2018-02-04

الثورة من الشمال إلى الجنوب (3)

د. سمير أمين

ترجمة د. عماد الحطبه

هل فرصة بدء التغيير أكبر في أوروبا مما هي عليه في الولايات المتحدة؟ أعتقد ذلك. السبب الأول لهذا التفاؤل النسبي هو التاريخ الغني لدول أوروبا والذي يشير إليه تراكم إرث لا يصدق من المعرفة خلال العصور الوسطى. إن تأويلي لهذا التاريخ لا ينحو منحى المركزية الاوروبية المهيمنة التي سبق وأن رفَضْتُ أساطيرها. . تقوم النظرية المقابلة التي قمت بتطويرها على أن نفس التناقضات المميزة لمجتمع العصور الوسطى والتي تم تجاوزها بظهور الحداثة عادت لتحدث في مكان آخر من العالم.

لكنني أرفض وبشكل مساوٍ، تصميم بعض مثقفي العالم الثالث “المناهضين لأوروبا” الذين يريدون أن يقتنعوا بأن مجتمعاتهم كانت أكثر تقدما من مجتمعات أوروبا “المتخلفة” في القرون الوسطى، متجاهلين حقيقة أن أسطورة العصور الوسطى المتخلفة هي في حد ذاتها نتاج منظور الحداثة الأوروبية في وقت لاحق. على أي حال، بعد أن أصبحت أوروبا أول من عبر عتبة الحداثة، فإنها اكتسبت منذ ذلك الحين مزايا أعتقد أنه سيكون من العبث إنكارها. وبطبيعة الحال، فإن أوروبا متنوعة، على الرغم من محاولة خلق تجانس ما، تحت يافطة “الخطاب الأوروبي”. بالتأكيد كانت كل من إنكلترا وفرنسا رائدتي الحداثة. لكن هذا التأكيد الحاسم لا يعني أن الحداثة لم تمتلك جذورا سابقة، خاصة في المدن الإيطالية ولاحقا في هولندا.

لقد مرت إنجلترا بفترة مضطربة جدا من تاريخها خلال ولادة علاقات رأسمالية جديدة (أو للدقة، الميركانتلية). لقد تحولت من “انجلترا السعيدة” خلال العصور الوسطى إلى انكلترا الكئيبة المتزمتة، فأعدمت ملكها، وأعلنت الجمهورية في القرن السابع عشر. ثم عاد كل شيء إلى الهدوء، وتم اختراع الديمقراطية الحديثة، وإن كانت حملت بعض القيود. شهد القرنان الثامن والتاسع عشر تراكما غير محدود لرأس المال خلال الثورة الصناعية دون اضطرابات مهمة. ومن المؤكد أن هذا لم يحدث دون صراع طبقي، وبلغ ذروته بالحركة الميثاقية في منتصف القرن التاسع عشر. ولكن هذه الصراعات لم تكن مسيسة لدرجة تحميل النظام برمته المسؤولية أو جعله موقع سؤال.

في المقابل، عبرت فرنسا نفس المراحل من خلال سلسلة متواصلة من الصراعات السياسية العنيفة. فالثورة الفرنسية هي التي وضعت الأسس السياسية والثقافية للحداثة الرأسمالية المتناقضة. لم تكن الطبقة العاملة الفرنسية قد تشكلت بصورة واضحة كما هو الحال في إنجلترا، التي كانت الوحيدة التي تضم بروليتاريا حقيقية في ذلك الوقت، ومع ذلك كانت نضالاتها أكثر تسييسا، ابتداء من عام 1793، ثم في 1848، 1871، وبعد ذلك بكثير في عام 1936. في المرة الأخيرة، كان النضال مرتكزا حول إهداف إشتراكية، بالمعنى الفعلي للكلمة. من المؤكد أننا نستطيع سوق العديد من التفسيرات لهذه المسارات المختلفة. لقد كان ماركس على دراية تامة بهذه المسارات، لذلك لم يكن من قبيل المصادفة أنه كرس معظم اهتمامه لتحليل هذه المجتمعين، مُقدما نقدا للاقتصاد الرأسمالي من خلال تجربة انكلترا ونقدا للسياسة الحديثة من خلال تجربة فرنسا.

