2017-11-20

الاختراعات والعلاقات الاجتماعية

د. سمير أمين

ليس الهدف من هذا المقال القصير طرح مشروع نظرية حول العلاقات المتبادلة والمتشابكة بين كل وجه من أوجه الواقع المجتمعى. فمثل هذا المشروع يستوجب تشكيل فريق من الباحثين المتخصصين فى مجالات متنوعة تجمع خبراء فى العلوم والفنون التكنولوجية الخاصة بالاختراعات المدروسة وعلماء المجتمع. بيد أن المعرفة فى المجالات التكنولوجية تصل لدارسى المجتمع عن طريق قراءات إرشادية فقط، وهى عادة سريعة قد تلهم تبعيات خاطئة. فسوف أكتفى هنا بإلقاء ملاحظات استهلالية حول هذه القضايا المستعصية ولا أكثر.

طابع ومقام الاختراعات

يجرى تصنيف الاختراعات تحت عنوانين: قد يتيح الاختراع تصورا وإنتاجا لشيء نوعى جديد كل الجدة مثل الآله البخارية والكهرباء أو السيارة وقد يتيح الاستناد على أسلوب إنتاج جديد لشيء قديم مثل أن يحل مصنع الغزل والنسيج محل الإنتاج الحرفي.

وبالتالى فإن ممارسة الاختراع قديمة قدم الانسانية. فهى تمثل ما يفرق البشر عن الحيوان. علما بأن الظروف المحيطة بانبعاث الاختراع وشروط تبنيه فى المجتمع هى عينها ظواهر مجتمعية تتحول ظروفها بالمكان والزمان. ولن تتناول الملاحظات التالية قضايا الاختراع بهذا المعنى المتسع، بل بيان ظروف بزوغه فى العصر الحديث للرأسمالية المعولمة فقط.

يروج الخطاب الجارى المهيمن فكرة مبسطة وخاطئة بكون الاختراع محرك التاريخ، وأنه حل محل مقاصد العناية الالهية، فيعمق نظرية أحادية الجانب للتاريخ تقوم على أسبقية التقدم التكنولوجي. لا أشارك هذه الرؤية، فليس الاختراع ناتج تشغيل ذكاء فرد عبقرى منفصل عن المجتمع، إنما هو ناتج عمل اجتماعي، وإن كان عملا فريدا فى بابه. وبالتالى فإن العلاقة بين انبعاث اختراع معين أتاحه تطور المعارف العلمية والكفاءات الفنية من جانب وإعادة تكوين العلاقات الاجتماعية السائدة فى المجتمع من الجانب الآخر هى علاقة محورية فى دراسة أمور الظاهرة.

لعل ما صار اختراعا عينيا ملموسا يكون متلائما مع تكريس العلاقات الاجتماعية السائدة. ففى هذه الحال يستفيد انتشاره من دعم وسائل المجتمع المدنى الذى يرحب به. وإذا كان تشغيل الاختراع يستدعى تغييرا معينا فى شكل عمل العلاقات الاجتماعية، فإن مرونتها تتيح إنجاز الملاءمة اللازمة بيسر. ولكن ثمة اختراعات يستدعى تشغيلها تغييرا جذريا فى العلاقات الاجتماعية، يتجاوز الإصلاح والتلاؤم البسيط. ففى هذه الحال نشهد عادة نفور المجتمع منه، الذى قد يذهب الى الحجر على إدخال الجديد؛ أو على الأقل تقلص شروط استخدامه لما يراه النظام مقبولاً ومفيدا.

فلا يعنى وجود اقتران بين بعض الأشكال الفنية للإنتاج من جانب وسيادة علاقات اجتماعية معينة من الجانب الآخر، لا يعنى أن الأولى هى سبب الثانية. على سبيل المثال: الاقتران بين المطحنة اليدوية ونظام العبودية، وبين المطحنة المائية والنظام الاقطاعي، وبين مطحنة تحركها آلة بخارية والرأسمالية.. لا يعنى أن أساليب الإنتاج الثلاثة المذكورة هى السبب فى اقامة العلاقات الاجتماعية المعنية. ويمكن التعبير عن مغزى هذا الاقتران بالجملة الآتية: إن هناك تلاؤما بين الأساليب الثلاثة وكل من النظم الاجتماعية الثلاثة هى الأخرى يضمن تكاملها ثنائيا، بحيث إنها تمثل وجهى نفس الواقع.

وتتكاثر الأمثلة فى هذا المجال التى توضح فعالية عمل الأدوات التى يعبئها المجتمع من أجل توجيه الاختراع لكى يفيد إعادة تكوين المجتمع.

