2018-01-28

قرار التقسيم: عصبة التحرر الوطني - وطريق فلسطين الى الحرية

عصام مخول

التاريخ والتأريخ - قراءة في وثائق العصبة

كانت القضية الفلسطينية في جميع مراحلها قضية شائكة ومرّكبة، وكان التّعامل معها وتحليلها يقتضي دائما أجوبة مركبة قد يضيع الباحث او المؤرخ في متاهاتها، ما لم يكن متمكنا من فهم الفكر السياسي الذي يتصارع على ساحتها، وما لم يكن ضليعا باللغة السياسية والمقولات الفكرية المؤسِّسة التي ولدت في سياق الصراع، وتبلورت من خلال تصارع وتفاعل القوى الفاعلة على ساحة القضية الفلسطينية التي تشكّل موضوع البحث.

فالاستعمار البريطاني على فلسطين - تحت غطاء نظام الانتداب الذي أوجدته عصبة الامم الناشئة عن الحرب العالمية الاولى - كان مختلفا عن الاستعمار الكلاسيكي في أماكن أخرى من العالم، وكان أكثر تعقيدا من الاستعمار البريطاني او الفرنسي على دول المنطقة العربية الأخرى، وعن طبيعة الصراع التحرري من الاستعمار بشكل عام.

وقبل أن نخوض في تحليل مواقف عصبة التحرر الوطني، وخصوصا تطور موقفها من قرار التقسيم، يجدر أن نتوقف عند طبيعة العصبة والفترة التي نشأت فيها، وهي التي شكّلت ظاهرة متميزة في المشهد الوطني الفلسطيني، منذ العام 1943 وحتى العام 1948-1949 من جهة، وشكّلت من الجهة الأخرى ظاهرة متميزة في داخل الحركة الشيوعية في فلسطين. ويبدو أن عصبة التحررالوطني، نشأت كتنظيم يتنظم في إطاره الشيوعيون الفلسطينيون العرب وأصدقاؤهم ومؤيدوهم الوطنيون التقدميون والشرائح الأكثر وعيا داخل الطبقة العاملة الفلسطينية

واعتُبِرت العصبة بفعل طبيعة تنظيمها وانتمائها الفكري، تنظيما شيوعياً للشيوعيين العرب تبلور في أعقاب الانقسام على أساس قومي الذي شهده الحزب الشيوعي الفلسطيني في العامين 1942-1943. وكان اللقاء القطري الذي أقر تأسيس عصبة التحرر الوطني قد عقد في أيلول 1943 في مقر اتحاد نقابات وجمعيات العمال العرب في درج الموارنة 16 في حيفا وظهر أول بيان لها في الاول من شباط 1944.  (1)

إن إطار العصبة الذي نشأ وتطور بسرعة وفرض نفسه لاعبا في إطار حركة التحرر الوطني الفلسطيني، له تحليله المتميز الذي ضمَّنه في ثلاثة وثائق تاريخية مركزية صدرت عن عصبة التحرر الوطني، في الفترة بين العام 1945 والعام 1948. الأولى – "العقدة الفلسطينية والطريق الى حلها" (1945)، الثانية- "طريق فلسطين الى الحرية" (آب 1947)، والثالثة – "لماذا يجب أن نناضل في سبيل الدولة العربية الديمقراطية" (أيلول 1948)(2). وضمّنت العصبة هذه الوثائق الرئيسية التاريخية، مفهومها للصراع في فلسطين وعليها، ومفهومها للعقدة الفلسطينية وطرق حلها في ظل أعقد التطورات المتسارعة التي رافقتها. كما صدرت وثائق العصبة في عدد من النشرات نصف الشهرية التي حاولت كل منها ان تتخصص في موضوع ملتهب يطال هموم الجماهير الكادحة وقضاياها السياسية والمطلبية ويعمل على تثويرها، إضافة الى تحليلات ومتابعات جريدة الاتحاد الحيفاوية التي صدرت في حيفا عن عصبة التحرر ومؤتمر العمال العرب، لتكون الناطقة باسمهما وباسم الحزب الشيوعي الاسرائيلي لاحقا. وتفردت عصبة التحرر الوطني الفلسطينية على الساحة الوطنية الفلسطينية بطرح سياسي وفكري بديل للطروحات التي تمسكت بها القيادة القومية التقليدية للحركة الوطنية الفلسطينية، وفي المقابل اتخذت طروحاتها شكلا متميّزاً في بعض جوانبه عن طروحات الحزب الشيوعي الفلسطيني (1924-1948) حيث انتظم الشيوعيون اليهود، في ظل انقسام الحزب على اساس قومي وظهور عصبة التحرر الوطني منذ العام 1943 وحتى أواخر العام 1948. (2). وبهذا المعنى فإن تجربة عصبة التحرر الوطني شكلت تجربة شيوعية أصيلة، نابعة من تربة الوطن، قلّ مثيلها في الحركة الشيوعية، وقلّ مثيلها في حركة التحرر الوطني.

كيف انعكست التحولات الطبقية على تطور البنى السياسية

لم يكن لهذه التجربة ان تنشأ وتنمو وينتشر تأثيرها وتروج مواقفها لولا أنها كانت جاهزة للسباحة ضد التيار السائد من جهة، ولولا أن تحولا كبيرا قد طرأ على البنية الطبقية لفلسطين عشية الحرب العالمية الثانية ونشوء طبقة عاملة عربية واسعة ثبّتت مواقعها في العديد من مجالات الحياة

وقد حصل هذا التحول على خلفية اضطرار بريطانيا وهي تعد امبراطوريتها الاستعمارية للحرب العالمية الثانية الى بناء المصانع ومعسكرات الجيش في فلسطين، وتجهيز ما يتبعها من قاعدة لوجستية وورشات بناء وشق الطرق والكراجات، ومصانع الاكل وتوسيع البنى التحتية لوسائط النقل، واتساع الحاجة الى الخدمات والعمل في مصافي النفط ومد الانابيب وشتى انواع الخدمات، كل هذا أحدث طفرة كبيرة وتحولات هائلة في حجم الطبقة العاملة وفي البنية الطبقية العربية في فلسطين، دفعت بالطبقة العاملة التي اتسعت على أساس انتقال العاملين من الريف الى المدن، الى مقدمة الحلبة السياسية والاجتماعية وذلك بعد أن كانت سلطات الانتداب قد عملت خلال سنوات طويلة على تشريع القوانين لمنع قيام صناعات وخدمات متطورة بين الفلسطينيين العرب، وقصرت الاستثمارات الكبيرة وتطوير المرافق، والاقتصاد المتطور والصناعات المتقدمة وشركة الكهرباء على الاقتصاد الصهيوني الاستيطاني في الييشوف.

إن خوف بريطانيا من أن تقطع عليها دول المحور، وخصوصا ألمانيا وإيطاليا طرق نقل العتاد والإمدادات والجنود عبر البحر الابيض المتوسط، جعلها تغير استراتيجيتها لتحتاط بإقامة معسكرات ومنشآت عسكرية ضخمة وبناء اقتصاد مبني على الاكتفاء الذاتي في فلسطين والمنطقة العربية يخدم حاجات الامبراطورية الاستعمارية شرق المتوسط، وانعكست هذه الاستراتيجية في اتساع هائل للطبقة العاملة المكونة من جماهير فلاحية بدأت تأخذ طريقها الى أماكن العمل في المدن والبلدات المركزية، في عملية برتلة (التحول الى بروليتاريا) كبيرة ومتسارعة، خلقت طبقة عاملة أكبر مما كانت في فلسطين في اي يوم، واكبر مما كان من الممكن ان يتطور بشكل طبيعي وفي ظروف طبيعية متدرجة. 

