2017-11-22

تحية لذكرى أديبنا الراحل .. عدي مدانات

سعيد مضية

رحل عن دنيانا في العاشر من نوفمبر 2016 الروائي الأردني عدي مدانات، الكاتب الديمقراطي صاحب مؤلف "فن القصة". وفي 13 نوفمبر 20017 اقيم في المركز الثقافي بعمان حفل تأبين للراحل الكبير. القيت هذه الكلمة ضمن كلمات للأصدقاء الفقيد:

نلتقي الليلة في حضرة الغائب العزيز عدي مدانات. غاب بجسده وبقيت  إبداعاته الثقافية تحاورنا ونحاورها وننهل من معينها . إبداع فقيدناالأديب سيظل زمنا طويلا يلهم الحنين لعالم بلا استلاب. جمالية الأدب والفن ورقيهما تحفز النهوض الشعبي وتغذي الطموح للتحرر الإنساني والتقدم.الأدب الذي تركه لنا الراحل الكبير خاطب العقل والوجدان في الإنسان، لبنة البنية الاجتماعية ، يهيب به ان يمعن التفكير و ينهض، للخلاص من مازق الأيام الثقيلة، واعيا لدوره في صنع حياةبلا جور أو حرمان.

لكي نقدم عرضا موضوعيا للإبداع الثقافي الذي أبقاه لنا فقيدنا، بمعزل عن مشاعر الاعتزاز بصداقته والاحترام لسجاياه، يلزمنا رصد المهمات الثقافية للمرحلة، وتقييم مدى تطابق الابداع الثقافي للراحل الكبير مع هذه المهام، فإشكالية المرحلة ثقافية بامتياز، بحيث "توجب على مثقفي اليسار الإقرار بأن لأهم أنماط الهيمنة المعيقة للتحرر الإنساني وإنجاز مهام التقدم الاجتماعي هي ثقافية وتربوية، وليست اقتصادية فقط، وتكمن بجانب المعتقدات والقناعات. فمن المهم ان يتحمل المثقفون على عاتقهم مسئولية ضخمة لتحدي هذا النمط من الهيمنة " كما قال عالم الاجتماع الفرنسي بيير بوردو، أحد أبرز  المراجع العالمية في علم الاجتماع المعاصر.

على مشارف سبعينات القرن الماضي تزامن زلزال حزيران 1967 مع بزوغ الليبرالية الجديدة، مسعى جديدا للرأسمالية الاحتكارية لفرض عولمتها على المعمورة. تعززت الهزيمة العسكرية في حزيران وتمددت زمانيا ومكانيا في أرجاء العالم العربي بتاثيرات مدمرة لإعصار سياسي ثقافي دهم المنطقة والعالم باسره، هو إعصار الليبرالية الجديدة. حملت الرأسمالية المعاصرة صفة رأسمالية الكازينو، حيث يستهجن التعاطف مع الخاسر، ولو كان ضحية "التصحيحات الاقتصادية" التي امر بها صندوق النقد الدولي.تحالف الليبراليون الجدد، ونواتهم المسيحيون الصهاينة، مع الصهيونية ودولة إسرائيل، واستوعبوا مشروعها الاستيطاني التهويدي مشروعا لهم في سياق الهيمنة على العالم. مضى اغتصاب الأراضي الفلسطينية وفق نموذج الليبرالية الجديدة في اللهف والهبش.

غزت ثقافة الليبرالية الجديدة مراكز العقلانية والإنسانية، واستقوت في كنف سلطوية النظم الأبوية من المطابخ الثقافية لليبرالية الجديدة تنتج العولمة والقبح وتروجه عبر منابرها كالفطر المسموم. انحطاط الفن خطر على المجتمع كله، إذ يثبط العزائم وينشر الإرباك. انحطاط الفن يولد انحطاط النوازع، والقبح الفني يلد كل أنواع القبح القومي.ثقافة الليبرالية الجديدة تنهض بادوار فرق عسكرية. تدفق سيل من المياه العادمة ينشر اليباب. بمقدورنا القول ان الصراع الأساس تركز في ميدان الثقافة. 

نزل عدي مانات الى الميدان واعيا لرسالته الوطنية الاحتماعية، مدركا لمناورات الثقافة المضادة، كما أجملها في مؤلفه الدرة النفيسة "فن القصة": الكاتب أولا وأخيرا صاحب موقف من الصراعات البشرية والتحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية (176). الكتابة رسالة اجتماعية في نظر عدي مدانات. يعتبر الكاتب نفسخ منخرطا في واقع عصره فيقارب لاالكتابةفعهلا تاريخيا بل فعل مقاومة.

