2018-01-30

في اليوم العالمي للتضامن مع الأقلية العربية الفلسطينية في إسرائيل

كيف تصورت منظمة التحرير الفلسطينية موقع الفلسطينيين في إسرائيل ودورهم النضالي؟

د. ماهر الشريف

* تهدف هذه الدراسة إلى إلقاء الضوء على تصوّر منظمة التحرير الفلسطينية موقع الفلسطينيين في إسرائيل ودورهم في إطار المشروع الوطني الفلسطيني، واستكشاف ما إذا كان قد طرأ تطور على هذا التصوّر في ضوء التحولات التي مرت بها منظمة التحرير الفلسطينية عبر مسيرتها الممتدة على مدى خمسة عقود، والتغيرات التي دخلت على برنامجها السياسي.

أما الافتراض، المركّب، الذي أنطلق منه  فيمكن تحديده على النحو التالي:

لقد تجاهلت منظمة التحرير الفلسطينية، طوال سنوات بعد قيامها، دور الفلسطينيين في إسرائيل، ولم تكتشف الطاقات النضالية التي يختزنونها إلا بعد فوز العناصر الوطنية، وعلى رأسها القائد الشيوعي  توفيق زياد، بانتخابات بلدية الناصرة في التاسع من كانون الأول (ديسمبر) 1975، وبدرجة أكبر بعد أحداث "يوم الأرض" الدامية، في الثلاثين من آذار (مارس) 1976. ويبدو أن موقفين رئيسيين اثنين قد برزا، في صفوف منظمة التحرير الفلسطينية، حول موقع الفلسطينيين في إسرائيل ودورهم في إطار النضال التحرري الفلسطيني العام: موقف يراعي خصوصية موقعهم ويميّز نضالاتهم عن نضالات بقية مكونات الشعب الفلسطيني، من جهة، وموقف آخر لا يراعي هذه الخصوصية ولا يأخذ بعين الاعتبار هذا التميّز، من جهة ثانية.

وعقب العدوان الإسرائيلي على لبنان وخروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت في سنة 1982، حسمت الأمور لصالح الموقف الأول، وصارت منظمة التحرير الفلسطينية، وخصوصاً  بعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية في كانون الأول (ديسمبر) 1987 وتحديد حدود الدولة الفلسطينية المستقلة  ومن ثم التوصل إلى "اتفاق أوسلو"، ترى أن نضالات الفلسطينيين في إسرائيل من أجل المساواة، ومن أجل تعزيز مواقع القوى اليهودية المؤيدة لـ "السلام العادل" مع الفلسطينيين، يمكن أن تشكل سنداً وداعماً لها في نضالها من أجل إقامة الدولة المستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، الأمر الذي دفع قطاعات واسعة من هؤلاء الفلسطينيين إلى التركيز، أكثر من أي وقت مضى، على النضال من أجل ضمان حقوقهم، السياسية والمدنية، بصفتهم أقلية قومية داخل  دولة إسرائيل.

أما بخصوص كيفية مشاركة  الفلسطينيين في إسرائيل، على الصعيد التنظيمي، في نضال الحركة الوطنية الفلسطينية، فقد شهد، بدوره، تطوراً نقله من الرهان على انخراط هؤلاء الفلسطينيين المباشر في فصائل منظمة التحرير الفلسطينية إلى الإقرار، على قاعدة التسليم بخصوصية أوضاعهم، بدور القوى السياسية الممثلة لهم داخل إسرائيل.

تجاهل موقع الفلسطينيين في إسرائيل ودورهم

تسببت النكبة سنة 1948 في تحوّل الفلسطينيين الذين بقوا في الأراضي التي قامت عليها دولة إسرائيل إلى أقلية في وطنهم، خاضعة لسياسات الاضطهاد والتمييز القوميين، ومنقطعة عن بقية مكونات الشعب الفلسطيني، في الضفة الغربية وقطاع غزة وفي بلدان الشتات.

ولم ينجم عن إحياء الحركة الوطنية الفلسطينية، في النصف الأول من ستينيات القرن العشرين، الحد  من عزلة هؤلاء الفلسطينيين عن بقية مكونات شعبهم، إذ ركّزت حركة "فتح"، عند انطلاقتها، على هدف "التحرير والعودة"، وتوجهت، في الأساس، نحو جمهور النازحين من "أبناء النكبة" الذين عانوا من "فقدان الوطن والكرامة". ولم يختلف الأمر مع المعبرين عن التيار القومي العربي، وخصوصاً "حركة القوميين العرب" و"حزب البعث"، الذين ركزوا، بدورهم، على  النازحين وتنظيمهم وإعدادهم لمعركة "الثأر" (1).

وتوجه "الميثاق القومي"، الذي تبنته الدورة الأولى للمجلس الوطني الفلسطيني، التي انعقدت في القدس في أيار (مايو) 1964، إلى  الفلسطينيين بصورة عامة، وعرّفهم،  في مادته السادسة، بأنهم "المواطنون العرب الذين كانوا يقيمون إقامة عادية في فلسطين حتى عام 1947، سواء من أُخرج منها أو بقي فيها، وكل من ولد لأب عربي فلسطيني بعد هذا التاريخ داخل فلسطين أو خارجها هو فلسطيني" (2). بيد أن رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، أحمد الشقيري، أشار إلى الفلسطينيين في إسرائيل، إشارة سريعة، في البيان الذي ألقاه في افتتاح أعمال تلك الدورة بقوله: "إن معنا في هذا المؤتمر إخواناً لنا –نحن نمثلهم لأنهم لا يستطيعون الوصول إلينا، إخواناً لنا يصابرون جهد الطاقة الإنسانية في سبيل حماية عروبتهم وصون لغتهم –أولئك هم إخواننا الفلسطينيون في المنطقة المحتلة؛ إنهم معنا ونحن معهم، إنهم الآن يحتضنون أجهزة الراديو ويستمعون إلينا بقلوبهم وجوارحهم، إليهم تحياتنا وإعجابنا، رجالاً ونساءً شباباً وأطفالاً، ونحن معهم على عهد وموعد وكل آت قريب" (3).

بعد قيام إسرائيل، في حزيران (يونيو) 1967، باحتلال ما بقي من مناطق فلسطينية خارج سيطرتها، انفتح أفق التواصل المباشر، ولأول مرة منذ سنة 1948، بين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين والفلسطينيين في إسرائيل، وهو ما ساهم في تعزيز شعور هؤلاء الأخيرين بالانتماء إلى الشعب الفلسطيني الواحد، ودفعهم إلى التأكيد، أكثر من السابق، على هويتهم القومية.

