2017-11-19

عادل عامر: لأول مرة في التاريخ تم ترسيخ الحقوق الاجتماعية لكل الطبقات وليس كامتيازات للبعض

الثورة الاشتراكية عظمى بثوريتها وبعمق التغيير الذي احدثته في المفاهيم والقيم الانسانية التي رسختها. فلأول مرة في التاريخ يحدث ان يتم ترسيخ الحقوق الاجتماعية كحقوق لكل الطبقات المسحوقة مثل الحق في العمل والسكن والتعليم والصحة والاستراحة والشيخوخة. وهذه حقوق لم تكن تمنح إلا للطبقات التي تستطيع الحصول عليها من خلال انتمائها الطبقي. وهذه حقوق تم ترسيخها وتحقيقها وتطبيقها قبل 100 عام في بلد كان يعاني من ازمات اقتصادية خانقة. واعترف بها العالم كله من خلال العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 16 كانون الأول 1966.

نص المقابلة الخاصة التي أجرتها صحيفة "الاتحاد" الحيفاوية مع الأمين العام للحزب الشيوعي في إسرائيل، الرفيق عادل عامر، حول الذكرى المئوية لثورة أكتوبر الاشتراكية.

في أية ظروف تحل ذكرى مئوية الثورة الاشتراكية العظمى، من ناحية المناخ الدولي والأممي، الذي سبق ان لعب فيه المعسكر الاشتراكي دورًا رائدا في بلورة صورة عالمنا.

عامر: مما لا شك فيه ان العالم بعد انهيار المنظومة الاشتراكية لم يعد افضل مما كان بل بالعكس.
قوى الاستغلال والرأسمال ازدادت وحشية وشراسة ظنا منها الشعوب، بغياب ظهيرها الاشتراكي، قد استكانت واستسلمت وخضعت لعالم بقطب واحد ولنظام اجتماعي اقتصادي سياسي واحد.

ولكن الواقع وحركة التاريخ رغم الانهيار تقدمت وصارت الى الأمام، بخطى بطيئة وقليلة وباشكال مختلفة ولكن الى الامام. منها من اختار الخيار الاشتراكي مثل فنزويلا ومنها من اختار طريق المقاومة وعدم الخنوع وخير من يمثل هذا النموذج هو محور المقاومة في منطقتنا. والذي اثبت جدارته في افشال المؤامرة الكبرى على سوريا والعراق، رغم انها لم تنته، وظهور روسيا كلاعب دولي انهى بشكل سريع اوهام الامبريالية الامريكية بعصر القطب الواحد مع فهمنا العميق ان روسيا الحالية هي ليست الاتحاد السوفييتي بكل قيمه السياسية والاجتماعية والطبقية.

ومن ناحية ثانية فان  الرأسمالية وفي ظل غياب البديل الاشتراكي العالمي، كمعسكر وكمحور، وفي ظل كونها النظام السائد على الساحة الدولية نرى انها لم تجد حلا لأزماتها بل انها تصدرها الى دول العالم الثالث لتواصل استعبادها والسيطرة على خيراتها بل اكثر من ذلك فان هذه الازمات تنفجر بشكل متواصل من خلال الحلقات الضعيفة ضمن هذه المنظومة وهي الدول الاكثر ضعفا اقتصاديا مثل الذي حصل في اليونان ورهنها وبيع اقتصادها ومرافقها الاساسية الى القوة الاساسية في الاتحاد الاوروبي وهي المانيا.

وإذا ما نظرنا الى الازمة الاخيرة في اسبانيا وقرار كاتالونيا الانفصال قوميا عن اسبانيا فان جوهر هذا القرار هو اقتصادي بحت، اذا ان اسبانيا تعاني من ازمة اقتصادية حادة جدا. في حين ان مقاطعة كاتالونيا التي تشكل 16% من عدد سكان اسبانيا تشكل مساهمتها في الانتاج القومي الاسباني حوالي 20% من الانتاج. وهذا يعني ان لأزمة الرأسمالية تداعيات قومية ايضا على مبنى دولها ومن يتبنى هذه النظام الاقتصادي والاجتماعي. وان لهذا الازمة بعدا طبقيا متمثلا في  انتعاش التوجهات والنزعات الاشتراكية في هذا العالم. مع تنوع هذه التوجهات وانتمائها لمدارس فكرية اشتراكية مختلفة. إلا انها تساهم في طرح الوعي الاشتراكي كبديل حقيقي وواقعي لهذا النظام السائد.

