2018-03-06

تيسير عاروري - نضال ضد الإبعاد الجماعي: الإعتقال

(الحلقة الأول)

أمل غضبان/عاروري

تاريخ مفصلي

سحب الجندي تيسير داخل باب المقاطعة. انتهت المقابلة القصيرة لنبدأ رحلة النضال ضد قرار الإبعاد عن الوطن. هذا القرار الذي قلب حياتنا رأساً على عقب وترك أثره المرّ عليها ليومنا هذا منذ ثلاثين عاما، وحتى بعد رحيل تيسير عن عالمنا. المسمى "أبو النمر" قال لتيسير لحظة اعتقاله: "هذا التاريخ 881988 لن تنساه أبداً"، وبالفعل نحن حتى اليوم لم ننس قسوة ذلك اليوم الذي ارتبط كتاريخ مفصلي مؤلم وسيئ في حياتنا.

رن جرس الهاتف في حضانة مرح (1) في البيرة، على الطرف الآخر العم والرفيق عطاالله عبد المجيد ومتزوج من شقيقة تيسير، عفاف. كانوا وعائلتهم في طريقهم لزيارتنا، ولكن اتصاله بي من مكتب تكسي البيرة كان ليخبرني بأنه شهد اعتقال تيسير عند أطراف بلدة البيرة القديمة، وأن الدورية متجهة به الى المقاطعة، وأن جندياً آخر يقطر سيارته وبها عطاف، شقيقة تيسير الصغرى حيث كانا يتجولان بحثاً عن شقة لها.

أغلقت الهاتف وحملت ابنتي نادية ذات العام ونصف العام، وأسرعت الى البيت قبل ان يصل الجنود لتفتيشه كما جرت العادة، فهناك ما يجب التأكد من أنهم لن يستطيعوا الوصول اليه: أوراق العمل السري لتيسير التي تفصل آليات التوعية والتعبئة الجماهيرية ونواحي أخرى كانت هي أسس العمل السياسي في تلك الحقبة، والتي جعلت من الانتفاضة حراكا جمعيا بامتياز.

بعد إنجاز المهمة تركت أطفالنا الثلاثة بالبيت واتجهت بسرعة الى مبنى المقاطعة القديم (2) في شارع الإرسال، والأفكار والهواجس تتخابط في رأسي. هل نحن كعائلة أمام مفترق طرق؟
وصلت، كانت سيارة تيسير مركونة بالشارع، فركنت سيارتي ودخلت شارع المقاطعة الطويل، وإذ بجنديين يرافقان تيسير عائدين إلى سيارته لإحضار أدويته وبخاخ رئتيه. تقدمت منه والجندي يصرخ "لا تقتربي!". ضمني… ضممته إلى صدري وهمس بأذني: "أطلبي لي محاميا بسرعة، واضح أن هناك أمرا صادرا بإبعادي. كابتن "أبو النمر" سألني بعد أن اعتقلني مباشرة إن كنت قد سبق وركبت طائرة هيلوكبتر، وقال أنني سأركبها على حساب دولة اسرائيل".

سحب الجندي تيسير داخل باب المقاطعة. انتهت المقابلة القصيرة لنبدأ رحلة النضال ضد قرار الإبعاد عن الوطن. هذا القرار الذي قلب حياتنا رأساً على عقب وترك أثره المرّ عليها ليومنا هذا منذ ثلاثين عاما، وحتى بعد رحيل تيسير عن عالمنا. المسمى "أبو النمر" قال لتيسير لحظة اعتقاله: "هذا التاريخ 881988 لن تنساه أبداً"، وبالفعل نحن حتى اليوم لم ننس قسوة ذلك اليوم الذي ارتبط كتاريخ مفصلي مؤلم وسيئ في حياتنا.