كتابات عدي في القصة والرواية والبحث إبداع عقلاني نموذج لكتابات عربية  لم تسقط في وحل ثقافة الليبرالية الجديدة، فعبّر بكتاباته عن سيادة مجال مفاهيمي عربي يتحدى ويقارع. "الأمر هو انني، ومن منظور ماركسي، وبكل قوة هذا المنهج الذي لا يعرف الجمود وحيويته، أراهن على قدرة الواقعية المنفتحة المرنة على استيعاب المفيد من كل ما هو جديد ونبذ البدع الاستهلاكية في الفن". ينقل عن لينين في رسالة بعث بها إلى مكسيم غوركي،" كان الفيلسوف هيغل محقا والله حين قال :تسير الحياة إلى امام عن طريق التناقض. والتناقضات الحية أغنى وأكثر خصبا ومحتوى مما يبدو للوهلة الأولى".(93)

التزامه الماركسي وضع بين يديه مفاتيح الحياة يستمد منها وقائع قصصه، موظفا في ذلك عناصر الموهية الفنية التي يعددها في بحثه "فن القصة" وتتوفر جميعها في إبداعاته - رهافة الإحساس والانتباه اليقظ والذاكرة والخيال يفعّلها الفكر والتفكير. "يكتسب الفكر أهميته بوصفه قوة عقلية وإخاله قائد الملكات كلها وراعيها وموجهها، وله عوائد عملها وثماره". في  الصراع الثقافي الذي اقتحمه فقيدنا الذي نقف في حضرة غيابه بقي عدي مدانات نموذجا للاتساق والصدق مع الذات، كان تطبيقا لكل ما يؤمن به وما يعتقد بصوابه،نجا بنفسه من أمراض «النخبة» التي وضعت مسافة شاسعة بين ما تنادي به وما تمارسه، محافظا على رقي الخطاب وسموفي الاختلاف. مضى في الدرب نقيا دون أن تلوثه المطامع، أو تغريه المصالح والمكاسب.

انتبذ عدي النخبوية  واستكمل عدة الإبداع الأدبي، مجدافه موهبة نضجت بالدربة والممارسة أقلع به في بحر الحياة. يعرض تجربته في مؤلفه "فن القصة":"الإبداع أرقى وظائف العقل وعملياته وهو غاية النشاط هو تحويل كيفي للمادة المعرفية والجمالية المكتسبة منخلال بصيرة وحرفية متقنة إلى بناء ذي نسق جمالي وعلمي يؤدي وظيفة جديدة ويخدم غرضا اسمى". (147)

الإبداع حسب رؤية عدي موهبة مركبة العناصر البيولوجية والاجتماعية  تتفاعل فيما بينها وتتكامل، " قد يلم  الكاتب بصنوف الإبداع المختلفة، وقد يحسّن ادوات التعبير لديه.. غير أن إبداعه يظل قاصرا ما لم ينغمس في نهر الحياة الوادع حينا، والهائج حينا آخر، ما لم يتلمس الواقع بعناصره المتفاعلة  والمؤثرة، بتناقضاته وصراعاته بمواطن القبح والجمال فيه، وسبيله إلى ذلك مبادراته ومهارات اتصاله. فليس ثمة إبداع بمعزل عن الحياة . القراءة وتحصيل المعرفة لا يكفيان لتوسيع مدارك الكاتب  ولا يمنحان إبداعه تلك النكهة الإنسانية الشغوفة ، وستظل كتابته قاصرة محدودة الأثر، وعاجزة عن الإسهام في حركة التطور والتقدم.(56)

الشخوص التي أبدعها عدي تختزل جموعا محبطة من المستلبين مهدوري التفكير، نظرا لإدمانهم تلقي الأوامر أو التصرف بعفوية. ومثلهم جموع الفلسطينيين تحت الاحتلال كرة ملاكمة ينفس المستوطنون عن احقادهم بعد ان أهدرت فيهم قيم الإنسانية. لا أقول متوحشين، إذ الوحش يتعايش مع ضحيته فترة لا يعضه أثناءها الجوع.