هل يمكن الاشارة الى عدد من آثار هذا الحدث التاريخي على تطور مسيرة الشعوب العربية، سواء من خلال نشوء الاحزاب الشيوعية والاشتراكية، أو تعزيز حركات التحرر الوطني.

عامر: بعد سنتين من اليوم سوف يحتفل حزبنا بمئويته، اي ان حزبنا اقيم بعد سنتين من ثورة اكتوبر الاشتراكيه العظمى.

وأقول عظمى لانها فعلا كذلك: عظمى بثوريتها وبعمق التغيير الذي احدثته في المفاهيم والقيم الانسانية التي رسختها . فلأول مرة في التاريخ يحدث ان يتم ترسيخ الحقوق الاجتماعية كحقوق لكل الطبقات المسحوقة مثل الحق في العمل والسكن والتعليم والصحة والاستراحة والشيخوخة.

وهذه حقوق لم تكن تمنح إلا للطبقات التي تستطيع الحصول عليها من خلال انتمائها الطبقي .

وهذه حقوق تم ترسيخها وتحقيقها وتطبيقها قبل 100 عام في بلد كان يعاني من ازمات اقتصادية خانقة. واعترف بها العالم كله من خلال العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 16 كانون الأول 1966. ولهذا التطبيق كان انعكاس كبير جدا على التطور الثقافي والروحي لشعوب الاتحاد السوفييتي وانخراط ابناء الطبقات المسحوقه في عملية البناء الاشتراكي.

في حين ان هذه الحقوق التي ذكرتها سابقا ما زال الكثير من البشر محرومين منها حتى يومنا هذا . هذا من ناحية.

ومن ناحية اخرى فان ثورية هذه الثورة تجلت في رسالة لينين لشعوب الشرق والتي عبر فيها عن قيم الثورة في بناء ونسج علاقات سلام وتضامن وتعاون مع شعوب الشرق ومنها الشعوب العربية وقد ترافق ذلك مع فضح روسيا والاتحاد السوفييتي لمؤامرة سايكس بيكو بين فرنسا وبريطانيا، والتي كانت روسيا القيصرية جزءًا منها والتي قسمت العالم العربي بين فرنسا وبريطانيا لمواصلة استعمارها بعد انهيار الامبراطورية العثمانية.

هذه العوامل مجتمعة اثرت تأثيرا كبيرا على القوى الثورية والتحررية في العالم العربي حيث اطلقت مرحلة تحررية منعشة في العالم العربي بتشكيل احزاب شيوعية اخذت تناضل من جل تحرر  شعوبها من نير الاستعمار ورأت في الاتحاد السوفييتي حليفا قويا في المعركة التحررية ونموذجا لرفاهية شعوبها واملها في العدالة الاجتماعية.

جاء انتصار الاتحاد السوفييتي على المانيا النازية عام 1945 ليطلق مجددا حركة ثورية تحررية اجتاحت العالم العربي أدت الى استقلال العديد من الدول العربية، وفي وقت لاحق الى بناء جمهوريات على انقاض ممالك كانت سائدة.

كيف يكون الرد على من يدّعون أن ما وصلت اليه الثورة بعد عدة عقود على صعيد ذلك الانهيار، هو دليل على فشل فكري وسياسي وفلسفي، وليس مجرد فشل تطبيقي عينيّ؟ كيف نخاطب الشعوب ونقنعها بإمكانية إعادة بناء هذه التجربة.

عامر: أمل وطموح البشرية في العدالة الاجتماعية والاشتراكية قائم ونضال شعوب العالم يتمحور حول الحياة الحرة الكريمة والاستقلال الوطني والانعتاق من الاستعباد والاضطهاد.

وهذا النضال هو سيرورة طويلة الامد يتخللها حالات من المد وحالات من الجزر. يتخللها حالات من النجاحات ومن التراجع ولكن الامر المؤكد انها دائما تسير الى الامام محرزة العديد من الانجازات التراكمية التي حتما ستتحول لحدث نوعي.

قد يكون هبة ثورية وقد يكون انتفاضة وقد يكون ثورة تخلق واقعا جديدا ومختلفا عما هو قائم، ولهذا فان الحديث عن فشل فكري وغيره هو ضرب من الهراء لا يصمد أمام إرادة الانسان وتوقه  للحرية والانعتاق من الاستغلال وبحثه الدؤوب عنها.

