2017-12-03

فوكوياما و"نهاية" الديمقراطية الليبرالية

د. ماهر الشريف

في صيف 1989، نَشَرت مجلة "ناشيونال إنترست" مقالاً بعنوان" نهاية التاريخ؟ "، كتبه فرنسيس فوكويا الأكاديمي ونائب مدير التخطيط السياسي في وزارة الخارجية الأميركية آنذاك، وفيه اعتبر أن  الديمقراطية الليبرالية، القائمة على الحرية الفردية واقتصاد السوق في المقام الأول، شكّلت سقف التطلع الإنساني ونهاية التطور الأيديولوجي للإنسان، بحيث لم يعد هناك خيار بديل قادر على تحقيق نتائج أفضل منها. وفي سنة 1992، ذاع صيت فوكوياما عالمياً بعد أن طوّر أطروحة مقاله هذا  في كتاب بعنوان: "نهاية التاريخ والإنسان الأخير"، خلص فيه إلى أن نهاية الحرب الباردة سمحت بانتصار إيديولوجية الديمقراطية الليبرالية على غيرها من الإيديولوجيات السياسية، معتبراً أن انتصار هذه الإيديولوجية على مستوى العالم هو انتصار للفكرة وليس بالضرورة للممارسة.

في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2017، نشرت صحيفة "فاينانشال تايمز" اللندنية مقالاً لفرنسيس فوكومايا، تناول فيه مغزى فوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأميركية في ظل تصاعد النزعة القومية الشعبوية في الغرب. وقد أعادت أسبوعية  "الكورييه أنترناسيونال" الفرنسية نشر هذا المقال تحت عنوان: "نهاية الديمقراطية الليبرالية" (العدد رقم 1360، تاريخ 24-30 تشرين الثاني2017، ص 31-32).

لقد قدّر فرنسيس فوكوياما في مقاله الجديد هذا أن فوز دونالد ترمب المذهل في الانتخابات الرئاسية الأميريكية لم يشكّل منعطفاً في الحياة السياسية في الولايات المتحدة الأميركية فحسب وإنما على مستوى النظام العالمي برمته، معتبراً أننا "دخلنا كما يظهر في طور جديد من النزعة  القومية الشعبوية"، وأن "النزعات القومية المتناحرة والمتصاعدة التي يشهدها العالم  قد تكون لها تداعيات كالتي شهدناها عند سقوط جدار برلين في سنة 1989".

ويتابع فوكومايا أن فوز ترمب فرض التوقف عند مسألة الأصول الاجتماعية للناخبين الذين نجح في تعبئتهم. إذ أظهرت خارطة توزع أصوات المقترعين  أن ناخبي المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون كانوا متركزين  في المدن الساحلية الكبرى، بينما صوت ناخبو مناطق شاسعة في أميركا الريفية العميقة  لصالح خصمها. كما نجح ترمب في كسب تأييد  قطاعات من العمال المنظمين في النقابات الذين باتوا يعانون، في ظل العولمة والتقدم التكنولوجي، من تراجع  التصنيع، وذلك بعد أن وعدهم  بإعادة الوظائف إليهم  كي "يسترجع عظمة أميركا".

وإذ  يعتقد فوكوياما أن النظام العالمي الليبرالي قد "أوفى بوعوده": فما بين سنة 1970 والأزمة المالية الأميركية في سنة  2008، تضاعف الإنتاج العالمي للمنتجات والخدمات أربع مرات، وخرج مئات الملايين من الرجال والنساء من حالة الفقر، فهو يأخذ على هذا النظام "عدم تمكنه من توزيع المنافع على جميع فئات السكان"، الأمر الذي تسبب في فقدان الطبقات العاملة في العالم المتطور وظائفها، وقيام المؤسسات  الصناعية بممارسة التعاقد  من الباطن كي تتكيف مع سوق عالمية صار التنافس فيه وحشياً، وهو ما تفاقم  كثيراً عقب الأزمة المالية في الولايات المتحدة الأميركية  في سنة 2008 وأزمة اليورو التي ضربت أوروبا بعد عامين من ذلك التاريخ.

وبعد أن يشير فوكوياما إلى أن النظام الأميركي لم يعد يمثل حقيقة  الطبقة العاملة التقليدية، فالحزب الجمهوري يخضع لنفوذ رجال الأعمال وحلفائهم، وجميعهم من المستفيدين من العولمة، بينما تحوّل الحزب الديمقراطي إلى حزب الجماعات والأقليات: إذ بات تحالفاً بين النساء، والأميركيين من أصول أفريقية، والناطقين  باللغة الإسبانية، والمدافعين عن البيئة، ويعتبر أن "إخفاق" اليسار الأميركي، الذي لم يفلح في تمثيل الطبقة العاملة، هو أيضاً "إخفاق" لتيارات يسارية أخرى في أوروبا، ويخلص إلى أن "الأمة" نجحت في التفوق على "الطبقة"، "لأنها تستند إلى شعور هوياتي قوي، وإلى رغبة بالارتباط بجماعة تمتلك ثقافة طبيعية". وهذا التطلع الهوياتي تجسده اليوم في الولايات المتحدة تركيبة "بقيت حتى اليوم هامشية من مجموعات مختلفة تتبنى النزعة القومية البيضاء بهذا الشكل أو ذاك".

