2018-02-05

أمينة قاسم الشهابي: الدخول إلى حيّز الذاكرة

د. فيحاء عبد الهادي

من العلمانية/ صفد، إلى بنت جبيل إلى صور إلى بعلبك إلى سعدنايل إلى عين الحلوة؛ هجِّرت الحاجة أمينة قاسم الشهابي، وبقيت تنتظر العودة إلى قريتها/ بلدها، دون كلل أو ملل، حتى رحيلها عن 120 عاماً، يوم 17 كانون الثاني 2018.

"شو بدي أحكيلك؟! بفلسطين  كنا مكيّفين، الفلسطيني عنده أرض وعنده بقر وعِنده غنم، عايش بِرزقو وحصيدتنا واولادنا كلها بفلسطين، هونا اشتغل أكل ما اشتغل ما أكل، ما في شي هون، شو بِدّنا نسوّي؟! كُنا بِفلسطين رَبّينا اولادنا وعشنا بسعادة، إن قلتِ فلسطين قَلبي هيك يفتّح".

وإذا كانت فلسطين في ذاكرة"أم صبحي" تساوي جنة الله على الأرض؛ ما الذي دفعها وعائلتها إلى الرحيل؟ 
عبر روايتها تتبيَّن مؤامرة التهجير القسري بأجلى صورها: القتل والترويع والترهيب:

 "أه والله يا مختار قال: بدهم يطلعوكم إنتم عربين وفلسطينية، وهم بدّهم يقعدوا مطرحكم، قلنا: ما بِيصير يقعدوا مطرحنا! إحنا في حرب بينا، قلوا: لأ ما في حرب، قلّهم: بييجوا بالليل وبيجيبوا الدبابة ويحطّوها جنب الدار وتقلب الدبابة علينا، ويكونوا الزلام بعدها بتسهر، شي عشرين زلمي، بتيجي الدبابة تضوّي وتعتّم، تحطّ لغم جنب البيت ويقلب علينا، وبعدين قالوا لنا: هادول هاغانا، هِدهم قتل، وإحنا اذا إجينا عليكم بدهم يقوّصونا معاكم، العربين هادول لازم يروحوا مِن هون، وهادا اللي هَجّجّنا، والله بيت "فايز أحمد طيب" بيِيِجي عِشرين شاب قاعدين بالليل يسهروا ويلعبوا الورق، الدبابة حَطّت اللُغم وراحت، هجم هجمة وحدة على الزّلام، هاي إللي طّلعتنا من فلسطين. هجّمت عليهم الدبابة وقتلتهم قتلة وحدة، وصارت العالم تَهرب، شو بدهم يضلّوا للموت؟".

كما تتبيَّن عذابات التهجير المتتالية، ونتعرّف على أسماء بعض الشهيدات والشهداء؛ ممّن لم توثَّق أسماؤهم:
"
تهجّرنا، اليهود إللي يلاقوه بالجبل وبالطريق يقتلوه، قوّصوا المرا وقوصوا الخيل. المرا اسمها "عليا"، ماخدة جاج على عيترون. "عليا" من الاكراد وماخدها "عوض الديب" وإبنها إسمه "عطية". قوّصوها وهي طالعة على الجبل من فلسطين. عَمي "أبو فوزي" و"علي" وهذا "صبحي"، كان جاي بدّو يشوفنا، ويا حرام! لمّا صار القواص طلّع هيك لقى "عليا" سَاقطَة  تلعبط، نام عليها، راحت اليهود قام "صبحي" لقى حاله بالدم.

*****
كيف تدبَّرت الحاجة "أمينة الشهابي" وضعها مع خمس أولاد؟ حين وصلت عيترون؟ تختصر وضعها حين وصلت أولى محطاتها: "عذاب بعذاب":

"طلعنا على عيترون/ بنت جبيل، وقَعّدونا اللي كنّا سكنين عندهم تحت الشجر، وراحت العالم على الزّتون، كل واحَد قَعد هُوّي ومرته واولاده تحت الزيتون ياكلوا ويشربوا، يجيبوا لنا الفدائية أكل، راح "صبحي" عندهم، يناولهم غرض إشي ويجييب لنا المغرب أكل، وإحنا تحت الزتون وأنا مخلّفة جديد، بعدني يومين ثلاثة، وبعدين سِمعَت بينا الحكومة وإنه هيك هيك الفلسطينية، الفلسطينية إللي بِعيترون كحشوهم اليهود قاَلوا لهُم: إطلعوهم وين ما يروحوا يروحوا، وصارت البوسطات تِيجِي تاخدنا على لبنان، جابونا نقلات، ونّام على الدروب، جابوا لنا حرامات وأكل بالعربِيات، وضلّينا لحتّى أعطونا شوادر، ومَضّيناها عَذاب بعذاب".