وأضرب مثالا يكاد يكون كاريكاتوريا فى تطرفه: تخصص صناعة الأدوية أرصدة مالية مهولة (حيث تنتمى هذه الصناعة إلى قطاع الاحتكارات العملاقة) من أجل إنتاج مستحضرات ذات المنفعة الاجتماعية الهامشية (لترضية طلب الفئات المتيسرة على الرفاهية)، ويتم ذلك على حساب إنتاج الأدوية ذات المنفعة الحيوية بالنسبة إلى فئات فقيرة محرومة من القدرة الشرائية.

وتقوم كوبا بالمثال المضاد، فالنظام هناك وجه البحث والاختراع لخدمة المصلحة الشعبية العامة، ومنح هذا القطاع وسائل فى ذروة الحداثة العلمية.

تفعل هذه العلاقة فعلها فى مجالات عديدة ولو بمناهج أقل بروزا. وأضرب مثالا بسيل الاختراعات الطارئة فى إنتاج التجهيزات الإلكترونية للاستخدام الجماهيري. هل تأتى الاختراعات المذكورة تلبية لطلب سابق؟ أم يتم تخيل الاختراعات من أجل خلق طلب ذى منفعة اجتماعية مشكوك فى صلاحيتها؟ فإذا كانت بعض هذه الاختراعات تبدو مفيدة (مثل موسوعات علمية وغيرها) فإن غالبية الاختراعات فى هذا المجال تسعى الى خلق أناس (خاصة فى صفوف الشباب) يفضلون التسلى بألعاب لا مغزى لها، عن بذل المجهود الفكرى والعمل الاجتماعي.

وأتصور أن مجتمعا آخر يسعى إلى ترضية شغف الشباب وتدعيم قدرتهم الفكرية الناقدة، سوف يقوم بتوجيه البحث والاختراع توجيها مختلفاً.

وبصفة عامة أقول إن أصحاب السلطة سواء كانوا أصحاب القرار فى مجال المبادرة الاقتصادية أم اصحاب السلطة السياسية المرافقة يقومون بدور حاسم فى توجيه الاختراع بحيث يدعم تكريس العلاقات الاجتماعية التى تخدم مصالحهم. وبالمضاد أتخيل أن نظاما بديلا حقيقيا سوف يشجع البحث عن وسائل تُخترع من أجل إنعاش علاقات اجتماعية أخرى جديدة.

نموذج اختراع «الطابعة ثلاثية الأبعاد»

تتتابع أمواج الاختراع فى العصر الحديث دون توقف. فثمة آلاف الاختراعات التي تنبعث عاما بعد عام وتخص جميع مجالات الإنتاج، فتتيح تخفيض التكلفة أو تحسين الجودة. ويدلى الخطاب الدارج بتقريظ هذا الوضع فينسبه إلى فعل عامل المنافسة الخاص بالرأسمالية. ولكن هذا التقريظ يظل محل تساؤل، حيث إن أغلب الاختراعات تسعى إلى رفع مردودية استثمار المال من خلال وضع حدود زمنية على دوام حياة المنتجات، أى بعبارة أخرى تشجيع تصرف تبذيري يمثل تكلفة اجتماعية ضخمة ومتصاعدة. لن أسترسل فى تناول قضايا هذه الاختراعات ثانوية الطابع، وإنما سأركز على الاختراعات الكبرى التى تتيح إنتاج شىء نوعى جديد أو أسلوب إنتاج جديد كل الجدة. وذلك لأننا دخلنا فى مرحلة تتصف بكثرة ظهور مثل هذه الاختراعات. وسوف أضرب مثالا بالطابعة «ثلاثية الأبعاد».

يتيح الحاسوب الإلكتروني (الكمبيوتر) إنتاج شىء نوعى ذي بعدين اثنين وهي الصفحة المطبوعة. واستوجبت العملية وجود سند ذى البعدين (صفحة ورق) وآلة (الطابعة) ومادة نوعية (الحبر) وقدرة الآلة على أن تختار من ذاكرة الكمبيوتر النص المسجل فتحوله إلى صفحة مطبوعة.

وتحققت نقلة نوعية عندما اخُترع كمبيوتر يتيح تخيل شىء نوعى ثلاثي الأبعاد (كرة أو كوب) وتسجيله فى ذاكرة الآلة، ثم اختراع آلة أخرى جديدة أطلق عليها اسم «الطابعة ثلاثية الأبعاد» من باب التمثيل. فيتطلب إنتاج الشىء النوعى المتخيل مسندا خاصا مصنوعا من مادة نوعية (تسمى «الحبر» من باب التمثيل) ثم تحويل الشىء المتخيل والمسجل فى ذاكرة الكمبيوتر الحديث إلى شىء مادى ملموس، أكان بسيط التشكيل مثل كوب أو مركبا معقدا مثل قلب إنسانى اصطناعى.