بيد أن منظمة التحرير الفلسطينية، التي شهدت هيمنة فصائل حركة المقاومة الفلسطينية المسلحة عليها، بقيت، في ضوء تركيزها على هدف "العودة والتحرير"، تتجاهل موقع الفلسطينيين في إسرائيل ودورهم، وتشير إلى "جماهير الأرض المحتلة" بصورة عامة.

فالقرارات السياسية، التي تبنتها الدورة الرابعة للمجلس الوطني الفلسطيني، التي انعقدت في القاهرة في تموز (يوليو) 1968، و"الميثاق الوطني" الذي أقرته، في ضوء التعديلات التي أدخلتها على "الميثاق القومي"، لم يتطرقا أبداُ إلى دور هؤلاء الفلسطينيين. كما غابت الإشارة إليهم في دورات المجلس الوطني الفلسطيني الأربع اللاحقة، التي انعقدت ما بين شباط (فبراير) 1969 وآب (أغسطس) 1970.

وبقي هذا التجاهل قائماً حتى بعد قيام منظمة التحرير الفلسطينية، خلال دورة المجلس الوطني الفلسطيني  الثامنة، التي انعقدت بالقاهرة في نهاية شباط (فبراير) ومطلع آذار (مارس) 1971، بتبني شعار "الدولة الفلسطينية الديمقراطية". فالبرنامج الذي تبنته تلك الدورة اعتبر أن دولة المستقبل في فلسطين، المحررة من الاستعمار الصهيوني، ستكون "الدولة الفلسطينية الديمقراطية التي يتمتع الراغبون في العيش بسلام فيها بنفس الحقوق والواجبات ضمن إطار مطامح الأمة العربية في التحرر القومي والوحدة الشاملة، مع التأكيد على وحدة الشعب في كلتا ضفتي الأردن..."، لكن دون أن يشير إلى دور الفلسطينيين داخل إسرائيل في النضال من أجل إقامة هذه الدولة الديمقراطية ولا إلى موقعهم فيها (4).

ولم تبرز إشارة مباشرة إلى هؤلاء الفلسطينيين سوى في مداولات الدورة العاشرة الاستثنائية للمجلس الوطني الفلسطيني، التي انعقدت في القاهرة في نيسان (أبريل) 1972. ففي البرنامج السياسي المقدم إلى المؤتمر الشعبي الفلسطيني، الذي انعقد بالتوازي مع انعقاد تلك الدورة ، دعت منظمة التحرير الفلسطينية إلى "تعزيز روابط الوحدة الوطنية بين جماهير مواطنينا في الأرض المحتلة عام 1948 وفي الضفة الغربية وقطاع غزة وفي خارج الوطن المحتل"، وإلى "العناية بأوضاع مواطنينا في الأرض المحتلة عام 1948 ودعم نضالهم من أجل الحفاظ على هويتهم الوطنية والعربية وتبني قضاياهم، ومساعدتهم على الالتحام بالنضال التحرري"، لكن من دون تحديد طبيعة هذا "الالتحام" ولا شكله (5).

وعادت الدورة الحادية عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني، التي انعقدت في القاهرة في كانون الثاني (يناير) 1973، لتؤكد في البرنامج السياسي الذي أقرته على ما ورد في مقررات الدورة العاشرة بخصوص دعم الفلسطينيين في إسرائيل، معتبرة، في توصيات اللجنة المالية التي انبثقت عنها، "أن ساحة الصدام الرئيسية والمباشرة مع أحد أطراف معسكر الأعداء هي ساحة الأرض المحتلة منذ 1948 وبعد 1967"،  وبالتالي "لا بد وأن يكون لهما الأولوية في توزيع الموارد المالية..." (6).

اكتشاف الطاقات النضالية التي يختزنها الفلسطينيون في إسرائيل

كان اهتمام منظمات المقاومة، المنضوية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، مركزاً، قبل حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973 وتبنيها "البرنامج المرحلي"، على تحرير فلسطين عن طريق الكفاح المسلح، باعتباره الشكل الرئيسي، وحتى الوحيد، للنضال الوطني. وفي هذا السياق، تصوّرت هذه المنظمات أن دور الفلسطينيين داخل إسرائيل يقتصر على المشاركة في هذا الكفاح المسلح، وقامت، على هذا الأساس، بتجنيد أعداد قليلة   منهم في صفوف مجموعاتها السرية المقاتلة. 

وإثر تبني "البرنامج المرحلي"، في الدورة الثانية عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني، التي انعقدت في القاهرة في حزيران (يونيو) 1974، وما أعقبه من انتصارات سياسية حققتها منظمة التحرير الفلسطينية، على طريق الاعتراف العربي والدولي بها بصفتها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، صارت قيادة منظمة التحرير  تعير اهتماماً أكبر للنضال السياسي، وخصوصاً في المناطق الفلسطينية التي احتلت سنة 1967، التي شهدت، في آب (أغسطس) 1973، توحد القوى الوطنية الفلسطينية الفاعلة فيها في إطار "الجبهة الوطنية الفلسطينية في الأرض المحتلة".

وبينما كان يتعمق إدراك منظمة التحرير الفلسطينية وقيادتها أهمية النضال السياسي في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين، حققت العناصر الوطنية الفلسطينية داخل إسرائيل، وعلى {أسها القائد الشيوعي توفيق زياد، فوزاً كبيراً في انتخابات رئاسة وعضوية المجلس البلدي لمدينة الناصرة يوم 9 كانون الأول (ديسمبر) 1975، وهو الفوز الذي جعل قيادة منظمة التحرير الفلسطينية تبدأ في اكتشاف الطاقات النضالية التي تختزنها الجماهير الفلسطينية في إسرائيل، والدور الذي يمكنها الاضطلاع به في النضال الوطني الفلسطيني العام.