ولكن كيف تدبّرت "أم صبحي" مع "أبو صبحي" وضعهم الاقتصادي الجديد الصعب، بعد أيام الخير والعز؟  
"
أعطونا الوكالة مصاري، وعمّرنا مثل هاي البيوت، ما تأخّروا علينا، إحنا هون بِجينتنا، اللبنانية حنّت علينا، وإللي معاوز شغل وقَادر يِروح يشتغل عندهم بالبساتين بدّه يعيّش اولاده، شو بدها تسوي الإعاشة؟! راح "أبوصبحي" ليشتغل لانه  كان حَاطِط شّغيلة وإيديه طَريّة، أنا جوزي علّموه بالقدس وبيعرف إنكليزي وعربي وفرنساوي وكل شي، لو حدا هينا حطوه أستاذ! شو بده يسّوي؟! راح".

*****
عبر روايتها الشفوية، التي وثقها مركز "الرواة للدراسات والأبحاث"، ضمن مشروع توثيق روايات التهجير الفلسطيني عام 1948؛ تتبدّى شجاعة الإنسان العادي في مواجهة ظروف قهره.

تروي "أمينة الشهابي" الدوافع التي جعلتها ترحل قسراً عن الوطن، وأهمها الإشاعات الصهيوينة التي كانت تضخِّم أحداث القتل والاغتصاب والترويع، من أجل تهجير الفلسطينيين:

أنا عَفريت ما بدي أطلع من فلسطين، أقلّوا: بدي أخلّف هون، بدي أخلّف في بيتي، وين بدي أدشّر بيتي؟!

دور ومسعدة، أخد اولاده وبدّو يروح على عيترون ويدشّرني، صاروا يبكوا اولادي "غازي" و"صبحي" ودبكوا عليه وقالوا: إحنا ما نروح بلا إمّنا، شفت اولادي هيك حَنّيت عليهم ورحت معهم، رَدّيِت، واللاّ أنا بدي أخلّف في بيتي، شُو هادول اليهود؟! بدها تطلّعني، وصاروا يورّوني الجرايد، وإنو شوفي كيف عاملين".

وتفرِّق الحاجة "أمينة" بين جيرانها اليهود وبين العصابات الصهيوينة، حيث كانت وعائلتها على علاقة وفاق مع جيرانها، حتى أنها عملت مع عائلة يهودية كمربية لطفلهم:  

"هاغانا بيقولوا لهم، إلاّ هادول يهود وإلّلي حَدّنا عرب، يوخدوا أغراض من عنا، يعني إذا عازوا طرش غنم بقر ييجوا يشتروا من عنا، صارت تبكي "سمر" عليّ هيّ وزوجها، زوجها إسمه "مفتولة" أه والله تقولي شايفتها مبارح "مفتولة" و"سمر" هادول يهود، هادول بقوا من يهود بلادنا، جيران لا حكونا ولا نحكيهم، ياكلوا من عنا وناكل من عندهم، عندهم دكاكين نروح نشتري، البيض إللي عنا ييجوا يشتروه، بيض الجاج يجيبوا المكنة هاي مسوّي صحارتين بيض، إحنا عنا جاج بلدي، والله إللي صار علينا إحنا ما طلّعْنا بطيبنا شُفنا قُدّامَنا مدد قتلى، يبعَجوها الحبلى ويقتلوها، إحنا طلعنا ودشّرنا فلسطين إلاّ غصّب عنا؟! آه والله". 

*****
في نهاية سردها المشوّق لروايتها؛ وبابتسامة واثقة تبرز الوشم المدقوق على وجهها الصبوح؛ ردَّدت الحاجة أمينة أبيات العتابا، التي تشي بتوقها إلى بلادها، هذه الأبيات الجميلة التي تعبّر عن الحلم بالحياة، وتمنيات أطفال فلسطين أن يعيشوا ليتنفسوا هواء الحرية في بلادهم:

"عتابا عَتَبتني وأنا صبي

وقطعت خوفي الثاني وأنا صبي

يا ربّ لا تموّتني وأنا صبي

بعد بخاطري شمّ الهوا

وبعد بخاطري فلسطين أشمّك يا هوا".

*****
حاجة "أمينة الشهابي"،

سوف يفتقدك أولادك وأحفادك، ومعارفك، وأحباؤك، وحارات عين الحلوة، ومزارع العلمانية، وبساتينها،

وكهوفها المنحوتة بالصخر والمعجونة بالأمل، وسوف يفتقدك هواء فلسطين