2018-03-07

تيسير عاروري: النضال ضد الإبعاد الجماعي - الزيارات

(الحلقة الثانية)

أمل غضبان/عاروري

سجن جنيد الاحتلالي

عقاب جماعي

على مدى ثلاثة عشر شهرا من مقارعة المحاكم العسكرية والإعلام الصهيوني ولسنين تلت، كان شعاري أن السجن أرحم من الإبعاد عن وطننا وبيتنا ومجتمعنا، وأن باب السجن سيفتح يوما للحرية وسينكسر القيد، أما الإبعاد والإقصاء عن الوطن فعقاب لا عقاب بعده  لتيسير ولكل أفراد العائلة. كانت تجارب الإبعاد للرفاق والمناضلين الذين سبقونا مريرة ومؤلمة لحد يصعب وصفه وألحقت أضرارا بالغة بهم وبعائلاتهم. القيادة الإسرائيلية  كانت تعي معنى وصعوبة هذا العقاب الجماعي، وتصدر قراراتها عن قناعة لإلحاق الضرر بالعائلات وليس فقط بالمبعد، فالهدف هو كسر إرادتنا ووحدتنا كشعب منخرط بكافة أجياله في المقاومة.

كنت ذكرت بأن وقف سياسة الإبعاد الجماعي بحق قادة وناشطي الانتفاضة كان هدفنا من معركة النضال ضد قرارات الإبعاد التي شملت تيسير في 1988/9. فمنذ اللحظة الأولى لصدور أمر الإبعاد بحق تيسير بدأنا تحركاتنا بكل الإمكانيات المتاحة لنا نحن عائلته ورفاقه ومحامي الدفاع جواد بولس في فلسطين، ومن الولايات المتحدة الأمريكية ابن العم والصديق الأقرب لتيسير فكراً وروحاً بروفيسور نصير عاروري، والذي كان مثقفا بارزا ذا شخصية تحظى باحترام في الأوساط الأكاديمية والإعلامية والحقوقية الأمريكية والعربية؛ فبجانب عمله كباحث ومحاضر ومؤلف للعديد من المراجع المهمة في موضوعة نضالنا كشعب تحت الاستعمار، كان نصير عضوا في مجلس إدارة منظمة العفو الدولية ( (Amnesty International) وعضوا مؤسسا في المنظمة العربية لحقوق الإنسان، وغيرها من المواقع المرموقة والتي لم يبخل باستخدامها لإلقاء الضوء على إشكاليات سياسة الإبعاد الجماعي الإسرائيلية، وعلى قضية تيسير وحشد الدعم العالمي له

على مدى ثلاثة عشر شهرا من مقارعة المحاكم العسكرية والإعلام الصهيوني ولسنين تلت، كان شعاري أن السجن أرحم من الإبعاد عن وطننا وبيتنا ومجتمعنا، وأن باب السجن سيفتح يوما للحرية وسينكسر القيد، أما الإبعاد والإقصاء عن الوطن فعقاب لا عقاب بعده  لتيسير ولكل أفراد العائلة. كانت تجارب الإبعاد للرفاق والمناضلين الذين سبقونا مريرة ومؤلمة لحد يصعب وصفه وألحقت أضرارا بالغة بهم وبعائلاتهم. القيادة الإسرائيلية  كانت تعي معنى وصعوبة هذا العقاب الجماعي، وتصدر قراراتها عن قناعة لإلحاق الضرر بالعائلات وليس فقط بالمبعد، فالهدف هو كسر إرادتنا ووحدتنا كشعب منخرط بكافة أجياله في المقاومة.

تأثر أطفالنا فارس ونتاشا ونادية كل على طريقته لغياب والدهم، وأصبح يوم الإثنين ــ وهو موعد الزيارة الأسبوعية للمرشحين للإبعاد ــ مميزا لهم، فهو يوم لقاء بابا ولو من خلف القضبان. بنفس الوقت، أصبح مساء الإثنين موعدا مع الكثير من الألم والوجع وأنا أسترجع يومي وذكريات الزيارة، وأرتب أفكاري حول المهمات الكثيرة سواء الحياتية اليومية أو محاربة حكم الإبعاد خلال الأسبوع الذي يلي الزيارة الأسبوعية.