يغلب على إبداع فقيدنا العزيز التعمق في النفسية الاجتماعية وسيكولوجيا الفرد.  فهو يتحرى الإنسان من داخله وما يدور في النفس من مدارك حسية وتصورات وانطباعات  ومشاعر. نقل إبداعه الأدبي إلى دنيا الواقع. وشخصية ازدهار في روايته "الآنسة ازدهار وانا" متميزة بتجربتها الحياتية وقيمها الاجتماعية، وكذلك صالح في روايته تلك الأيام، جرفته شهوة الكسب بشتى السبل وبالغريزة وبالنفسية التي تطورت داخله بالتفاعل مع تقلبات الحياة والانجراف مع الاستهلاك والتسلق والارتباط المتين مع أب خاض النضال السياسي، فتعايشت داخله النقائض. اتقن الروائي رسم منمنمات الشخصية المتميزة المتباينة مع شخصية الشقيق.

في روايته " تلك الطريق"[ الأهلية للنشر والتوزيع، ط1 2008 – بدعم من وزارة الثقافة الأردنية] يمضي في مسارب الفساد والإفساد التي سلكها عالم البيزنس في ميدان المقاولات. يكشف جانبا هاما من قصور المنهج الاقتصادي الذي افضى إلى الانهيار العام." وانت بتعرف كيف خلقت الدولة لزلمها شغل ما له لزوم، مشاريع البلد مش بحاجتها، يعني الدولة بتبعزق على الفاضي وعلى المليان"(271). بمفردات اللغة المحكية يدير الحوار بين شخوص روايته، حيث الدروب السالكة لا تستلهم ثقافة ولا علما. يغرف الروائي من وقائع الحياة، أضاء الشقوق التي عشش فيها الفساد وخربت فيها الذمم وبات الفرد عبدا للشهوات الاستهلاكية وصعود مسرب الشهرة والنخبوية يريق على دربها ماء الحياء. "يعني المراقب هو اللي بيسجل كمية الطمم بيزيد وبينقص على كيفه,طبعا هو بدو يفيد ويستفيد"(270)، والشعب المكوي بنار الغلاء المستعرة هو الخاسر.

تستبد بصالح شهوة الكسب من غير جهد معتمدا على الوصولية والغش وألاعيب الفهلوة .نفسية صالح مغايرة لنفسية شقيقه فوزي، الأقرب الى والدهما المناضل الحزبي السابق.وهي على النقيض من نفسيةابي محمود شريكه في المقاولات، وكان لا بد من فسخ الشراكة، و بهتت علاقة صالح،المحموم بأوهام التسلق ، حتى بلغ به الطيش حد ان كسف والده وقطع عليه حديثه: "... الحالة صعبة على الجميع، وراح تصير أصعب على إيد الحكومة الرشيدة.أحكيلكم هالشغلة..

"بابا الله يخليك بلا سياسة اليوم خلينا مبسوطين"!  ذلك هو عالم الهبش واللهف يصوره المبدع في صورة فنية نابضة ومرذولة.

اعتذر صالح وسارع فوزي الى الاعتراض وقال بحنق: "والله اللي بحكيه أبوي مهم خلينا نفهم" .طار السهم المسموم، لم ترجعه اعتذار ولا اعتراض.  مضى السهم وطارت بهجة السهرة وانفض السامر.

غير ان تعقل أبي محمود وحرصه وواقعيته لا تستقيم مع انحرافه مع أصحاب الدعوة. أبو محمود نموذج شريحة من المجتمع تأبت على الهوجة، وعلى الثقافة الاستهلاكية التي لقيت الرعاية وتفشت في اوصال المجتمع تدمر التنمية الحقيقية وتنمي بدلا منها ورما اقتصاديا شوه الحياة الاجتماعية والروحية .

تتناول مجموعة عدي القصصية "تركة الأيام الثقيلة"، فتجد شخوصا مأزومة أحبطتهم اثقال الأيام .بداية القصة حدثا مألوفا، وتجد وقائع القص مأخوذة من الحياة بغير تكلف او افتعال.لكنها منسقة بجمالية، مع اقتصاد في الكلمات هو ميزة الإبداع الأدبي، وعنصر حرفة الفنان المبدع. "عبد الكريم النفتراني بعينه، الموظف المغمور نحيل القامة محني الجذع، الذي شارف على الخمسينمن عمره دون ان يحظى بانتصار ولو طفيف يتباهى به، هو الذي جلب المرح الى غرفة المكتب رقم  9في رواق الوزارة هذا الصباح".

