2018-02-10

على هامش ذكرى العاشر من شباط:

الشيوعيون الفلسطينيون في مواجهة إشكالية العلاقة بين "الخاص" و"العام"

د. ماهر الشريف

كانت إشكالية العلاقة بين "الخاص" و"العام" من أبرز الإشكاليات التي واجهها الشيوعيون الفلسطينيون عبر تاريخهم الطويل. وسأعالج في هذه المساهمة - التي أستعيد فيها بعض الأفكار التي تضمنها مقال كتبته سنة 2009 بعنوان: "تغيّر الشكل وبقي الجوهر هو هو"- كيفية تعاملهم  مع هذه الإشكالية على مستويات ثلاثة: أولاً، على مستوى التنظيم؛ وثانياً،على مستوى العلاقة بين الطبقي والوطني؛ وثالثاً،على مستوى العلاقة بين "الوطني الفلسطيني" و"القومي العربي".

على مستوى التنظيم

تشكّلت أول نواة "شيوعية" في فلسطين، في تشرين الأول  1919، على أيدي بعض الثوريين اليهود الذين قدموا إلى فلسطين، في إطار الهجرات اليهودية، وكانوا واقعين تحت تأثير ما سمّي بـ  "الصهيونية الاشتراكية"، أو"البروليتارية". واتّخذت هذه النواة الأولى اسم "حزب العمال الاشتراكي"، الذي كان مرتبطاً باتحاد يهودي يساري عالمي باسم "البوعالي تسيون". وقد سعت هذه النواة الأولى، بعد ظهورها بفترة قصيرة، إلى الانضمام إلى الأممية الشيوعية (الكومنترن)، التي اشترطت عليها، قبل الموافقة على قبول عضويتها، أن تقوم بتبنيّ سياسة "التعريب"، على صعيد العضوية والتوجّه، وأن تقوم بتغيير اسمها وتقطع صلاتها بتيارات "الصهيونية الاشتراكية". وكان المؤتمر الثاني للكومنترن، الذي انعقد في موسكو في صيف 1920، قد اشترط على جميع  الأحزاب الاشتراكية الراغبة في الانضمام إلى صفوفه أن تغيّر أسماءها وأن تتبنّى اسم: "الحزب الشيوعي في ... (فرع الكومنترن) "؛ فالكومنترن لم يكن إطاراً للتحالف بين أحزاب وإنما كان، في الواقع، حزباً شيوعياً عالمياً يستند إلى مبادئ "المركزية الديمقراطية".

وبعد صراعات شديدة، شهدت العديد من الانقسامات، أُعلن رسمياً  في التاسع من تموز 1923 عن تشكيل "الحزب الشيوعي الفلسطيني"، وعن موافقة قيادته على شروط الانتساب إلى الكومنترن، الذي شكّل لجنة خاصة للبت في مسألة انضمام الحزب الجديد إلى صفوفه. وفي 26 شباط 1924 أصدرت هذه اللجنة تقريراً أفاد بأن الحزب الشيوعي الفلسطيني استوفى "جميع الشروط المطلوبة"، وصار يعتبر "فرعاً رسمياً للكومنترن". ومنذ ذلك الحين، بات الحزب الشيوعي الفلسطيني السائر على طريق "التعريب" جزءاً من حركة شيوعية عالمية، مرتبطة بمركز لعب دور المرجعية الإيديولوجية والسياسية والتنظيمية لفصائل هذه الحركة، وكان خاضعاً لقيادة الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي. وصار يتوجب  على هذا الحزب بالتالي أن يلتزم بتوجيهات اللجنة التنفيذية للكومنترن، السياسية والتنظيمية، وأن يرسم سياساته وفق البرامج العامة المقرّة في مؤتمرات الكومنترن العالمية، وهي توجيهات وبرامج  لم تكن غالباً منسجمة مع خصوصية الواقع الفلسطيني، الأمر الذي حدّ من قدرة الشيوعيين الفلسطينييين، طوال العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين، على تطوير الماركسية بشكل خلاق وحال دون تمكينهم من بلورة نظرية مستقلة في بناء الحزب. وكدليل على تلك البرامج والتوجهات غير المنسجمة مع خصوصية الواقع الفلسطيني، يمكننا التوقف عند  المثالين التاليين:

ففي صيف 1924، تبنّى الكومنترن، في مؤتمره العالمي الخامس، شعار "البلشفة"، الذي كان يعني العمل على تعزيز البناء الأيديولوجي "اللينيني" للأحزاب الشيوعية، وإعادة تنظيمها على أساس الخلايا الحزبية المشكّلة في المصانع والمعامل، باعتبارها المواقع الرئيسة لعملية الاستغلال الرأسمالي. وقام الكومنترن بتعميم هذا الشعار على جميع  فروعه، بما فيها تلك التي كانت تناضل في ظروف بلدان تميّزت بضعف الطبقة العاملة أو بغيابها كلياً، الأمر الذي فرض على قيادة الحزب الشيوعي الفلسطيني أن تنقل هذا الشعار، نقلاً ميكانيكياً، إلى فلسطين، إذ  زعمت في تقرير بعثته إلى موسكو، عن نشاط الحزب ما بين تموز 1924 وشباط 1925، أن عملية "البلشفة" قد انطلقت في فلسطين، وأن الحزب شرع في إعادة تنظيم صفوفه على أساس الخلايا الموسّعة المشكّلة في المواقع الإنتاجية، علماً أن الحزب كان يضم في شهر أيار 1924، بحسب وثائقه، 88 عضواً، كان أكثر من نصفهم من العاملين في قطاع البناء والموزعين على عدد كبير من الورشات الصغيرة والمبعثرة.

أما المثال الثاني، فيتعلق بالمؤتمر العالمي السادس للكومنترن، الذي انعقد في موسكو في صيف 1928. ففي ذلك المؤتمر، تخلى الكومنترن عن سياسة "الجبهة المتحدة المعادية للإمبريالية"، وتبنّى سياسة "طبقة ضد طبقة"، متّخذاً موقفاً "انعزالياً" من البرجوازية الوطنية في البلدان المستعمرة والتابعة، وطرح أمام الأحزاب الشيوعية في هذه البلدان مهمات "يسارية"، مثل مهمة " إنجاز الثورة الزراعية" و" إقامة حكومة العمال والفلاحين"، كخطوة على طريق  "ديكتاتورية البروليتاريا".

