2017-11-22

ملف: الذكرى المئوية لإنطلاق ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى

ثورة أكتوبر غيرت العالم والفكر (2-2)

تمر على البشرية جمعاء الذكرى المئوية لإنطلاق ثورة أكتوبر الاشتراكية 1917 في روسيا، الثورة التي غيرت موازين القوى في العالم وبدأت بتغيير وجه العالم وإعادة بناء الحياة الجديدة للإنسان من منظور تاريخي مغاير لمنطق ورؤية البرجوازية وسلطتها وثقافتها وفكرها وممارساتها

ومنذ تفجر ثورة أكتوبر الاشتراكية، شهد العالم خلال العقود الماضية، متغيرات كثيرة جراء الواقع الجديد الذي فرضته هذه الثورة على صعيد روسيا والعالم.

وبمناسبة هذا الحدث العظيم الذي أدى لتأثيرات هائلة في تاريخ وحياة البشرية، نفتح ملف الذكرى المئوية لثورة أكتوبر 1917، من خلال نشر بعض الاسهامات الهامة التي تلقي الضوء على تلك الثورة وهويتها الفكرية والاجتماعية، وتتناول عوامل وظروف اندلاعها وأهدافها وتأثيراتها، والإخفاقات اللاحقة التي تبعتها وأدت إلى إنهيار النظام الاشتراكي.

----------------------

ثورة أكتوبر غيرت العالم والفكر (2-2)

د.مهند البراك

ويرى مراقبون، ان سعي الأنظمة الرأسمالية الى الإصلاحات الإقتصادية والى تحقيق شروط افضل لشغيلتها لم يكن بمعزل عن سعيها المتنوع الأشكال لصد تأثير وجود قوة المثال الذي كان يلهم عقول وافئدة عمالها وشغيلتها. في الوقت الذي كانت تسعى فيه لتحطيم ذلك المثال من اجل تحقيق ارباح اكبر على انقاضه على مستويات متنوعة وعلى رأسها فتح اسواق مربحة هائلة لها.

حيث بغياب ذلك المثال (القطب الاشتراكي)، انفتحت امام تلك الأنظمة اسواقاً لم تكن تحلم بها، بل واكثر مما خططت له، وصار عليها ان تعيد بناء بيتها الذي لم يستقر الى الآن لا على قطب ولا على عدة اقطاب، بسبب شكل بنائه السابق المُعَد لمواجهة ذلك المثال، وبسبب جشعها و تكالبها على الأرباح، بعد غياب القطب المنافس السوفيتي السابق، وانتهاء ترتّب العالم على اساس ثنائية القطبين.

وفيما يُساءل خبراءٌ اليوم، لماذا الآن وبعد غياب الأتحاد السوفيتي، صار شغيلة الدول الرأسمالية العريقة يعانون من مسلسل تقليص الكثير من الحقوق والمكتسبات التي حققوها بنضالهم المطلبي طيلة عقود ؟ فانهم يجيبون ان ارباب العمل الكبار يحصدون فوائدهم من انهيار وغياب المثل الملهم على ثغراته الذي كان قائماً على الأرض .

وفي الوقت الذي ازدادت فيه حروب التدخل وحشية وشدّة عليه من كل الأقطاب الرأسمالية ، ادىّ انتصار الدولة الفتية في تلك الحروب رغم اعبائها الباهضة، الى زيادة تشددها في مواجهة (الخصم الطبقي)، والى عدم مبالاتها بما كان يعتمل في كيان البلاد الداخلي وفي كيان مواطنها هي ـ رغم زهوه بالانتصار ـ طيلة عقود. مادامت الخطط الخمسية تنفّذ بنجاح ؟!

وبالتالي سقطت الدولة السوفيتية في فخاخ كانت تُطبخ و تُعد بخبث لتقويضها، فيما كانت السلطة نائمة مرتكنة الى الأيمان بـ(الحتميات التاريخية) وكأنها تتحقق اوتوماتيكياً، والى ان انتصارها باقٍ لأنه حتمي بتفسير سطحي مبالغ به للمنهج الماركسي العلمي، حتى ادت البيروقراطية الحاكمة فيها الى نشوء فئات طفيلية عالية الثراء من كبار موظفي الحزب والدولة، و لعب تفاقمها دوراً هاماً في اهمال مطالب مواطنها السوفيتي المتعدد القوميات و الأديان، الذي لم يعد بمرور العقود نفس المواطن، الذي كان يجترح المآثر في سبيل الأهداف الوطنية و الطبقية والأممية  .