إن نشوء الطبقة العاملة الفلسطينية خلق معه بشكل أصيل، الحاجة الى تنظيمات عمالية نقابية تكون نداً وبديلا للنقابات الصهيونية وفي صلبها الهستدروت التي شكلت عاملا مؤسساً في المشروع الصهيوني أكثر من كونها موجِّهاً ثورياً أو حتى نقابيا ومطلبياً للطبقة العاملة عامة، ونشأ تنظيم شيوعي عربي نابع من واقع الشعب العربي الفلسطيني في قلب معركته التحررية، ونابع عن مواجهة همومه الطبقية تمثل في عصبة التحرر الوطني. ويصف توفيق طوبي وهو أحد القادة المؤسسين لعصبة التحرر الوطني هذا التطور بقوله:"وتميزت تلك الفترة ببناء المنشآت المختلفة لمتطلبات المجهود البريطاني. وكانت حيفا وضواحيها قاعدة هامة لهذا المجهود اجتذبت عشرات آلاف العمال من القرى القريبة والبعيدة التي تدفقت الى منشآت البترول والقواعد الحربية ومنشآت الجيش البريطاني والصناعة التابعة. وكان الاتجاه الطبيعي لجماهير العمال الاندفاع نحو التنظيم دفاعا عن حقوقهم" (3).

صراع اليهود والعرب، او معركة تحرر وطني ضد الاستعمار والصهيونية

إن أحد أشكال الصراع الفكري حول ما جرى في فلسطين والموقف من قرار التقسيم والتأريخ له، مرتبط بفهم طابع الصراع الأساسي وطبيعته

وتحديد الموقف من هذا السؤال، يحدد الموقف من الحل الممكن للعقدة الفلسطينية بما فيها تطور الموقف من قرار التقسيم وخيارات صعبة أخرى. إن تصوير الصراع في فلسطين على انه صراع اليهود والعرب بكونهم يهود وعربا، هو مفهوم يلتقي مع المفهوم الصهيوني والرجعي العربي للصراع، ويتماهى مع المفهوم الاستعماري الذي له مصلحة في تصوير الصراع صراعا دموياً عنصرياً بين اليهود والعرب، ليطرح استمرار الانتداب الامبريالي البريطاني ليس على انه المشكلة بل على أنه الحل للمشكلة. ويناقض هذا المفهوم مفهوم عصبة التحرر الوطني والحزب الشيوعي الفلسطيني القائل بأن الصراع في فلسطين هو صراع تحرر وطني، وأن التناقض الرئيسي الذي يميز نضال الشعب الفلسطيني فيه، هو التناقض مع الامبريالية والصهيونية ومع الرجعية العربية المتواطئة مع هذا المشروع والمذدنبة اليه

لقد كانت عصبة التحرر الوطني وجريدتها "الإتحاد" قد تنبهت الى هذا التمييز منذ حزيران 1947، فنقلت عن مراسل وكالة ما وراء البحار البريطانية دوناد بيل: "إن هدف بريطانيا الذي كانت ترجوه من وراء عقد دورة خاصة لبحث مشكلة فلسطين (للجمعية العمومية للامم المتحدة ع.م)، هو تأكيد سياسة الانتداب على تلك البلاد، لأنه اذا تعذر التفاهم بين العرب واليهود فإن الأمر يقتضي وجود دولة ثالثة لحماية الطرفين هي بريطانيا بدون شك" (4).

وكانت الاتحاد لسان حال عصبة التحرر الوطني قد نشرت:

"إن من أسباب ضعف قضيتنا أن بعض مندوبي الدول العربية انجروا وراء أضاليل الاستعمار فبحثوا القضية من وجهتها الخاطئة وقصروا همهم على تبيان التناقض والاختلاف بين العرب واليهود ولم يضعوا المسألة على أنها نضال تحرري ديمقراطي ضد الاستعمار والصهيونية في سبيل جلاء الجيوش الأجنبية وإقامة حكومة ديمقراطية مستقلة تؤمِّن أيضا حقوق السكان اليهود (المدنية – ع.م.). ولا شك أن تهجم مندوبي الهيئة العربية العليا على اليهود كيهود ونعتهم بصفات عدائية جارحة بدلا من التهجم على الاستعمار والصهيونية (وقبل أن يمضي وقت طويل على انتهاء الحرب العالمية الثانية وما رافقها من فظائع النازية –ع.م). وبدلا من إظهار حركتنا بمظهرها الديمقراطي العادل فإن هذا الموقف قد أثار الديمقراطيين في منظمة الامم المتحدة وجعلهم في شك حول عدالة المطالب الوطنية التي تطرحها الانظمة الرجعية العربية والقيادة الوطنية التقليدية" (5).

إن تجاهل هذه الفوارق في قراءة جوهر وطابع القضية الفلسطينية من قبل القوى السياسية الفاعلة والمؤثرة والتقليل من أهمية التمييز بينها، يشكل خللا جوهرياً في تقويم مواقف هذه القوى والتأريخ لها، وفي صلبها عصبة التحرر الوطني وتحليلاتها

ومن المثير أن بعض الباحثين في تاريخ القضية الفلسطينية، كانوا مستعدين لمهاجمة مواقف عصبة التحرر الوطني ومناكفتها والتّشكيك في وطنيتها من دون ان يحاولوا أن يتعاملوا مع الوثائق التاريخية الصادرة عنها، لئلا تفسد الوثائق التاريخية عليهم فرضياتهم

ويسود الانطباع الخاطئ لدى كثيرين، بعضهم عن سوء نية وبعضهم عن عدم اطلاع، وكأن الحل القائم على تقسيم فلسطين والذي انعكس في قرار الجمعية العمومية في 29 نوفمبر 1947، هو خيار الشيوعيين الفكري والسياسي. ويناقض هذا الانطباع الحقائق التاريخية، غير أن هناك من يلجأ الى هذا الخلط، لتشويه مواقف الشيوعيين والتشكيك في منطلقاتهم فيما يخص دورهم إبّان "النكبة والبقاء".

وليس هناك شك أن أكثر المعنيين بالهجوم المتجدد في السنوات الأخيرة على تاريخ عصبة التحرر الوطني والطعن في دورها الوطني التقدمي هي الرجعية العربية المتنفذة اليوم، التي توهمت وأوهمت، أن الساعة مواتية ليس لفرض مفاهيمها وتبرير تبعيتها للامبريالية والصهيونية فقط، بل توهمت أن الساعة مواتية لإعادة كتابة التاريخ وتبييض صفحتها تاريخيا أيضا لتواصل اليوم أيضا تآمرها على قضية الشعب الفلسطيني وقضايا شعوب المنطقة معتمدة على تحالفها السافر مع ادارة ترامب وحكومة نتنياهو وما يحاك مما يسمونه صفقة العصر. وبالمقابل هناك من حاول ان يوهم أن رفض التقسيم، هو مشروع القوميين ومشروع النظام العربي القومي الرسمي. بينما العكس هو الصحيح