ما هي تداعيات فوز دونالد  ترمب على النظام العالمي؟

عن هذا السؤال، يجيب فوكوياما أن ترمب زعيم قومي على صعيد الاقتصاد وعلى صعيد النظام السياسي الكوني. وهو أعلن صراحة أنه  سيعيد التفاوض على المعاهدات التجارية التي وقعتها بلاده، وإذا لم ينجح في ذلك فهو قد  يتخلى عن تلك المعاهدات. كما أنه أظهر إعجابه بالزعماء الأقوياء في العالم مثل فلاديمير بوتين. وتنطوي مواقفه على تهديدات جدية للاقتصاد العالمي ولنظام الأمن العالمي. فالنزعة القومية الاقتصادية تتصاعد في العالم، علماً بأن "تحرير التجارة والاستثمارات ارتبطا تقليدياً بالهيمنة الأميركية".

كما أن المخاطر على نظام الأمن العالمي كبيرة. فروسيا والصين تمكنتا من البروز في غضون العقود الأخيرة بصفتهما "القوتين الكبريين الرئيسيتين التسلطيتين، وموقف ترمب من روسيا يثير القلق بوجه خاص".

وتمثّل رئاسة ترمب – كما يتابع فوكوياما - نهاية مرحلة شكّلت فيها الولايات المتحدة "رمزاً" للديمقراطية في نظر شعوب "تعيش في ظل أنظمة تسلطية فاسدة في العالم"، معتبراً أن  "نفوذ بلدنا اعتمد دوماً على القوة الناعمة أكثر من اعتماده على التدخلات العسكرية  كغزو العراق"، كما عبّر خيار الولايات المتحدة الأميركية  في 8 تشرين الثاني/نوفمبر 2016، بضمان فوز ترمب، عن "التخلي عن المعسكر الليبرالي الأممي لصالح المعسكر الشعبوي القومي"، الذي بات يعبّر عن "أممية جديدة قومية - شعبوية"، بحيث لم يكن صدفة أن يكون نايجل فاراج الذي كان يتزعم حزب "الاستقلال" في المملكة المتحدة  ومارتين لوبين، زعيمة "الجبهة الوطنية" في فرنسا، من أوائل من دعم ترمب وهنأه بالفوز.

ولا ينبع  التحدي الأكبر الذي يواجه الديمقراطية الليبرالية اليوم – كما يستخلص فوكوياما – "من القوى التسلطية المكشوفة، وإنما من داخل هذه الديمقراطية". ففي الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وفي أوروبا وفي بلدان عديدة أخرى، "ينتفض المكوّن الديمقراطي [عبر الانتخابات] للنظام السياسي على المكوّن الليبرالي، ويهدد باستخدام شرعيته الظاهرية كي يفكك القواعد التي شكّلت إلى اليوم ركائز النظام المنفتح والمتسامح"، وهو ما يفرض على النخب الليبرالية التي خلقت هذا النظام "أن تسمع صيحات الغضب التي تتصاعد خلف أسوار القصر، وترى في المساواة الاجتماعية وفي الهوية مسألتين يجب التعامل معهما بصفتهما أولوية"؛ وبطريقة أو بأخرى "نحن نتجه نحو هزات جدية في السنوات القادمة".

وختاماً، يبدو أن تصاعد النزعة القومية الشعبوية في الغرب، وفي الولايات المتحدة الأميركية بوجه خاص، فرض على فرنسيس فوكوياما أن يعيد  النظر في أطروحة "نهاية التاريح"، فـ "الديمقراطية الليبرالية" لم تبرز، كما توقع، بصفتها الإيديولوجية "المظفرة" و"نهاية المطاف" بالنسبة للتطوّر الإيديولوجي الإنساني. بيد أن فوكوياما، بتأكيده على "إخفاق" اليسار، ما زال مصراً على الشق الثاني من أطروحته الأولى، وهو ما تبدى بصورة جلية في تجاهله الكامل، لدى حديثه عن الانتخابات الرئاسية الأميركية، لظاهرة عضو مجلس الشيوخ عن الحزب الديمقراطي بيرني ساندرز، الاشتراكي الذي أراد أن يقفز إلى البيت الأبيض، والذي تبنّى برنامجاً انتخابياً دعا فيه إلى إعادة توزيع الثروات، وانتهاج  سياسة ضريبية تصاعدية، وتحديد حد أدنى للأجور، وضمان مجانية التعليم الجامعي وتعميم الرعاية الصحية بحيث يستفيد منها كل مواطن، كما دعا، على الصعيد السياسي، إلى "ثورة سياسية" تضمن زج أوسع الفئات الشعبية في حياة البلاد الديمقراطية.

وعلى قاعدة هذا البرنامج، نجح بيرني ساندرز في دخول منافسة حامية مع مرشحة الحزب الديمقراطي الأقوى، هيلاري كلينتون، بعد أن تمكن من جمع عشرات الملايين من الدولارات من مانحين صغار، وصار يحضر المهرجانات الانتخابية التي يتحدث فيها عشرات الألوف من الأشخاص، بل بات يتفوق، بحسب بعض الاستطلاعات، على منافسته لدى شريحة أعضاء الحزب الديمقراطي الذين تقل أعمارهم عن الخمسين سنة. وسمحت حملته  لملايين الناس بأن يرفعوا صوتهم ضد سلطة رأسمال وكبار الأثرياء، والمطالبة بسياسة اجتماعية مختلفة.