2018-02-24

عهد التميمي وحكاية «النبي صالح»

د. عماد الحطبة

لو سار التاريخ في خطه الطبيعي، لما سمعنا عن قرية النبي صالح الفلسطينية ولا عن أي من سكانها. تلك القرية الوادعة على قمة أحد الجبال على بعد 20 كلم من مدينة رام الله، لم يشأ القدر أن يستمر سكانها في حياتهم العاديّة.. بسطاء، ومضيافين، ومجهولين، مثل كل القرويين في العالم.

تاريخ «النبي صالح» انحرف عن مساره في صباح يوم 2 تشرين الثاني 1917، عندما قرّر الغرب إقامة مغفر متقدّم له في قلب البلاد العربيّة لمنعها من التوحّد والنهوض، وفي الوقت نفسه التكفير عن خطاياه تجاه اليهود؛ فأصدر وعد بلفور، لإقامة دولة لهم على أرضٍ تبعد عن أوروبا الاف الكيلومترات.. أرض النبي صالح.

في العام 1948 أُعلِنت «دولة إسرائيل»، ورافق هذا الإعلان محو أكثر من 400 قرية فلسطينيّة من على وجه الأرض، وأُفرِغَت مدن مثل اللد وبيسان وصفد مِنْ سكانها الفلسطينيين، الذين تحوَّلوا إلى لاجئين في الارض المتبقية من فلسطين، أو هُجِّروا إلى الدول المجاورة. أعادت إسرائيل الكرة عام 1967 واحتلت ما تبقى من أرض فلسطين، وتشرَّد اللاجئون مرة أخرى، داخل أرضهم وخارجها، ووقع آلاف القرى الجديدة في قبضة الجيش الإسرائيلي (IDF)، ومنها قرية «النبي صالح».

كان عدد سكان قرية «النبي صالح»، في أول تعداد لسكان فلسطين عام 1922، قد بلغ ما يقارب 105 نسمة. أما اليوم فإن عدد السكان يصل إلى حوالي 1200 نسمة. من مرتفعاتها يستطيع الناظر رؤية الساحل الفلسطيني، وهي تقع قريبا من الخط الأخضر، الخط الوهمي الذي يفصل ما بين الأراضي التي اُحتلت عام 1948، وتلك التي اُحتلت عام 1967.

في العام 1975 وضعت حركة غوش إيمونيم حجر الأساس لأول مستوطنة في الضفة الغربية، في قرية عين يبرود (عوفرا) لتكون أول مستوطنة في منطقة شمال الضفة الغربية. منطقة لا تبعد كثيرا عن قرية النبي صالح. ثم ما لبثت أن تحركت باتجاه القرى المجاورة. لقد رأت غوش إيمونيم أن الصهيونية العلمانية خانت تراث إسرائيل؛ مرة عندما سكنت في السهول وتركت رؤوس الجبال، ومرة أخرى عندما وافقت على السلام مع العرب وبدأت تتحدث عن التخلي عن أجزاء من الأرض المقدسة. ولأن قرية النبي صالح تقع على جبل كانت هدفاً لنشاط الحركة الاستيطانية.

في صباح يوم من أيام شهر تشرين الأول 1977، تحركت مجموعتان استيطانيتان باتجاه قرية النبي صالح. «نفيه تسوف»، مجموعة يهودية متعصبة؛ و«نفيه تزيلح»، مجموعة صهيونية علمانية؛ ووصلوا إلى معسكر بريطاني قديم. قاموا باحتلال المعسكر، وخلال ساعات بنوا الخيام، ورتبوا أماكن النوم والطبخ، ومع حلول المساء كانت أربعون عائلة إسرائيلية قد وضعت اللبنة الأولى للمستوطنة التي ستعرف لاحقا باسم حلاميش Halamish.