في إحدى الزيارات في ربيع 1989، في أثناء انتظارنا كانت نتاشا تمارس هوايتها بالتسلق على القضبان والحواجز في ساحة السجن. وقعت وأصيبت يدها وركبتها بجروحٍ وخدوش عالجتها بقدر الإمكان، حتى جاء دورنا للزيارة وتم النداء علينا للدخول وبدء إجراءات التفتيش، فحملت نادية ومشى فارس ونتاشا أمامي عابرين البوابة الإلكترونية. تمّ تفتيش ما نحمله من كتب وصور وملابس للسجين، وبعدها التفتيش الشخصي. اقتربت السجّانة من نتاشا لتفتيشها وبرؤية جروحها أصرّت على إحضار الممرض لمعالجتها (كانت السجّانة من حركة "السلام الآن" وشعرت بتعاطفها معنا كعائلة وقضية). بمجرد خروجها من الغرفة الصغيرة المربعة خاطبني فارس قائلا: "ماما، شوفي شو جبت معي، لأسجنك مع بابا". إلتفت لفارس وإذ به يخرج علمنا الفلسطيني من جيبه. شهقت واتجهت مسرعة نحوه مطالبة: "أعطيني العلم!". رفض وردد: "لا! بدي أسجنك مع بابا!". حشرته في زاوية الغرفة وانتزعت العلم من جيبه وبسرعة خبأته في فوطة نادية. تفكير الصغير فارس الذي بلغ من العمر ست سنوات ونيف قاده للاعتقاد أنه سيجمع شمل العائلة داخل السجن بحمله العلم الفلسطيني الذي كان يشكل اقتنائه في تلك الأيام تهمة عقابها السجن ولسنوات. 

هي الصدفة خدمتنا والا لكنت أنا سجنت أيضاً، وربما حكمت لسنوات  وتشرد الأولاد.

كانت نادية ترفض أن يفتشوها، تصرخ ويصيبها توتر شديد وتبقى متعلقة بحضني وكتفي. وبالتالي كانت فوطتها مخبأ الرسائل وقصاصة الأظفار، وغيرها من الممنوعات الصغيرة لإدخالها لتيسير ورفاقه. تعلمت عند مرورنا بالبوابة الإلكترونية أن أسحب الممنوعات التي قد يلتقطها الجهاز والملفوفة بورقة محارم من الفوطة بخفة وعفوية شديدتين، أضعها على الطاولة وأعاود تخبئتها في الفوطة بعد المرور بالخفة ذاتها. الصغيرة نادية ذات الربيعين كانت تصحو صباح الإثنين وهي تقول: "يلا نروح عند بابا"، وكانت تفهم أن لارتداء الفوطة عند زيارة بابا مهمة. نصل سجن جنيد، تنام نادية على كرسي السيارة وتخاطبني: إلبس فوطة". أقوم بإلباسها الفوطة وفيها الممنوعات، والتي وبعد إخراجها وتمريرها لتيسير من خلال شبك السجن بغرفة الزيارة، وبحضور السجانين، تطلب نادية إزالة الفوطة، فقد انتهت المهمة! أحاول إقناعها بتأجيل إزالة الفوطة حتى انتهاء الزيارة كي لا ألفت انتباه السجانين الذين يقفون خلف المعتقلين، لكن في أغلب المرّات كانت تصر على إزالتها فوراً.

أما نتاشا التي لم تكن قد بلغت خمس سنواتٍ من العمر، فكانت تمارس هدوءها وتراقب ما يحدث وتشعرك أنها بعالمٍ آخر. نعود إلى البيت بعد الظهر وغالباً أُضطر لاصطحابها للطبيب بسبب ارتفاع حرارتها بشكل كبير وهذيانها. كانت ترسم وتكتب رسائل لبابا، بصمت.