وكما لاحظ عيسى الشعيبي، فلقد اتبعت منظمة التحرير الفلسطينية طوال السنوات، التي سبقت إقرار "البرنامج المرحلي"، سياسة "الابتعاد عن القضية السياسية للعرب في إسرائيل"، وبقي طرحها السياسي في هذا المجال يتلخص "في أن المصير السياسي لنصف مليون عربي في إسرائيل يتقرر بتحقيق الأهداف الأساسية للنضال، أي بتحقيق شعار الدولة الديمقراطية العلمانية". أما بعد الانتصار الكبير في انتخابات بلدية الناصرة، فقد راحت منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها تولي أهمية أكبر للعمل السياسي بين الفلسطينيين في إسرائيل باعتبارهم "جزءاً أساسياً" من الشعب الفلسطيني، معتبرة أن الدولة الديمقراطية الفلسطينية هي "هدف بعيد المدى لنضال الشعب الفلسطيني"، وأن "بقاء نصف مليون عربي وتكاثرهم في إسرائيل سوف يستمر لسنوات، الأمر الذي يرتب عند وضع تصور لسياسة فلسطينية تجاههم، أخذ هذه الحقيقة القاسية بعين الاعتبار"، ومراجعة سياسة المنظمة "على ضوء فهمها لشعار السلطة الوطنية القاضية بإقامة دولة مجاورة لنصف مليون عربي، تشدهم إليها هموم مشتركة وتطلعات مستقبلية واعدة" (7) .

وجاء "يوم الأرض"، في الثلاثين من آذار (مارس) 1976، ليعطي بعداً جديداً لنظرة منظمة التحرير الفلسطينية  إلى دور الفلسطينيين في إسرائيل وما يختزنونه من طاقات نضالية.

وكانت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير  الفلسطينية  قد وجهت بياناً في 29 آذار (مارس) 1976، أبرزت فيه –  بعد أن أشارت إلى أن "يوم الأرض" لن يكون يوماً للأرض فحسب، بل سيكون يوماً لفلسطين – الارتباط الوثيق بين نضال الفلسطينيين في المناطق الفلسطينية المحتلة منذ سنة 1967 ونضال الفلسطينيين في إسرائيل وعلاقتهما بالثورة الفلسطينية، معتبرة أن هذا الارتباط  يثبت "وحدة نضال الشعب الفلسطيني في أماكن تواجده كافة"، ويعبر عن ظاهرة " في غاية الأهمية " (8).

لقد تحوّل الفلسطينيون في إسرائيل، بعد أحداث "يوم الأرض"، إلى قوة سياسية واجتماعية يحسب حسابها. فبعد سنة على تلك الأحداث، انعقدت في القاهرة، في آذار (مارس) 1977، الدورة الثالثة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني، التي طورت شعار "السلطة الوطنية" بتبنيها هدف إقامة "الدولة الوطنية المستقلة"، واعتبرت، في توصيات لجنة شؤون الوطن المحتل المنبثقة عنها، أن قضية الدفاع عن الأرض "هي واجب وطني مقدس لا بد أن يحظى بالأولوية في اهتمامات منظمة التحرير الفلسطينية، وأن يجري تقديم أوسع الدعم لنضالات شعبنا المناهضة للممارسات الصهيونية العنصرية "، داعية اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير إلى "اعتبار يوم الأرض يوماً فلسطينياً للتضامن مع نضال شعبنا في الوطن المحتل"، و "يوماً عربياً تشارك فيه الجماهير العربية وتتضامن مع نضال شعبنا" (9). كما أكد المجلس الوطني الفلسطيني، في دورته تلك، في البند الرابع عشر من إعلانه السياسي، ولأول مرة، "أهمية العلاقة والتنسيق مع القوى اليهودية الديمقراطية والتقدمية في داخل الوطن المحتل وخارجه، التي تناضل ضد الصهيونية كعقيدة وممارسة" (10).

والواقع، أن مساعي منظمة التحرير الفلسطينية لإجراء اتصالات مباشرة فلسطينية-إسرائيلية كانت قد بدأت بعد تبني "البرنامح المرحلي" مباشرة، إذ جرت في أيلول (سبتمبر) 1974 محاولة فاشلة لعقد لقاء بين سعيد حمامي، ممثل حركة "فتح" في لندن، وأهارون ياريف وزير الإعلام الإسرائيلي الذي كان قد أدلى بتصريحات تؤيد فكرة الحوار المشروط مع منظمة التحرير الفلسطينية. وتواصلت هذه المساعي بعد ذلك، فشهد النصف الثاني من سنة 1976 عدداً من اللقاءات الفلسطينية-الإسرائيلية التي ترأسها عن الجانب الفلسطيني عصام السرطاوي، عضو المجلس الوطني الفلسطيني، وعن الجانب الإسرائيلي الجنرال المتقاعد ماتتياهو بيليد ممثل "مجلس سلام إسرائيل فلسطين". وقد أثارت كل هذه اللقاءات، التي لم تتبنّها حركة "فتح" رسمياً، جدلاً واسعاً في الساحة الفلسطينية، إذ عارضتها معظم فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، التي انتقدت مد الجسور مع "دوائر صهيونية هامشية" (11).

ومع أن المجلس الوطني الفلسطيني اشترط أن تقتصر اتصالات منظمة التحرير الفلسطينية على قوى يهودية ديمقراطية مناهضة للصهيونية، فإن الإجماع الفلسطيني لم يتحقق على الموقف من هذه القوى، إذ أعربت بعض فصائل منظمة التحرير الفلسطينية عن  معارضتها الفقرة الرابعة عشرة من الإعلان السياسي للمجلس الوطني الفلسطيني لأنها لا تشير صراحة إلى أن "العداء لإسرائيل كدولة هو الشرط الأول لتحديد العلاقة مع المنظمة"، وهو ما "يفتح الباب على مصراعيه أمام تحالف المنظمة مع العديد من القوى التي تقاتل للدفاع عن إسرائيل" (12).

بيد أن هذا الموقف المعارض لم يكن له تأثير على مواقف قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، التي تسلحت بمقررات الدورة الثالثة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني كي تعقد أول اجتماع رسمي علني بين وفد يمثل المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية ووفد يمثل الحزب الشيوعي الإسرائيلي، وذلك في مدينة براغ في مطلع أيار (مايو) 1977، صدر عنه بيان مشترك أشار إلى أن الجانبين "تبادلا وجهات النظر، في جو ودي، حول قضايا النضال المشترك"، وأكدا أن هذا اللقاء "سيكون فاتحة علاقات نامية بين الطرفين وكل القوى التقدمية والديمقراطية الأخرى"  (13).