وقد انعكس هذا التوجه "اليساري الانعزالي" على سياسة الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي صار يهاجم، في أعقاب المؤتمر العالمي السادس، "القوميين الإصلاحيين" المسيطرين على قيادة الحركة الوطنية العربية الفلسطينية، وينتقد سياستهم، القائمة على قاعدة المطالبة بإقامة "مجلس تشريعي"، معتبراً أن البرلمانية "هي هدف الزعماء الخونة، الذين يرون فيها وسيلة لتسلم المناصب العليا في الإدارة وفرصة للجلوس إلى جانب الامبرياليين الانكليز".  كما صار يدعو إلى ربط شعار تحرير فلسطين بشعار إقامة "حكومة عمالية فلاحية"، على اعتبار أن طبقة العمال والفلاحين "هي الطبقة الوحيدة التي تسعى فعلاً، وبشكل حقيقي، إلى تحرير فلسطين".

ولم تبرز الإرهاصات الأولى لمحاولات الشيوعيين الفلسطينيين ابتداع سياسات منسجمة مع خصوصية واقعهم إلا  في ظروف الإضراب العام والثورة الكبرى في سنوات 1936-1939، وخصوصاً  بعد أن أوصى المؤتمر السابع للكومنترن، المنعقد في صيف 1935، لجنته التنفيذية بالعمل على مراعاة "الظروف والخصائص الملموسة في كل بلد من البلدان"، والامتناع عن التدخل المباشر في الشؤون التنظيمية الداخلية لفروع الكومنترن، التي يتوجب عليها "الاعتماد على إمكاناتها الذاتية وتحديد سياساتها بنفسها". بيد أن سنوات الثورة شهدت بروز خلافات جدية في  صفوف الحزب الشيوعي الفلسطيني تركزت في الأساس حول  الموقف من التحالف مع قيادة الحركة الوطنية العربية، وحول الموقف من الأقلية اليهودية في فلسطين، إذ  اعتبر أعضاؤه اليهود، بخلاف رفاقهم العرب، أنه راحت تنشأ في فلسطين وضعية ثنائية القومية، وصارت تبرز، إلى جانب القومية العربية، "قومية يهودية في طور التكوين".

وزادت من تفاقم هذه الخلافات صعوبات إقامة اتصالات منتظمة بين أعضاء الحزب العرب واليهود، بعد أن أصبح من الصعب جداً على الشيوعي العربي أن يدخل الأحياء اليهودية، وعلى الشيوعي اليهودي أن يدخل الأحياء العربية. وبات التعايش بين الشيوعيين العرب واليهود داخل الحزب الواحد أكثر صعوبة عقب حل الكومنترن في أيار 1943، الأمر الذي أدّى عملياً إلى وقوع انقسام على أساس قومي، وإلى  خروج الشيوعيين العرب من صفوف الحزب الشيوعي الفلسطيني، وقيامهم مع عدد آخر من غير الحزبيين  بالإعلان رسمياً، في مطلع 1944، عن ولادة عصبة التحرر الوطني في فلسطين، في ظروف دولية تميّزت بتراجع التناقضات بين الاتحاد السوفيتي والدول الرأسمالية الكبرى، وتعالي شأن الديمقراطية في إطار النضال الذي كانت تخوضه القوى التقدمية، وفي مقدمتها الأحزاب الشيوعية، ضد النازية والفاشية.

لقد مثّل تشكيل عصبة التحرر الوطني على أيدي نقابيين ومثقفين عرب من ذوي التوجهات الماركسية محاولة فريدة لتأصيل الماركسية في التربة الفلسطينية، وقطعاً مع كل أشكال النقل الميكانيكي السابقة على الصعيدين التنظيمي والسياسي. بيد أن نتائج النكبة التي حلّت بالشعب الفلسطيني في سنة 1948 لم تتح لهذه المحاولة الفريدة أن تترسّخ، بل خلقت ردة فعل سلبية لدى قيادتها التي تصوّرت، في ذلك الحين، أن الانقسام الذي حصل في صفوف الحزب الشيوعي الفلسطيني بين مناضليه العرب واليهود   نبع من انحراف "قومي" عربي أفضى إلى تأسيس العصبة.  وهكذا، نظرت اللجنة المركزية لعصبة التحرر الوطني إلى عملية تشكيلها باعتبارها "انحرافاً قومياً" و"خروجاً عن الأممية"، وقدّرت أن تشكيلها على أساس قومي اقترن "بإنكار دور الطبقة العاملة الفلسطينية في قيادة النضال الوطني"، كما اقترن بالدعوة إلى "الوحدة الوطنية العربية دون استثناء". وبذلك، استعادت اللجنة المركزية للعصبة مفردات الخطاب الشيوعي التقليدي، وعادت لتتماثل مع حركة شيوعية عالمية، التفت، من جديد، حول الحزب الشيوعي السوفيتي، في ضوء الانتصارات الكبيرة التي حققها الاتحاد السوفيتي بعد الدور البارز الذي لعبه في هزيمة النازية.

وكانت قد برزت، في أيلول 1947، بنية تنظيمية جديدة للحركة الشيوعية العالمية تحت اسم "مكتب الإعلام للأحزاب الشيوعية" (الكومنفورم)، اتّخذت في البدء شكل هيئة تنسيق ثم تحوّلت إلى مركز موجّه وإلى  "محكمة" شيوعيين، استمرت في الوجود حتى صدر قرار بحلها في 17 نيسان 1956، بعد فترة قصيرة على انعقاد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي. ومع أن هامش استقلالية الأحزاب الشيوعية، ولا سيما الكبيرة منها، توسّع بعد انعقاد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي، إلا أن المؤتمرات العالمية للحركة الشيوعية والعمالية راحت تبرز، منذ شباط 1957، كشكل جديد لتنظيم العلاقات والاتصالات فيما بينها، في ظل قيادة الحزب الشيوعي السوفييتي.