ربما يفسر ماضي بريطانيا حاضرها؛ هذه السلبية وهذا الصبر الذي يبديه الشعب البريطاني تجاه التدهور الذي أصاب بلاده، لعلهما يجدان تفسيرهما في تحول الفخر الوطني البريطاني إلى الولايات المتحدة، التي لا ينظر إليها البريطانيون على أنها بلد أجنبي. فقد كانت الولايات المتحدة ومازالت الابن السخي. لذلك اختارت انجلترا، منذ عام 1945، الدخول في تحالف غير مشروط معه. لقد ساعدت الهيمنة العالمية الاستثنائية للغة الإنجليزية، الشعب الإنجليزي على التعايش مع هذا التراجع الى درجة أنه لا يشعر به. فاللغة الإنجليزية تسترجع مجدهم السابق بالوكالة وعن طريق الولايات المتحدة. لا تزال المملكة المتحدة قوة رئيسية في مستقبل أوروبا. على الرغم من أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يبشر بالانهيار الحتمي للبناء الأوروبي السخيف، إلا أن التيارات السياسية التي وقفت وراء هذا الانتصار في الاستفتاء لا تشكك في النظام الليبرالي الاجتماعي الرجعي أو الانحياز إلى الولايات المتحدة. علاوة على ماسبق، ما تزال “المدينة” في وضع قوي، وتشكل جزءا مهما من نظام الليبرالية المعولمة، وشريكا متميزا في وول ستريت، ولا يمكن لرأس المال المالي في القارة أن يستغني عن خدماتها. ومع ذلك، لم يصل التاريخ إلى نهايته في بريطانيا العظمى كما لم يفعل في أي مكان آخر من العالم. لكن شعوري هو أن هذا البلد سيكون قادرا على العودة إلى مسار التغيير بمجرد أن يقطع الحبل السري الذي يربطه بالولايات المتحدة. ولا يوجد اليوم أي دليل على أن هذا الانقطاع سيحدث في المدى المنظور.

ألمانيا
تلعب ألمانيا واليابان دور الملازمين (الجناحين) الموثوقين للولايات المتحدة، ويشكلان معا الثالوث الحقيقي، ال G3 – الولايات المتحدة، وألمانيا، واليابان، وليس أمريكا الشمالية وأوروبا واليابان.

لم يكن ممكنا لألمانيا أو إيطاليا أو روسيا النجاح في الوصول إلى الحداثة الرأسمالية لولا المسارات الرائدة التي اتخذتها كل من انكلترا وفرنسا. ليس المقصود أن شعوب هذه البلدان كانت، لسبب أو لآخر، غير قادرة على اختراع الحداثة الرأسمالية بمجهودها الخاص، أو أن هذه الإمكانية محصورة بالعبقرية الأنجلو- فرنسية. ما أقصده أن إمكانيات الوصول إلى اختراع مماثل لم تكن موجودة إلا في مناطق أخرى من العالم – الصين أو الهند أو اليابان مثلا. ولكن بمجرد دخول مجتمع ما إلى الحداثة الرأسمالية، فإن ذلك يؤدي إلى تشكيل مسار هذا المجتمع ، فيتجه إما إلى إنشاء مركز جديد أو محيط مهيمن.