حيث (نسيت) الدولة ـ كمؤسسات و مناهج و ثقافة ـ مواطنها (انسانها) الذي تطوّر و تغيّر في مجتمع جديد و نسيت تطوّر حاجاته و متطلباته الحياتية اليومية وطموحاته التي لم تعد تبالي بتوفيرها له، وبقي في نظرها وكأنه "الفلاح ايفان في مطلع الثلاثينات"، فيما انغمرت الدولة انغماراً شبه ثأريّاً ً ان صحّ التعبير ـ افتقر للعلمية وللمنطق ـ، انغمرت و بكل قوتها في دعم الحركات التحررية في العالم برؤيتها، ولتطويق قلاع الرأسمالية عسكرياً، الى حد انغمارها بالكامل بالتسلح حتى صارت تمتلك من القوة ما كان يكفي لتحطيم المرافق الأساسية للقوة العسكرية للولايات المتحدة 400 اربعمائة مرّة!! التي استنزفت تريليونات من العملات الصعبة من خزينة الدولة. على حد تعبير وزير الدفاع السوفيتي ديمتري يازوف عام 1990، الذي علّق عليه نائب رئيس الـ سي آي اي بـ "ان الخدعة والحرب النفسية انطلت عليكم " (1).

من ناحية اخرى، وفيما نسيت الدولة السوفيتية مواطنها، كانت الثورة التكنيكية العلمية والمعلوماتية في العالم تأخذ طابعاً عاصفاً بلا حدود، اخذ يتجسّد بظهور تشكيلات اقتصادية اجتماعية فكرية، تختلف اختلافاً هائلاً عماّ في السابق. في الشكل والمحتوى والكم، واصبح لها شأناً اخذ يؤثر بشكل عميق على حياة ومصير الشعوب وتفاصيل بنيتها الأجتماعية الأقتصادية، وعلى حالة العلاقات الدولية سواءً بين الدول العظمى، او بين الدول الغنية والفقيرة والنامية والبطيئة التطوّر. وبدأت اوساط تتزايد من الماركسيين والماديين، تدعو الى ضرورة اتخاذ موقفٍ جديدٍ ازاء الفلسفات الإنسانية غير الماركسية، لأجل التطوير الخلاّق للمنهج المادي الديالكتيكي .

و الى مواكبة و التفاعل مع التطورات العاصفة للعلوم التكنيكية و الحيوية والبيئية والإجتماعية، والأخذ بها و تمثّلها في "المنهج" لتحديثه للتمكن من مواجهة قضايا واقعية ملتهبة معاصرة تتراكم وتؤدي بتراكمها الى تغييرات نوعية، بعد سنوات الركود والجمود العقائدي الذي اصاب الحزب الحاكم وادى الى تفكك و انهيار انظمته، والى تغرّب مواطنيه و معاناتهم منه، والى تزايد الدعوات للأصلاح ولحل القضايا المعيشية اليومية للمواطن، والى تجديد النقد كسلاح فكري لمواجهة البيروقراطية والتحجر والجهل و الخرافة.

ويرى العديد من الباحثين ان ثورة عظمى كثورة اكتوبر، اثارت وتثير جدالات حامية لاتستقر ، لأنها احدثت تغييراً هائلاً في العالم باعادة تشكيل قطبيته السابقة، وتشكيلها قطباً بآليات مناقضة لآليات الأقطاب الدولية الكبرى. قطباً دعَم نضال شعوب العالم من اجل التحرر والتقدم بشكل حيوي كثير التنوع، اعتُمد رسمياً في العلاقات الدولية و في بناء و صياغة مواثيق هيئة الأمم المتحدة و القوانين الدولية منذ ما يقارب القرن، حتى احدث غيابه بعدئذ تغييراً هائلاً لم يستقر لحد الآن، في الأقتصاد والسياسة و القانون والفكر في العالم .