وكان أعضاء عصبة التحرر الوطني قد توزعوا، عقب تمزق الكيان الفلسطيني وتشتت الشعب الفلسطيني، على أطر تنظيمية ثلاثة: فإلى جانب الحزب الشيوعي الأردني، الذي تأسس في أيار 1951 من أعضاء العصبة الذين بقوا في الضفة الغربية لنهر الأردن، التي ألحقت بشرق الأردن، وعدد من الماركسيين في الضفة الشرقية، توحّد أعضاء العصبة العرب، الذين بقوا فوق الأراضي التي قامت عليها دولة إسرائيل، في تشرين الأول 1948 مع الشيوعيين اليهود في إطار الحزب الشيوعي الإسرائيلي. أما في قطاع غزة، الذي حافظ على هويته الفلسطينية رغم خضوعه للإدارة المصرية، فقد  شكّل أعضاء العصبة، الذين بقوا فيه، في آب 1953، الحزب الشيوعي الفلسطيني في قطاع غزة.  

بعد سنة 1967، وبالترابط مع ظاهرة الانبعاث الوطني الفلسطيني وتطور نضال حركة المقاومة الفلسطينية، طرحت مسألة إعادة إحياء الحزب الشيوعي الفلسطيني، وبدأت منذ ذلك الحين مسيرة البحث عن "الذات" الشيوعية المجزأة وتلمس السبل الكفيلة بتوحيدها في حزب شامل ومستقل. ففي مطلع سنة 1969، وبالاستناد إلى تجربة الحزب الشيوعي السوري-اللبناني القديمة، طرحت قيادة الحزب الشيوعي الفلسطيني في قطاع غزة فكرة توحيد الشيوعيين الفلسطينيين في إطار حزب شيوعي أردني-فلسطيني "على أن يجري إحداث التغيير المناسب في التسمية حالما ينتزع الشعب الفلسطيني استقلاله الوطني أو يتم اتحاده الاختياري مع الشعب الأردني". وفي الأردن، طرحت هذه المسألة عقب الصدامات التي وقعت بين الجيش الأردني وقوات منظمة التحرير الفلسطينية، في عامَي1970 و1971، وأسفرت عن خروج المقاتلين الفلسطينيين نهائياً من الأردن؛ فبعد تلك الصدامات بات من الصعب عودة الضفة الغربية، بعد تحررها من الاحتلال الإسرائيلي، إلى سلطة الحكم الأردني من جديد. وكان المبادرون إلى طرح هذه المسألة  أعضاء اللجنة القيادية لفرع الحزب الشيوعي الأردني في الضفة الغربية، الذين شرعوا منذ سنة 1972 في تغيير تسميات المنظمات الجماهيرية التي كانوا يشرفون على نشاطاتها، إذ تمّ، على سبيل المثال، تغيير تسمية "اتحاد الطلبة الأردني في الضفة الغربية" ليصبح "اتحاد الطلبة الفلسطينيين في الضفة الغربية". وفي سنة 1974، تشكلت لجنة تنسيق بين فرع الحزب الشيوعي الأردني في الضفة الغربية وبين الحزب الشيوعي الفلسطيني في قطاع غزة، كما تشكلت في ذلك العام "منظمة الشيوعيين الفلسطينيين في لبنان" التي ضمت عدداً من الشيوعيين الذين كانت لهم ارتباطات سابقة بالحزب الشيوعي الفلسطيني في قطاع غزة. وكان الحزب الشيوعي السوري قد شكّل تنظيماً فلسطينياً تابعاً له.

وبعد الاعتراف الرسمي بمنظمة التحرير الفلسطينية في مؤتمر قمة الرباط في تشرين الأول 1974 ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني وبحق هذا الشعب في العودة إلى وطنه وتقرير مصيره وإقامة سلطته الوطنية المستقلة، لم يعد بالإمكان تأجيل البحث الجدي في مسألة إعادة تأسيس الحزب الشيوعي الفلسطيني؛ وهنا برز سؤال يتطبع بطابع سياسي وفكري في آن معاً: هل يمكن الإعلان عن تأسيس مثل هذا الحزب قبل قيام دولة فلسطينية مستقلة؟

وفي النقاشات التي دارت للإجابة عن هذا السؤال، برز اتجاهان: الأول، حظي بدعم قيادة الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي، ورأى أن تأسيس حزب يطمح إلى تمثيل الطبقة العاملة الفلسطينية لا يمكن أن يتم قبل قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وتبلور تشكيلة اقتصادية-اجتماعية مستقلة تحقق "طبقات" الشعب الفلسطيني الاجتماعية، ومن ضمنها الطبقة العاملة، "ذاتها" في إطارها؛ والثاني اعتبر أن تأسيس حزب شيوعي فلسطيني باتت تفرضه حقيقة تكرس الشخصية السياسية المستقلة للشعب الفلسطيني، وأن النضال من أجل قيام الدولة الفلسطينية المستقلة يجب أن يكون على رأس جدول أعمال هذا الحزب. وهكذا، وبينما حاكم الاتجاه الأول المسألة من منظار علاقة الحزب بالطبقة، حاكم الاتجاه الثاني المسألة من منظار أوسع هو منظار العلاقة بين الحزب والشعب، الذي وعى ذاته المستقلة وكرسها كحقيقة على الصعيدين العربي والدولي، حتى قبل قيام دولته المستقلة.

وبهدف تجاوز هذا التباين، اتُفق على اتّباع المرحلية في إعادة تأسيس الحزب الشيوعي الفلسطيني، فاتخذت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الأردني في أواخر تموز 1975 قراراً بتسمية فرع الحزب في الضفة الغربية، باعتباره أكبر تجمع للشيوعيين الفلسطينيين، باسم: "التنظيم الشيوعي الفلسطيني في الضفة الغربية". وفي أواخر شباط 1980، تمّ إنجاز خطوة جديدة على طريق قيام الحزب الشيوعي الفلسطيني الشامل، عندما اتخذت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الأردني قراراً بتشكيل: "التنظيم الشيوعي الفلسطيني في لبنان". وأخيراً، وفي العاشر من  شباط 1982، أي بعد ثماني سنوات على الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني وتبنيها هدف إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، أُعلن عن إعادة تأسيس الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي صار يضم الشيوعيين الفلسطينيين في الضفة الغربية وفي قطاع غزة  وفي بلدان الشتات، وخصوصاً في لبنان وسورية. وتسبب التأخر في الإعلان عن قيام هذا الحزب في تأخر  انضمام ممثليه إلى هيئات منظمة التحرير الفلسطينية التنفيذية والتشريعية الذي لم يتحقق سوى في سنة  1987.