ولم يكن انفتاح منظمة التحرير الفلسطينية على الفلسطينيين في إسرائيل وتقديرها نضالاتهم، منذ ذلك الحين، يسير في اتجاه واحد، بل قابله، في الواقع، انفتاح هؤلاء الفلسطينيين على منظمة التحرير وتضامنهم الكامل معها، باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، ودعمهم نضالها الرامي إلى  ضمان حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة، وهو ما جعل الدوائر الإسرائيلية الحاكمة تتخوف من تعمق العلاقات بين منظمة التحرير الفلسطينية وممثلي الفلسطينيين في إسرائيل، ودفع الكنيست إلى المصادقة، في نهاية سنة 1980، على قانون يحظر أي اتصال مع منظمة التحرير الفلسطينية.

موقفان متباينان إزاء موقع الفلسطينين في إسرائيل ودورهم.

بيد أن اكتشاف الطاقات النضالية التي يختزنها الفلسطينيون في إسرائيل لم يحل دون بروز خلاف، داخل منظمة التحرير الفلسطينية، حول كيفية توظيف هذه الطاقات، وحول موقع هؤلاء الفلسطينيين ودورهم في إطار النضال التحرري الفلسطيني العام، وهو الخلاف الذي عبر عنه موقفان متباينان تبناهما محللان فلسطينيان بارزان، لدى تقويمهما دلالة "يوم الأرض" والآفاق الكفاحية التي يفتحها.

فبعد أن أشار صبري جريس إلى أن نضال الفلسطينيين في إسرائيل  يتميز، رغم كونه "جزءاً من النضال الفلسطيني بأسره"، بـ"خصوصية"  تجعله يختلف عن النضال الذي يخوضه بقية الفلسطينيين، وانتقد المواقف التي "تضخم" هذا النضال وتحمّله "أكثر مما يستطيع حمله"، وكذلك المطالبات التي "تدعو إلى اتباع أساليب وانتهاج سياسات غريبة، قد تؤدي إلى الوقوع في مطبات خطيرة"، أكد أن هدف منظمي "يوم الأرض"، الأول الرئيسي، كان "الدفاع عن أراضيهم والتعبير عن التصاقهم بها"، وهم "بعملهم هذا يؤدون، على كل حال، خدمة جليلة للنضال الفلسطيني بأسره"(14). وخلافاً لهذا الموقف، أخذ الياس شوفاني على الفلسطينيين في إسرائيل  كونهم "لم يرفعوا شعار التحرير بعد"، وبقيت مطالبتهم بحق تقرير المصير "خافتة"، كما "لم يطرحوا بعد، بصورة جدية، مسألة "موقفهم من الكيان الصهيوني"، وكذلك فإنهم "لم يشاركوا في الثورة الفلسطينية بشكل يتناسب وحجمهم في الساحة"، معتبراً أن نضالهم لن يبلغ مداه "إلا إذا ارتبط بشكل عضوي مع كفاح الثورة الفلسطينية على طريق التحرير". أما ارتباط  هذا النضال بالثورة الفلسطينية، فلا يمكن أن يتم - كما تابع المحلل نفسه - "إلا عن طريق الجنوب اللبناني"، الذي يكمل الجليل "جغرافياً وبشرياً واقتصادياً"، ويجمعه به قاسم مشترك "يتمحور حول مسألة الأرض والعلاقة بها والبقاء عليها". وخلص شوفاني إلى أن عرب الجليل "بقيادة راكاح، لا يزالون يناضلون في إطار شرعية الكيان، ولا بديل عن الثورة الفلسطينية لقيادة نضالهم خروجاً على تلك الشرعية، والمفتاح هو مسألة الأرض" (15).

ويبدو أن هذا الخلاف حول موقع الفلسطينيين في إسرائيل ودورهم قد حُسم بصورة نهائية، بعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان في سنة 1982، لصالح الموقف الأول الذي عبّر عنه صبري جريس، إذ صارت مواقف منظمة التحرير الفلسطينية تنحو، أكثر فأكثر، في اتجاه التأكيد على خصوصية أوضاعهم وتمايز نضالاتهم عن نضالات بقية مكونات الشعب الفلسطيني، والاعتراف بدور قواهم الوطنية وهيئاتهم التمثيلية، وكذلك في اتجاه الرهان على دورهم في التأثير على المجتمع الإسرائيلي ومؤسسته الحاكمة ودفعهما إلى قبول مبدأ التفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية  والتوصل إلى حل معها يقوم على قاعدة قيام دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب دولة إسرائيل.

فقد عبر المجلس الوطني الفلسطيني في دورته السادسة عشرة، التي انعقدت في الجزائر في شباط (فبراير) 1983، عن اعتزازه بكفاح الشعب الفلسطيني في مناطق  1948 "في وجه العنصرية الصهيونية من أجل تأكيد هويته الوطنية باعتباره جزءاً لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني"، ودعا إلى "توفير كل سبل الدعم له وتعزيز وحدته ووحدة هيئاته وقواه الوطنية" (16). وفي دورته السابعة عشرة، التي التأمت في عمان في تشرين الثاني (نوفمبر) 1984، خطا المجلس الوطني الفلسطيني خطوة جديدة إلى الأمام في اتجاه الانفتاح على القوى اليهودية المؤيدة لبرنامج منظمة التحرير الفلسطينية، وذلك عندما دعا  اللجنة التنفيذية لمنظمة  التحرير "إلى دراسة التحرك مع القوى [اليهودية] المؤيدة لحقنا في العودة، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على التراب الوطني في هذا الإطار، بما يتلاءم ومصلحة قضية فلسطين والنضال الوطني الفلسطيني" (17).

"انتفاضة الاستقلال" تكرس خصوصية الموقع والدور 

عندما اندلعت الانتفاضة الشعبية في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين، في كانون الأول (ديسمبر) 1987، ركّزت "قيادتها الوطنية الموحدة" على هدفَي الحرية والاستقلال، ورسمت فاعلياتها النضالية حدود الدولة الفلسطينية على أساس "الخط الأخضر" الذي يفصل الأراضي الفلسطينية التي احتلت سنة 1967عن الأراضي التي قامت عليها إسرائيل سنة 1948. وتجاوباً مع هذا الموقف، أصدرت الدورة التاسعة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني، التي انعقدت في الجزائر في منتصف تشرين الثاني (نوفمبر) 1988، "إعلان الاستقلال"، كما أصدرت بياناً سياسياً  أكدت فيه رغبتها في التوصل إلى تسوية سياسية على قاعدة قرارَي مجلس الأمن الدولي رقم 242 و 338 (18).