عدت إلى البيت مباشرة للاتصال مع محاميته فليتسيا لانغر لتوكيلها بالقضية، وهي محاميته طوال اعتقاله الإداري لخمسة وأربعين شهرًا في سبعينيات القرن الماضي. طلبت أرقام الهواتف التي أملك لمكتبها ولبيتها، لا أحد يجيب. بعد بحث وسؤال، عرفت بعد العاشرة ليلًا أنها خارج البلاد في رحلة ربما تكون طويلة. اذاً ما العمل؟! قررت الاتصال مع الصديق المحامي جواد بولس الذي تعرفنا عليه قبل سنوات أثناء تدربه في مكتبها، والذي قدّر خطورة الموقف الذي يتعرض له تيسير، فحضر الساعة الحادية عشرة والنصف ليلا الى بيتنا وأخذ الوكالة. صباح اليوم التالي بحث جواد عن تيسير فوجده قد نقل الى سجن الظاهرية جنوب الخليل، حيث وصل اليه يوم العاشر من آب. يروي لنا جواد في شهادته المؤثرة "فتشوا عنه تجدوه" في كتاب "تيسير: تاريخ يروي سيرة يصعب ردفها" (3(.

"لقد كان واضحًا لكلينا أنّه فيما إذا صدر أمر إبعاد بحقّه فيجب أن تكون مواجهته الرئيسة سياسيّة. إنّ نفي إنسان من وطنه وانتزاعه من حضن عائلته هو قرار سياسيّ تعسّفيّ غير إنسانيّ. مع هذا، اتّفقنا أن نستغلّ ما يتيحه ذلك "القانون" كأداة من الجائز أن "نعزف" عليها لإثارة الضجّة ونقل تداعيات القضيّة إلى العالم علّهم يعلمون ويفقهون." 

ومن هذا المنطلق، قاما بِحَبْكِ ثلاثة عشر شهرًا من مقارعة الاحتلال ومحاكمه العسكرية وصولاً إلى محكمة العدل العليا في قضية الإبعاد هذه، جاعلين منها إحدى أصعب الحالات في تاريخ المحاكمات السياسية اسرائيلياً.

كان تيسير ضمن الدفعة الثانية من قوائم المبعدين التي شملت 27 مناضلاً (15 من الضفة الغربية و12 من قطاع غزة) من شتى الفصائل، فيما عرف بـ "سياسة رابين بالإبعاد الجماعي" التي استهدفت قيادات الانتفاضة والتي بدأت في ربيع العام 1988، وكان عمرام متسناع الذراع التنفيذية لهذه السياسة بصفته ضابط لواء المركز في ذلك الوقت. وقد كتب عدنان داغر في شهادته "مشواري مع تيسير ما بين السجن، والحزب، والإبعاد"(4) حول هذا الموضوع قائلا:
"
بعد اندلاع الانتفاضة (9/12/1987) بوقت قصير نسبيًّا، جرى تشكيل القيادة الوطنيّة الموحّدة للانتفاضة، من التنظيمات الفلسطينيّة الرئيسيّة الأربعة ذات التأثير والنفوذ في المناطق الفلسطينيّة المحتلّة (الحزب الشيوعيّ الفلسطينيّ، حركة فتح، الجبهة الشعبيّة، الجبهة الديمقراطيّة).

كان هناك مستويان للقيادة: قيادة مباشرة (ميدانيّة)؛ وقيادة غير مباشرة، والتي كانت على مستوى المسؤولين في قيادات الصفّ الأوّل للتنظيمات الفلسطينيّة المختلفة. كانت الأمور العامّة تناقش في القيادة غير المباشرة، ويترك التنفيذ الميدانيّ للقيادة المباشرة للانتفاضة. اختارني الحزب (الشيوعي) لتمثيله في القيادة المباشرة، وكنت أشغل حينها منصب سكرتير منطقة رام الله الحزبيّة. في حين كان تيسير في القيادة الأخرى التي كانت مرجعيّة القيادة المباشرة، وكان عضوًا في المكتب السياسيّ للحزب. ولذا، كنت على صلة مباشرة ودائمة معه فيما يتعلّق بفعاليّات الانتفاضة المختلفة، والتنسيق مع القوى الأخرى الشريكة في القيادة، وإعداد بيانات القيادة وتوزيعها. أثناء الإعداد للبيان الثاني عشر للانتفاضة، ألقت سلطات الاحتلال الإسرائيليّ القبض علينا (القيادة الموحّدة للانتفاضة) أثناء اجتماعنا لوضع اللمسات الأخيرة على بيان القيادة.