عقب انطلاق سياسة "البيروستريكا" و"الغلاسنوست"، راح الحزب الشيوعي السوفييتي يستقيل فعلاً من لعب دوره كمركز للحركة الشيوعية والعمالية العالمية، الأمر الذي ساعد على فتح آفاق واسعة أمام الشيوعيين، في البلدان المختلفة، للتفكير والإبداع المستقلين. وكان الشيوعيون الفلسطينيون، الذين بادروا - كما مرّ معنا - بعد أشهر قليلة من حل الكومنترن في سنة  1943 إلى تقديم اجتهادات فكرية وتنظيمية خاصة بهم، قد أدركوا، بعد أن توفرت لهم من جديد فرصة اللجوء إلى التفكير والإبداع المستقلين، الحاجة إلى القيام بمراجعة نقدية تجعل توجهاتهم منسجمة أكثر مع خصوصية الواقع الفلسطيني.  وتمخضت تلك المراجعة النقدية عن مبادرة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الفلسطيني  إلى طرح مشروعي برنامج سياسي ونظام داخلي جديدين في كانون الثاني 1990، أي قبل أكثر من سنة على إعلان تفكك الاتحاد السوفيتي، وبعد أسابيع قليلة فقط على سقوط جدار برلين.

وإذا ما أُخذ بعين الاعتبار أن إعداد هاتين الوثيقيتن داخل هيئات الحزب القيادية احتاج إلى وقت طويل، يمكن الجزم بأن توجّه قيادة الحزب نحو ممارسة الاجتهاد، على الصعيدين السياسي والتنظيمي، لم ينجم، في الأساس، عن ردة فعل على حدث خارجي تمثّل في سقوط تجربة "الاشتراكية الواقعية "، بعد تلاشي الآمال التي انعقدت على إعادة بنائها، وإنما نجم عن عامل داخلي، تمثّل في الدروس المستخلصة من تجربة الانتفاضة الفلسطينية، التي اندلعت في نهاية 1987، وتحوّلت سريعاً إلى معركة لكل طبقات الشعب الفلسطيني، وتطبّعت بطابع شعبي  ديمقراطي عميق.

ومع ذلك، لا بدّ من الاعتراف بأن القرار الذي اتّخذه المؤتمر الثاني للحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي انعقد في أواخر تشرين الأول 1991، بتغيير اسم الحزب، والتعديلات التي أدخلها على برنامجه السياسي، لم يسلما من رجّات "الزلزال" الذي وقع في الاتحاد السوفييتي ودول شرق ووسط أوروبا. ففي القرار الخاص بتغيير الاسم، التبست، إلى حد ما، العلاقة بين حزب "ثوري ديمقراطي"، يكرس طاقاته "من أجل خدمة أهداف شعبه في المرحلة التاريخية المحددة، مرحلة الاستقلال الوطني"، وبين حزب "شيوعي" متجدد، يرث "تراث الحزب الشيوعي الفلسطيني وتاريخه النضالي". وفي الفصل الأول من برنامجه السياسي الجديد، أبرز الحزب، من جهة، المكوّن الاشتراكي لهويته  عندما أشار إلى أن حزب الشعب الفلسطيني هو حزب الفلسطينيين "الطامحين للتحرر والاستقلال الوطني والديمقراطي والتقدم والعدالة الاجتماعية والاشتراكية المنسجمة مع خصائص الواقع الفلسطيني"، كما أبرز طابعه الطبقي عندما أشار إلى أنه سيضم  في صفوفه المناضلين من أجل إنجاز هذه الأهداف، "وفي مقدمتهم العمال والشغيلة والفلاحون والمثقفون"، لكنه اتّخذ، من جهة أخرى، موقفاً "مرتبكاً" من مسألة الهوية الفكرية للحزب. من الصحيح أن البرنامج أكد استناد الحزب  إلى "المنهج العلمي الجدلي"، واسترشاده "بالفكر العلمي التقدمي وقيم الحرية والمساواة والتقدم والعدالة الاجتماعية"، إلا أنه تجنب الإشارة إلى الماركسية، كمصدر من مصادره الفكرية، علماً  أن أي حديث عن فكر علمي تقدمي لا يستقيم دون الإشارة إلى الماركسية، ليس بوصفها نظرية ثورية ناجزة وإنما باعتبارها أبرز إسهام نقدي تحرري يكشف آليات استغلال النظام الرأسمالي والتناقضات الكامنة فيه.

أما الفصل الرابع من البرنامج السياسي الجديد، الذي حمل عنوان "التغيرات العالمية وتأثيرها على نضال شعبنا"، فقد  أبرز الالتزام بالاشتراكية ذات الجوهر الإنساني، وأشار إلى أن انتهاء الحرب الباردة  لا يلغي التناقضات الطبقية ولا التناقضات القائمة بين الشعوب المضطهدة والمظلومة وبين مضطهديها، وأكد القناعة بأن الرأسمالية العالمية لن تستطيع  التخلص من تناقضاتها الداخلية ولن يكون في وسعها  تحقيق العدالة الاجتماعية، إلا أنه انطوى، في الوقت نفسه، على تقويم أحادي الجانب لتجربة "الاشتراكية الواقعية" لم يرَ سوى سلبيات تلك التجربة دون إيجابياتها، وعلى نظرة اختزالية إلى قضية الديمقراطية تركّز على جانبها السياسي دون الاجتماعي، وعلى رهان - لم يثبت-  على "التعاون الدولي"  الذي  سينجم عن انتهاء  الحرب الباردة. ونجم عن ذلك كله التباس طبيعة الموقع الذي يشغله الحزب في إطار الحركة التحررية العالمية، إذ  تجنب البرنامج تحديد موقع الحزب ودوره في إطار اليسار الاشتراكي والشيوعي، المناضل ضد الرأسمالية، واكتفى بالإشارة إلى تعاونه وتضامنه مع القوى والأحزاب المناضلة "للمحافظة على السلم والجنس البشري وحماية حقوق الإنسان والبيئة والقضاء على التخلف والتبعية وضمان حق كل شعب في اختيار طريق تطوّره المستقل".

لقد أصبح بالإمكان اليوم، ومن خلال نظرة تاريخية استرجاعية، التوقف عند هذه الثغرات التي برزت في وثائق المؤتمر الثاني للحزب، وهي ثغرات أشارك أنا شخصياً في تحمّل مسؤولياتها، باعتباري كنت واحداً من الذين ساهموا في إعداد تلك الوثائق.