نحن هنا أمام اختراع ذى أهمية بالغة. وثمة مجالات أخرى ظهرت فيها حديثا اختراعات كبرى، مثل مجال علوم الجسيمات الصغيرة التى تشكل أجسام المواد المعروفة. وكذلك اختراعات تخص صناعة مواد جديدة. وثمة تكامل بين بعض هذه الاختراعات. فعلم الجسيمات الصغيرة مثلا أتاح بدوره اختراع وإنتاج مواد جديدة لازمة فى تشغيل الطابعة ثلاثية الأبعاد (أى أنواع «الحبر» الذى يتحول إلى مادة صلبة لكى يعطى للشىء النوعى المنتج شكله النهائى المطلوب).

هناك أيضا اختراعات ظهرت فى مجالات أخرى مستقلة، مثل البيوجنية أو الفضاء أو إنتاج أنواع من الطاقة المستديمة.

ينبغى فتح الجدال حول مغزى الاختراعات الحديثة. علما بأن لهذا النقاش أوجهًا متباينة، بعضها يخص مجال العلوم والفنون المعنية وبعضها يتعلق ببعدها الاجتماعى.

على سبيل المثال يستدعى مبدأ الحذر فحص صلاحية البيوجنية التى لا نعلم عواقبها فى الأجل الطويل وتأثيرها على التنوع الجينى. بيد أن مبدأ الربحية المالية السريعة يتجاهل تماما هذا الوجه للقضية. لن أسترسل هنا فى تناول هذه الأمور.

أعود إلى نموذج الطابعة ثلاثية الأبعاد. ما هى الأشياء النوعية الملموسة التى يمكن إنتاجها بهذا الأسلوب؟ يبدو لى أن الآلة قادرة فقط (حتى الآن) على إنتاج أشياء صغيرة الحجم، ولو فى غاية التعقيد من حيث تشكيلها، مثل القلب الاصطناعى. ولكن ثمة العديد من الاشياء الصغيرة المهمة والمفيدة، مثل القطعات التى تدخل فى تركيب الآلات الكبرى (محركات السيارة) والتى سيحل إنتاجها بهذا الأسلوب محل الأساليب الميكانيكية والكيميائية المستخدمة حاليا.

يتعلق السؤال المحورى بطابع العلاقات المتبادلة بين تشغيل هذا الاختراع وتكيف علاقات الإنتاج السائدة له. بيد أن النظر فى هذا الأمر مازال لا يجذب الاهتمام. ويكتفى الخطاب الجارى فى شأنه بالقول إن هذا الاختراع مثل جميع الاختراعات سوف يوفر للجميع حياة مريحة! وليس أقل!

يتطلب تشغيل أى اختراع مهم توفير نوعية جديدة من الكفاءات بالكثرة المطلوبة، هنا جيش من العلماء والمهندسين ومعهم العديد من المساعدين، وتعبئتهم فى مراكز بحوث مكلفة، كما يفترض ازدهار انواع التدريس الجامعى الملائم. بيد أن أقلية صغيرة فقط من الدول نشأت عبر السير بهذه الطريقة للتصدى للأمور. علما بأن تلك الدول تعتمد بالأساس على القطاع الخاص فى تناولها للقضية.

إن أهم سؤال بهذا الصدد هو الآتى: هل يتطلب تشغيل هذا الاختراع تغييرا جوهريا فى علاقات الإنتاج الرأسمالية السائدة؟ أجيب بالنفى. بل أزعم أن هذا الاختراع يدعم سطوة الاحتكارات المالية فى سيادتها على الاقتصاد، حيث إن العاملين فى الصناعات الجديدة سيظلون أجراء تستخدمهم الشركات الخاصة العملاقة.

قطعا يمكن تخيل استغلال المناسبة لإنشاء علاقات اجتماعية أخرى ذات طابع يتجاوز حدود الرأسمالية. ولكن النضال على هذه الأرضية لا يختلف فى طابعه عن النضال العام من أجل الاشتراكية، الذى يخص جميع قطاعات النشاط الاقتصادي، الجديدة والقديمة منها على قدم المساواة.

الاختراعات الحاسمة وأنماط العولمة

نصل هنا الى الوجه الأعسر فى تناول القضية، ألا وهو العلاقة بين تشغيل الاختراعات الكبرى الحاسمة وشروط تلاؤم نمط العولمة له.