فالشيوعيون في فلسطين: الشيوعيون اليهود المنظمون في حينه في الحزب الشيوعي الفلسطيني. والشيوعيون العرب وحلفاؤهم المنظمون منذ العام 1943 في عصبة التحرر الوطني، كانوا القوة الأكثر مثابرة على الساحة الفلسطينية والعربية في رفض فكرة تقسيم فلسطين، والأكثر عمقاً في تبرير رفضها، وهم الوحيدون الذين طرحوا مشروعا ديمقراطيا ووطنيا بديلا بشكل حقيقي، وتمسكوا على طول الطريق، بحل العقدة الفلسطينية من خلال إنهاء الانتداب البريطاني واقامة دولة مستقلة ديمقراطية موحدة لجميع سكانها، وفق صيغة عصبة التحرر الوطني. أو دولة ديمقراطية واحدة ثنائية القومية، وفق صيغة الحزب الشيوعي الفلسطيني
ولم يتوقف الشيوعيون عن التحذير وحتى اللحظة الأخيرة من خطر التقسيم، واعتبروا أن نهج القيادة التقليدية في استرضاء الاستعمار البريطاني ومنافسة الصهيونية على كسب وده بدلا من مقاومته، ورفض هذه القيادة نقل قضية فلسطين إلى الأمم المتحدة، كقضية تحرر وطني وليس قضية اقتتال اثني، وهو ما جهدت بريطانيا والدول الامبريالية على تصويره والترويج له، سيؤدي بالضرورة إلى تقسيم فلسطين. وحذر الشيوعيون بقوة وعلى الملأ، من أن استمرار القيادة العربية في رفض الحل الديمقراطي الذي يقترحونه، في دولة واحدة لجميع سكانها، أو في دولة مستقلة ثنائية القومية في فلسطين، يحمّل هذه القيادة المسؤولية عن خلق الظروف المواتية لتقسيم فلسطين وإجهاض حق الشعب الفلسطيني في التحرر والاستقلال" (6).

الوضع المركب والخيارات الصعبة

شكل التاسع والعشرون من نوفمبر 1947 لحظة حاسمة في قضية فلسطين، وفي معركة الشعب الفلسطيني على مصيره وعلى مستقبله. وشكل نقطة تحول في تاريخ البلاد، وفي صياغة الخارطة الجغرافية والسياسية في المنطقة. وشكلت تداعيات القرار الدولي وإعلان قيام إسرائيل خلال نصف عام في حدود أوسع من الحدود التي أقرها قرار الجمعية العمومية، محور الصراع الإسرائيلي العربي ومعالم حله حتى يومنا هذا.

وجعلت التطورات من المنطقة مسرحا مركزيا للصراع بين المشاريع الامبريالية العالمية المتحالفة مع الصهيونية والرجعية العربية، وبين مناهضيها. فقبل سبعين عاما تم إقرار قرار التقسيم في الجمعية العمومية للأمم المتحدة بشأن فلسطين. وحدد موقف المنظومة الدولية بشأن إنهاء الانتداب البريطاني، وإقامة دولتين عربية ويهودية في فلسطين والاحتفاظ بوحدة اقتصادية بين الدولتين

وفي الوقت الذي قبلت فيه القيادة الصهيونية قرار التقسيم رسميا، فإنها رأت به مقدمة، وليس بديلا عن تنفيذ مشروعها التوسعي المبيت المتواطئ مع الانتداب البريطاني، لاحتلال كل ما تطاله قواتها العسكرية ومن يدور في فلكها من عصابات إرهابية، من خلال عمليات التطهير والتشريد والتفريغ المبرمج للشعب الفلسطيني واقتلاعه من وطنه. وفي خطاب له أمام اللجنة المركزة في الهستدروت في 3 كانون الاول 1947 (بعد أربعة أيام من إعلانه قبول قرار التقسيم)، صرح بن غوريون  أنه يرفض أجزاء من قرار التقسيم بدءاً بالحدود المقررة للدولة اليهودية، والفترة الانتقالية لتنفيذ قرار التقسيم (حتى خريف 1949) وانتهاء بقرار إقامة الدولة العربية (7) ... واعتبر سمحا فلابين في كتابه: "ولادة إسرائيل – الأسطورة والواقع": أنه "بسبب مواقف مشوّهة فإن العديد من المؤرخين فهموا من قبول بن غوريون فكرة الدولة اليهودية على قسم من دولة إسرائيل، وكأنه قد وافق على قرار الامم المتحدة كاملا الا أن بن غوريون رأى بالتقسيم الخطوة الاولى لإقامة دولة يهودية في أرض اسرائيل الكبرى، بما فيها شرق الاردن وهضبة الجولان وجنوب لبنان" (8).

وفي الوقت ذاته ومقابل ذلك فإن الرجعية العربية، التي رفضت قرار التقسيم رسميا،( ممثلة بالنظام العربي الرسمي وجامعة الدول العربية)، قامت بإرسال جيوشها (غير الجاهزة وغير المجهزة) إلى فلسطين، لتصادر قرار الشعب الفلسطيني وطموحاته الوطنية ولتجمع أسلحته، لحرمانه من حقه الأولي حتى في الدفاع عن وطنه. ولم يعد خافيا أن الجيوش العربية لم تدخل إلى فلسطين لمنع قيام الدولة اليهودية وإنما دخلت وأخذت مواقعها لتمنع قيام الدولة العربية ولتستبق قيامها. وشكلت ذريعة استخدمتها القيادة الصهيونية لتبرر أمام العالم مشروعها التوسعي المبيت والمخطط مسبقا للاستيلاء على فلسطين.

والغريب أن بعض المؤرخين والسياسيين المتحمسين، تأخذهم الحمية القومية، فيأخذون على عصبة التحرر الوطني ويعيبون على الشيوعيين موقفهم الذي دعا الجيوش العربية التي دخلت فلسطين في أيارالعام 1948 الى مغادرتها وتوجيه طاقاتهم لمواجهة الاستعمار وأعوانه من الحكام الرجعيين في دولهم لتحريرها من التبعية للامبريالية.

ولكن الوقائع التاريخية تؤكد أن قرار الانظمة العربية المرتبطة بالامبريالية البريطانية والغارقة في التبعية اليها حتى العنق ليست سيدة قرارها، وقيامها بإرسال جيوشها الى فلسطين لم يكن جدياً، ولم يكن يهدف الى منع قيام الدولة اليهودية، بل الى منع قيام الدولة العربية. ولكي تتضح الصورة حول جدية التدخل العسكري العربي في فلسطين ونوايا هذا التدخل الحقيقية لا بد من التوقف قليلا عند ما كتبه القائد العسكري المصري الذي حوصر في الفالوجة، جمال عبد الناصر في مذكراته عن حرب فلسطين

"لم يكن ممكنا أن تكون هذه حرب جدية. لم يجر حشد قوات عسكرية، ولا تزوّد بوسائل قتالية ولا تخزين ذخائر , لا دوريات، لا استخبارات، ولا طائرات. ومع ذلك ألقي بنا في ميدان القتال لنواجه مصيرنا.." (9).

وإذا أضفنا الى ذلك حقيقة أن الاجتماع الاول لرؤساء أركان الجيوش العربية لتنسيق خطة "لتحرير فلسطين"، انعقد في 30 نيسان 1948، أي أسبوعين فقط قبل انتهاء الانتداب البريطاني. وبعد مجزرة دير ياسين وتهجير حيفا وتهجّير طبريا واندحار االقوات الفلسطينية، وما رافق ذلك من اتساع عمليات التشريد واللجوء خارج فلسطين، وفي تقويم للوضع جرى تقديمه في اجتماع للوكالة اليهودية في آذار 1948 جاء: "أن رؤساء أركان جيوش الدولة العربية حذروا حكوماتهم من مغبة دخول جيوشهم الى فلسطين وخوض حرب متواصلة فيها بسبب الاوضاع الداخلية في الدول العربية".