بيد أن بروز هذه الثغرات لا يعني أبداً أن التوجّه العام لذلك المؤتمر كان خاطئاً، ولا أن قرار تغيير اسم الحزب لم يكن قراراً صائباً. كما أن بروزها لا يقلل أبداً من الأهمية التاريخية لتوجّه الشيوعيين الفلسطينيين، الريادي في ذلك الوقت، نحو ممارسة الاجتهاد والإبداع المستقل على مستوى السياسة والتنظيم.
ويبدو لي أن البرنامج المقر في المؤتمر الرابع لحزب الشعب الفلسطيني سعى إلى تجاوز الثغرات التي برزت في مقرارت المؤتمر الثاني، ولا سيما فيما يتعلق بالهوية الطبقية والمرجعية الفكرية، وذلك عندما أشار إلى أن حزب  الشعب الفلسطيني، باعتباره، في هذه المرحلة، حزب التحرر والاستقلال الوطني، يمثّل امتداداً لتاريخ الحركة الشيوعية الطويل في فلسطين، ويستلهم، في ممارسته النظرية والعملية، التراث الفكري الماركسي والاشتراكي، وكل ما هو تقدمي وإنساني في التراث الفكري العربي والعالمي، ويتمثّل خبرات التجارب الكفاحية للشعب الفلسطيني والشعوب العربية وخلاصة تجارب الحركة الشيوعية والاشتراكية والتحررية العالمية، وينتمي إلى قوى اليسار الديمقراطي والشيوعي والاشتراكي وإلى الحركة  المعادية للإمبريالية، وإلى قوى الدفاع عن السلام وحماية البيئة ومناهضة الرأسمالية المتوحشة، ويناضل، على المدى البعيد، من اجل دولة اشتراكية التوجه، بالوسائل السلمية والديمقراطية وعلى قاعدة احترام الإرادة الشعبية، ويدافع عن مصالح الطبقات الشعبية الفقيرة والمهمشة، وفي مقدمها العمال والشغيلة والفلاحون، وعن مصالح الفئات الوسطى وجمهورها الواسع، بمن فيهم المثقفون والمهنيون والأكاديميون. وبالانتقال من مرحلة نضالية إلى مرحلة أخرى، لن يكون هناك ما يمنع من إعادة طرح قضية اسم الحزب على بساط البحث بما يضمن الانسجام بين الاسم ومضمون برنامج المرحلة الجديدة؛ فجوهر الشيوعيين الفلسطينيين كان وسيبقى هو هو، طالما ظلوا يحملون القيم نفسها، حتى وإن تغيّرت أسماء الأطر التنظيمية التي ينضوون فيها.

على مستوى العلاقة بين الطبقي والوطني

أما إشكالية  العلاقة بين الطبقي والوطني، فيحتويها السؤال الآتي: كيف جمع  الشيوعيون الفلسطينيون بين نضالهم من أجل الدفاع عن مصالح الفئات الاجتماعية التي طمحوا إلى تمثيلها، من الناحية الطبقية، وبين نضالهم من أجل التحرر الوطني الذي يستلزم نسج تحالفات مع "المعبرين" عن  فئات اجتماعية أخرى وإقامة أوسع جبهة وطنية مناهضة للاحتلال؟.

كانت عصبة التحرر الوطني في فلسطين قد أجابت عن هذا السؤال بتغليبها الوطني، بصورة واضحة، على الطبقي. فمع أن  العمال والمثقفين شكّلوا القاعدة التي قام عليها تنظيم العصبة،  إلا أن  استنادها إلى هاتين الفئتين الاجتماعيتين لم يحل دون سعيها إلى طرح برنامج سياسي متجاوب مع مصالح الشعب الفلسطيني بمجموعه، الذي كان، بمختلف طبقاته وفئاته الاجتماعية، مهدداً  في وجوده بفعل تسارع وتيرة تنفيذ المشروع الصهيوني، المدعوم من الاحتلال البريطاني. وعليه، شددت العصبة على أن التحرر الوطني هو "هدف الشعب كله"، وهو "وسيلة الأمة بأسرها إلى حياة حرة سعيدة"، إذ إن جميع طبقات الشعب "من عمال وفلاحين ومثقفين وتجار وصناعيين وطنيين"  تشعر "شعوراً وطنياً واحداً"، ويجمعها  النضال في سبيل التحرر الوطني "في صعيد واحد ".

أما الحركة الوطنية فهي"ليست احتكار طبقة معينة من طبقات المجتمع العربي، وليست ممثلة لمصلحة طبقة معينة بالذات"، بل هي "حركة الشعب بأكمله، طبقات وأفراداً، حركة شاملة جامعة تنظّم تحت لوائها جميع العناصر الراغبة في السير مع قافلة الحرية في هذا الوطن العربي العزيز".

وفي دفاعها عن مصالح العمال العرب الاجتماعية، أشارت عصبة التحرر الوطني إلى أن العمال العرب في فلسطين يعون أهمية تطوير وتدعيم الاقتصاد العربي، وخصوصاً في ظل المنافسة الشديدة التي يتعرض لها من جانب  الاقتصاد الصهيوني المتطوّر، كما أن موقفهم من أصحاب العمل العرب يختلف تماماً عن موقفهم من أصحاب العمل الأجانب، وذلك "لعلمهم أن المشاريع الصناعية الأجنبية في فلسطين هي مشاريع احتكارية، تقف حجر عثرة في سبيل حرية بلادهم، وبالتالي سعادتهم وسعادة عائلاتهم". وعلى هذا الأساس، تنازل العمال العرب "في كثير من المناسبات عن كثير من حقوقهم التي يختلفون عليها مع صاحب العمل العربي، بينما [أصرّوا] على نيلها كاملة من صاحب العمل الأجنبي".