ومع أن الفلسطينيين في إسرائيل عبروا عن دعمهم الكامل لانتفاضة أشقائهم في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين، فإن  نشاطاتهم في هذا المجال لم تتجاوز، في الواقع، حدود التعاطف والتضامن، وهو ما لاحظه أحد المحللين السياسيين الفلسطينيين، الذي كتب: "انحصرت التفاعلات الجارية في الوسط العربي [في إسرائيل] في إطار التعاطف والتضامن مع الانتفاضة، وفي إطار القانون غالباً. ولم يلاحظ –حتى الآن- تشكل مسار نضالي لعرب 48 يتخطى هذا الإطار". أما أسباب ذلك، فقد أرجعها المحلل نفسه إلى أسباب ذاتية "تتعلق بطبيعة البرنامج السياسي للقوى السائدة في الوسط العربي من جهة، وغياب التنسيق أو التعاون فيما بينها"، وإلى أسباب موضوعية "تتعلق بالفراغ السياسي –إن صح التعبير- الذي يسود الساحة الفلسطينية إجمالاً تجاه التجمع الفلسطيني في أراضي الـ 48، ولهذا فإن الفلسطينيين هناك يفتقدون للأفق السياسي المشترك، بشكله المباشر والملموس، مع الحركة التحررية الفلسطينية " (19).

والواقع، أن إشارة المحلل السياسي إلى "فراغ سياسي" يسود الساحة الفلسطينية إزاء الفلسطينيين في إسرائيل لم تكن متوافقة مع حقيقة أن منظمة التحرير الفلسطينية كانت  قد سلمت قبل اندلاع الانتفاضة بسنوات، كما مر معنا، بخصوصية أوضاع الفلسطينيين في إسرائيل، وبالطبيعة التمثيلية لقواهم السياسية، ولم تعد تطالبهم بأكثر من التعاطف والتضامن مع نضالات بقية أشقائهم، مع تمسكهم بهويتهم القومية ونضالهم من أجل المساواة، وهو ما أعادت التأكيد عليه الدورة العشرين للمجلس الوطني الفلسطيني، التي انعقدت بالجزائر في أيلول (سبتمبر) 1991، والتي حيت، في استخلاصاتها السياسية، جماهير الشعب الفلسطيني "الصامد في الجليل والمثلث والنقب والساحل"، وثمنت " الدور النضالي الذي يقومون به دعماً للانتفاضة والوقوف إلى جانبها وحفاظاً على هويتهم الوطنية في وجه كل محاولات الطمس والتذويب"  (20).

وقد انتقد أحد النشطاء القوميين العرب داخل إسرائيل موقف منظمة التحرير الفلسطينية هذا، معتبراً أن  أشكال دعم الفلسطينيين في إسرائيل للانتفاضة وإسنادهم لها "لم تصل إلى مستوى الحدث التاريخي"، وذلك ليس فقط بسبب "القمع" الذي تمارسه السلطات الإسرائيلية عليهم، وإنما أيضاً، وفي الأساس، نتيجة " كون أغلبية هذه الجماهير تشعر بأنها أُخرجت من استراتيجية منظمة التحرير الفلسطينية، وأنها ليست جزءاً من أية تسوية، ولا حتى ورقة للمساومة بشأن إقامة دولة في الضفة والقطاع"، وهو ما كرّس "واقع التجزئة والطروحات القائلة بدمج جماهير 48 في الدولة العبرية، والنضال من داخلها من أجل المساواة، وهو شعار باهت لا تؤمن أغلبية جماهيرنا به، ولا يلائم طموحاتها الحقيقية". ولتجاوز هذا الواقع، أكد الناشط نفسه ضرورة "إدراج الجماهير الفلسطينية في إسرائيل ضمن برنامج واضح ومتكامل"، يسمح لها القيام بدورها "تجاه المعركة المركزية" التي يخوضها الشعب الفلسطيني، وهي "إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على طريق إقامة المجتمع الديمقراطي العلماني في فلسطين، بحيث يستوعب اللاجئين ويضمن المساواة الحقيقية للجميع" (21).

هل غيّرت أحداث تشرين الأول 2000 تصوّر منظمة التحرير موقع الفلسطينيين في إسرائيل ودورهم؟

بيد أن منظمة التحرير الفلسطينية ظلت متمسكة بهذا الموقف حتى  بعد مشاركتها في المفاوضات السرية مع حكومة "حزب العمل" الإسرائيلي، التي أفضت إلى "اتفاق أوسلو" في أيلول (سبتمبر) 1993، وبقيت تعتبر أن القضايا المتعلقة بالفلسطينيين في إسرائيل ومستقبلهم هو أمر يقرره ممثلوهم السياسيون، وهي، لهذا، لم تدرج قضيتهم ضمن القضايا الخمس الرئيسية التي أرجئت لمفاوضات المرحلة النهائية. وكانت هذه القيادة، ومن منطلق قناعتها بأن من مهام هؤلاء الفلسطينيين تعزيز مواقع "قوى السلام" في إسرائيل، قد وجهت إليهم دعوات صريحة، في حزيران (يونيو) 1992، للتصويت، خلال انتخابات الكنيست، لـ "حزب العمل" و "حركة ميرتس" باعتبارهما أقل "تعنتاً" من القوى اليمينية المتطرفة التي نجحت في الهيمنة على الساحة السياسية الإسرائيلية منذ أيار (مايو) 1977 (22).

وعلى الرغم من أن الصدامات العنيفة التي اندلعت في تشرين الأول (أكتوبر) 2000، في المدن والبلدات العربية داخل إسرائيل، بين المتظاهرين الفلسطينيين وقوات الشرطة الإسرائيلية، تضامناً مع الانتفاضة الثانية في الضفة الغربية وقطاع غزة، قد مثّلت منعطفاً في حياة الفلسطينيين في إسرائيل، وأحدثت "شرخاً عميقاً" في علاقتهم بالدولة وبالأكثرية اليهودية فيها، ورسخت القناعة لدى الكثيرين منهم "بعدم جدوى العمل السياسي بالأساليب التي اتبعوها حتى الآن" (23)، أقول على الرغم من ذلك، فإنه لم يطرأ أي تحوّل على تصوّر منظمة التحرير الفلسطينية موقع الفلسطينيين في إسرائيل ودورهم في النضال التحرري الفلسطيني العام.