واعتبر سمحا فلابين في كتابه "ولادة اسرائيل- الاسطورة والواقع": "إن ما ميز الحرب الأهلية في فلسطين ابتداء من نوفمبر 1947 وحتى نهاية الانتداب البريطاني في 15 أيار 1948،، غياب كامل لاستراتيجية شاملة في الجانب العربي تلائم الوحدات الفلسطينية المنتشرة في الميدان، ولجيش الانقاذ العربي بقيادة القاوقجي، وايضا للفيلق العربي التابع للملك عبد الله، فلم يكن هناك تسجيل وتجنيد قوى بشرية ووسائل قتالية، وليس قيادة عامة ولا تنسيق بين الفرق المقاتلة" (10).

وفي تقرير رفعه عن محادثاته في 12 و-19 آب 1946 مع الامير عبدالله، كتب إلياهو ساسون: "إن الموضوع المطروح للبحث لم يكن موضوع إقامة الدولة اليهودية، كلا المعسكرين (العربيين ع.م) أبديا استعدادهما للاعتراف بالوضع الجديد في ظروف معينة.. إن الملك عبدالله رأى بالمفتي عدوه الرئيسي والمر.. ورأى أنه يجب التخلص من المفتي وإزالته من الطريق في أسرع وقت ممكن وبأي ثمن"! وإن مثل هذا الشعور كان قوياً عند المفتي أيضاً تجاه الملك عبد الله. " وهذا ما أكده وفد عصبة التحرر الوطني الذي التقى المفتي في بيروت في نوفمبر 1947.. "وكان الرئيس اللبناني بشارة الخوري كرر التصريحات حول استعداده للتوسط بين اسرائيل والعرب اذا ما التزمت اسرائيل للاندماج السياسي والاقتصادي في المنطقة" (11).

كانت التقارير والتقديرات الاستخباراتية التي نقلت الى الوكالة اليهودية تشي بـ"أن التدخل المصري في الحرب كان يهدف بالاساس الى إسقاط مخططات الملك عبد الله ومؤيديه البريطانيين. لقد أرسلت مصر أفضل وحداتها العسكرية، التي تشكل قرابة نصف الجيش المصري الذي دخل الى فلسطين الى المدن العربية، بئر السبع والخليل والقدس حتى تمنع الملك عبد الله من ضم هذه المناطق، المخصصة للدولة الفلسطينية" (12).

واعتبر اسماعيل صفوت رئيس اللجنة العسكرية للقوات العربية التي أرسلت الى فلسطين، أنه "ساد الاعتقاد غير الواقعي لدى اللجنة السياسية، بأن استعمال القوات النظامية واعلان الحرب من قبل الجيوش العربية، او حتى التظاهر بذلك من شأنه أن يدفع الدول الكبرى للتدخل وأن يفرضوا على الصهاينة حلا سياسيا لصالح العرب"(13). اما عزام باشا سكرتير عام الجامعة العربية، فقد أعلن أنه سيدعم قرار التقسيم اذا اقترح الامر على الجامعة العربية من قبل دولة عربية.

عزام باشا. وأضاف: " إن العرب مستعدون لتقديم تنازلات بعيدة من أجل إشباع شهوة اليهود لرؤية مركز روحاني ( يهودي ع.م)وحتى مادي في فلسطين "... لو كان بمقدوركم أن تضمنوا أن تسليم فلسطين لليهود يعني تحقيق السلام في كل مكان، كنت سأمنحكم إياها بأكملها."... " إذا كان تقسيم البلاد من شأنه أن يشكل حلا يضع حدا للأوضاع السيئة السائدة، تعالوا نفحص هذه الامكانية بحذر"(14).

وبالمقابل كإن التهديد بالحرب من جانب شرق الاردن محدودا جدا. وقد كان الملك عبدالله نفسه قد وعد موظفا اسرائيلياً عالي المستوى (تقول المصادر العربية انه موشيه شاريت)، بأن الملك عبد الله "لن يتدخل في مسألة تأسيس الدولة اليهودية، وسوف يقوم باحتلال المناطق المقررة لتكون جزءا من للدولة الفلسطينية ليس إلا"(15).

إن هذه الحالة العربية الهزيلة والمتهتكة التي عكست النزر اليسير من الكم الهائل من الشهادات والوثائق المتوفرة التي تشهد على أن دخول جيوش الانظمة العربية الى فلسطين، لا علاقة له بمنع نكبة الشعب الفلسطيني ولا بمنع قيام الدولة اليهودية.. بل له علاقة بمنع قيام الدولة العربية في فلسطين. 

والحقيقة أنه ليس من الصعب اليوم بعد مضي سبعة عقود على هذه الاحداث أن نرى بؤس إرسال الانظمة العربية للجيوش العربية الى فلسطين وهزاله، وليس من الصعب أن نرى عمق خيانة الانظمة الرجعية العربية وتلاعبها بجيوشها من جهة وبالقضية الفلسطينية وصولا الى النكبة من الجهة الأخرى، ولكن الأمر اللافت هو كيف استطاعت عصبة التحرر الوطني ووثائقها أن تقرأ هذا المشهد كما هو أونلاين، من دون ان يتوفر لها ما يتوفر لدينا اليوم من وثائق ومن مرور الوقت، وكيف استطاعت أن تقرأ حجم المؤامرة وطبيعة المشاركين فيها

إن الوهم الذي خلقه دخول الجيوش العربية الى فلسطين لتصفية حسابات عربية داخلية كان له قسطاً كبيراً في إلقاء الشعب الفلسطيني في مهاوي الردى وأوهام الرجعية العربية. ونأمل أن يكون في ذلك جواب لأولئك الذين ما زالوا يأخذون على عصبة التحرر الوطني نداءها الى وقف هذا التدخل الذي لم يوصل ولم يكن بمقدوره ان يوصل الا الى نكبة الشعب الفلسطيني.

الموقف المبدئي للشيوعيين اليهود والعرب ضد التقسيم

قبل عام فقط من قرار التقسيم عقد الحزب الشيوعي الفلسطيني (الذي ضم الشيوعيين اليهود في هذه المرحلة) مؤتمره العاشر في أواخر شهر نوفمبر 1946، وقدم القائد الشيوعي البارز في تاريخ الحزب ماير فلنر التحليل السياسي، وتطرق في إطاره الى مسألة التقسيم، وقال:  "يعيش شعبان في هذه البلاد ولهما مصالح مشتركة.

مستقبلهما منوط بقيام دولة ديمقراطية غير منحازة"... وأضاف: "لا يمكن ان تقوم في البلاد دولة عربية صرف. ولا يمكن ان تقوم دولة عبرية. فاليهود والعرب يعيشون بشكل مشترك في كل أنحاء البلاد. ومن غير الممكن الفصل بينهم لا جغرافيا ولا اقتصاديا.". وقال: "إن أي مشروع لتقسيم البلاد، من شأنه فقط أن يؤجج العداء القومي، وأن يعمق المصاعب الاقتصادية، وأن يصعد من اضطهاد الحكم الأجنبي الذي سيعرض نفسه وسيطا وحكما يقضي بين شعبين متخاصمين." وأضاف فلنر في مداخلته:"إن الطريق الوحيد للحل يكمن في إقامة دولة عربية- يهودية، ديمقراطية ومستقلة، يتمتع فيها اليهود والعرب بالمساواة الكاملة في الحقوق.... إن الدولة الديمقراطية لن تتحقق ما لم تناضل الجماهير اليهودية والعربية، كتفا الى كتف ضد الامبريالية وعملائها داخل الشعبين"(16).

