2017-11-28

ما الإستراتيجية التي تتبعها الإمبرياليات والطبقات المسيطرة من أجل سحق الإنتفاضات الشعبية؟

هيفاء احمد الجندي

لجأت الإمبرياليات وفي سياق صراعها،من أجل السيطرة على مناطق النفوذ والأسواق،ونهب الثروات واستغلال الموارد، إلى عدة وسائل من أجل إحباط أحلام التغيير، كفرض الاستيطان وإنشاء دولة إسرائيل وتحريك الولاءات التقليدية من طائفية وإثنية وقبلية وإنشاء أحزاب وتشكيلات معادية للقوى اليسارية التقدمية وإلى تغذية الحروب الأهلية، وخلق كيانات جديدة وخصوصاً في المجتمعات الشديدة التنوع،ومن أجل تكريس هيمنتها، أنشئت قواعد عسكرية، ومستوطنات وكيانات خاصة ببعض الجماعات، فضلاً عن دعمها وحمايتها للطبقات الحاكمة وفرض التبعية وذلك من خلال دمج الاقتصاد الوطني بالسوق العالمية الرأسمالية، وأدى هذا الاندماج الى خلق شرائح كومبرادوية، ذات مصالح وطموحات وتطلعات خاصة،جعلتها تتمسك بالكيانات القائمة،وتصارع للإبقاء عليها.

وهذا ما يفسر عدم دقة المقولات، التي تدعو إلى عدم إقحام البحث في موضوعات الصراع الطبقي، أو الاهتمام بالعدالة الاجتماعية في سبيل الإبقاء على القائم وإعادة انتاجه.

وهي مقولات،تتجاهل أهمية ارتباط الطبقات الحاكمة بالقوى الإمبريالية وميلها للمساومة،على حساب مصلحة الشعوب، إذ لا يوجد فصل بين القهر الوطني والطبقي وهما وجهان لعملة واحدة.

وما إن تظهر علائم الضعف والإنهيار على هذه الأنظمة،حتى تستيقظ كل العصبيات المكبوتة، ويمكن أن تتحول إلى حروب أهلية مديدة لا تبقي ولا تذر،وبالمقابل لا يمكن لقوى الهيمنة أن تحدث شغباً داخل البلدان،ما لم تتوفر العوامل الكامنة،وينحصر الدور الخارجي في تغذية هذه النزاعات،سراً وعلانية وبشكل مباشر أو غير مباشر.

ولا ضير من القول، إن التنوع والتعدد، يمكن أن يتحولا إلى انقسامات ونزاعات حيث تسود، الفروقات الطبقية الحادة والاقتصاد الحر، وغياب العدالة والمساواة والتنمية، الأمر الذي يؤدي الى ازدياد الفجوات ما بين الطبقات الحاكمة والطبقات الشعبية داخل كل مجتمع وما بين المدن والأرياف.وتزداد ثروات الأغنياء ويزداد الفقراء فقراً.

وتعمد الإمبرياليات، كي تحول الأنظار،عن هذا التفاوت الطبقي المريع،إلى تبني خطاب إيديولوجي،من شأنه أن يسوغ هذا الواقع، كصراع الحضارات والثقافات،ومن هنا تبرز أهمية أن يدرس الصراع الثقافي، في صلب عملية الصراع من أجل التغيير،كأن نقول بأن الصراع مع الغرب الإمبريالي، ليس في الأساس صراعاً أو تصادماً حضارياً،بل هو صراع ناتج عن التناقضات من أجل المصالح والمواقع وعلاقات القوة، التي يمارسها الغرب على العرب ويفرض عليهم حلوله، من منطلق مصالحه المتناقضة مع المصالح العربية الثورية.

إن الثقافة، بما تتضمنه من معتقدات وقيم ونظريات وآراء ومفاهيم، تتصل اتصالاً وثيقاً، بالبنى والتناقضات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فلا يكون الصراع الثقافي، صراعاً بذاته،ومجرد بحث عن الحقيقة لنفسها،وهذا ما يفسر توظيف الدين والطائفية في حمأة الصراع الطبقي، من قبل الطبقات المسيطرة، كأداة سيطرة كي تثبت شرعيتها وهيمنتها الطبقية، وتستخدم الحركات المعارضة أيضاً الدين كأداة تحريض ضد خصومها في الحكم.

أما الفقراء فيجدون في الدين،وفي زمن الردات الثورية والحروب والأزمات،عزاءاً لهم وأداة مصالحة مع الواقع الذي ثاروا ضده،والخوف أن ينتهي بهم المطاف إلى الاستكانة، وقد تنجح هذه الاستراتيجية مرحلياً،في تحويل الأنظار،عن القضايا الرئيسية، كالتفاوت الطبقي والتهميش الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.ويمكن أن تحدث انقساماً وشرخاً ونكوصاً للوعي الطبقي الى طائفي هوياتي.