بعد نكبة  1948، وما خلقته من وقائع جديدة، راح الشيوعيون الفلسطينيون الذين توزعوا على أطر تنظيمية مختلفة يستعيدون  مفردات الخطاب الشيوعي التقليدي، ويعودون للتماثل مع حركة شيوعية عالمية، التفت، من جديد، حول الحزب الشيوعي السوفيتي. من الصحيح أن الوطني بقي هو الغالب على سياسات هذه الأطر الشيوعية المختلفة وتوجهاتها، وهو ما تجلى في تأكيدها على أنها تواجه مهمات التحرر الوطني؛ بيد أن تماثلها مع الحركة الشيوعية العالمية جعلها تتبنى منطقاً  ساد صفوف هذه الحركة واستند إلى الأفكار الرئيسية التالية: إن هناك في العالم إيديولوجيتين لا ثالثة بينهما: إيديولوجية برجوازية وإيديولوجية بروليتارية؛ يتسم العصر، منذ انتصار ثورة اكتوبر، بسمة  الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية على صعيد العالم؛ إن قيام النظام الاشتراكي العالمي، بعد الحرب العالمية الثانية، عزّز التحوّل المستمر في موازين القوى العالمية  لصالح الاشتراكية؛ إن نجاحات الاشتراكية الواقعية  عمقت المحتوى الاجتماعي لحركة التحرر الوطني في بلدان العالم الثالث، وجعلتها تصبح جزءاً من الثورة الاشتراكية العالمية، وهو ما يطرح على الطبقة العاملة في هذه البلدان مهمة السعي إلى الاضطلاع بقيادة هذه الحركة .

وتجلّى هذا المنطق بجلاء في  برنامج الحزب الشيوعي الفلسطيني، المعاد تأسيسه، الذي  لم يختلف، في هيكليته، عن برنامج أي حزب شيوعي آخر، إذ انطلق من تحديد سمة العصر والتناقض الأساسي في العالم واتجاه التطور التاريخي فيه، ثم انتقل إلى تشخيص الوضع العربي ليخلص إلى تحديد طبيعة المرحلة التي يمر بها الشعب الفلسطيني وأهدافها ومهامها، مفرداً فصله الأخير لهدف بناء الاشتراكية.

من الصحيح أن المرحلة التي يمر بها الشعب الفلسطيني قد تحددت  بصفتها مرحلة تحرر وطني، إلا أن الحاجة إلى التناغم مع المنطق المشار إليه جعلت الحزب يقوم بتطويع الواقع الفلسطيني، بدلاً من القيام بتحليل ملموس ومعمق له، ليركب قسراً على مخطط جاهز؛ فبالغ برنامجه  في الحديث عن الدور "الطليعي" للطبقة العاملة، علماً أن الحديث العام عن طبقة عاملة فلسطينية  واضحة المعالم لا يستقيم كثيراً مع شعب مورع على تجمعات عديدة ويشكّل اللاجئون في بلدان الشتات القسم الأكبر منه، كما أفرد البرنامج موقعاً خاصاً، لدى حديثه عن "التحالفات الثورية"، لما أسماه بفئة الفلاحين الفقراء، وهي فئة غائبة في مواقع الشتات الفلسطيني، وغير متمايزة في المناطق الفلسطينية المحتلة، حيث يتعرض الفلاحون بمجموعهم لمخاطر الاقتلاع نتيجة عمليات الاستيطان الصهيوني ومصادرة الأراضي، الأمر الذي يضطر قسماً منهم إلى الانتقال للعمل المأجور في إسرائيل.

إن التحليل الملموس للواقع الفلسطيني الملموس يبيّن أن الشعب الفلسطيني يختلف عن جميع   الشعوب والأمم الأخرى  في كونه شعباً يفتقد إلى كيان سياسي مستقل، ويواجه احتلالاً استيطانياً اقتلاعياً، ويتوق، بمجموع طبقاته وفئاته الاجتماعية، إلى التحرر والاستقلال الوطني. وهذا الإدراك لحقيقة وجود قواسم مشتركة بين معظم طبقات الشعب الفلسطيني وفئاته الاجتماعية في مرحلة التحرر الوطني، وإمكانية الحفاظ على بعض هذه القواسم في مرحلة البناء والتنمية اللاحقة، هو الذي  يفرض على الشيوعين الفلسطينيين التركيز، في هذه المرحلة، على البعد الوطني في نضالهم، ولكن على قاعدة الربط  بين هذا النضال وبين الدفاع عن مصالح الفئات الكادحة التي يطمحون إلى تمثيلها،  إذ لا يمكن للفئات الكادحة أن تدفع  وحدها ضريبة النضال ضد الاحتلال، بينما يكون الهم الرئيس لفئات اجتماعية  أخرى هو كيفية جني الأرباح وتعظيم الثروات، وهو ربط يجسده شعار "تلبية مصالح الفئات الكادحة شرط تعزيز النضال الوطني ضد الاحتلال"؛ هذا الشعار الذي بات أكثر إلحاحاً في ظل استشراء ظاهرة الاستغلال في الجيوب التي تسيطر عليها السلطة الوطنية الفلسطينية. 

على مستوى العلاقة بين الوطني والقومي

منذ تأسيس الحزب الشيوعي الفلسطيني ارتأت قيادته، بهدف زيادة نفوذها بين صفوف العمال والفلاحين العرب الفلسطينيين، أن تمد نشاطها ليشمل مصر وسورية. كما تطلعت إلى إقامة اتحاد شيوعي في المشرق العربي تلعب فيه دوراً بارزاً، وهو ما عارضته قيادة الكومنترن.

وكان طموح الشيوعيين في فلسطين إلى نسج علاقات وثيقة مع مصر قد برز منذ مطلع العشرينيات، إذ سعوا إلى إقامة اتصالات وثيقة مع النواة الشيوعية الأولى في هذا البلد ودعوها إلى مساعدتهم في مجال ترجمة الأدبيات السياسية  إلى اللغة العربية، وإلى إيفاد كوادر شيوعية مصرية  عربية للعمل في فلسطين لمساعدتهم. وعندما تعرض الحزب الشيوعي المصري لحملة قمعية شديدة على يد حكومة حزب "الوفد"، في ربيع 1924، أسفرت عن اعتقال معظم أعضاء لجنته المركزية، لعب الحزب الشيوعي الفلسطيني دوراً رئيسياً في إطار حملة التضامن الدولية مع الشيوعيين المصريين، كما ساهم في تأمين الاتصالات بين الحزب الشيوعي المصري وقيادة الكومنترن في موسكو.