وأنا… كان عليّ بعد أن يخلد الأطفال للنوم مساء الأحد؛ ولقاء المحامي للإطلاع على آخر التطورات؛ ومهاتفة نصير عاروري لمتابعة حملة التضامن عالمياً؛ والمتابعات مع الرفاق من قيادة الحزب ومن هنا وهناك؛ وتحضير متطلبات الزيارة في اليوم التالي من ملابس لتيسير وكتب وصور، ولوازم الأطفال من طعام وحليب وملابس لرحلة قد تمتد يوما كاملا في ظل منع تجولٍ شبه دائم على مدينة نابلس ومحيطها حيث يقع السجن …الخ، عند الإنتهاء من هذه التحضيرات، كنت أجلس لساعات، حتى ساعات الصباح الأولى، لكتابة رسائلي الأسبوعية لتيسير على ورق ناعمٍ خفيف كورق السجائر وبخط صغير جدا جدا. كل رسالة كانت تلخص عملنا ضد أمر الإبعاد خلال الأسبوع المنصرم، وأخبار البلد والانتفاضة والشارع الفلسطيني والعالمي، والحزب والعائلة، وماذا علينا أن نفعل في الأسابيع القادمة. عند الانتهاء، أقوم بطي الرسالة بعناية وألفها برقائق من النايلون لتصبح بحجم تحميلة شرجية ليس أكثر. فالزيارة قصيرة وتحت المراقبة، وهي للأطفال وتيسير بالدرجة الأولى، وبالدرجة الثانية لمن يرافقنا في الزيارة من الأهل أو الأصدقاء، ومهمتي أنا هي  إدارة الزيارة، وإتمام مهمة تبادل الرسائل بسرية. أثناء الزيارة بحركة خفيفة منه ومني يسلمني رسالته التي كان غالبا يسحبها من النقطة بين عروة بنطاله وحزامه عند يده اليسرى، أو من فمه، وأسلمه رسالتي بعد سحبها من فوطة نادية، من خلال فتحة السياج الفاصل بيننا. أما رسالته، فتحمل أخبار السجن ومطالب المجموعة المحكوم عليها بالإبعاد، من أجل تحركاتنا في المرحلة التي تلي في متابعة لجنة المحامين. في بعض الأحيان احتوت الرسالة مقالاً للنشر أو بياناً للصحافة أو الرأي العام لتوضيح موقفه الشخصي من مسألة ما، أو موقفٍ للمجموعة حول قضية إبعادهم من أجل النشر أو التوزيع على الهيئات العالمية.

خلال عام سجلت 56 زيارة في سجن الجنيد، ربما هي أكبر عددٍ من الزيارات لسجين من مجموعة تيسير، لمعرفتي بأهميتها النفسية والمعنوية له وللأطفال بالرغم مما تحمله من تعب وإرهاق ومخاطرة. كنت أذهب للزيارة بسيارتي الفيات الصغيرة لأضمن الوصول إلى السجن في وقتٍ كانت نابلس تقع غالباً تحت منع التجول أو كمنطقة عسكرية مغلقة يصعب الدخول إليها، وبالتالي في أغلب الأحيان يعود باص الصليب الأحمر أدراجه إلى رام الله ويمنع الأهل من الزيارة. كنت أسلك طرقاً بديلة محفوفة بالمخاطر من خلال القرى والبلدات والوديان وعلى عتبات المستوطنات، وكثيراً ما قطعت وادي قانا المعتم وخاصة شتاء وحدي مع أطفالي الثلاثة بظروف الانتفاضة الصعبة. لا تحصى عدد المرات التي قدت فيها سيارتي وأمامي دورية عسكرية تسير على مهلٍ وجندي يصوب بندقيته نحونا، حيث الأمر العسكري كان يمنع تجاوز السيارات ذات النمرة الزرقاء (الفلسطينيين) للدورية مع تهديد إطلاق النار على من يجرؤ على المحاولة.
في طريق العودة، فارس ونتاشا غالبا متعبان يشوبهما التوتر والانفعال، والذهول. نادية تمسك زجاجة الحليب بيد وبالأخرى من كرسيّها خلفي تمسك بشعري أو بأذني طوال الطريق، أو ترفض الجلوس مع إخوتها وغالبا ما تنام بجانبي في الكرسي الأمامي، ممسكةً بيدي اليمنى التي تمسك لها بزجاجة الحليب، وأنا عين على الطريق وسيارة الجيش أمامي وعين على الأطفال.