وان الحكم بكونها ـ اي الثورة ـ كانت خطأ ام صواباً، هو كالحكم على اي حدث هائل هزّ العالم و بقيت تأثيراته واشعاعاته فاعلة، كالثورة الفرنسية مثلا، التي الى الآن وبعد مرور قرنين عليها، يستشهد فريق بها كبناء صلب لتطور الدولة و الفكر و علوم القانون والاجتماع، و يدينها فريق ويعتبرها حكم رعاع، لأنها اعدمت العائلة المالكة و كانت عنيفة دموية. فيما تسير احكامها و تتجدد و تُدرّس افكارها كثوابت تتطوّر، في معاهد و مؤسسات العالم .

ومن جهة اخرى، وفيما يرى حقوقيون انه لا توجد وصفة محددة لثورة هائلة طاهرة من الأخطاء الاّ في الخيال، فأن قسم يتساءلون هل تعود اخطاء ثورة اكتوبر الى عدم اعطاء كارل ماركس تصورات ملموسة عن السلطة الأشتراكية وعن دولتها وكيفية بنائها. ويتساءل آخرون الا يكفي انها غيّرت موازين العالم طيلة قرن واستقلّت بدعمها شعوب و دول فاعلة، وعلوم و فكر، وادّت الى تغيّر هائل في وجهة سكة تطور العالم وسكّة تطور الرأسمال الدولي ذاته، للتدليل على اهميتها ؟!

يشير نظريون الى ان زماننا الذي يشهد تطوراً عاصفاً في العلوم والتكنولوجيا، الأقتصاد والسياسة، الفكر والرؤى، يشيرون الى خطأ الركون الى مفاهيم الحتميات التاريخية كأنها مسلّمات استاتيكية جامدة، بملاحظة التغيّر الجذري الحاصل في ادوات وقوى الأنتاج، و نظم الإدارة والإتصالات، وما يلعب ذلك و غيره من تأثيرات هامة على دور و كينونة الأنسان، ذلك الكائن الفاعل في مختلف نواحي الحياة، من الطبيعة الى المجتمع، الذي تدخّل حتى بقوانين الطبيعة، مطوعاً بعضها لفائدته و متسبباً بكوارث بتأثير اعماله على بعضها الآخر، كما في مجال البيئة كمثال .

فرغم الفوائد النظرية الكبيرة لما طرحه سياسيون ونظريون كبار حينه: غرامشي، بليخانوف ، روزا لوكسمبورغ وكاوتسكي وغيرهم، الاّ ان قيمة ما طرحوه كانت تفيد بدراسته بظروف ذلك الزمان للتعرّف لماذا لم يؤخذ به حينها، هل فقط لأن لينين رفضها؟ ام لأن أنفجار ملايين البشر في روسيا القيصرية ومن كل القوميات، كان وشيكا! بسبب المجاعة، الموت والرعب، دوي المدافع و قعقعات السلاح، والخوف من المعاهدات السرية ومن المجهول القادم، بعد ان حصدت الحرب العالمية الأولى في ذلك الزمان وبمقاييسه عشرات الملايين سواء في ساحات القتال ام بسبب الجوع والبرد، وبسبب التيفوس والطاعون وغيرها. اي انها انفجرت بسبب ان الشعب لم يعد يحتمل حكّامه، لمجمل الظروف الذاتية و الموضوعية الفاعلة آنذاك.

في وقت كانت فيه جيوش متنوعة متأهبة تطرق ابواب روسيا، لتعمل فيها ما عملت بالأمبراطورية العثمانية الآيلة للسقوط، التي بعد ان استسلمت، معروف ما اورثت و كيف مُزّقت ونُهبت. ويصلون الى ان القضية لم ولا تتوقف على قرار فرد مهما كانت اهميته، والاّ لكان سبب اندحار نابليون بجيوشه الجرّاره ذات الآلاف المؤلفة في معركة واترلو عام 1813، يعود فعلاً الى اصابته هو بنزلةِ برد ليلة المعركة، كما كان انصاره يرددون. وكأن اندحاره لا يعود لإشعاله اوروبا بالحرب وتسببه بضياع ارواح وتشريد الملايين وتحطيمه مئات الحواضر في ذلك الزمان بلا طائل، ولا يعود الى فعل كل العوامل التاريخية في قوانين الحرب وقتذاك .