يشكل بيان هذه العلاقة أمرا مستعصياً لأن هذه العلاقة غير مباشرة، فلا يفعل الاختراع فعله إلا من خلال توسط تأثيره على العلاقات الاجتماعية، والمراد هنا العلاقات السائدة عالميا على كل من المراكز المهيمنة والتخوم المسود عليها. ففى المراكز يبقى رأس المال الاحتكارى متحكما فى تكيف العلاقات الاجتماعية فى خدمة مصالحه. فتصبح أيديولوجيا الطبقة الحاكمة الأيديولوجيا الحاكمة اجتماعيا، والمتجلية فى قبول الاستلاب السلعى المعمم والموافقة على ممارسة الديمقراطية الانتخابية التمثيلية.

فتدعم هذه الامور متانة النظام واستقراره. ولكن فى التخوم تختلف الأمور، حيث العلاقات الاجتماعية الحاكمة هنا ليست ناتج تحكم المراكز فى المنظومة العالمية بل ناتج تفاعل فعل التوسع المعولم للرأسمال المهيمن من جانب وردود أفعال الشعوب والمجتمعات والدول فى التخوم ضحاياه من الجانب الاخر. ولذلك تتنوع انماط العلاقات الاجتماعية السائدة فى التخوم المعاصرة. فكان هدف سياسات «التكيف الهيكلي» التى فرضتها العولمة على بلدان التخوم انطلاقا من ثمانينيات القرن السابق، هو بالتحديد تحطيم قدرات بلدان الجنوب فى مواجهة التحدي، تلك القدرات التى تم دعمها خلال عصر باندونج وعدم الانحياز وقد حققت هذه السياسات مرماها، ولكن بدرجات متباينة. فانفجر العالم الثالث القديم ليحل محله عالمان: عالم «رابع» مكون من مجتمعات ثم إخضاعها خضوعا شاملا، وعالم «ثالث» مستحدث مكون من بلدان احتفظت بدرجة من الاستقلالية. وفى هذه الظروف تتخذ العولمة الحالية شكلين اثنين. ففى العالم الرابع يتقلص تصرف رأس المال الاحتكارى إلى نهب الموارد الطبيعية إلى جانب قيامه بحملات غزو مالى تستغل مديونية الدول المعنية. هذا بينما فى العالم الثالث الجديد تعتمد سيادة المراكز على سيطرتها على صناعات ثم إعادة توطينها ومن جرائه امتصاص نصيب ملحوظ من فائض القيمة المنتج فى هذا الصناعات. هنا أطرح التساؤل الرئيسى فى هذا الإطار. فلا يبدو لى أن تشغيل الاختراعات الحاسمة المعاصرة من شأنه أن يلغى تماما آليات إعادة توطين صناعات فى تخوم العالم الثالث لصالح العودة إلى تركيزها فى المراكز. ليست هذه الفرضية غير عقلانية. كلا. ولكنها تمثل أحد الاحتمالات الواردة فقط.

ولكن ـ وقبل أن أتناول النظر فى مروحة الاحتمالات التى يمكن التنبؤ بها ـ أعود الى ماسبق أن طرحته فى هذا المجال فى منتصف السبعينيات فى مطلع انفجار الأزمة الهيكلية للرأسمالية المعاصرة، وهى أزمة لم يخرج العالم منها إلى اليوم، بعد أربعين عاما، بل أتنبأ بأن المنظومة صارت على مشارف انهيار مالى أخطر من السابق فى عام 2008. وقد انطلقت فى كتاباتى القديمة المذكورة من بيان مصادر تفوق المراكز، وهى انفرادها في: 1) التوصل الى موارد الكوكب الطبيعية ونهبها؛ 2) المبادرة فى الاختراع التكنولوجي؛ 3) السيطرة على السوق المالية المعولمة؛ 4) السيطرة على وسائل الاعلام ذات الوقع عالميا 5) امتلاك ترسانات وسائل التدمير الشامل العسكرية. وبناء على ذلك كنت قد رسمت خطوط احتماليتين اثنتين للتطور المتوقع.

ففى إحدى الفرضيتين تخيلتُ التركيز فى المراكز على الاستثمارات والأنشطة المرتبطة بعناصر التفوق الخمسة المذكورة، أى بعبارة أخرى التركيز على البحث التكنولوجى والإدارة المالية والإعلام ودعم القدرات العسكرية. فقام النمط على أساس إعادة توطين اقسام شاسعة من الصناعات التحويلية الدارجة فى التخوم المصنعة الجديدة. وفى الفرضية الثانية تخيلتُ غياب التوجه نحو إعادة التوطين على نطاق واسع؛ وبالتالى «تهميش» التخوم وحبسها فى دور المرتع لنهب مواردها الطبيعية وللغزو المالي.