لجأ سكان القرية مع جيرانهم من دير نظام إلى المحكمة الإسرائيلية العليا للاعتراض على مصادرة أراضيهم، لكن المحكمة استندت إلى قانون يعود إلى أيام الاحتلال العثمانيّ، واعتبرت تلك الأراضي ملكاً للدولة ومنحتها للمستوطنين الإسرائيليين.

عادت قرية النبي صالح إلى تصدر نشرات الأخبار في العام 1989 مع بداية الثورة الفلسطينية الشاملة التي عرفت بالانتفاضة. صدر البيان الأول لما عرف لاحقا بالقيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة من قرية النبي صالح. شارك أبناء القرية في تلك الانتفاضة التي استمرت حتى العام 1994 وانتهت بتوقيع اتفاق أوسلو. ثم عادوا للمشاركة في الانتفاضة الثانية التي انطلقت عام 2000 بعد دخول رئيس الوزراء الإسرائيلي إرئيل شارون إلى باحة الأقصى، وانتهت عام 2005 بعد اغتيال الرئيس ياسر عرفات، وقيام خلفه بتوقيع اتفاق لوقف إطلاق النار في شرم الشيخ المصرية.

لكن منحى التاريخ لم يتغير هذه المرة، واستمر الاحتلال، ومصادرة الأراضي، كما استمر اعتقال الفلسطينيين والتضييق عليهم. في العام 2009 أصدرت الإدارة المدنية الإسرائيلية قراراً يعتبر نبع الماء الذي تشرب منه قريتا النبي صالح، ودير نظام منطقة أثرية وقامت بمصادرته مع الأراضي المحيطة به. وهكذا أخذت قرية النبي صالح طريقها نحو الإعلام مرة أخرى. في نهاية كل أسبوع منذ العام 2009 وحتى يومنا هذا يخرج سكان القرية في مسيرات احتجاجية باتجاه الأراضي المصادرة وباتجاه الجدار الذي بنته «دولة إسرائيل» لاحقا. في العام 2004 اعتبرت محكمة العدل الدولية أن الجدار غير شرعي، وهو القرار الذي تبنته الجمعية العامة للأمم المتحدة في نفس السنة بأغلبية 150 صوتا مقابل 6 أصوات. انضم الكثير من المتضامنين السلميين إلى محتجي النبي صالح. حضروا من كل أنحاء العالم بما في ذلك أوروبا والولايات المتحدة.

كانت المسيرات الأسبوعية تنتهي بمواجهات بين الجيش الإسرائيلي والمحتجين السلميين. اُعتُقِل الكثير من المحتجين الفلسطينيين، ومن بين هؤلاء بسام التميمي، والد عهد، الذي اُعتُقل اثني عشرة مرة، وقضى شهوراً طويلة في السجن بتهمة التظاهر، والتحريض على التظاهر، وإعاقة العدالة. وبرزت في إحدى الفيديوهات ابنته عهد التميمي، ذات الأعوام العشرة (آنذاك)، وهي تشتبك مع أحد الجنود الذين اعتقلوا والدها وتصرخ «أين ذهبتم به؟». ظهرت عهد مرة أخرى في كاميرات الإعلام وهي تدافع عن والدتها ناريمان التي اُعتقلت خمس مرات. ثم عادت للظهور مرة ثالثة وهي تنقذ أخيها الأصغر المصاب من بين يدي جندي إسرائيلي يحاول اعتقاله.

لم ينتهِ نصيب قرية النبي صالح من الإعلام عند هذا الحد. ففي حزيران 2017 اندلعت مواجهات بين الشرطة الإسرائيلية والفلسطينيين في منطقة باب العمود في القدس بعد قرار تركيب بوابات إلكترونية على مداخل الأقصى. اُستشهد ثلاثة شباب فلسطينيين. في الصباح التالي، 23 حزيران 2017، تسلل الشاب الفلسطيني عمر العبد إلى مستوطنة حلاميش قرب قرية النبي صالح وقتل ثلاثة مستوطنين، قبل أن يُصاب ويُعتقل ويُحكم لاحقاً بالسجن لمدّة 362 سنة.