ولا بد هنا من الإشارة الى ان حكومة كيرنسكي البرجوازية الأنتقالية (المؤقتة) التي مثلت مصالح صناعيي روسيا واثريائها وتجارها وملاكيها ورجال دينها الكبار، لم تستطع ان تقدّم حلولاً عاجلة للمعضلات التي كانت تعانيها الملايين و الى انها هي التي اوصلت البلاد بسلوكها العاجز عن الحصول على تأييد الشعب، الى التمرّد عليه ابتداءً وليس البلاشفة  . التمرد الذي كان يسري كالنار في هشيم البلاد، التي وجدت ان الحكومة ستسلّمها للطامعين الأجانب (2) لعجز خزينتها حتى عن دفع رواتب اجراء الدولة، فيما كانت وسائل التدفئة غائبة والشتاء الروسي على الأبواب. .

ستسلّمها للطامعين للتخلص من مخاطر ما يسببه جوع الملايين عليها وللتخلص من المذابح التي كان يمكن ان تطالها، حين كانت تمارس اشد الممارسات فتكاً وقسوة بحق المعارضين وكانت تبيد التظاهرات السلمية بالرصاص، بعد ابقائها على قوانين الإعدامات الظالمة. فيما كانت تمردات وانتفاضات القوميات و الأديان وإضرابات الشغيلة على اشدّها، و انتشار عصابات السرقة والقتل في أوجه على طول البلاد وعرضها بسبب ضعفها و شللها .

وكانت البلاد تحتاج الى حكم يمثّلها ويحميها و يبدأ بتحقيق شئ من مطالب اوسع الجماهير، الأمر الذي عجزت عنه حكومة كيرنسكي البرجوازية طيلة عشرة شهور، في زمان ومكان كانت التغييرات عاصفة فيهما وكان موقف اوسع الجماهير هو الحاسم في تقرير من يستلم الحكم . حيث ان صدور اول مرسوم لسلطة البلاشفة حين لم تكن مكتملة بعد: (السلام، الخبز، الأرض) والشروع الفوري بتنفيذه، هو الذي لف اوسع الأوساط الشعبية حولهم لأنهم بدأوا بتحقيق اهم و اعزّ مطالبهم. فيما كانت موازين القوى تتغيّر سريعا لصالح سياسة واعمال البلاشفة، لأنها كانت تحقق فعلاً المطالب العاجلة لأوسع الشغيلة (3).

ومن هنا ينبع الفرق بين النظرية المكتوبة الجاهزة، وبين الواقع الجاري على الأرض في الزمن المعني، والذي يلخصه كارل ماركس في تأييده لكومونة باريس عند اندلاعها (4)، رغم تقديره لما كان سيحصل. ان الأستناد على المنظرين المعارضين لقيام ثورة اكتوبر في ذلك الزمن فقط، رغم احتفاظه بقيمته النظرية، إلا انه يمكن ان يكون قد فقد قيمته في الواقع الجاري الآن، لأن الجماهير العريضة قد قررت آنذاك وقامت بالثورة ونجحت، وبنت دولة صارت احد قطبي العالم المقررين عملياً ثم رسمياًطيلة اكثر من سبعين عاما، وخلّفت واقعاً آخر تماماً .

ويذهب آخرون الى ان الخطأ لم يكن في ثورة اكتوبر في روسيا، وانما في التطبيقات اللاحقة، و في محاولة التقليد المتسرع لها في بلدان عديدة، ثم في ما فُرض على الأحزاب الشيوعية والعمالية بعد انتصارها و ثبات دولتها بمرور العقود، والذي تسبب بمشاكل متنوعة منها، تباطؤ نمو عدد من البلدان الصناعية المتطورة اصلا كالمانيا الشرقية وتشيكوسلوفاكيا تحت حكم الأحزاب الأشتراكية، رغم الدمار الهائل الذي اصابهما بفعل الحرب الثانية.

