2018-03-08

هل تدفع الولايات المتحدة الأمريكية نحو مواجهة عالمية (نووية) جديدة؟!

(الحلقة الأولى)

عصام مخول

للإجابة على السؤال الخطير: ما الذي يدفع الولايات المتحدة للتلويح بحرب عالمية نووية جديدة! نظّم معهد إميل توما في الثامن من آب الماضي (2017) حوارًا معمّقا (سننشر قريبا تسجيلا له على "منصة معهد إميل توما" على الواتساب)، كجزء من النشاط السنوي الذي يحييه المعهد كل عام في الذكرى السنوية للجريمة النووية الامريكية الأولى في التاريخ، بإلقاء القنبلتين النوويتين على مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين في السادس والتاسع من آب 1945 على التوالي.

وكان لي شرف المشاركة في هذه الندوة الهامة الى جانب البروفيسور المتقاعد من قسم الفيزياء في التخنيون الرفيق الشيوعي العريق كالمان ألتمان، الذي تجمعني به شراكتنا في الطريق الكفاحي الطويل، في قيادة المعركة لمقاومة التسلح النووي والتصدي للسياسة النووية الإسرائيلية والمطالبة بالتخلص من ترسانتها النووية، وفي المعركة من أجل شرق أوسط خال من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل

لم يكن خافيا على أحد أن السؤال الذي طرحه معهد إميل توما حول دور الولايات المتحدة المنفلت في خلق الظروف والمقدمات لحرب عالمية جديدة لم يكن سؤالا محايدا ولا فرضية ساذجة، بل جاء ليلفت إلى ملامح استراتيجية أمريكية جديدة تُهدّد بشكل منهجي بالانتقال من استراتيجية الردع النووي المتبادل الذي ترسّخ في ظل التوازن النووي في فترة الحرب الباردة، الى استراتيجية التلويح بالعربدة النووية الامريكية، وكسر الطابو المتعارف عليه دوليا، وفق القانون الدولي، الذي يحرّم استعمال السلاح النووي، ويحرّم أيضًا التهديد باستعماله لابتزاز الآخرين سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، آخذًا في الاعتبار أن الولايات المتحدة الامريكية  هي الدولة الوحيدة التي انفردت تاريخيا بارتكاب جريمة نووية، راح ضحيتها مئات ألوف السكان في مدينتي هيروشيما وناغازاكي قبل 72 عاما

وبينما كنت ما أزال أحدد السؤال المطروح للتحليل، عاجلني  أحد الحضور بقوله الحاسم، بأنه إذا بقي الرئيس ترامب في الحكم، فإن التدهور نحو حرب عالمية جديدة سيكون واردا بقوة، الا أنني شكّكت بهذا الاستنتاج، واعتبرت أن انتخاب الرئيس ترامب بمواصفاته "غير الاعتيادية" لم يكن هو الذي جلب التدهور في السياسة الأمريكية والعلاقات الدولية وتعميق العدوانية الامريكية الفظة وحروب الهيمنة الامبريالية والاستهانة بالشعوب وحرياتها، وعلى رأسها التنكر للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني والتخلص من قضيته العادلة، والسير على  حراب السلاح النووي وعلى حافة الحرب، وإنما الأصح أن نقول إن الدرك الذي وصلته السياسة الامريكية، والتدهور في استراتيجياتها العنصرية الراعية للإرهاب، واندحار مشروعها في سوريا وفي المنطقة عامة، وارتفاع منسوب عدوانيتها، وزعزعة عالم القطب الامريكي الواحد، هو الذي أدى الى انتخاب رئيس كالرئيس ترامب بمواصفاته "غير الاعتيادية" وإدارته وسياسات العربدة الاستفزازية و"العنصرية البيضاء" الفاضحة، التي يقودها داخليا وعالميا مع ما تحمله من أخطار على العالم كله من الجهة الأخرى. 

ومن المفارقات أن وسائل الاعلام المحلية والعالمية تناقلت صبيحة اليوم التالي لانعقاد الندوة على رأس نشراتها الاخبارية خبرًا بارزا مفاده أن تعليمات أصدرها الرئيس دونالد ترامب أمر فيها بإعداد الترسانة النووية الأمريكية لتكون جاهزة للاستعمال الفوري ضد كوريا الشمالية، مهددًا أن بمقدور ترسانته النووية إزالة كوريا الشمالية عن وجه الارض!  فهل نحن إزاء تهشيم الأواني القائمة في العلاقات الدولية، وهل الولايات المتحدة باتت معنية بالترويج (او التهديد) بكسر التابو المتواصل منذ العام 1945 على استعمال السلاح النووي؟ 

إن تسارع التطورات والتهديدات الامريكية الموتورة منذ آب الماضي من جهة، والتلويح بتعميق التدخل الامريكي المباشر الى جانب مشاريع الارهاب في سوريا، والرد الحازم الذي أطلقه الرئيس بوتين في خطابه السنوي حول "حالة الأمة" أمام البرلمان الروسي هذا الاسبوع، تكتسب أهمية أكبر  في ظل تعثر أوهام الولايات المتحدة  بقدرتها على الانتقال المضمون من استراتيجية التوازن النووي الى استراتيجية التفوق النووي عالميًا.