قبل الاجتماع بوقت قليل (أقلّ من ساعة)، كان لي لقاء مع تيسير للتزوّد بتعليمات الحزب فيما يخصّ البيان المزمع إصداره. وكانت آخر كلماته لي في ذلك الوقت هي "الانتباه جيّدًا وأخذ الحيطة والحذر، حتّى لا يتمّ كشفنا وكشف مكان اجتماعنا". لكنّ خطأً ما، من قبل أحد الشركاء، أدّى إلى اعتقالنا. كان ذلك في يوم 22 من شهر نيسان/أبريل 1988.صدر أمر عسكريّ من قائد المنطقة الوسطى لسلطات الاحتلال آنذاك (عمرام متسناع)، بإبعادنا إلى جنوب لبنان، وتمّ تنفيذ الأمر فعليًّا في 1/8/1988، بعد استنفادنا للإجراءات الإداريّة والقضائيّة، في محاولة أخيرة للتشبّث بأرض الوطن."

في مساء الأربعاء 17/8/1988 تم تجميع معتقلي الدفعة الثانية الخمسة عشر من السجون المختلفة - المسكوبية، رام الله، طولكرم، النقب "انصار- 3" - في سجن الجنيد وتسليمهم أوامر الإبعاد. على إثر ذلك بادر تيسير الى تقديم اقتراح للمجموعة بضرورة عدم الإستسلام الإذعان لأمر الإبعاد، وركز على أهمية التوجه للمحاكم الإسرائيلية من اجل تعرية قرارات المحتل وفضحه عالميا وعدم السماح للمحتل بتمرير هذه السياسة بدون مقاومة؛ خاصة وأنها ظاهرة تأخذ بعدا خطيرا على مجموعات المناضلين في قيادة الإنتفاضة لضربها وقيادتها  في مهدها، ولتفريغ الحركة الوطنية من قيادتها الفاعلة. بعد نقاشات طويلة نجح تيسير بإقناع 12 معتقلاً من مجموعته بالانضمام إليه والتوجه الى المحاكم للتصدي لأوامر الإبعاد، فيما أبعد إثنان مباشرة الى جنوب لبنان.

لأكثر من عام خضنا كمناضلين وعائلاتهم وأحزابهم السياسية ومحاميهم معركة شرسة من أجل إلغاء أوامر الإبعاد ولكي نبقى في الوطن. كانت تجربة صعبة ومؤلمة، ملحها اليومي صمود المعتقلين وتطور الانتفاضة وتخبط الاحتلال الإسرائيلي وأجهزته الأمنية، وأمل بالنصر والبقاء في فلسطين ولو في المعتقل.

هل سننجح في وقف اوامر الإبعاد بحق المعتقلين من قادة الإنتفاضة؟ وهل سيوقف نضالنا سياسة الإبعاد الجماعي؟

(يتبع)...

هوامش:

 (1)حضانة مرح وهي باكورة تأسيس حضانات نموذجية لرياض الأطفال في اتحاد لجان المرأة العاملة الفلسطينية. وكنت تطوعت لإنشاء وإدارة عمل الحضانة لقناعتي بأهميتها في دفع النساء للعمل غير التقليدي ليوم عمل طويل

 (2)مبنى المقاطعة - مجموعة ابنية متماثلة بنيت فترة الانتداب البريطاني في مناطق ومدن مختلفة من فلسطين كمراكز لحكم الانتداب البريطاني - عشرة ابنية وسميت كلها بالمقاطعة او مبنى التيغرت،  واحتوت على سجون واقبية للتحقيق و للتعذيب.  وقد عمدت سلطات الاحتلال لتدميرها في عدوانها على الفلسطينيين 2002 - 2004. بتدميرها دمرت و محيت  ذكريات محفورة على الجدران لآلاف المعتقلين والمناضلين الذين جرى تعذيبهم في اقبيتها من قبل انظمة الاحتلال التي تعاقبت على فلسطين من الانتداب البريطاني الى المملكة الأردنية الهاشمية، والاحتلال الإسرائيلي.

 (3)تيسير: تاريخ يروي سيرة يصعب ردفها، كتاب يجمع 32 شهادة لشخوص خاضوا تجارب نضالية مختلفة مع تيسير على مدى خمسة عقود، الطبعة الأولى 2017، رام الله. جواد بولس، "فتشوا عنه تجدوه"، ص.113  - 119

 (4)عدنان داغر، "مشواري مع تيسير ما بين السجن، والحزب، والإبعاد"، في: تيسير: تاريخ يروي سيرة يصعب ردفها . الطبعة الأولى 2017، رام الله. ص. 54 - 63.