وفي الأول من أيلول 1947 قبل أقل من ثلاثة أشهر من صدور قرار التقسيم، نشرت صحيفة الحزب الشيوعي الفلسطيني "كول هعام"، موقف الحزب من توصيات الأكثرية في اللجنة الدولية لتقصي الحقائق في فلسطين –اليونسكوب - والتي زارت فلسطين في تموز من العام نفسه، وأوصت الامم المتحدة بتقسيم فلسطين إلى دولتين فكتبت كول هعام: "مع نشر توصيات اللجنة الدولية بشأن مستقبل البلاد يجب القول بشكل واضح: إن توصيات الأكثرية في اللجنة الدولية ليست منطقية وغير قابلة للتطبيق. صحيح أنها أوصت بتقسيم "جيد"، لكنه "جيد"إلى درجة لم يكن بن غوريون يحلم بها. فحتى الوكالة اليهودية نفسها لم تطالب بأن تكون يافا وبئر السبع في إطار الدولة اليهودية". وأضافت "كول هعام": "إن اقتراح الأكثرية في اللجنة الدولية لا يحقق الاستقلال القومي لا لليهود ولا للعرب، وإنما يضع الأسس للسيطرة الأجنبية على كلا الشعبين"(17).

وفي السياق نفسه كتبت جريدة الاتحاد الصادرة عن عصبة التحرر الوطني في 19.10.1947 ردا على تصريح غروميكو ممثل الاتحاد السوفييتي في الامم المتحدة : "منذ تصريح غروميكو تبين أن موقف الاتحاد السوفيتي من مستقبل البلاد يقوم على إحدى إمكانيتين: إما الحل من خلال التفاهم اليهودي العربي على أساس إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية مستقلة، وإما التقسيم، ولا يوجد طريق ثالث.. إن الإتحاد السوفيتي أعلن موقفه هذا مع العلم بأن الخيار الأول غير وارد في ظل المؤامرات الامبريالية والصهيونية، وهو ما يعني قبول التقسيم، برغم أن التقسيم هو الحل الأسوأ". 

وتضيف "الاتحاد": "نحن لا نقبل موقف الاتحاد السوفييتي هذا بشأن القضية الفلسطينية. ونحن على قناعة بأن التقسيم هو حل غير عادل يحاولون فرضه على سكان البلاد من دون الاكتراث بمواقفهم. إن هذا الحل لا يحقق طموح السكان ولا يضمن الأمن والسلام في إنحاء البلاد، وليس من شأنه وقف المؤامرات الامبريالية".

وتواصل "الاتحاد": "إن صداقتنا مع الاتحاد السوفييتي..لا تعني أننا نأتمر بسياسته الخارجية. فنحن الذين نقرر سياستنا على أساس وضع قضيتنا وأهداف شعبنا التحررية العادلة". وأنهت "الإتحاد": "علينا ان نعمل على توحيد صفوف الحركة الوطنية من أجل النضال ضد التقسيم ومن أجل إلغاء الانتداب البريطاني وجلاء العساكر الأجنبية وتحقيق استقلال البلاد"(18).

في مقابل هذا الموقف الواضح، يدعو بولس فرح أحد قادة عصبة التحرر المؤسسين، وواحد من اوائل النقابيين والشيوعيين العرب في فلسطين والذي انسحب من العصبة احتجاجا على قبولها قرار التقسيم في شباط 1948، الى التمييز بين رفض قرار العصبة وبين تفهم موقف الاتحاد السوفييتي، وهو يطرح في هذا المجال موقفاً مركباً يدافع فيه عن حق الاتحاد السوفييتي في اتخاذ موقفه ويحمًل القيادة التقليدية للحركة الوطنية الفلسطينية المسؤولية عن عجزها عن القيام بدورها والتمييز بين العدو والصديق، فيقول:

"أما الاتحاد السوفيتي فموقفنا منه واضح أن له الحق، وقد خرج منهكاً من حرب مدمِّرة، أن يتخذ القرار الصالح في زمانه،.. كان له الحق في اتخاذ القرار الذي يرتئيه مناسباً له، ولا يهم أيضاً اذا كان عادلا او غير عادل. فإن دنيا السياسة ودنيا النظريات ودنيا الواقع لا تقوم على العدالة النسبية والمطلقة، بل بالقدرة على التعامل مع الظروف الموضوعية لتحقيق الهدف المعين.

إن الاتحاد السوفييتي اتخذ قراره بالنسبة لمفاهيمه الخاصة وموقفه العالمي وظروف الساعة، ولا يملك أحد الحق في إدانة ما فعل. كما أنه لا يحق لأحد على وجه هذه الارض أن يمنعنا من التعامل مع قضيتنا وقضية شعبنا بالحرية التي افترضناها لغيرنا " وهو ما يعني أن من حق عصبة التحرر الوطني أن تتخذ موقفها بمعزل عن موقف الاتحاد السوفييتي ووفق ظروفها ومفاهيمها للصراع".

ويضيف بولس فرح في مقارعة هجوم القيادة التقليدية على الاتحاد السوفييتي: "لقد عزلت القيادة الوطنية نفسها عن الاتحاد السوفييتي لأسباب طبقية محضة وتحالفوا مع أعدائه ثم جاؤوا يلومونه بالموافقة على قرار التقسيم، بغض النظر عما إذا كان التقسيم نظرياً او ممارسة حرياً بالموافقة عليه. إنه جلب في أعقابه الكوارث للشعبين وللمنطقة، وأنه لم يساهم في دفع عجلة التقدم والحرية والاشتراكية إلى أمام وينبغي تركه للتاريخ للحكم عليه إذا كان خطأ أو صوابا"(المصدر نفسه 19).

ويقدم فرح إضافة هامة لفهم طريقة التفكير التي اعتمدتها عصبة التحرر الوطني وهي تتعامل مع تعقيدات الموقف الذي واجهته والخيارات التي بنت عليها مواقفها حتى قبولها قرار التقسيم، وعلى الرغم من أن بولس فرح كان قد انسحب من العصبة بعد قبولها بقرار التقسيم في شباط 1948، إلا أن تحليله هنا بقي ذا صلة وعاملا مساعداً على فهم مركبات موقف العصبة حين تبدلت الخيارات لكن مفهومه المنطلق من فكره الأممي جدير بالالتفات اليه

"كنت مع زملائي ندعو عن يقين راسخ، وبطهارة المبادئ التي نؤمن بها، بأن العرب واليهود يمكن أن يتعايشوا وعليهم أن يتعايشوا لمصلحتهم ومستقبلهم".. ويضيف فرح: "ومنذ التحاقي بالحزب الشيوعي الفلسطيني وحتى يوم التقسيم كنا ندعو الى التعايش العربي اليهودي، وكان من الواضح لنا أن الصهيونية ضد قضية التعايش، أنها لم تجيء للتعايش. وكنا نحاول التغلب على أهداف الصهيونية ".

