2017-11-21

المكتب السياسي للحزب الشيوعي اللبناني:

قراءة سياسية على خلفية استقالة رئيس الحكومة اللبنانية

بيروت: أصدر المكتب السياسي للحزب الشيوعي اللبناني، تقرير سياسي، تناول فيه الموقف من آخر التطورات في لبنان على ضوء "استقالة رئيس وزراءه". وفيما يلي التقرير الذي جاء تحت عنوان "قراءة سياسية على خلفية استقالة رئيس الحكومة اللبنانية":

لن تكون الأوضاع المستجدّة في لبنان بمنأى عن ارتدادات ما يجري في المنطقة، خصوصاً بعد مؤتمر قمّة الرياض الذي جمع الرئيس الأميركي ترامب بقادة بلدان الخليج وعشرات الدول العربية والاسلامية. فالمنطقة تشكّل اليوم ساحة لتنفيذ التوجّهات التي أقرّها هذا المؤتمر، وميداناً متقدماً وحاسماً في الصراع الدولي المتصاعد لكسر أحادية السيطرة الأميركية على المنطقة (والعالم)، بحسب ما يؤشّر إليه تداخل العديد من القضايا العربية والإقليمية المرتبطة بهذا الاشتباك الدائر فوق أكثر من ساحة، والمتزامن مع استمرار تعاظم التهديدات العدوانية الإسرائيلية والأميركية المنسّقة. وارتباطاً بما سبق، يدرك الحزب أن خلفيات وأبعاد ما حدث أخيراً في لبنان، أي استقالة الرئيس الحريري من السعودية، يندرج في إطار إعادة الأزمة اللبنانية إلى مربّعها الأول من خلال إعادة استيلاد حالة الانقسام السياسي الداخلي، التي بدأت باستدعاء قوى وشخصيات من تحالف 14 آذار، واستُكملت باستقالة رئيس الحكومة، وهي استقالة مفاجئة ومتنافية مع موجبات السيادة الوطنية والأعراف القانونية والمناخ الذي أرسى شكل ومضمون التسوية الرئاسيةً الداخلية. كما أن هذه الاستقالة ترتبط أيضاً، إضافة إلى بعدها الداخلي، بما تشهده منطقتنا من حروب ومآسٍ تهدد كياناتها بالتفتيت، مما يستدعي قراءة متأنية لأهدافها المتعددة الأبعاد التي كان وما يزال يراهن عليها الراعي الخارجي، الدولي والعربي الرجعي والاقليمي:

داخلياً، تشكل الاستقالة تصعيداً سياسياً خطيراً يهدّد بتسعير النزاعات الطائفية والمذهبية والإخلال بالسلم الأهلي، بحسب ما تؤشّر عليه عودة تموضع جزء من الخطاب السياسي خلف شعارات مستحضرة من زمن الحرب الأهلية، وانتقال بعض أطراف السلطة من دائرة التوافق الرئاسي نحو خيارات تعزّز وتعمّم التوتر الداخلي، وتنهي ما تبقّى من مفاعيل اتفاق الدوحة الذي كان قد أطاح بجوهر اتفاق الطائف. كما أن للاستقالة تداعيات على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الهشّة أصلاً والتي سوف ينعكس تدهورها على أكثرية الشعب اللبناني. وبالنسبة إلى الانتخابات النيابية، فإن الاستقالة قد تتضمّن في طيّاتها تأجيلاً لها أو تقديماً، بالترافق مع خطاب سياسي متوتر يستهدف، إضافة إلى شلّ الوضع الداخلي، تشكيل أدوات ضغط أما للخروج من التسوية القائمة، وأما لتعديل موازين القوى لصالحهم، وأما  للإطاحة بالانتخابات، مما يعيق التقدّم على طريق التغيير المنشود.