وصارت قيادة الحزب في فلسطين تزود الشيوعيين المصريين بالأدبيات الشيوعية، وترسل لهم نسخاً من مجلة "حيفا" العربية. وفي صيف 1927، وجهت سكرتارية القسم الشرقي للكومنترن رسالة إلى قيادة الحزب الشيوعي الفلسطيني، تطلب فيها منها المساهمة في مساعدة الحزب الشيوعي المصري على استنهاض قواه من جديد، وذلك عبر "إيفاد رفيق متمكن إلى مصر للتعرف إلى الوضع وتجميع قوى الحزب المفكك".

ومن ناحية أخرى، سعت قيادة الحزب الشيوعي الفلسطيني ، بعد أشهر على اعتراف الكومنترن بها، إلى مد نشاطها إلى سورية ولبنان، إذ أوفدت، في تشرين الأول 1924، عضو قيادتها  جوزيف بيرغر إلى بيروت بهدف إقامة الروابط مع عدد من العمال والمثقفين، الذين كانوا قد أبدوا تعاطفهم مع الثورة البلشفية ومع الأفكار الشيوعية، ومن أبرزهم الصحافي "يوسف يزبك"، وسكرتير نقابة عمال التبغ في لبنان "فؤاد الشمالي". وفي الاجتماع الذي عقد مساء الجمعة في 24 تشرين الأول في ضاحية الحدث ببيروت، بحضور بيرغر ويزبك والشمالي وعدد آخر من العمال والمثقفين اللبنانيين، تمّ الاتفاق على تأسيس "حزب الشعب" ليكون الواجهة العلنية للحزب الشيوعي السوري. بيد أن الحزب الشيوعي في سورية ولبنان لم يتشكّل حقيقة إلا في حزيران 1925، وذلك بعد توحد المجموعة الشيوعية العربية مع مجموعة شيوعية أرمنية، كانت تطلق على نفسها اسم "شبيبة سبارتاكوس" ويتزعمها أرتين مادويان، في حزيران 1925. وقد لعب موفد قيادة الحزب الشيوعي الفلسطيني إلياهو تيبر، أو شامي، الذي وصل إلى بيروت في أيار من العام نفسه، دوراً رئيسياً في توحيد هاتين المجموعتين.  ويتبيّن من التقرير الذي قدمه في موسكو الأمين العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي الفلسطيني إلى قيادة الكومنترن، في آب 1928، أن حزبه مدّ نشاطه ليشمل شرق الأردن، إذ أشار التقرير إلى أن الحزب الشيوعي الفلسطيني نجح  "في تشكيل فرقة حزبية في شرق الأردن"، وفي "إقامة صلات مع نشطاء الحركة القومية الثورية الذين قادوا حملة الاحتجاج على إبرام الاتفاقية بين الأمير [عبد الله] وبريطانيا".

وبعد اندلاع الثورة السورية في تموز 1925، ضد الاحتلال الفرنسي، أعارت قيادة الحزب الشيوعي الفلسطيني اهتماماً كبيراً لهذه الثورة، التي ترافقت مع ثورة الريف في المغرب. وكان الحزب منسجماً، في موقفه هذا، مع توجهات قيادة الكومنترن، التي طالبت لجنته المركزية، في حزيران 1926، بأن تستغل الثورة السورية كي تنقل مركز نشاط الحزب "إلى وسط الجماهير الكادحة العربية"، وأن تتخذ "في ضوء القمع المتعاظم الذي تمارسه الامبريالية الفرنسية ضد رجال الانتفاضة في سورية، وفي ضوء محدودية الحركة السورية على الصعيد المحلي"، الاجراءات المناسبة "بهدف تعزيز مساعدتها لرجال الانتفاضة السوريين، بما يسمح لهم بحماية كوادرهم، والحفاظ على أسلحتهم والعناية بجرحاهم". ويستدل من بعض التقارير أن الشيوعيين في فلسطين ساهموا مباشرة في نضالات الثوار السوريين، إذ أشار التقرير الذي قدمه الأمين العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي الفلسطيني، أمام هيئة رئاسة الاجتماع الموسع السابع للجنة التنفيذية للكومنترن، إلى أن حزبه، وبالاستناد إلى إمكانياته الذاتية، حافظ على علاقاته مع الثوار، ونقل لهم  "كميات قليلة من المتفجرات والقنابل، الأمر الذي جعل أصدقاءنا القوميين يشعرون بأننا نمتلك، في الحزب الشيوعي الفلسطيني والحزب الشيوعي السوري، رغبة صادقة في مساعدة الثوار ودعمهم".

وفي نهاية سنة 1932، جرى التأكيد، في إطار تطبيق خطة "التعريب"، على الترابط بين البعدين الوطني والقومي في الوثيقة التي صدرت عن اجتماع ممثلين عن الحزبين الشيوعيين الفلسطيني والسوري،  خُصص  لتحديد دور الشيوعيين في البلدان العربية  ومهماتهم في إطار الحركة القومية العربية. إذ أكدت تلك الوثيقة على أن من واجب الشيوعيين "خوض النضال من أجل استقلالهم الوطني ووحدتهم القومية ليس فقط ضمن الحدود الضيقة والمصطنعة التي خلقتها الامبريالية ومصالح الأسر المالكة في كل بلد عربي، بل أيضاً على النطاق العربي من أجل الوحدة القومية للشرق كله"، ودعت الوثيقة، في هذا السياق، إلى "إقامة اتصال أكثر انتظاماً وأكثر ثباتاً من أجل تبادل التجربة وتنسيق العمل، في البداية بين الأحزاب الشيوعية في مصر وسوريا وفلسطين وشيوعيي العراق، دون أن يغيب عن النظر كسب شيوعيي طرابلس وتونس ومراكش والجزائر إلى هذا التعاون فيما بعد".

وبعد نكبة 1948، برزت إشكالية العلاقة بين "الوطني الفلسطيني" و"والقومي العربي"، بصورة جلية، وخصوصاً بعد أن طغى البعد القومي العربي للقضية الفلسطينية على بعدها الوطني، وانضوى معظم النشطاء الفلسطينيين في الأطر القومية العربية ما فوق الوطنية  خلف  شعار: "الوحدة العربية الطريق إلى تحرير فلسطين"، وذلك إلى أن  تشكّلت حركة "فتح" في سنة 1959، التي ساد بعد سنوات من تأسيسها  منطقها الوطني القائم على شعار "تحرير فلسطين الطريق إلى الوحدة العربية. وببروز حركة المقاومة الفلسطينية على مسرح الأحداث، بعد هزيمة حزيران 1967، واجهت هذه الحركة  بحدة إشكالية العلاقة بين "الوطني" و"القومي" في النضال الفلسطيني، وما تفرع عنها من تحديات تتعلق باستقلالية هذه الحركة وبطبيعة علاقاتها مع قوى التحرر العربي الأخرى، ومع الأنظمة العربية.