إن المنطق الذي تعامل به بولس فرح حين كان ما زال قائدا في عصبة التحرر، يكشف بوضوح الطابع المميز للتفكير السياسي للعصبة في تناقضه وتعارضه مع منطق الصهيونية والامبريالية والرجعية العربية، فيقول:

"ماذا حدث حتى نبيت ليلتنا لنصبح مقسمين عربا ويهود... ما دمنا نحاول التغلب على أهداف الصهيونية التي كانت ضد قضية التعايش وتهدف الى تقويضه ". 

فهو يهاجم التقسيم لانه يشمل ضمنا قبول المفهوم الصهيوني وليس المفهوم التقدمي للعلاقات بين العرب واليهود في مواجهة الصهيونية

ويضيف بولس فرح أن أكثرية اللجنة المركزية لعصبة التحرر الوطني، رفضت التقسيم ولم تجد فيه تقريرا للمصير.... وأن جريدة الاتحاد وجهت دعوة جريئة الى الحركة الوطنية تقول فيها بشجاعة: "إن النضال في سبيل وحدة فلسطين هو نضال ضد تراث الدماء والدموع الذي سيتركه المستعمر البريطاني وراءه. هو نضال في سبيل إزالة شعور التوتر بين العرب واليهود، هو نضال في سبيل تقدم الجماهير العربية نفسها، اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا. هو نضال في سبيل الديمقراطية في فلسطين. هو نضال في سبيل تحقيق حرية فلسطين وسد أبوابها أمام المستعمرين. هو نضال في سبيل التعاون بين الجماهير العربية واليهودية " (20).

وفي مقارعته للقيادة التقليدية للحركة الوطنية واتهامه للقيادة القومية العربية في المنطقة ومطالبتها بتحمل مسؤولياتها على ماآلت اليه القضية الفلسطينية أضاف بولس فرح : "كان على العرب أن يشمروا عن ساعد الجد ويقاوموا مشروع الوطن القومي اليهودي في فلسطين. لقد قاوموا بزعامة غير مؤهلة للوقوف أمام قوى عصرية، كانوا متخلفين سياسيا وأيديولوجيا واقتصاديا وثقافيا. كانوا قد خرجوا من أوساط العثمانية ومفاهيم العثمانية الى مجابهة قوى مادية وفكرية ضخمة، كانوا فرديين ومن القائلين ومن بعدي الطوفان، وكانوا أشباه اقطاعيين فقاموا على خدمة الاجنبي وتواطئوا معه لكسب المغانم لأنفسهم فدمروا شعبهم وقضوا على أنفسهم"(21).

إن أهمية هذا التوسع في اقتباس بولس فرح نابعة من نجاحه في وضع إصبعه على المعايير التي اعتمدتها عصبة التحرر الوطني من بين جميع القوى الفاعلة، في تحديدها مواقفها من الصراع القومي في فلسطين، ومنطلقاتها الطبقية والاممية ولغة تحليلها الماركسي اللينيني المتكامل للصراع، والذي من دونه لا يمكن فهم وتحليل مواقف الشيوعيين وتحليلاتهم.

بين رفض التقسيم مبدئيا وقبول قرار الجمعية العمومية

وإذا كان موقف الشيوعيين المبدئي والصحيح يرفض التقسيم بهذه الحدة، فكيف يمكن تفسير قبولهم لاحقا بقرار التقسيم واعتباره الخيار المناسب؟

جاء قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة في 29 نوفمبر1947 بالحل على أساس تقسيم فلسطين، ليطرح معادلات معقدة أمام الشيوعيين اليهود والعرب، وجاء ليطرح خيارات قاسية أمام الشعب العربي الفلسطيني.

وأبرز قرار الأمم المتحدة أن توازن القوى على الصعيد المحلي الفلسطيني، وعلى الصعيدين الإقليمي والدولي كان مواتيا لقيام دولة إسرائيل أكثر مما كان مواتيا لطموحات الشعب الفلسطيني، في ظل مؤامرة امتدت عبر سنوات الانتداب البريطاني، شاركت فيها القوى الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية لمنع الشعب الفلسطيني من إقامة دولته، والقضاء على حقوقه القومية. وأصبحت المهمة الوطنية والديمقراطية الأساسية في هذه المرحلة إنقاذ حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير ولو جزئيا، وتخليص هذا الحق من براثن المتآمرين. فالخيارات المطروحة لم تعد بين بديل الدولة الديمقراطية العلمانية لجميع سكان البلاد حسب برنامج عصبة التحرر الوطني، وبين التقسيم، كما أن الخيارات لم تعد بين بديل الدولة الديمقراطية ثنائية القومية، كما طرح الحزب الشيوعي الفلسطيني، وبين التقسيم. فالبدائل التي لاحت في أفق فلسطين هي الخيار بين تقسيم فلسطين الى دولتين يهودية وعربية، وبين نكبة الشعب الفلسطيني.

لقد تحمل الشيوعيون مسؤولية تاريخية عندما قبلوا قرار التقسيم (عصبة التحرر الوطني وافقت على القرار فقط في شباط 1948)، لأنه كان الفرصة الوحيدة لانقاذ حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وبالرغم من أنها اعتبرت أنه ليس خياراً جيداً. أما الأوهام التي علقها الآخرون على الفرج العربي فقد قادت الشعب الفلسطيني الى مهاوي الاقتلاع والتشريد والنكبة.

وحتى نفهم بشكل أوضح خيارات عصبة التحرر الوطني المركبة فإن علينا أن نتوقف عند مذكرة أخرى وأخيرة صدرت في حيفا عن عصبة التحرر الوطني في أيلول 1948 وعرفت باسم وثيقة توفيق طوبي. وسيسجل التاريخ أن الخيارات الحقيقية التي وقفت أمام الشعب الفلسطيني عام 1948، كانت إما النكبة.. وإما مشروع عصبة التحرر الوطني والحزب الشيوعي الفلسطيني، القائم على انهاء الاستعمار البريطاني واحتلاله، وقيام دولة ديمقراطية مستقلة لجميع سكانها وفق عصبة التحرر الوطني، او دولة واحدة ثنائية القومية وفق الحزب الشيوعي الفلسطيني، فنجح الاستعمار وأعوانه في اغتيال المشروع الوطني الديمقراطي التحرري في كلتا الحالتين. ونجح ثلاثي - الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية في اختطاف الفرصة التاريخية الوحيدة ووأدها، وهي الفرصة الوحيدة التي كانت حاضرة لانقاذ الشعب الفلسطيني من نكبته المبيَّتة. فرصة المشروع السياسي التحرري الديمقراطي المعادي للاستعمار وأعوانه، الذي طرحته عصبة التحرر الوطني في أيلول 1948، من قلب جرح النكبة النازف، والدم ما زال ساخنا. في هذه الظروف غير المعقولة صدرت وثيقة القائد المؤسس في عصبة التحرر الوطني توفيق طوبي، تحلل الحالة الجديدة، وتطرح أمام الجماهيرالشعبية الفلسطينية المتعطشة الى خيط من أفق وبصيص من أمل، مشروعا كفاحيا موجها، شجاعا، ومسؤولا، تحدد من خلاله الاهداف الاستراتيجية الملحة المستحقة، وتصوغ برنامج عمل نضالي، في صلبه البقاء في الوطن، والنضال على طريق التحرر والاستقلال، ومقاومة المشاريع الاستعمارية وعملائها العرب واليهود. مذكرة تاريخية تجيب على السؤال: "لماذا يجب أن نناضل في سبيل الدولة العربية الفلسطينية؟)" (22).