ولعل تمسك منظمة التحرير الفلسطينية بموقفها هذا كان  نابعاً من القناعة بأن التيارات السياسية العربية، الناشطة بين الفلسطينيين في إسرائيل، كانت، بمعظمها، تريد أن تراعي منظمة التحرير الفلسطينية  خصوصية موقع هذا الجزء من الشعب الفلسطيني، وأن تسلّم  بدوره النضالي المتميز عن غيره من نضالات الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين أو في بلدان الشتات. وهما موقع ودور، حددهما ممثلان بارزان للتيار الشيوعي على النحو التالي: إن الأقلية  العربية الفلسطينية في إسرائيل هي جزء من الشعب الفلسطيني وجزء من النضال من أجل تحقيق حقوقه القومية المشروعة وتحرره؛ إن هذه الأقلية هي قوة فاعلة داخل المجتمع الإسرائيلي، لها مصلحة عميقة في التحويل الديمقراطي العميق للمجتمع الإسرائيلي، وهي جزء حاسم من النضال من أجل السلام العادل؛ إن هذه الأقلية، بقيامها بهذا الدور من موقعها المتميز في إسرائيل وبسعيها إلى التعاون مع الأوساط الديمقراطية واليسارية اليهودية، إنما تقدم أكبر خدمة لقضية شعبها الفلسطيني وتساهم في كفاحه من أجل الحرية والاستقلال والعودة؛ إن من حق هذه الأقلية أن تكون جزءاً من خريطة الحل العادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين، على اعتبار أن أكثر من ربع العرب الفلسطينيين في إسرائيل لاجئون في وطنهم، وأن غالبية اللاجئين في الشتات ينتمون إلى قرى ومدن فلسطينية موجودة داخل حدود إسرائيل (24).

من الدعوة إلى الانخراط في فصائل منظمة التحرير إلى الإقرار بدور القوى السياسية العربية داخل إسرائيل

ويبدو أن هذه القناعة المشار إليها قد عكست نفسها على موقف فصائل منظمة التحرير الفلسطينية من مسألة مشاركة الفلسطينيين في إسرائيل، على الصعيد التنظيمي، في نضال الحركة الوطنية الفلسطينية، وهو موقف تطور من سعي هذه الفصائل إلى تجنيد هؤلاء الفلسطينيين وتنظيمهم في خلاياها السرية المقاتلة، أو إقامة فروع سياسية لها داخل إسرائيل، إلى التسليم بدورهم في إطار القوى السياسية العربية داخل إسرائيل.

فالجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين على سبيل المثال، لم تراهن، بعد تأسيسها، على السعي إلى تجنيد الفلسطينيين في إسرائيل وتنظيمهم في خلاياها المقاتلة فحسب، بل راهنت كذلك على تجنيد اليهود التقدميين المعادين للصهيونية، داعية، منذ سنة 1970، حركة المقاومة الفلسطينية إلى التوجه نحو مخاطبة الرأي العام الإسرائيلي والدخول في حوار مع جميع اليهود "التقدميين" في إسرائيل والعالم، وحفزهم على "المشاركة في حركة التحرر الوطني الفلسطينية وفي الكفاح المسلح الفلسطيني من أجل تصفية الكيان الصهيوني"، والنضال المشترك "على طريق تحرير فلسطين وإقامة الدولة الديمقراطية". وأجرت الجبهة بالفعل، غداة تأسيسها، حواراً مع منظمة "ماتزبن" اليسارية الصغيرة (25).

وفي البرنامج السياسي، الذي تبنته في سنة 1975، أشارت الجبهة الديمقراطية إلى أن من واجب "جماهير الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة 48"، التي تجابه "مهمات مباشرة تتلخص في صيانة شخصيتها القومية المستقلة ومحاربة محاولات الصهروالتذويب والاستيعاب الصهيونية والدفاع عن الحقوق الديمقراطية والقومية المباشرة"، من واجبها "الانخراط المنظم في الحركة الوطنية للشعب الفلسطيني ومقاومة كافة سياسات الاحتلال والتوسع الصهيوني"، لكن من دون أي تحديد لشكل هذا الانخراط (26).

ويبدو أن قادة الجبهة الديمقراطية قد تلمسوا وجود هذه الثغرة في برنامجهم، فسعوا، في المؤتمر الوطني الثاني للجبهة الذي انعقد سنة 1981، إلى إدخال "تعديلات" على برنامجهم، معتبرين أن المهمات النضالية، التي حددها البرنامج السياسي المقر في سنة 1975 لجماهير "الأرض المحتلة 48"، قد اقتصرت "على العناوين ليس إلا". وعليه، فقد  أشار البرنامج "المعدّل" -  وإن بصورة غير مباشرة - إلى دور القوى السياسية العربية في إسرائيل، معتبراً أن انخراط هذه الجماهير "في الحركة الوطنية للشعب الفلسطيني" سيكون على مستويين: "تعبئة طاقات شعبنا في الأطر الديمقراطية الملائمة وتعزيز الاتجاه القائم نحو توحيد جهودها مع سائر القوى الديمقراطية اليهودية المناهضة للصهيونية"، من جهة، و"توفير شروط الانخراط المنظم لأبناء شعبنا في الحركة الوطنية للشعب الفلسطيني"، من جهة ثانية (27).

وفي البرنامج السياسي الذي أقرته في سنة 1994، أوضحت الجبهة الديمقراطية فهمها لهذين المستويين، وذلك عندما اعتبرت أن "الجماهير العربية في إسرائيل" تعبر عن انتمائها إلى الشعب الفلسطيني الموحد من خلال "الإنخراط في صفوف الحركة الوطنية الفلسطينية وفصائلها"، وأن من واجبها، كجبهة، السعي إلى "استنهاض وتأطير نضال الجماهير الفلسطينية في إسرائيل" من أجل مقاومة سياسة التهويد والتمييز، ومن أجل المساواة القومية الكاملة، داعية إلى "رفع الحظر عن التنظيمات الوطنية العربية الفلسطينية وإلغاء القوانين الفاشية التي تحظر الانخراط في فصائل الحركة الوطنية الفلسطينية" (28).