وفي هذا الاطار، يؤكّد الحزب بشكل مبدئي على أن الانتخابات النيابية تشكّل منصة أساسية – بين منصّات أخرى – لمواصلة عمل الشيوعيين والديمقراطيين واستنهاض جهودهم بأساليب النضال المتاحة كافة، لا لكسب انتخابي ملتبس أو مرتهن، بل من أجل انتزاع تغيير فعلي في موازين القوى يعكس تطور حجم الحراك السياسي والاجتماعي والشعبي الذي ملأ ساحات الوطن على امتداد السنوات الستّ الماضية. كذلك فإن الاستقالة ترتبط بشكل وثيق بمسلسل الضغوط الأميركية والإسرائيلية والرجعية العربية المتمادية في لبنان والمنطقة، والتي ترتدي في محصلتها العامة أشكالاً متنوعة: من توسيع العقوبات المالية على حزب الله، إلى إعادة نبش ملف تفجير حزب الله لمقرّات قوات المارينز في لبنان قبل نحو 35 عاماً، إلى المراهنة على استخدام ملف النازحين السوريين كوقود لإشغال لبنان، إلى إعادة تعويم أدوار دول عربية في الترويج لتسوية تصفوية للقضية الفلسطينية، إلى محاولة إدارة ترامب فرض التراجع عن الاتفاق النووي، إلى التهديد الدائم بشنّ حرب شاملة على ايران ومفاعلها النووي، إلى الضغط الإسرائيلي المتواصل لسحب الحرس الثوري وحزب الله عن الحدود الاسرائيلية مع الجولان. وتدفع هذه الأمور إلى استنتاجات خطيرة ومقلقة لما يمكن أن تحدثه الضغوط الممارسة من تداعيات سياسية واقتصادية وربما أمنية على لبنان، تحت عنوان أساسي مفاده زجّ حزب الله في نزاع داخلي يغرقه في حروب مذهبية داخلية، مما يسهّل عمليا توجيه ضربة أميركية – اسرائيلية – رجعية عربية إلى لبنان، لا استجابة فقط للتشجيع الذي تمارسه السعودية، بل لحسابات تتعلّق أساساً بالمشروع العضوي الأعمّ والأشمل الخاص بالتحالف الأميركي الاسرائيلي.

إقليمياً، يمكن فهم خلفيات الاستقالة كرسالة ذات أهداف متعدّدة وسط تفاقم الاشتباك في المنطقة وفي ساحاته المتعددة (سوريا، العراق، فلسطين، اليمن...): الأول، المضيّ أميركياً (مع حلفائها) في استخدام لبنان كمنصة لعرقلة التسوية في سوريا ومواصلة استنزاف روسيا وايران وحزب الله، مع ما قد يشمله ذلك من إمكان القيام بعمل عسكري ضد لبنان وحزب الله والجيش اللبناني بالتكافل والتواطؤ مع العدو الصهيوني، وتوظيف ملف النازحين السوريين والملف الفلسطيني داخلياً لهذا الغرض، إلى جانب تعطيل دور لبنان اللوجستي والمصرفي المتوقع في عملية إعادة إعمار سوريا. الثاني، حجز التحالف الأميركي الرجعي مكان له في أي تسوية في المنطقة يعتبرها تستوفي الحدّ الأدنى من شروطه، أو على الأقل استمرار الاضطلاع بدور مهمّ في تعطيل الحلول، تماشياً مع المشروع التفتيتي للمنطقة، الذي بدأت ملامحه تتعاقب عبر الدعوات الانفصالية في سوريا والعراق، وإن كانت تلك الدعوات لم تنتج ثمارها حتى الآن. الثالث، مرتبط بالمسار الذي تُعد له الولايات المتحدة الأميركية والمتعلق بفرض حلّ تصفوي للقضية الفلسطينية بالتواطؤ مع دول عربية عدّة (بحسب ما جرى ذكره أعلاه)، مما يستوجب مقدّماً ضرب حركات المقاومة (حزب الله، حماس وفصائل المقاومة الفلسطينية)، واحتواء دور إيران في المشرق العربي استكمالاً لمحاولات عزلها عالمياً. الرابع، الانقسام العائلي داخل المملكة العربية السعودية الذي يهدد أسس النظام القائم والذي  يرتبط أساساً بمبادرة ولي العهد إلى السطو على السلطة الملكية وعلى أموال الأمراء ووسائل إعلامهم – وإن تمّ ذلك تحت شعار محاربة الفساد - ومحاولته تجميل ذلك عبر وعود بفرص عمل وحريات يعد بها الشباب والنساء والنخب الثقافية السعودية، في وقت يتزايد الانفتاح السعودي الصريح على التحالف المباشر مع العدو الاسرائيلي نتيجة الهزائم المتكررة التي حصدتها السعودية في كلّ من اليمن وسوريا والعراق. الخامس،يتعلق باليمن التي تبدو أنها تشكّل الموقع الأكثر تقدماً في رغبة السعودية في الحسم أو "المقايضة" راهناً، بالنظر إلى تاريخ هذين البلدين الجارين الممتلئ بالشواهد الدموية المرّة، مما يفسّر حجم ونوعية الردّ اليمني القويّ (باستخدام صواريخ بعيدة المدى وطائرات مسيّرة) في مواجهة تعاظم المجازر التي ترتكبها السعودية وحلفاؤها.

