2018-02-06

الذّاكرة الفلسطينيّة الوطنيّة

رشدي الماضي

الوطن في أزمنتهِ المُتغيّرة، يُعْتبر مبتدأ الذّاكرة مرجعها الأوّل، وهذا ما يجعل الذّاكرة لزوما، جماعيّة، حتّى وإن كوّنتها أقلام معدودة، مختلفة الالتزام والحساسيّة...

وذاكرة كهذه، تخلّقت في الصّراع أو شهدت عليه، تكون تاريخيّة، وإن اهتزّ معنى التّاريخ لدى مَنْ انتسب إليها...
لذلك نقول: لعلّ تاريخيّة الذاكرة، وعمرها قرن من الزّمن تقريبا، هو ما يجعلها محاصرة وطليقة في أن، محاصرة وقد حَدَّد الغزو موضعها، وطليقة وهي تقاوم هذا الحصار وتستلهم المستقبل الآتي...

وهذا ما يجعلها أيضًا في الحالتين، تكون ذاكرةً مُشخَّصة، تقتفي آثار الصراع المتغيّر في العقود المُتغيّرة، بعيدا عن أطياف الماضي وسِحْرهِ، وكما لو كان عُمر الذاكرة الفلسطينيّة هو عُمر الاعتداء المُتجدّد على فلسطين في الذاكرة، وتوحي بما فارق الحاضر وارتحل، مكان لأسماء مختلفة المصائر، أتى النّسيان على بعضها أو يكاد، واستعصى بعض آخر على النّسيان وتمرّد عليه...

ومع أنّ الأسماء لا تتساوى، فبعض النّاس أكثر عدلا من بعض آخر، فإنّ الأسماء التي ارتضت بالذّاكرة الوطنيّة، أو ارتضت الذّاكرة بها تُشكّل كلّا واحدا، أصابت في الكتابة أو جانبها الصواب، بل إنّها لا تُشكّل كُلّا إلّا بفضل الفروق القائمة بينها، والتي تُحوّل القلم الفلسطيني الى أقلام فلسطينيّة، ذلك أنّ الواحد المتجانس السَّعيد في تجانُسِهِ، لا وجود له...

وعليه، تبدو الذاكرة لدى القلم الفلسطيني، الذي ينتظر ما لا يأتي، رحما دافئة وجليلة، لا نقص فيها ولا خَلل، كما لو كانت بيتا قديما من بيوت القُرى، التي كانت، والتي تضيف إليها ذاكرة اللاجئ ما شاءَت من ألوان، بَيْدَ أنّ للأسْماء الثقافيّة، وهي تختلف عن القُرى الدارسة، مصيرا مختلفا بفضل "الكتابة المخطوطة" من حيث هي معرفة بالوطن وبَمَنْ كتب عًنْهُ...

ورغم ما مرّت الذاكرة الوطنيّة الفلسطينيّة من جُمْلَة القِراءات الخاطئة والصَّائبة التي أنجزها المُثقّفون الفلسطينيون، ومجموع الجهود الفكريّة التي حاولت الصَّواب وأخطأت أو اقتربت من الخطأ ولم تستقرّ فيه... فإنّ هذا لا يُهوّن من شأن الذّاكرة، ولا يخفض من قيمتها، ذلك أنّها كانت، ولا تزال، موروثا وطنيّا وضرورة وطنيّة...
صباح الخير للنّاقد الرّائي والأديب والمُفكّر ذي بصر وبصيرة زرقاء اليمامة فيصل درّاج الذي تعامل بوعي ثاقب مع إشكال الذاكرة الفِكْري، في تحليل نجح من خلالهِ أن يحتقب الوهم والحقيقة، وما زال يلازم الفكر الفلسطيني حتّى اليوم...