والواقع أن الجبهة الديمقراطية لم تبدد الالتباس في موقفها هذا إلا في سنة 2006، مع صدور برنامجها السياسي الجديد، الذي أشار إلى أن الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين "تنطلق من ضرورة الاعتراف بالهوية القومية للجماهير الفلسطينية في إسرائيل بصفتها جزءاً لا يتجزأ من شعبنا الفلسطيني الموحد وضمان حقها المشروع في التعبير عن هذا الانتماء"، من دون الإشارة إلى الجملة الواردة في برنامج 1994، والتي تقول:"وضمان حقها المشروع في التعبير عن هذا الانتماء بالإنخراط في صفوف الحركة الوطنية الفلسطينية وفصائلها". ومن ناحية ثانية، لم تعد مهمة الجبهة الديمقراطية، في برنامج سنة 2006، السعي إلى "استنهاض وتأطير نضال الجماهير الفلسطينية في إسرائيل"، وإنما أصبحت مهمتها أن "تساند بحزم وبلا تردد مساعي استنهاض وتأطير نضال الجماهير الفلسطينية في إسرائيل". ومن ناحية ثالثة، تمسكت الجبهة الديمقراطية، في برنامج سنة 2006، بدعوتها إلى النضال من أجل "رفع الحظر عن التنظيمات الوطنية العربية الفلسطينية" في إسرائيل، لكنها حذفت الإشارة، الواردة في برنامج سنة 1994، بخصوص "إلغاء القوانين الفاشية التي تحظر الانخراط في فصائل الحركة الوطنية الفلسطينية" (29).

وإذا كان الشيوعيون الفلسطينيون، أعضاء "عصبة التحرر الوطني في فلسطين"، قد انخرطوا، بعد النكبة، في أطر تنظيمية ثلاثة راعت توزعهم الجغرافي الذي نجم عن تمزق الكيان الفلسطيني، هي الحزب الشيوعي الأردني والحزب الشيوعي الفلسطيني في قطاع غزة والحزب الشيوعي الإسرائيلي، بحيث اقتصر تنظيم العرب الفلسطينيين في إسرائيل على الإطار الشيوعي الثالث، فإن موقف التيار الإسلامي داخل الساحة الفلسطينية، إزاء هذه المسألة، تساوق مع موقف معظم فصائل منظمة التحرير الفلسطينية. فعلى الرغم من أن ميثاق "حركة المقاومة الإسلامية" (حماس)، الصادر في سنة 1988، يتوجه إلى المسلمين كافة ويؤكد كونها حركة "فلسطينية" و"عالمية" في آن معاً، تؤمن أن أرض فلسطين كلها "أرض وقف إسلامي على أجيال المسلمين إلى يوم القيامة، لا يصح التفريط بها أو بجزء منها"، وأن لا حل للقضية الفلسطينية "إلا بالجهاد" (30)؛ أقول على الرغم من أن ميثاق الحركة يؤكد على هذه الأمور، فإن "حماس" لم تسعَ إلى إقامة فروع لها بين الفلسطينيين في إسرائيل، بل راعت وجود  تعبيرات للحركة  الإسلامية في إسرائيل، نشأت منذ مطلع السبعينيات وصار نفوذها يزداد منذ منتصف الثمانينيات. ويخلص خالد الحروب، في دراسته عن "حماس"، إلى أن "وجود علاقة تنظيمية بين "حماس" والتيار الإسلامي في أراضي سنة 1948 غير وارد"، وذلك على اعتبار أن الإسلاميين داخل إسرائيل " أدركوا، قبل أي طرف آخر، أن وجود مثل هذه العلاقة هو بالنسبة إليهم بمثابة اللعب بالنار، وتهديد أكيد لمؤسساتهم الاجتماعية والثقافية والأهلية عموماً، وإحباط لإنجازاتهم البلدية والسياسية المتنامية".  أما حركة "حماس"، فقد اكتفت " فيما يبدو من هؤلاء، بالقيام بدور الإسناد العام في مجالات الإغاثة والإعلام والسياسة " (31).

خاتمة

لعل هذه الدراسة  قد زكت الافتراض، المركّب، الذي انطلقت منه، مبينة  أن منظمة التحرير الفلسطينية، بعد أن  اكتشفت، في منتصف عقد السبعينيات، الطاقات النضالية التي يختزنها الفلسطينيون في إسرائيل ، تبنت إزاءهم سياسة  تقوم على مراعاة خصوصية موقعهم وتميّز نضالاتهم عن نضالات بقية مكونات الشعب الفلسطيني، وراحت تراهن، وبخاصة بعد انخراطها في مسار التسوية السياسية، على دورهم في إسناد نضالها من أجل تحقيق هدف الدولة المستقلة، من خلال مساهمتهم في تعزيز مواقع القوى اليهودية المؤيدة لـ "السلام العادل" مع الفلسطينيين والمستعدة للتفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية. وكان من نتائج هذه السياسة، التي تبنتها منظمة التحرير، تطور مواقف معظم  فصائلها  من الرهان على تجنيد الفلسطينيين في إسرائيل وتشكيل فروع لها بين صفوفهم إلى  الإقرار  بدور القوى السياسية الممثلة لهم داخل إسرائيل.

هكذا كانت السياسة التي تبنتها منظمة التحرير الفلسطينية إزاء هذا الجزء من الشعب الفلسطيني، وهي سياسة تبلورت في ظل معطيات ووقائع لم تعد قائمة اليوم، بل برزت في محلها معطيات ووقائع جديدة، تمثلت في تعمق التحوّل نحو اليمين القومي والديني المتطرف في إسرائيل، المترافق مع تصاعد الهجمة العنصرية على الجماهير العربية، وسقوط الرهان بصورة كلية على "اتفاق أوسلو"، وتزايد القناعة بصعوبة قيام دولة فلسطينية مستقلة، سيدة ومتواصلة جغرافياً، في الضفة الغربية وقطاع غزة تكون القدس الشرقية عاصمة لها، وتهميش مكانة منظمة التحريرالفلسطينية بصفتها "المظلة السياسية الجامعة" للفلسطينيين، واستمرار الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وتراجع الدور السياسي للفلسطينيين في الشتات، الذين صاروا بدورهم يواجهون، في كل تجمع من تجمعاتهم، تحديات كبيرة نجمت عن الأحداث والصراعات التي تشهدها الساحة العربية... ولا شك، فإن هذا التطور يجعل الشعب الفلسطيني، بمكوناته كافة، يقف حالياً أمام مفترق طرق، الأمر الذي يفرض على قواه السياسية والفكرية مراجعة استراتيجيات الكفاح التي تم اعتمادها في المراحل السابقة، على ضوء ما استجد من معطيات ووقائع.