**جذور الانتقال من استراتيجية توازن الرعب النووي الى التلويح بالتفوق النووي!

في أعقاب تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991 من جهة، وتفجيرات 11 سبتمبر 2001  في نيويورك  من الجهة الأخرى، انكبّت الولايات المتحدة على تعريف هدفها الاستراتيجي الرئيس للعصر العالمي الناشئ الجديد، وفي مركزه ترسيخ نظام القطب العالمي الواحد والعمل بمنهجية لمنع نشوء دولة عظمى ثانية بموازاة الولايات المتحدة الامريكية، ولا أقول منافسة لها على الصدارة في العالم الجديد الناشئ. واشتد هذا الانشغال مباشرة بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، في تثبيت فرصة الولايات المتحدة للتفرد في قيادة عالم القطب الواحد والتحكم بوجهة تطوره للمدى البعيد، ومنع وصول هذا التفرد في قيادة العالم إلى نهايته.  بمعنى منع العودة الى عالم من قطبين أو دولتين عظميين، وإحباط أية فرصة لنشوء ظروف مؤاتية لذلك في المستقبل أيضا،  عسكريا واقتصاديا وسياسيا، بل بلورة  نظام "عالم أمريكي"، يتسع إلى الولايات المتحدة وحدها كقوة عظمى والى جانبها قوًى متوسطة أو إقليمية أخرى تسلّم بقيادة الولايات المتحدة وتفوقها وبضمنها دول بحجم روسيا والصين.

بعد تفجيرات 11 سبتمبر، بات هذا توجها منهجيا، وتفكيرا مؤسسا في الاستراتيجية الأمريكية. وأصبح السؤال الاستراتيجي الجديد هو، كيف تستغل الولايات المتحدة الفرصة التي وقعت في أيديها مع تفجيرات 11 سبتمبر ومع إعلان إدارة بوش الحرب على الارهاب لتحديد أهدافها الاستراتيجية الكبرى وتحقيق مشروعها الكوني لعالم القطب الواحد. حتى بات الصقور في إدارة بوش يروجون للموقف القائل بأن الولايات المتحدة في وضع يجعلها قادرة على تحقيق الانتصار التاريخي نهائيا، لو قررت اللجوء الى الضربة النووية الأولى، أو الضربة المانعة أو التهديد بها

وتحدث رامسفيلد – وزير الحرب الأمريكي في إدارة الرئيس بوش الابن، في أعقاب تفجيرات 11 سبتمبر 2001 عن حرب ستطال ستين دولة على الأقل، حرب غير محدودة بزمان أو مكان.  وبهذا المعنى فإن الولايات المتحدة أطلقت "الحرب على الإرهاب"، ليست كحدث يبدأ وينتهي في زمان ومكان معين، وإنما حربا تشكل حالة عالمية جديدة متواصلة وربما مستديمة وقابلة للإشعال أو الاشتعال في كل مرة وفي كل مكان يخدم الأهداف الاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة. وصرّح رامسفيلد أن الولايات المتحدة ستستعمل في هذه الحرب كل أنواع الأسلحة والوسائل الحربية المتوفرة لديها.. وحتى لا يخطئ أحد في تفسير أقواله هذه فقد أوضح: إن الولايات المتحدة ستكون جاهزة لاستعمال سلاحها النووي أيضا. وبات واضحا خطوة بعد أخرى أن ما أعلنته الولايات المتحدة، لم يكن "حرب الديمقراطية على الارهاب" بقدر ما كان حربًا إرهابية على الشعوب وأوطانها وحرياتها ومقدراتها وحقها بالديمقراطية.

إن المعنى الخطير والمثير لقلق شعوب العالم، يكمن في أن الولايات المتحدة أرادت أن تكسر التابو (التحريم) المتعارف عليه برفض استعمال الاسلحة النووية ومنع التهديد بها والمعمول به منذ إلقاء القنبلتين النوويتين على هيروشيما ونغازاكي في آب 1945، وهي تقوم بالترويج لفكرة استعمال السلاح النووي وإعلان حرب نووية واعطاء الشرعية لذلك، والتلويح بتفوق الولايات المتحدة النووي من أجل الحفاظ على هيمنتها الامبريالية وتثبيتها.  

إن أخطر ما يحمله هذا الكلام، هو تشريع استعمال الأسلحة النووية في الحروب القائمة أو القادمة، وما رافق هذا المنطق الكارثي من توجيه الجهود في دول مثل الولايات المتحدة وإسرائيل لتصنيع قنابل نووية تكتيكية قابلة للاستعمال في حروب محلية محدودة، والتلويح بإمكانية هذا الاستعمال، لحسم مسألة توازن القوى العالمي، وتثبيت الهيمنة الامريكية.