إن الحزب الشيوعي لا يرى الخطورة فقط في الحدث المتمثّل في استقالة الرئيس الحريري، وإنما في ما يجري من تطورات غير مسبوقة في الإقليم، حيث يتحرّك المشروع الأصلي الأميركي في مناخ مأزوم، فيما وضع حلفائه ليس أفضل حالاً. فالتحالف الذي تنخرط السعودية في تنفيذه بدعم من الولايات المتحدة الأميركية هو في مرحلة من التعثّر الشديد، في مواجهة محور تقوده روسيا ويضم إيران وسوريا وحزب الله... وهذا ما يدفع القوى المكوّنة للتحالف الأوّل إلى المجازفة باستخدام كل أوراقها العسكرية والمالية والاقتصادية، فضلاً عن كافة الأدوات المحلية المتاحة لها في مناطق الصراع. وفي هذا السياق جاءت قرارات الجامعة العربية الأخيرة، بوصف حزب الله "بالإرهابي"، لتشرّع الوضع الداخلي على احتمالات عديدة، ليس أقلها المزيد من التوتر الداخلي وفتح الباب أمام العدوان الخارجي.

وكان الحزب قد توقف - في عن اجتماع استثنائي لمكتبه السياسي، ثم إثر لقاء أمينه العام مع رئيس الجمهورية - عند الشكل والمضمون اللذين صدر بهما قرار استقالة سعد الحريري، معتبراً أن هذه الطريقة تحمل إهانة  للشعب اللبناني وتتنافى مع كل موجبات السيادة الوطنية. كما رفض الحزب استخدام لبنان كمنصة لتحقيق أجندات سياسية خاصة في صراعات المنطقة، ورفض أيضاً أي تدخل خارجي يتنافى مع  مصالح وتطلعات الشعب اللبناني، معتبراً أن هذه الاستقالة المغامرة تنطوي على تهديد  خطير للبلد، وتشّرع الباب أمام العدو الإسرائيلي المتربّص دوماً بلبنان كي ينتهز الفرصة السانحة في حال تطابقها مع حساباته الخاصة.

وفي ظل هذه الظروف المعقّدة والمنذرة بالمخاطر، يرى الحزب أن المبادرة يجب أن تبقى في يد الشعب اللبناني وقواه الوطنية والديمقراطية، عبر العمل على توحيد صفوف اللبنانيين في مواجهة الاصطفافات الطائفية والمذهبية، خلف برنامج للخلاص الوطني في مواجهة السلطة التابعة والفاسدة، وصولاً إلى بناء دولة وطنية علمانية ديمقراطية. وهذا يستدعي الانكباب على تجميع صفوف القوى الوطنية والقومية والديمقراطية والشعبية، عبر ائتلاف سياسي وطني ديمقراطي علماني مقاوم، حمايةً لبلدنا ومنطقتنا العربية من العدوان الأميركي-الصهيوني-الرجعي العربي، وصوناً لوحدة الدول العربية وشعوبها. وهذا الائتلاف يجب أن يستمر ويتطور في مواقع الصراع كافة – بما فيها معركة الانتخابات النيابية التي نرفض تأجيلها والتمديد للمجلس القائم ونعتبرها معركة سياسية بامتياز -  من خلال طرحنا لبرنامجنا السياسي الاقتصادي الاجتماعي الذي سنخوض عله تلك المواجهة،  وكمشروع بديل عن التحالف السلطوي القائم وتشكيلاته الطائفية والطبقية الأساسية، تأسيسا للتغيير الاجتماعي والديمقراطي المنشود.

إن التصدي للسياسات التي تنتهجها المنظومة الحاكمة، والتمسّك بموقف جذري من مسألة تغيير أسس النظام السياسي الطائفي، وتحرير القرار الوطني من التبعية للخارج، وخوض ملفات الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، إن هذا كلّه يشكّل في نظر الحزب عناوين للمهمّات الأساسية في خوض وتطوير المواجهة الوطنية والفرز السياسي والاجتماعي في بلدنا – عاصمة ومناطق – مع التأكيد على أن إنجاز هذه المهمّات هو شرط أساسي للتقدم على طريق التغيير الديمقراطي وإسقاط كل المشاريع الرجعية والتقسيمية. وانطلاقاً من هذا التوجّه، يدعو المكتب السياسي جميع الهيئات الوسطية للشروع – كلّ في نطاق مسؤولياته المناطقية - في بناء كافة صيغ التجمّع والتعاون والتحالف التي تضم القوى السياسية والاجتماعية والنقابية والمدنية التي نتقاسم معها هذه الهموم نفسها.

بيروت في 20/11/2017

المكتب السياسي للحزب الشيوعي اللبناني