مشروع كفاحي شجاع من قلب الجرح النازف

لم يكن مفروغا منه في الاوضاع السائدة بعد النكبة, وما حملته معها من تبدد الآمال، وتحطم الأحلام، أن تطرح عصبة التحرر الوطني هذا السؤال وأن تحدد هذا الهدف في ظل تكالب القوى الرجعية العاتية العربية واليهودية، في تنافسها على خدمة المشاريع الامبريالية، وعلى اسقاط خيار الدولة العربية الفلسطينية التي تشكل جزءا لا يتجزّأ من قرار التقسيم، بحجةٍ ظاهرها رفض التقسيم، وباطنها رفض الدولة العربية الفلسطينية المستقلة ولو على جزء من فلسطين، في وقت كانت فيه عصبة التحرر الوطني وحدها، دون كل القوى على الساحة الفلسطينية والعربية، تطرح مشروع الدولة العربية المستقلة على أرض فلسطين، والذي لم يتوقف الشيوعيون عن طرحه حتى اليوم. لقد حددت وثيقة العصبة: "أن إنشاء الدولة العربية في فلسطين هو التعبير الوحيد عن حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني... إن الطريق لانقاذ المجتمع الفلسطيني مما يتهدده من فناء وانقراض هو في قيام دولة مستقلة ديمقراطية يحكمها الشعب نفسه لصالح جماهيره الكادحة، ولا يحكمها حفنة من الرجعيين الخونة الذين يبيعون شعبهم كل يوم في سوق المساومات الاستعمارية.. تلك هي الطريق للقضاء على خطط الاستعمار، ليس في فلسطين فحسب بل في جميع انحاء الشرق العربي ايضا.".

وتواجه مذكرة عصبة التحرر الوطني الرجعية العربية الحاكمة في المنطقة بحقيقتها وتفضح دورها التآمري في نكبة الشعب الفلسطيني، وتعريها امام الجماهير الشعبية الجريحة فتقرر:

"إن احتلال جيوش الدول العربية للأقسام العربية من فلسطين ووقوفها على حدود الدولة اليهودية بل تراجعها عن الكثير والغالي من القسم العربي من فلسطين: عكا وقضائها ويافا واللد والرملة والناصرة وقضاء الجليل، كل ذلك يوضح تماما أن المؤامرة تستهدف حرمان عرب فلسطين من حقهم في تقرير مصيرهم. لم تدخل جيوش الدول العربية الارض الفلسطينية للقضاء على الدولة اليهودية كما ادعت، بل لاحتلال أراضي القسم العربي ولمنع قيام دولة عربية مستقلة، تكون شوكة في حلق الاستعمار في الشرق العربي، هذا ما أثبتته الأحداث العسكرية الأخيرة وهذا ما أراده المستعمر من وراء تدخل الجامعة العربية". 

وعلى هذا الموقف تماما وفضحها تورُّط النظام العربي الرجعي في تسهيل مرور المشروع الامبريالي الصهيوني في فلسطين، جرت تاريخياً وتجري اليوم بإصرار أكبر، محاسبة عصبة التحرر الوطني والشيوعيين عند كتابة التاريخ، وتشويه مواقفها في ظل استفحال الهجمة الرجعية العربية وتكشّف تحالفها مع الصهيونية والامبريالية في أيامنا هذه بالذات

وتخلص وثيقة عصبة التحرر الوطني إلى أن: "من واجب شعبنا إذا أراد أن يكون مصيره مصير شعب حر مستقل، أن يناضل في سبيل إقامة دولة عربية مستقلة في القسم العربي من فلسطين على أساس قرار منظمة الامم المتحدة وعلى أساس التفاهم والتعاون بين الشعبين العربي واليهودي".

وبعيدا عن نشر الاوهام وإغراق الجماهير بها، صارحت العصبة شعبها، بحجم التحديات التي تنتظر المشروع الكفاحي الذي تدعوهم للالتحاق به وتبنيه: 

"إن نضال شعبنا العربي (الفلسطيني) من أجل إقامة دولته العربية المستقلة، سيصطدم بمقاومة الاستعمار وأُجَرائه من الرجعية العربية والرجعية اليهودية على السواء."

وأضافت الوثيقة:"لا تزال الرجعية العربية تمني اللاجئين بالعودة السريعة، وتهدد بالحرب اذا لم يرجع اللاجئون، وكأن هذه الحرب لم تعلن الا لتشريد أهالي فلسطين

إننا نؤكد لأولئك الذين شردهم الاستعمار- المتآمر مع الصهيونية - والرجعية العربية الخائنة، إن من شردهم لن يتمكن من إرجاعهم.... لن يرجع اللاجئون الى بلادهم نتيجة لمساومات استعمارية بين الرجعية العربية والرجعية اليهودية... إن رجوع اللاجئين الى وطنهم، يعتمد على نجاحنا في النضال من أجل إقامة دولة عربية في فلسطين تقوم على أساس التعاون والتفاهم مع الشعب اليهودي. إن قيام دولة عربية ذات سيادة في فلسطين، تسير على هدي قرار منظمة الامم المتحدة هو الضمانة الأكيدة والوحيدة لإعادة اللاجئين".(23).

الأمانة التاريخية

تعرض تاريخ الشيوعيين الفلسطينيين والشيوعيين في فلسطين، وخصوصا الموقف من قرار التقسيم الى حملة من التشويه حتى بات يبدو ان انشغال بعض القوى السياسية ومؤرخيها بقراءة مبتورة لقرار عصبة التحرر الوطني والشيوعيين عامة بقبول قرار التقسيم في شباط 1948، وهو القرار الذي تم قبوله فقط بعد ان اصبح القرار ناجزا عالميا، إنّ هذه القراءة المبتورة تُسهم في رفع المسؤوليّة عن المجرمين الحقيقيين عن نكبة الشعب الفلسطيني، من إمبريالية عالمية وصهيونية ورجعية عربية، وتبرئة ساحتهم وإلقاءهذه المسؤولية على الشيوعيين في خدمة هذا الثالوث الدنس. وذلك على الرغم من أن عصبة التحرر الوطني والشيوعيين الفلسطينيين والشيوعيين في فلسطين عامة، كانوا هم الذين تمسكوا حتى اللحظة الأخيرة أكثر من أية قوة فاعلة أخرى على الساحة الفلسطينية والعربية برفض مشروع التقسيم، ورفضوا توصية الأكثرية في لجنة تقصي الحقائق الدولية بتقسيم فلسطين وعملوا على مقاومة هذه التوصية بكل الوسائل المتاحة، وطرحوا مشروعهم الديمقراطي التحرري بديلاً للتقسيم، بقي هذا هو الموقف والممارسة الى أن أصبح التقسيم نافذا وبات السؤال الحاسم الوحيد ذو الصلة، ليس الخيار بين التقسيم وبين الحل الديمقراطي في دولة واحدة كما طرحه الشيوعيون، بل بات السؤال: هل يمكن انقاذ حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وممارسته في دولة في فلسطين؟ بعد أن أصبح واضحاً أن مشروع الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية الجاهز والمبيّت يقود حتما الى نكبة الشعب الفلسطيني واقتلاعه وتشريده؟ 

ويسأل السؤال، أليس أخطر ما يمكن أن يقوم به مؤرخ أو باحث مهنياً وموضوعياً في هذه الحالة، هو تجاهل الوثائق المركزية الصادرة عن عصبة التحرر الوطني، خاصة تلك التي تناولت بشكل واسع ومعمق موضوع بحثه، وهي وثائق قد تكون الوثائق السياسية الوحيدة التي صدرت في الفترة التي بحثها، وتتضمن مواقف العصبة من القضايا ذات الصلة ببحثه؟!. 