فيما يرى قسم آخر، بأنه لو قللت الدولة السوفيتية من اعباء دورها في كل انحاء العالم كما عملت الصين الأشتراكية مثلاً، التي سارت على "السياسة الإقتصادية الجديدة ـ النيب " اللينينية، لسارت اوضاعها بشكل افضل. ويرى متخصصون ان الصين سارت على سياسة داخلية اعتمدت على طريقها الخاص في موالفة الكونفوشيوسية مع الأشتراكية، وعلى مراحل تغييرية عاصفة لأعادة البنى و الأهداف، من "القفزة الكبرى" و"دع مئة زهرة تتفتح"، الى "الثورة الثقافية"، حتى صارت تمتلك الآن اكثر من 60 % من اسهم الأسواق الداخلية للولايات المتحدة الأميركية (5).

ويرى كثير من المفكرين ان ثورة اكتوبر، ثورة سعت الى تحقيق نظام عدالة اجتماعية اشتراكي الوجهة، بعد ان انشأت بلداً صناعياً عملاقاً معتمداً في ذلك على آلياته الوطنية الداخلية، و ليس على موارد مستعمرات تابعة له!! ثورة حققت الكثير من المهام الوطنية الديمقراطية التحررية لبلد شبه رأسمالي شبه اقطاعي، بآليات الملكية الجماعية لوسائل وادوات الأنتاج. وان قيام الأتحاد السوفيتي اثر انتصارها، حقق تحرير الشعوب والقوميات المضطهدة المستعمرة استعمارا استرقاقياً من قبل النظام الروسي القيصري السابق، ومنحها حقها في تقرير المصير، التي لم يختر قسم منها الإتحاد بل الأنفصال، كما حدث مع فنلندة التي صارت دولة مستقلة منذ ذاك.

وفي الوقت الذي كشفت دولتها معاهدات النهب السرية، وتصدت للفاشية و اسقطتها. وكوّنت قطبا تحرريا في مواجهة قطب الأحتكارات الغربية اللصوصية وحدّ من اطلاق يده، وكانت سبباً هاماً ان لم يكن اساسياً من اسباب لجوء رأسمالية القرن التاسع عشر و العشرين المعروفة بنهمها الجشع، الى القيام بالعديد من الأصلاحات والتنازلات لصالح عمال و شغيلة بلدانها. ....

يرى نظريون، ان نجاح ثورة اكتوبر، اثبت عملياً و لأول مرة ان هناك آليات اخرى غير الآليات الإستغلالية الربحية الرأسمالية، وآليات للوقوف بوجه الأحتكارات، وان الأستغلال ليس قدراً محتوماً لاردّ عليه، واثبت عدم كفاية  خطأ الأعتماد على النظريات الدينية وعلى الخزعبلات اللاهوتية، في بناء مجتمع انساني جديد خالي من استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، او يسعى اليه. وأعطى تجربة غنية للنظريين عمرها 70 عام عن ماهية و كيفية قيام دولة للعدالة الإجتماعية، بتقييم النجاحات و الإخفاقات، و بالبحث عن الأسباب الحقيقية لأنتهاء التجربة الأولى .

وانها تجربة تشير الى اهمية تدقيق الفروق بين نظام عدالة اجتماعية ونظام اشتراكي، وانها اثبتت، ورغم ما تحقق للشغيلة، و ماتحقق من انظمة تعليم احدث وأوسع ومن حقوق مهنية لا تقاس بالعهد القيصري السابق، اضافة الى حقوق للمرأة و للطفل، وإضافة الى آليات الإنتاج و الى الثقافة و العلوم. إلا انها اخذت بالمراوحة ثم الجمود وصولاً الى التراجع، قياساً بما عمل و سعى له المواطن السوفيتي، حتى وصل الجمود الى الخطأ القاتل عندما ظهر و تنامى شعور الفرد بكونه كالآلة، بعد ان أُهملت مشاعره وعواطفه وطموحاته، وأُهملت تلبية الحاجات المتزايدة لأنسان دولتها الذي كان كثير الكدح و الصبر وتسببت بتغربه عنها، وبطموحه الى اعادة بنائها الذي انتهى نهاية من شكل آخر تظافرت فيها عوامل وادوار كثيرة التنوع .

انها تجربة رغم كل الظروف والمشاق والتضحيات. شابها خلل حقيقي تراكم، في كيفية بناء اسلوب ديمقراطي اكثر انفتاحا و قابل للتطور، قاد الى فشل تجربة غيّرت مجرى التاريخ طيلة قرن مضى. وإنها اكّدت خطأ تحطيم القطاع الخاص، وعلى ان الأشتراكية العلمية متنوعة في التطبيق ولايمكن ان تتحقق بثبات إلا بالأعتماد على اقتصاد وآليات صناعية متطورة، في مجتمع يستطيع تلبية حاجة الفرد المادية والروحية، تسوده العدالة الإجتماعية .