**الاهداف الاستراتيجية الكبرى لترسيخ عالم القطب الامريكي الواحد!

ترافق هذا التحول في الاستراتيجية الأمريكية مع الإلحاح على مراكز الأبحاث الاستراتيجية الأمريكية لصياغة الاهداف الإستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة الامريكية في ظل النظام العالمي الجديد والآليات التي تقود الى تحقيقها.

وأكدت دراسة أعدها مركز الأبحاث الإستراتيجية التابع للكلية الحربية في الجيش الامريكي نشرت في نيسان 2005 مرة أخرى، أن الاستراتيجية الأمريكية المقررة تنطلق من الفكرة نفسها وتتركز في منع تطور أية قوة عسكرية عظمى منافسة للولايات المتحدة في المستقبل المرئي. وتعزيز قوة الولايات المتحدة وقدراتها المتفوقة حاليا وتفعيلها، حيث يقتضي الأمر، لعرقلة أية إمكانية مستقبلية لنشوء قوى أو تحالفات مؤهلة لوضع تحديات أمام أي من مصالح الولايات المتحدة الهامة وأهدافها الاستراتيجة الوازنة.  

واعتبرت هذه الدراسات أن منطق التفرد بموقع الدولة العظمى، لا يقتصر على القوة العسكرية أو النووية  فقط،  باعتبار أن الحفاظ على موقع الدولة العظمى القيادي في عالم القطب الواحد، يشمل أبعادا عسكرية وأبعادا اقتصادية ونفوذا سياسيا: وهذا يعني التصدي لأية محاولة لتوجيه ضغوط اقتصادية أو دبلوماسية تحد من حرية عمل الولايات المتحدة، فالولايات المتحدة لن تسمح بتراجع تأثيرها في عالم القطب العالمي الأوحد..

وفي سبيل تحقيق ذلك، جعلت دراسة البنتاغون من الهيمنة الأمريكية و الحضور العسكري المباشر في المفاصل الاستراتيجية عالميا، وفي مناطق احتياطي النفط والطاقة وأنابيب نقلها في العالم هدفا ملحا، ليس لضمان النفط الأمريكي وضمان أرباح شركاتها النفطية فوق القومية والتحكم بأسعار الطاقة فقط، وإنما بهدف التحكم بمنسوب الطاقة التي تحصل عليها القوى العالمية الكبرى المنافسة، وفي سبيل ضمان قدرة الولايات المتحدة على لجم تعاظم القوى المنافسة لها كالصين وروسيا. وهو هدف يعطي تفسيرا للحروب القذرة العديدة التي تشعلها الولايات المتحدة وأدواتها الاقليمية والمحلية في منطقتنا وعلى امتداد العالم

في هذا السياق حددت دراسة البنتاغون ستة أسس إستراتيجية موجّهة للسياسة الأمريكية، تحت مظلة "الحرب على الارهاب": 

1. الدفاع عن أمن إسرائيل 2. تدمير ما أطلق عليه "الإرهاب الإسلامي".3. السيطرة على مصادر الطاقة. 4. التحكم بطرق التجارة العالمية.5. تطويق روسيا. 6. تطويق الصين

لم تكن هذه البرامج الاستراتيجية الامريكية غائبة عن الساحة الاقليمية وعن العدوان الامبريالي الارهابي على سوريا لتفكيكها وتفتيت شعبها منذ سبع سنوات. وفي أول مهرجان تضامن مهيب مع سوريا- شعبا ودولة، نظمته اللجنة الشعبية للتضامن مع الشعب السوري وقيادته الوطنية، في قاعة مسرح الميدان في حيفا في آذار 2012،، ترافق مع حملة تحريض رسمية مجنونة، حددت في كلمتي: أن نظام القطب الامريكي الواحد الذي تكرّس في رمال العراق تحت الاحتلال الامريكي، سينهار ويتفكك على صخرة صمود الشعب السوري وقيادته الوطنية وحلفائه، وعلى صخرة اندحار المشروع الارهابي المعولم الذي تقوده في الخفاء والعلن الولايات المتحدة الامريكية وعكاكيزها الرجعية والصهيونية في المنطقة.  

لقد جاء خطاب الرئيس بوتين أمام البرلمان الروسي الاسبوع الفائت، ليعلن رسميا زعزعة أوهام استراتيجية "نظام عالم القطب الامريكي الواحد" ووضع حد لأوهام التفوق النووي الأمريكي وليعلن بداية نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب يعطي الامل للشعوب المناضلة من أجل تحررها بالفكاك من الهيمنة الامريكية وإملاءاتها، ويعطي الامل لعالم متوازن يستبعد الحرب ويعد بالسلام!

 (يتبع)...