لقد ظل الشيوعيون الفلسطينيون، في خمسينيات القرن العشرين، متمسكين بحقوق الشعب الفلسطيني الوطنية، وخاضوا معارك عديدة ضد مشاريع توطين اللاجئين الفلسطينين، لكنهم بقوا مقتنعين ان مستقبل حل القضية الفلسطينية سيتقرر في ضوء نتيجة النضال العربي العام من أجل استكمال الاستقلال السياسي وإحباط   مشاريع الأحلاف العسكرية الأجنبية وإشاعة الحريات الديمقراطية.

وبعد عدوان حزيران 1967 وصعود حركة المقاومة الفلسطينية المسلحة، راهن الشيوعيون الفلسطينيون، في البدء، على "توحيد وتنسيق جهود الدول العربية وإمكاناتها"، وعلى "تعزيز التضامن العربي على كافة المستويات الشعبية والرسمية" في العمل على تصفية آثار عدوان حزيران، الذي كان يستهدف في تصوّرهم، في المقام الأول، قلب النظامين السياسيين في مصر وسورية، اللذين صُنّفا "تقدميين" لكونهما اتخذا إجراءات التأميم والإصلاح الزراعي وتحالفا مع الاتحاد السوفيتي.

ولم يطرأ تحوّل نوعي على موقف الشيوعيين الفلسطينيين  من حركة المقاومة الفلسطينية المسلحة - التي شاركوا في نضالاتها منذ أواخر 1967 وخصوصاً في قطاع غزة- سوى بعد معركة الكرامة في آذار 1968، التي كانت منعطفاً على طريق تحوّل هذه الحركة إلى حركة جماهيرية صارت تستقطب عشرات الآلاف من المقاتلين وتلقى دعماً شعبياً فلسطينياً وعربياً واسعاً. ومنذ ذلك التاريخ، صار الشيوعيون يشيدون بدور هذه الحركة، ويدعونها  إلى  أن تنظر  إلى نفسها ليس بصفتها طليعة للأحزاب والقوى الوطنية العربية أو بديلاً عنها، وإنما بصفتها جزءاً من حركة تحرر عربية واسعة. 

فخلافاً لاتجاهين برزا في صفوف حركة المقاومة الفلسطينية: الأول بالغ في إبراز استقلالية هذه الحركة، والثاني أنكر هذه الاستقلالية  تحت غطاء "قومية" القضية والمعركة، عارض الشيوعيون الفلسطينيون الشعار القائل إن قضية فلسطين "لا يحلها إلا الفلسطينيون وحدهم"، ووقفوا، في المقابل، ضد "الذين ينكرون كلياً دور الشعب الفلسطيني في حل قضيته الوطنية، ويصوّرون القضية على انها قضية صراع بين الدول العربية وإسرائيل". وعلى هذا الأساس، أكدوا  حق حركة المقاومة، ممثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية، في الحفاظ على استقلاليتها بعيداً عن وصاية الأنظمة العربية، والحؤول دون تدخل هذه الأنظمة في شؤونها الداخلية، على أن تبقى هذه الاستقلالية مقيدة بالمصالح المشتركة لحركة التحرر العربية بمجموعها، مثلما ينبغي أن تكون عليه استقلالية كل فصيل من فصائل هذه الحركة، وعلى أن يكون هناك، في إطار المعركة الواحدة ضد العدو المشترك، أعلى مستوى من التنسيق بين منظمة التحرير الفلسطينية من جهة، والقوى الوطنية العربية من جهة ثانية. 

وإذا كان الشيوعيون الفلسطينيون قد دعوا، في الفترة التي أعقبت عدوان حزيران 1967، إلى الحفاظ على التضامن بين الدول العربية "بغض النظر عن اختلاف أنظمتها الاجتماعية"، فإنهم راحوا، منذ النصف الثاني من السبعينيات،  وفي ضوء التحولات التي شهدها العالم العربي، يشدّدون على المضمون الاجتماعي للتضامن العربي مع النضال الفلسطيني، الذي صار "يختلف من بلد لآخر، ومن قوة لأخرى، حسب الاتجاهات السياسية والمنطلقات الطبقية التي تتحكم في كل بلد وكل قوة"، بحيث باتت القوى ذات المصلحة في مواصلة المعركة صد الإمبريالية وتحقيق التقدم الاجتماعي"هي ذات القوى الأكثر كفاءة وفعالية في التضامن النضالي مع الشعب العربي الفلسطيني". وفي هذا السياق، دُعيت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية إلى تشديد اليقظة "إزاء نشاطات وسياسات الدول الرجعية واليمينية، التي تستغل مساعداتها المالية لمنظمة التحرير لممارسة ضغوط عليها ودفعها إلى شباك المساومة مع الإمبريالية الأميركية وإضعاف علاقاتها مع القوى التقدمية العربية والعالمية والنيل من الوحدة الوطنية الفلسطينية".

وهي دعوة طرحت قبل سنوات طويلة، لكنها تحظى اليوم، في ضوء ما يدور حولنا من أحداث، بمصداقية أكثر من أي وقت مضى.

المصادر:
الأطرش، محمود، طريق الكفاح في فلسطين والمشرق العربي، مذكرات، إعداد وتحرير ماهر الشريف ، بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2015.

الشريف، ماهر، الأممية الشيوعية وفلسطين 1919-1928، بيروت، دار ابن خلدون، 1981.

الشريف، ماهر، الشيوعية والمسألة القومية العربية في فلسطين 1919-1948 ، بيروت، مركز الأبحاث-منظمة التحرير الفلسطينية، 1981.

الشريف، ماهر، فلسطين في الأرشيف السري للكومنترن، دمشق، دار المدى، 2004.

الشريف، ماهر، في الفكر الشيوعي الفلسطيني: الشيوعيون وقضايا النضال الوطني الراهن، دمشق، مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي، 1988.

مقالات نعيم الاشهب، وخصوصاَ في مجلة "صوت الوطن" (1989-.1993