ومن هذه الوثائق – مذكرة العصبة "طريق فلسطين الى الحرية" التي صدرت في آب 1947 ووثيقة توفيق طوبي في أيلول 1948: لماذا نناضل من أجل دولة عربية مستقلة؟ والمناشير التي وزعتها العصبة في ميناءي حيفا وبيروت ودعت فيها جموع اللاجئين الى العودة الى بيوتهم وأماكن عملهم 3.5.1948، (23).

 وما وثقه حنا نقارة من قيامه بقيادة محاولات لتنظيم مسيرة عودة لعشرات ألوف اللاجئين يعبرون الحدود عبر رأس الناقورة الى فلسطين.. وقيامه على رأس وفد بمقابلة رئيس الحكومة اللبنانية رياض الصلح في أواخر تموز 1948، لتمكين اللاجئين من الوصول الى رأس الناقورة لينطلقوا عائدين عبر الحدود في تحد للجيش الاسرائيلي وسياسة التهجير، وردّ الصلح على طلبه ورفاقه بقوله: "هذا أمر لا أستطيع فعله.. هذه تحتاج الى أوامر من فوق من فوق"!! (24).

إن المقلق ان هذا التجاهل لوثائق العصبة الصادرة عنها وعن قيادات فيها، لم يحدث بسبب انعدام هذه الوثائق بل على الرغم من توفرها لكل باحث يرغب في استعمالها. فهل يستطيع القارئ النبيه أن يستنتج أن قيام د.

عادل مناع مثلا بتغييب هذه الوثائق التي بحثت ووثقت مواقف العصبة والشيوعيين من قرار التقسيم وما تلاه من تطورات، في الفصل الثالث من كتابه "نكبة وبقاء" (25) يضيف الى الأمانة التاريخية أم يتنكر لها؟ وهل يساعد على فهم التاريخ الفلسطيني والصراع الفكري على ساحته ؟!

وإذا كانت عصبة التحرر الوطني قد صاغت على طول الطريق الوعر معادلة ثلاثي الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية وحددت مسؤولية هذا الثلاثي مباشرة عن نكبة الشعب الفلسطيني، جميع مركباته معا، وكل واحد منها على حدة، فقد تجاهل بعض المؤرخين الحقيقة الساطعة والمؤسفة، بأن الحركة الشيوعية وعصبة التحرر الوطني على طول تاريخها، قد حرمت بشكل منهجي من قبل الحركة القومية الفلسطينية والعربية وقيادتها التقليدية من أخذ دورها والاعتراف به في معركة الشعب الفلسطيني التحررية، مما منع عنها الامكانية للقيام بدور حاسم للتأثير على مسارها الفعلي. ويشير إميل حبيبي الى ذلك في تقديمه لكتاب سميح سمارة: "العمل الشيوعي في فلسطين – الطبقة والشعب في مواجهة الكولونيالية: " الواقعة التاريخية الجذرية هي أننا منعنا نحن الشيوعيين الفلسطينيين – من تحمل أية مسؤولية في تقرير مصير القضية الفلسطينية، وفي مراحل هذه القضية، حتى ولا المشاركة في تحمل أي قسط من هذه المسؤولية" (26).

لقد كانت عصبة التحرر الوطني في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ الشعب الفلسطيني، هي القوة الفلسطينية والعربية الوحيدة التي طرحت من قلب جرح النكبة النازف مشروعاً كفاحياً واضح المعالم لمواجهة نتائج النكبة والتشريد، مشروعا قابلا للممارسة، بعيداً عن الخطابة والشعارات العاطفية الرنانة، والقومجية والأصولية الزائفة، وبعيدا عن دعوات الاستسلام والإحباط والخرافة

إن الصدام والمجابهة مع الرجعية العربية وفكرها وسياستها وتبعيتها وعمالتها لمشاريع الهيمنة الامبريالية والصهيونية، كانت قبل سبعين عاما، وما تزال اليوم حجر الرحى في معارك الشعوب التحررية، وكان نهج عصبة التحرر الوطني الفلسطيني ومنهجها التقدمي وما زال، "الحجر الذي أهمله البناءون فصار رأس الزاوية".

هوامش

 (1) أحمد سعد، جذور من الشجرة دائمة الخضرة، توفيق طوبي، صفحات ناصعة من التاريخ المشرف، عكا، معهد إميل توما 1996، ص 14
(2)  توفيق طوبي، أرشيف توفيق طوبي في معهد إميل توما، وثائق عصبة التحرر الوطني.
(3)
أحمد سعد، جذور من الشجرة دائمة الخضرة
(4) جريدة الاتحاد، حيفا 1.6.1947.
(5)
الاتحاد، حيفا 18.5.1947 
(6)
مذكرة عصبة التحرر الوطني الى لجنة تقصي الحقائق - اليونيسكوب : طريق فلسطين الى الحرية، 
آب 1947.
(7)
ميخائيل بار زوهر، بن غوريون، سيرة سياسية،(تل أبيب، كيتر،1977) الجزء الثاني،ص 641 (بالعبرية)
(8) سمحا فلابان، ولادة إسرائيل – الواقعوالأسطورة والحقيقة, ترجمة يورام بار (تل أبيب: بدون اسم دار النشر، 1990) ص 30 
(9)
جمال عبد الناصر، يوميات جمال عبد الناصر في حرب الخليج، ص 4.
(10)
فلابان، ولادة..., ص 95 
(11)
إلياهو ساسون : في الطريق الى السلام، تل ابيب: عام عوبيد، 1978.
(12)
فلابان، ولادة...ص 95 
(13)
تقرير لجنة اسماعيل صفوت – الخالدي : وجهة النظر العربية –ص 130
(14)
عزام باشا، مقابلة مع عبد الرحمن عزام باشا مع صحيفة Le Progres Egyptian،5 تشرين الأول 1945
(15)
عبد الله التل "كارثة فلسطين : مذكرات عبد الله التل – القاهرة 1959
(16)
ماير فلنر، المؤتمر ال-10 للحزب الشيوعي الفلسطيني، التقرير السياسي.
(17)
كول هعام (لسان حال الحزب الشيوعي الفلسطيني )، تل ابيب 1.9.1947، 
(18)
الاتحاد، حيفا 19.10.1947

(20) بولس فرح، المصدر نفسه، ص 188.
(21)
بولس فرح، المصدر نفسه، ص 191
(22) وثيقة عصبة التحرر الوطني، حيفا، أيلول 1948 (أرشيف توفيق طوبي في معهد
 إميل توما).
(23)
عصبة التحرر الوطني، حيفا، 3.5.1948 بيان صدر عن العصبة ووزع في ميناء 
 
حيفا وميناء بيروت.(أرشيف توفيق طوبي)
(24) حنا نقارة،مذكرات محام فلسطيني – حنا ديب نقارة محامي الارض والشعب، الطبعة الثانية، بيروت،2011 ص 157– مؤسسة الدراسات الفلسطينية –نوفمبر 2011)
(25) عادل مناع، نكبة وبقاء،بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية 2016
(26) سميح سمارة، العمل الشيبوعي في فلسطين - الطبقة والشعب في مواجهة الكولونيالية – تقديم إميل حبيبي، الطبعة الاولى، بيروت، دار الفارابي 1979 ص8 .