايات المتحدة التزامها بشكل منهجي؟ 

في العام 1999 أقدمت إدارة الرئيس بيل كلينتون على ضم بولندا والتشيك الى حلف شمالي الاطلسي - الناتو، بعد أن كانت الولايات المتحدة وحلف الناتو قد مزقت يوغوسلافيا وفككتها وفتتت شعوبها. وفي عهد إدارة الرئيس بوش الابن جرى توسيع حلف الناتو بقبول انضمام سبع دول أخرى للناتو بما فيها دول البلطيق ورومانيا وسلوفينيا. ثم جاءت إدارة الرئيس أوباما فأتت على ما تبقى من دول حلف وارسو السابقة وضمتها الى حلف الناتو خلافا لما التزمت به الولايات المتحدة. 

لكن أخطر الاستفزازات الامريكية لروسيا  تمثلت في الدور الذي لعبته وما زالت تلعبه في تبني ودفع الانفصاليين في دولتي جورجيا وأوكراينا السوفيتيتين السابقتين، واستعمال الانفصاليين من أجل تشديد الخناق على روسيا في عقر دارها .

وأقدمت الولايات المتحدة على نصب منظومة صواريخ أجيس ضد الصواريخ في رومانيا وتعمل على نصب منظومات شبيهة في بولندا والتشيك. بهذا الشكل بدلا من التزام الولايات المتحدة بالمعاهدات التي وقعتها قامت بكل الخطوات العدائية من أجل التنفيذ الفعلي لأحد أهم أهدافها الاستراتيجية الكبرى وهو حصار روسيا لتنفرد بالهيمنة على النفوذ العالمي، وتحجيم أية قوة عسكرية او اقتصادية يمكن ان تقف في طريقها. وهي بذلك كانت تبني القاعدة التحتية من أجل استراتيجية السير على حافة الحرب النووية الكونية وتبني الوهم بالقدرة على الانتصار فيها

ويعتبر الفيزيائي البارز البروفيسور كالمان ألتمان (التخنيون)، أن قيام الولايات المتحدة الامريكية بنصب صواريخ تحمل قنابل نووية تكتيكية من نوع B61 في خمس دول من دول الناتو، وتخصيص البنتاغون 13 مليار دولار لتطوير هذه الصواريخ وجعلها أكثر دقة وقدرة على اختراق التحصينات وعلى ضرب أية منظومة إطلاق صواريخ مخفية، هو عبارة عن تحضير الولايات المتحدة لتنفيذ ضربة نووية أولى. ويضيف: إن التحضيرات لحرب نووية عالمية آخذة بالكتمال، فالتاريخ يعلمنا، أننا اذا بدأنا بالإعداد للحرب،  فإن لهذه العملية ديناميكيتها  الخاصة بها والتي توصل عادة الى الحرب ..  صحيح أن التحضيرات لحرب عالمية تكتمل أمريكيا، لكن الولايات المتحدة لم تأخذ بالحسبان رد الفعل الصيني ورد الفعل الروسي، وتعثر مشاريع الهيمنة الامريكية في مفاصل عالمية ملتهبة

فهل لهذا علاقة بالاستراتيجية الروسية الجديدة التي كشف عنها خطاب الرئيس بوتين مؤخرا، وهل للتمادي الامريكي أثر على الاستراتجية الدفاعية الصينية الجديدة التي كشف عنها الرئيس الصيني في مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني مؤخرا؟ وكيف سينعكس كل هذا على المشاريع الامريكية المتعثرة في الشرق الاوسط ؟ عن هذا في مقال قادم .

(يتبع)...