ثم تخيلتُ شكلا مركبا يجمع النمطين على أساس تقسيم التخوم إلى مناطق «مهمشة» وأخرى مكيفة لاستيعاب إعادة توطين الصناعات التحويلية.

أعتقد أن التطور اللاحق قد كرس صحة تنبؤاتي! وكذلك اليوم. فأتصور أن أقوى المراكز سوف تنفرد بإقامة الصناعات الجديدة على أراضيها، الأمر الذى من شأنه أن يقود إلى تقلص وسعة التوطين الخارجي. ولكن هنا ألفت النظر إلى أن مد التوطين الخارجى قد دخل فى مرحلة التقلص لأسباب مستقلة تماما عن ظهور الاختراعات الحاسمة الحديثة. فيؤول منطق الربحية الذى يحكم العملية إلى انقلاب حتمى فى اتجاه حركة الاموال. ففى المرحلة الاولى تستدعى إقامة النمط إجراء تحويلات مالية ضخمة من الشمال الى الجنوب المصنع الجديد. ثم، فى مرحلة نضوج النمط التالية يأخذ حجم تحويل الارباح من الجنوب الى الشمال فى الصعود، حتى يتفوق على حجم مد الأموال الإضافية التى تسعى إلى مواصلة التوطين الخارجي. وقد وصلنا إلى هذا الحد، الأمر الذى يفُترض أنه سينهى الحسابات المتفائلة السابقة القائمة على وهم أن إعادة التوطين عملية يمكن أن تستمر «فى صالح» دول التخوم المعنية.

ولكن لايمنع ذلك استحداث إعادة التوطين القائمة على التوسع فى الصناعات الجديدة. ثمة أقسام من الإنتاج الجديد قابلة لإعادة التوطين فى بعض التخوم ولعل رأسمال الاحتكارات سيحسبه القيام بهذا الإجراء لكى يستفيد من رخص الكفاءات العلمية المتميزة المتوفرة فى بعض بلدان الجنوب. وأعتقد أن السلطات الحاكمة فى البرازيل والهند وكوريا وتايوان وسنغافورة تفكر فى السير فى هذا الطريق، لصالحها ظاهريا ومؤقتا. وبالتالى تجديد الأوهام فى صلاحية انضمامها فى العولمة الامبريالية. وأرى من الأفيد فتح جدال آخر أهم بالنسبة إلينا. وأقصد البحث فيما يجب أن تكون إجابة دول الجنوب فى مواجهتها للتحدي. لم يفُتح بعد باب هذا النقاش فى الأغلبية الكبرى من دول الجنوب التى لا تفكر نظم حكمها فى الأمر. بل لعلها لا تعى خطورة الوضع. أو تقبل ما سيطرأ من تطور فى العولمة كما رضيت بما فرضته إلى الآن، كأنها تتجاهل ان تفكك نسيج مجتمعاتها كان ناتج هذا النمط من التوسع الرأسمالى على صعيد عالمى. وتسير جميع الدول الافريقية والعربية والاسلامية، أو تكاد، على هذه الطريقة المأساوية. فهنا تسود الأوهام الماضوية فى ثيابها المتنوعة. ومنها الإسلام السياسى الذى تروج له دول الخليج والذى يرحب به سادة الامبريالية. وفى هذه الظروف تظل القوى السياسية والحكومات التى ترفض هذا البديل المزيف أسيرة انشغالها الشامل فى مقاومة هذا الخطر، حتى تظل عاجزة عن اتخاذ مبادرة إيجابية فى المجال الحيوى المعنى هنا.

ثمة مجموعة من بلدان الجنوب تعطى صورة أخري. فتبدو واعية بأهمية القضية وتهييء نفسها للتكيف لها، من خلال بذل المجهود لتكوين وتطوير الكفاءات النوعية وبالكثرة المطلوبة. ولكن يبدو لى انها تعتمد فى آمالها على مشاركتها بصفتها كيانات ثابتة مكيفة لاستيعاب إعادة توطين أقسام من الصناعات الجديدة والعمل فى خدمة مشروعات رأسمال الاحتكارات الامبريالية. يبقى السؤال مفتوحا بالنسبة إلى الصين وروسيا. فيمثل نظامهما الاستثناء بمعنى أن مشروعهما يسعى إلى بناء هذه النوعية من الصناعات الجديدة فى إطار يضمن احتفاظهما بالسيادة عليها. فيقوم النظام هنا على تطوير مناهج عمل تعتمد على القدرات العلمية المحلية، ولكن فى إطار مشروع رأسمالية وطنية مستقلة.