في الكثير من الزيارات رافقتنا الجدة إم نسيم، والدة تيسير أو إحدى العمات بالمناوبة، وفي بعض الأحيان والدتي أو والدي سامي الغضبان الذي كان من مؤسسي عصبة التحرر الوطني والذي جمعته وتيسير صداقة ومحبة عميقتان كرفاق في العمل السياسي الشيوعي التقدمي. لن أنسى ما حييت أنه في إحدى الزيارات  وكان يرافقني والدي لزيارة تيسير، مرر تيسير لي ساعته المتوقفة عن العمل لإصلاحها أو إحضار غيرها، فخلع والدي ساعته الثمينة ومررها لتيسير عبر السياج، فهو الذي عرف تيسير جيداً كان يعلم أهمية معرفة واستغلال الوقت وارتداء الساعة لتيسير، وكأنه أراد أن يقول لتيسير أن أمثاله أحرار وأسياد وقتهم حتى عندما يسجنون؛ وهو ما تؤكده الشهادات التي كتبها من عايشوا تيسير في الأسر الإداري لخمسة وأربعين شهراً 1974-1978 وسموها "مدرسة تيسير" في الكتاب المهدى لذكراه تحت عنوان "تيسير: تاريخ يروي سيرة يصعب ردفها"، مثل شهادة سمير حليلة "إلى روح من رفض قدريّة الهزائم" وجمال منصور "تيسير ومدرسة السجن" وعصام عاروري "هناك مدرسة اسمها تيسير.. مناضل تقدمي شامل".

في أحيانٍ أخرى رافقنا أصدقاء أو رفاق أو متضامنون رغبوا بزيارة تيسير. في إحدى الزيارات رافقنا السيد جون بييرلايفو ممثل لجنة الدفاع عن الفيزيائيين التي تسمى لجنة "يوري اورلوف" ومقرها جنيف، والذي حضر خصيصا لزيارة تيسير ضمن حملات التضامن العالمية معه. كان طويل القامة بشكل لافت، ولدى خروجنا من مبنى الزيارة في الممر الضيق والطويل والمكتظ بأهالي المعتقلين، وهو يسير معنا واضعا نتاشا فوق كتفيه، وإذ بها الصامتة غالبا تغني بأعلى صوتها أغنية شعبية من أغاني الانتفاضة لثائر البرغوثي:

"شدي انتفاضة شدي على الاحتلال
ويا نار الثورة لا تهدي حتى الاستقلال
شدي انتفاضة شدي ويا ثورة مدي

في ميادين التحدي صبايا ورجال
شدي انتفاضة شدي وخلي الصهيوني يولي،
وعَ كل بيت وحارة علّي رايات النضال
يا شعبي شد الأيادي خلف القيادة
ثورتنا بتقوى بزيادة وبتغيير هالحال…"

وأخذ الأهالي يرددون الأغنية مع نتاشا داخل ممر السجن، والسجانون يراقبوننا بحذر، ولا يفهمون ماذا الذي يحدث

في ربيع 1989 استطاع محامينا جواد بولس أن يستصدر أمرا بزيارة خاصة لم تتكرر، حيث تسنى لنا لقاء تيسير في غرفة وليس من وراء القضبان كما العادة. سِرتُ والأطفال بأروقة السجن، فتح باب، وإذ بتيسير أمامنا مذهولا. لم يكن الأمر سهلاً أبدا لتيسير وهو يحضن أطفاله لأول مرة منذ شهور، حَضنهم بقوة وغمرهم بالقبلات ووضعهم الثلاثة في حضنه معا وهم يتنازعون على حضنه في تلك الزيارة القصيرة جداً. نصف ساعة وتيسير موزع بين الأطفال وحاجته لتوجيه عشرات الأسئلة لي وأخذ أجوبتها قبل انتهاء الزيارة، وإذ بجرس النهاية يقرع.

حَملت قضية إبعاد تيسير معاني إنسانية وتضامنية كبيرة في الشارع الفلسطيني والإسرائيلي والعالمي، كونها قضية مرب أكاديمي وناشط مجتمعي وسياسي سلمي. رغم عظم معاناتي وأطفالي، فقد أضاءها حجم التضامن الأسري والمجتمعي، وأمدني العمق المحلي والصدى العالمي لقضيتة وعائلتي بالعزيمة. كانت العمة فهيمة والعمة عفاف وعمو عطاالله وعائلاتهم ووالداي وشقيقي بلال وعائلته وشقيقتي هنيدة، وأصدقاؤنا ورفاقنا المقربون كالبلسم على جرحنا. لقد أعطونا من وقتهم ومحبتهم ورعايتهم ما خفف وجعنا، ومدونا بالقوة والأمل لتستمر حياتنا... ولكن كيف فعلوا ذلك؟

(يتبع)...