الهوامش:

* تبين لي أن الدراسات والأبحاث التي عالجت هذا الموضوع  محدودة، أذكر منها:  تلحمي، داود، "تصورات الحركة الوطنية الفلسطينية للعلاقة مع الفلسطينيين في إسرائيل بعد سنة 1988"، مجلة الدراسات الفلسطينية، بيروت، العدد 90، ربيع 2012، ص 15-20؛ درويش، منير، "منظمة التحرير الفلسطينية والفلسطينيون في إسرائيل: من الاستثناء إلى الاعتراف"، السياسة الفلسطينية، نابلس، المجلد 3، العدد 9، 1995، ص 52-80؛ درويش، منير، "تأثير قيام دولة فلسطينية على العرب في إسرائيل"، مجلة الدراسات الفلسطينية، بيروت، العدد 28، خريف 1996، ص 64-84؛ روحانا، نديم، "التحول السياسي للفلسطينيين في إسرائيل: من الإذعان إلى التحدي"، مجلة الدراسات الفلسطينية، بيروت، العدد 2، ربيع 1990، ص 59- 81؛ عبد الرحمن، محمد، "العرب في إسرائيل: تحولات بارزة في مسيرة النضال وتضامن واسع مع سكان المناطق المحتلة"، شؤون فلسطينية، بيروت، العدد 105، آب (أغسطس) 1980، ص160-168، عبد الرحمن، محمد، "العرب في إسرائيل: اتجاهات جديدة للتماثل مع نضال الشعب الفلسطيني"، شؤون فلسطينية، بيروت، العدد 112، آذار (مارس) 1981، ص 36-59.

1- الشريف، ماهر، البحث عن كيان. دراسة في الفكر السياسي الفلسطيني 1908-1993، نيقوسيا، ، مركز  الأبحاث والدراسات الاشتراكية قي  العالم العربي، 1995، ص 84-95 .

2- حميد، راشد (إعداد)، مقررات المجلس الوطني الفلسطيني 1964-1974، بيروت، مركز الأبحاث-منظمة التحرير الفلسطينية، 1975، ص 48.

3- المصدر السابق، ص 57.

4- المصدر نفسه، ص 177-178 .

5- المصدر نفسه، ص 200-202.      

6- المصدر نفسه، ص 243-244.

7- الشعيبي، عيسى، "في ضوء انتخابات الناصرة: المسؤولية السياسية لمنظمة التحرير تجاه العرب في إسرائيل"، شؤون فلسطينية، بيروت، العدد 53-54، كانون الثاني/ شباط (يناير/فبراير) 1976، ص 216- 220.

8- الوثائق الفلسطينية العربية لعام 1976، بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية- أبو ظبي، مركز الوثائق والدراسات، 1978، ص 94-95.

9- الوثائق الفلسطينية العربية لعام 1977، بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية- أبو ظبي، مركز الوثائق والدراسات، 1978، ص 99-100 .

10- المصدر السابق، ص 96-98 .

11- الشريف، البحث عن كيان،  المصدر المذكور، ص 260-261.

12- الوثائق الفلسطينية العربية لعام 1977، المصدر المذكور، ص 109 .

13- المصدر السابق، ص 147 .

14- جريس، صبري، "الجليل في يوم الأرض (2): مطالب محددة واحتمالات مفتوحة"، شؤون فلسطينية، بيروت، العدد 65، نيسان (أبريل) 1977، ص 60-66 .

15-شوفاني، الياس، "الجليل في يوم الأرض (1):عرب الجليل والنضال الفلسطيني"، المصدر السابق، العدد نفسه، ص 54-59.

16- الدورة السادسة عشرة، الجزائر، 14-22 شباط/فبراير 1983؛ في: قرارات المجلس الوطني الفلسطيني؛ مركز المعلومات الوطني الفلسطيني- وفا www.wafainfo.ps

17- الدورة السابعة عشرة، عمان، 22-29 تشرين الثاني/نوفمبر 1984؛ في: المصدر السابق.

18- الشريف، البحث عن كيان، المصدر المذكور، ص 369-373 .

19- كيالي، ماجد، فلسطينيو 1948 والانتفاضة، نيقوسيا، شرق برس، 1990، ص

64-73 .

20- الدورة العشرون، الجزائر، 23-28 أيلول/سبتمبر 1991؛ في قرارات المجلس الوطني الفلسطيني، المصدر المذكور.

21- انظر المقابلة مع عوض عبد الفتاح؛ في: العمري، وليد، "أثر الانتفاضة في فلسطينيي 1948" (مقابلات)، مجلة الدراسات الفلسطينية، بيروت، العدد 5، شتاء 1991، ص 207- 212 .

22- تلحمي، "تصورات الحركة الوطنية الفلسطينية للعلاقة مع الفلسطينيين في إسرائيل بعد سنة 1988"، المصدر المذكور، ص 18.

23- حيدر، عزيز، "انتفاضة تشرين الأول/أكتوبر 2000 وآثارها في العرب مواطني إسرائيل"، مجلة الدراسات الفلسطينية، بيروت، العدد 53، شتاء 2003، ص 24-38 .

24- انظر: مخول، عصام، "امتحان اليسار الشيوعي ومصداقية النهج الأممي في ظروف إسرائيل والمنطقة"، موقع الحوار المتمدن،

؛ العدد 4244، 13/10/ 2013؛ وكذلك:www.alhewar.org

بركة، محمد، " "من أجل البقاء... في سياق الوطن وقضيته"، قضايا إسرائيلية، رام الله، العدد الأول، شتاء 2001، ص 20-25 .

25- الشريف، البحث عن كيان، المصدر المذكور، ص 189 .

26- عبد الكريم، قيس (وآخرون)، في المسألة الفلسطينية 1975-2013، سلسلة "من الفكر السياسي الفلسطيني المعاصر"، 8، دمشق، المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات (ملف)،  2014، ص 40.

27- المصدر السابق، ص 46 .

28- المصدر نفسه، ص ص 117-118.  

29- المصدر نفسه، ص 147-148.

30- انظر: "ميثاق حركة المقاومة الإسلامية"، في: الشريف، البحث عن كيان، المصدر المذكور، ص 467-482 .

31- الحروب، خالد، حماس: الفكر والممارسة السياسية، بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2014 (الطبعة الثالثة)، ص 158-159 .