ويرى معاصرون ان الدعوة الى الأشتراكية و الى الفكر العلمي الديالكتيكي ليست خرافة، و لم تسر الملايين التي صنعت ثورة اكتوبر خلف خرافة والاّ لسارت خلف البابا الأكبر للكنيسة الآرثدوكسية الذي سعى جاهداً للمّ الجموع وراءه آنذاك، وكانت قمّة جهوده في يوم "الأحد الدامي" حين تساقط الآلاف برصاص الشرطة القيصرية وهم ينظّمون مسيرة كانت في طريقها لتقديم طلباتهم العاجلة الى العرش القيصري بإرشاد البابا، الذي انفضّت عنه بعدها و لم تعد تصدّق بوعوده . . و انما سارت وراء حقوق كانت تتلمسها بيدها سريعا منذ مرسوم الأرض .

ومن يعتقد انها خرافة عليه مراجعة الكلمة التي القاها زبغنيو برجينسكي (6) احد ابرز منظري الرأسمالية الحديثة، في الاحتفال الكبير الذي اقيم ليلة 31 ـ 1/1/ 2000، الذي نظّمته اكبر معاهد العلوم الإجتماعية في العالم لتكريم "كارل ماركس" حين كرّمته باطلاق اسمه على الألفية الجديدة "الفية ماركس"، التي تناقلتها الصحف ووكالات الأنباء المتنوعة، و التي قال فيها :

" لقد درسنا و فهمنا ماركس افضل مما عمل الأشتراكيون، الذين لم يدرسوه جيداً ليحددوا موقعهم ودورهم في العملية التأريخية. لقد بذلنا جهوداً كبيرة بدراسة ماركس لتحديد موقعنا في العملية التاريخية. حتى عرفنا اننا نحن العوامل المعرقلة !! و اننا ان تمكّنا من العرقلة 100 سنة هل هذا قليل ؟! . تأملوا القول جيداً !! "

ان ماتحقق في ثورة اكتوبر في التفكير المعاصر هو تحقيق شكل من اشكال العدالة الإجتماعية نحو الأشتراكية ، او تحقيق شكل من الأشتراكية في القرن العشرين الذي مضى. و بينما فشل النمط الذي بني في الأتحاد السوفيتي السابق فانه يستمر في الصين الإشتراكية و في بلدان اخرى تسير عليه.

وكما تتطوّر البرجوازية وتسقط وتتقدّم الى رأسمالية والى امبريالية، ثم الى رأسمالية متوحشة ورأسمالية متمدنة والتي استغرقت قروناً، فان نقيضها و فكره يتطوران ايضاً بتطوّر العالم و وصوله الى مراحل العولمة التي ستجد فيها قوى العدالة الأجتماعية والأشتراكية امكانات و حلفاء جدد على طريق تحقيق الأهداف العادلة على منهج كارل ماركس و على اساس تحديد الموقع في العملية التاريخية الجارية.

(انتهى)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- ندوة الحوار العسكري السوفيتي ـ الأميركي، بحضور وزير الدفاع السوفيتي، نائب رئيس المخابرات المركزية الأميركية و نائب رئيس المخابرات السوفياتية ، في معهد العلوم الأجتماعية في موسكو، ربيع 1990 .

2- كان هناك شعور طاغي بين الملايين يتسم بالحذر الفائق من الاعيب القوى الحربية الأجنبية، التي يمكن ان تحتل البلاد الأم، و انها ستسحقهم وتستغلّهم. وهو شعور قوي ساد روسيا طيلة قرون بسبب تأريخها و حروبها . .

3- ولا تكتفي بطرح الشعارات فقط .

4- راجع كتاب " 18 برومير لويس بونابرت "، كارل ماركس، حول كومونة باريس .

5- نشرات بي بي سي العربية، آذار 2009، تقارير حول الأزمة المصرفية في الولايات المتحدة الأميركية .

6- مستشار الأمن القومي للرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر، عضو مجلس الشيوخ .