قصة عهد التميمي المولودة في قرية النبي صالح في 30 آذار 2001، بدأت يوم 2 تشرين الثاني من العام 1917، عندما ناب السير جيمس آرثر بلفور عن الغرب وأصدر وعده بسلب وطن عهد، وجعله «وطناً قومياً» لليهود الأوروبيين الذين يعانون من العداء للسامية في الدول الأوروبية. قتل خالها، وعمها، واُعتقل والداها رغم أن أيّاً من أسلافها لم يكن عضواً في الرايخ الثالث، لم يكن حارساً في أوشفتز، ولم يعش اليهود في بلدها في غيتوهات. عهد ليست ظاهرة، بقدر ما هي قصة شعب يحارب جيلاً بعد جيل. لعلَّ عنفوانها، وتلك النظرة الحادة التي تلتمع في عينيها، وذلك الشعر الأشقر المتمرد الذي يقول إنَّ كلَّ فتيات وفتيان فلسطين منخرطين في النضال، لعلَّ هذا ما اجتذب كاميرات الإعلام، فقد وجدت صورة جديدة للمناضلة في سبيل الحرية، بعدما تمَّ في العقود الأخيرة خلق صورة نمطية للمناضل العربي عموماً والفلسطيني خصوصاً، تظهره متديّنا ملتحياً، أو متدينة محجبة. جاءت عهد لتكسر هذه الصورة النمطية، وتقول إنَّ فلسطين كلها منخرطة في النضال مِنْ أجل حقوق شعبها وتحرير وطنها.

عهد التميمي، مثل كل البنات في عمرها وعصرها، كانت تفضل قضاء الوقت في اللعب والدراسة ومشاهدة التلفزيون. ولعلها حلمت أن تكون بطلة رياضية، أو أستاذة جامعيّة، أو مصممة أزياء. أو لعلّها كانت تفضل أن تحلم بالفساتين الجميلة، وبالسفر، وبفارس أحلام جميل.

لكنَّ «العالم الحر» اختار لها ولأقرانها الفلسطينيين طريقاً آخر. اختار «العالم الحر» أن يجعل عهد مناضلة في سبيل حريتها وحرية شعبها. أن تنام خائفة من الاعتقال، وأن تستيقظ مستعدة للمواجهة. لا مجال للأحلام للسعيدة، فهي مضطرّة لأن تجد نفسها كلّ يوم في مواجهة للدفاع عن نفسها وعن أخوتها وعن أبويها. قد يطلق جندي النار عليها ذات صباح فتقضي شهيدةً، وخلال دقائق تتحول في عيون «العالم الحر» إلى «إرهابية.»

عندما صفعت عهد التميمي ذلك الجندي الذي دخل باحة منزلها، ودخل باحة وطنها، كانت صفعتها موجهة إلى كل العالم الذي تركها وحيدة عزلاء إلا من قبضتها. كانت غاضبة، وحيدة، في عالم لا يعرف شيئاً عما فعله بها، وإن عرف فهو لا يهتم.

ستبقى، في ذاكرة الأحرار في كلّ العالم، صورة عهد في المحكمة.. طفلة في الأصفاد يحيطها أربعة من الجنود، ومثلها ستبقى صورة خمسمئة طفل فلسطيني معتقلين، يتعرضون للتعذيب والأحكام الجائرة. ولكنّها صور لن ينال مصوروها جائزة البوليتزر، وهي ستختفي من الإعلام بعد فترة قصيرة.. مثلها مثل صورة الطفل محمد الدرة (الذي قضى شهيداً في بثٍّ تلفزيونيٍّ حيّ)، ومحمد أبو خضيرة، وآلاف غيرهما. صور تفتح الطريق للمزيد من الصور المماثلة، والمزيد من قصص القرى والشبان والفتيات المأساويّة.