يعتمد تفسيري لتاريخ ألمانيا على هذه الفكرة الأساسية. وعلى نفس الفكرة، التي أفسر من خلالها بروز القومية الألمانية، التي ظهرت مدفوعة بالطموحات البروسية، كتعويض عن رداءة برجوازيتها، التي استنكرها ماركس. كانت النتيجة ظهور شكل استبدادي في إدارة الرأسمالية الجديدة. ومع ذلك، وعلى الرغم من لهجتها العرقية، فإن هذه القومية (على النقيض من الأيديولوجيات العالمية التي وجدت في إنجلترا، وقبلها في فرنسا، ولاحقا في روسيا) لم تنجح في توحيد جميع الألمان (وبالتالي حل المشكلة التي نشأت عن ضم النمسا إلى ألمانيا النازية ، وهي المشكلة التي لم تحل حتى اليوم). أصبحت هذه الفكرة القومية، لاحقا، عاملا لتبرير التجاوزات الإجرامية للنازية. ولكنها كانت، أيضا، بعد الكارثة، حافزا قويا لبناء ما سماه البعض “رأسمالية الراين” ، بدعم من الولايات المتحدة. إختار هذا الشكل الرأسمالي عمدا إضفاء طابع ديمقراطي على نسخة من النموذج الأنجلو- فرنسي- أمريكي. ولكن دون جذور تاريخية إجتماعية عميقة، حتى لو أخذنا بعين الاعتبار الوجود القصير لجمهورية فايمار (الفترة الديمقراطية الوحيدة من التاريخ الألماني) والغموض، وهو أقل وصف ممكن، الذي يحيط بالتجربة الاشتراكية في ألمانيا الشرقية. “رأسمالية الراين” ليست “رأسمالية جيدة” بمعنى أنها تناقض النموذج الليبرالي المتطرف الأنجلو أمريكي أو مفهوم الدولة “اليعقوبي” في فرنسا. بالتأكيد هنالك اختلاف، لكن الجميع مصابون بنفس المرض، ونقصد مرض الرأسمالية التي وصلت إلى مرحلة تسود فيها نتائجها المدمرة. وعلاوة على ما سبق، أشرقت الشمس الآن على رأسمالية “الراين” و “الدولة” وظهر أن الرأسمالية العالمية الأنجلو أمريكية فرضت نموذجها على كل من أوروبا واليابان.

يبدو أن موقع ألمانيا واليابان في نظام العولمة، مريح على المدى القصير رغم أنه يقع تحت الهيمنة الأمريكية. إن استئناف التوسع باتجاه دول اوروبا الشرقية على طريقة “أمريكا اللاتينية” يمكن أن يرسخ الوهم القائل بأن خيار برلين، خيار دائم. يبدو هذا الخيار راض بشكل كاف عن الديمقراطية الاجتماعية والاقتصادية المنخفضة الكثافة، يعززه دعم الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو. لذلك إذا استمرت الطبقات السياسية في الحزب الديمقراطي المسيحي واليمين الليبرالي و الحزب الديمقراطي الاشتراكي في سعيها العنيد لتحقيق هذه الغاية الميتة، يجب ألا نستبعد ظهور جناح أكثر يمينية، بل حتى أشكال من الفاشية، والشعبوية، على الرغم من أن هذا لا يعني بالضرورة إعادة إنتاج استخدام النازية. توضح النجاحات الانتخابية للجبهة الوطنية في فرنسا واقع الخطر الداهم في أوروبا.

على المدى الطويل، فإن الصعوبات التي تواجهها ألمانيا ستزداد سوءا وقد لا تتحسن. تستند الأصول والموارد الاقتصادية الحالية في ألمانيا إلى أساليب الإنتاج الصناعي القياسية (الميكانيكية والكيميائية) التي يتم تحديثها من خلال استخدام البرامج الحاسوبية التي يتم انتاجها في أماكن أخرى. ولكن كما هو الحال في بلدان أخرى، هناك دائما إمكانية أن يصل الشعب الألماني إلى الوعي بضرورة الشروع في تغيير حقيقي يبعده عن المسار المألوف الذي أخذه بعد الهزيمة. أعتقد أن مبادرة فرنسا (التي من شأنها أن تحمل ألمانيا جنبا إلى جنب معها) وروسيا إلى اتخاذ هذا المسار، سيجعل حصول أوروبا على مستقبل اخر أمرا ممكنا. كما يمكن أن يؤدي هذا الخيار إلى استئناف التحركات الإيجابية نحو التغيير في منطقة البحر الأبيض المتوسط وأوروبا الشمالية وهي التحركات التي فشلت حتى الآن.