وفي روايته "الآنسة ازدهار وانا" يناقش بعمق قضية اللهاث خلف المادة، بحيث انتبذ التراث وابارت الثقافة. انفردت الآنسة ازدهار بالعزوف عنالإغراءات .يسرد تفاصيل نشأتها وحياتها معلمة ثم مديرة، وما احيطت به من احترام الطالبات اللواتي تخرجن وتزوجن وأنجبن، بينما لم تجد بين الخطاب الكثر من تأتمنه على كرامتها وإنسانيتها. يتردد في عرض صفقة بيع بيتها استطاع الحصول على عرض مغر، ليتبين ان أشقاءها فشلوا في ما حاول متأخرا إقناعها به. والبيت سكن واستقرار وذاكرة حياة غابرة مع الأهل، أي ثقافة متراكمة، لا يهنأ العيش بقطعها او هجرها، حتى لو سيجت ببنايات شاهقة تسد عليها الآفاق.

نظرا لكون الفن موهبة تتطور بالمران والدربة فان رعايتها تبدأ من مرحلة الطفولة.  ومن مرحلة الطفولة يبدا تعويد الطفل على القراءة والبحث عن المعرفة. التعليم الرديء يقدم المعرفة جاهزة لمدارك الطالب عن طريق التلقين. التعليم ينبغي ان يركز على تنمية القدرة على التفكير النقدي والبحث عن المعرفة. يتم تحفيز انتباه الطفل من خلال أدب الخيال وأدب الخيال العلمي بوجه خاص.والمصدر الثالث لثقافة الطفل واكثر المصادر جاذبية هي ثقافة الإليكترون، وهي  ملغمة بما يلحق الخراب بالعقل وبالنفسية الاجتماعية، وتقتضي الحذر.

ما الذي يصقل الذائقة الفنية وينمي المخيلة ويحفز الانتباه ويفعّل المبادرة ويجمّل الخُلق؟ يسأل الباحث الفني عدي مدانات، ويجيب: " كلها حصيلة مرحلة الطفولة في الدرجة الأولى ،مما يرتب على الجميع الانتباه لهذه المرحلة وإيلائها الاهتمام الذي تستحق(22). ومن تجربته الشخصية يسوق الأمثلة ذات الدلالة. "الأهل يمدون الطفل بالمساعدة حتى تتسع دائرة معرفته ويزداد مخزونه، ثم يأتي دور المدرسة . وقد يذهب الطفل إلى تقليد ما يحفظ. إذا ضعف الميل وبهت الانتباه وقل التركيز فإن استجابة الذاكرة للحفظ تضعف وتبهت وتقل. ونحن غالبا ما نهمل ميول أطفالنا او نفرض عليهم ما لا يميلون إليه،  وهذه إحدى عيوب ثقافتنا. (74)

 القراءة عادة يغرسها البيت لدى الطفل، مكتبة البيت غذاء الروح الذي لا يقل قيمة.  وإحضار الكتب الى البيت والمجلات بمثل أهمية إحضار الطعام، فهي تغري الطفل بالقراءة. وللأسف الشديد فإن البيت والمدرسة لا تحبب الكتاب للطفل، ومن ثم لا يستهويه من الإليكترون غير التسالي. اما المدرسة فتنفر الأجيال من الكتب. هكذا تسجل الإحصاءات المجتمعات العربية في ذيل قائمة مجتمعات العالم من حيث الإقبال على القراءة وإصدار الكتب وترجمة الآداب الأجنبية. يجد عدي السبب في أننا "ما لم يحط الواحد منا بمن يمد له يد المساعدة في وقت مبكر ويقرب اليه الجمال بسبل مبسطة وحث المسئولين عن الطفل على مساعدته في ملاحظة الجمال والسعي في أثره حتى تتشبع ذائقته به ويصبح طلبه احد الحوافز التي تحرك نشاطه(140).

تبدأ معالجة الخلل من مرحلة الطفولة، الاستثمار في الطفولة وفي الإنسان أكثر الاستثمارات مردودا, "تأخذ أسئلة الطفل والأجوبة التي يحصل عليها والأسرار التي تتكشف حيز التخزين منذ الطفولة، وتتنامى مع تقدم العمر، وتتنقل من ممارسة الدهشة في حلتها الأولية الساذجة إلى حالة متقدمة أكثر تركيبا، يلقح بعضها بعضا فينشأ عن تلاقحها مخيلة ثرية ملهمة.هذا التخزين يحدث حالة من الألم الممض او الغبطة الشفيفة، او ما بينهما، ويرتقي بالمشاعر لتحقيق حالة من الرقي الملهم  والمبدع .. اجزم ان المخيلة هي في الأساس ينبوع الإبداع  بكل أصنافه، وبقدر ما يعمل المبدع على تغذيتها والعناية بها تجود عليه. واجزم أيضا ان جهد المبدع في حاضره ليس سوى مكمل لحالة نشأت ونمت وأينعت  في الطفولة المبكرة".(114،15).