ومن هنا تنبع أهمية،التحليل الاجتماعي والتاريخي،الذي يدرس الدولة في محتواها الاجتماعي، وفي ضوء العلاقات والتناقضات الاجتماعية، والمواقع التي تشغلها الطبقات والجماعات،والبنى الاقتصادية-الاجتماعية،ونقد الأنظمة التي حاربت الأحزاب والنقابات، وشجعت الحركات الدينية، واستخدمت الدين والطائفية كمسألة لها علاقة بالنفوذ والسلطة،كي تحارب القوى اليسارية، ويجب أن تكون الأولوية لدراسة البنية الطبقية- الفوقية المفوتة تاريخياً وبات من الملح والضروري تفكيك السلطات ضمن السياق التاريخي كي نفهم طبيعة الصراع القائم.

ومن الضروري أيضاً، نقد التيارات الليبرالية، التي تنطلق من منظور ثقافوي- سياسوي وتطالب بإصلاح النظام من فوق،تجنباً ومنعاً لحصول تحركات شعبية من تحت، ويتجنب هذا التيار، مقولة التحليل الطبقي، ويقول بالتعاون والتكامل مع الغرب،الأمر الذي أدى الى تعزيز التبعية للغرب والى الاغتراب والطبقية وإن حقق بعضاً من مناخات الحرية.

وحتى نموذج النظام الوطني الشعبوي، الذي كان سائداً في الخمسينات، أو ما اصطلح على تسميته "ثورة من فوق" والذي قام بتوزيع الأراضي وتأميم الشركات، ولكنه لم يلغي ثقافة الإقطاع، والإيديولوجيا القروسطية وحرص على الإيمان الديني، ورفض العلمانية والتحليل الطبقي، وتميز بشخص الفرد الحاكم، وليس بحكم الحزب المستند إلى حركة شعبية، وهادن القوى التقليدية، ولم يسمح بالمشاركة الشعبية، وارتكز على محاولات فردية بديلاً عن الحركات السياسية التغييرية.

وعلى الرغم،من أننا نعيش في عصر تغيير ثوري دائم،تبقى من بين أهم مشكلات البعض، أنه ينطلق من أسس تقليدية، في مواجهة معضلات حديثة ومركبة، طالما نعيش في ظل المؤسسات القائمة،ويعمل من ضمن البنى الاجتماعية المتوارثة، وسيظل يقاوم حدوث تغيير شامل وسريع، بل يزعجه أي حديث حول رفض الماضي والثقافة السائدة، وعلى الرغم من كونه يكثر الحديث عن الثورة وهذه الأخيرة، لا تشمل في نظره، تغيير المجتمع تغييراً جذرياً، يتناول البنى الاجتماعية في العلاقات القائمة، وأن التغيير يبدأ من تغيير البنى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لأن هذه القيم، هي ظاهرة تنبثق من هذه البنى، وتعمل على تثبيتها واستمرارها وتبريرها، في الوقت الذي تكون مسألة التغيير، مرتبطة بمهمات تجاوز البنى السائدة والانتماءات التقليدية.

وهناك من يحاول تأبيد هذا الواقع القائم، وهم خصوم للتغيير الجذري الثوري ومن يسعى الى دعم القوى المضادة للثورة (الأنظمة القديمة والقديمة المحدثة الانقلابية والاسلام السياسي) وهما بمثابة الأداتان التنفيذيتان، لمخططات الغرب الإمبريالي، في تكريس القائم، وإعادة إنتاجه،كي تقطع الطريق على التغيير الجذري، وتحول دون بناء الدولة العادلة الديمقراطية، الممثلة لمصالح الفئات الشعبية المفقرة، في الوقت الذي يعمل فيه،على 'إعادة إنتاج الأنظمة وبالبنية الطبقية الشديدة الاستقطاب، وذات التوجه الرأسمالي الريعي- المالي، وذلك من خلال إبرام تسويات فوقية،تجمع الأقطاب المضادة للتغيير الجذري وقوامها نخب نيوليبرالية مدنية وعسكرية.

غني عن البيان القول،بأن الفرق بين الفكرالملتزم بقضية التغيير الثوري، والفكر الإصلاحي المعادي للثورة، هو التزام شكلي، وغالباً ما يتبناه مثقفو الفئات الوسطى وبات من الضروري، التفكير بمسألة التنظيم،والعمل على بناء أحزاب ثورية، تدافع عن مصالح الفئات الشعبية المفقرة من عمال وفلاحين وعاطلين عن العمل والعمل على بناء كتلة تاريخية، قوامها مثقفون ثوريين وأحزاب ثورية تكون نقيضة للسائد الفكري والسياسي والإيديولوجي.

ولن نرى،احتمالات تغيير جذري،من دون حصول وعي طبقي ثوري، وهذا مرتبط بدور وفعالية المثقفين والأحزاب، واللذان يقع على عاتقهما، تحرير الوعي من أغلاله الطائفية.وينبغي التشديد،على علاقة الثقافة بالواقع الاجتماعي- السياسي الذي نعيشه في الوقت الحاضر والانخراط بالسيرورة الثورية بكل تعرجاتها ومراحلها ورداتها الثورية الراهنة.