تطورت موهبة عدي الفنية في مرحلة النهوض الوطني تساندت عوامل عدة لإذكاء الإقبال على المطالعة والإبداع, على إثر نكبة فلسطين تصاعدت حركات التحرر الوطني وانعكس ذلك على المجال الثقافي, في هذا المناخ تفتحت مدارك عدي. يمر على ذوي الفضل في تنمية ميوله الأدبية معلمين ومشرفين ورواد النادي، الثقافي وزملاء الدراسة الجامعية ورفاق الحزب، وكلهم نبت مرحلة نهوض وطني وثقافي.

تتساند انشطة المثقفين على اتساع الكرة الأرضية تقاوم ثقافة الليبرالية الجديدة. في قارة أميركا اللاتينية اشتهر باولو فريري يمارس التربية النقدية في أوساط الجماهير الشعبية ،حيث التربية تعلم الديمقراطية وتطرد الاستلاب. عملية التعليم  حوار بين الطالب والمعلم. فما من فرد تنقصه ثقافة بقدر يتفاوت. وظيفة التربية كما مارسها فريري تعليم المقهورين كي يتمردوا على الاستلاب ويدركوا مسئولياتهم تجاه مجتمعهم. يواصل في الوقت الراهن رسالة باولو فريري مدرسة التربية النقدية تمد فروعها في معظم البلدان، وتفرض على قوى التغيير الديمقراطي مقاربة التربية عملية سياسية بامتياز وليست اختصاصا للتربويين.ينقل البروفيسور الأميركي هنري غيروكس، أستاذ الثقافة بجامعة ماكماستر الكندية، مؤلف عدة كتب حول التربية والشباب، ينقل عن عالم الاجتماع الفرنسي بيير بوردو(1930 -2002) أحد الفاعلين الأساسيين بالحياة الثقافية والفكرية بفرنسا والعالم، وأحد أبرز المراجع العالمية في علم الاجتماع المعاصر، أن شغيلة الثقافة في الغالب الأعم "استهانوا بالأبعاد الرمزية  والتربوية   للنضال، ولم يقوموا على الدوام بشحذ الأسلحة  الملائمة للكفاح  على هذه الجبهة". يواصل عالم الاجتماع التأكيد في محادثة لاحقة مع غونترغراس (روائي الماني راحل حاز على جائزة نوبل) أن "على مثقفي اليسار الاعتراف بأن أهم أنماط  الهيمنة ثقافية وبيداغوجية (تربوية) وليست  اقتصادية وحسب، وتكمن بجانب المعتقدات والقناعات. ومن المهم ان يتحمل المثقفون على عاتقهم مسئولية ضخمة لتحدي هذا النمط من الهيمنة".

حدد غيروكس الإجابة على التحدي بتأكيد "ان مختلف انماط  الإنتاج الثقافي بمقدورها تغيير نظرة الشعوب للحياة والعالم، وان أنماطا من التربية العامة تنطوي على احتمالات تنشئة طلبة ومثقفين وفنانين مولعين بالنقد، بل وكذلك تعزز التخييل العام وتوسيعه، وتوفر لهم أدوات نقدية تمكنهم من تغيير  التفكير  والممارسة.

إن تفكيرا كهذا شرط مسبق لتطوير حركات اجتماعية تتولاها الرغبة في إعادة التفكير في رؤى وتكتيكات ضرورية في الكفاح من اجل الديمقراطية. بمقدور التقدميين على تعدد مواقعهم وتنوعها ان يقبلوا التحدي ليس فقط فيما يتعلق  بتخصصاتهم وأنماط إنتاجهم الثقافي بالنسبة لمنمنمات الحياة اليومية، بل وكذلك ان يعيدوا التفكير في كيف تنشط السياسة وكيف تشكل القوة مركز النشاط".

تحضر في هذا السياق كلمات ماركس أشار إلى أن "الفلاسفة لا ينبتون من الأرض كالفطر، بل هم ثمرة عصرهم" والكتاب المبدعون كذلك نتاج عصرهم.