السؤال هو من يقوم بعملية ترسيخ الوعي الاشتراكي في وجدان الانسان وفكره وأية قوة محركة لهذه الارادة. نحن نرى ان هناك قوى كثيرة تسعى لهذا الغرض مندفعة من رغبتها في تحقيق الأفضل للبشرية ومن ضمن هذه القوى احزابنا الشيوعية في العالم.

والمطلوب منا هو التجدد في عملية ترسيخ الوعي وخلق ادوات جديدة والبحث عن تحالفات متنوعة ومختلفة تعتمد برامح قابلة للتحقيق حسب الظروف السياسية لكل مكان وزمان .

وهذه الاساليب النضالية  عليها ان تتلاءم وتطورات العصر الحديث والتطور الاقتصادي العالمي. كنا قد سقنا فنزويلا كنموذج للبناء الاشتراكي ونحن نرى كيف تقوم الرأسمالية متمثلة بالولايات المتحدة بمعاداة  هذا النوذج بكل الوسائل من حصار اقتصادي خانق الى التهديد بالتدخل العسكري وغيرها.

وبالمقابل نرى ان العالم يشهد تحركات حتى في عقر دار الرأسمالية، حيث يقوم السيناتور باندي ساندرس بقيادة تيار داخل الولايات المتحدة سمته الاساسية الاشتراكية.

نعم اشتراكيته قد تختلف عن مفهومنا للاشتراكية، الا انه يطرح طرحا كان محرما قبل عدة سنوات داخل معقل الرأسمالية.

وبلا شك هذه مساهمة جيدة وكبيرة في عملية ترسيخ الوعي الاشتراكي وطرح بديل امام الطبقات المسحوقة ان هناك طريقا آخر وبديلا لنظام الاستغلال والاستعباد.

وفي بريطانيا هناك جرمي كوربن، اليساري، زعيم حزب العمال البريطاني الذي يطرح طرحا اشتراكيا دون تردد.

وفي فرنسا هناك جان لوك ميلانشون، الذي خاض معركة الرئاسة الفرنسية الاخيرة معتمدا على الطبقات المسحوقة وكوادر الحزب الشيوعي الفرنسي، والذي يصف نفسه كمعادٍ للرأسمالية  ويدعو الى فرض ضرائب كبيرة على الاغنياء وكانت له مواقف سياسية واضحة في معاداة الدور الأمريكي في سوريا وغيرها.

نحن نسوق هذه الامثلة لنؤكد انهم يتزعمون تيارات سياسية وفكرية وفلسفية انحيازها واضح نحو ترسيخ الوعي الاشتراكي وطرح بديل للنظام الرأسمالي القائم وفي معاقلها.

ما هي العبر التي يراها الحزب فيما يخص الانهيار الكبير للمنظومة الاشتراكية، وتفكك الدول الاشتراكية؟ ما هو النقد الموضوعي لهذا التطور السلبي التاريخي، وأسباب حدوثه.

عامر: في سنوات سابقة اشرنا الى مفهومنا لأسباب الانهيار، والعبر التي يجب علينا استخلاصها.

ومع مرور الوقت ونحن في مئوية الثورة، لا بد من الاشارة الى جوانب أُخرى ومهمة،
اولا: المنظومة الاشتراكية سعت بشكل كبير جدا وعميق على تحقيق الجانب الاجتماعي الحياتي والروحي للناس وتوفير كافة الحقوق الاجتماعية الأساسية ومما لا شك فيه ان هذا هو جوهر الاشتراكية، توفير الحياة الحرة الكريمة للبشر، وتكريس الخيرات والثروات لهذا الغرض. وفي هذا الجانب تحقق الكثير، وأصبح هذا الامر ارثا انسانيا وبوصلة نضالية  للحركات العمالية في العالم.

وبالمقابل اغفلت الجوانب السياسية وكانت هناك تقييدات على حرية التعبير وغيرها من الحقوق السياسية. قد يكون في مرحلة تاريخية معينة هناك ما يبرر هذه التقييدات، لكن الاستمرار بها اضر ضررا  كبيرا في النهج الاشتراكي لان ماهية هذا النهج هو تكريس وترسيخ الدمقراطية المشاركة التي يكون فيها الفرد شريكا اساسيا في بلورة عملية البناء الاشتراكي. ومن اجل ذلك كان يجب توفير الدفيئة لممارسة هذا الدور بشكل فعال ونشط من خلال تعميق الدمقراطية الاشتراكية  بجناحيها الحقوق الاجتماعية العميقة والحقوق السياسية.

الامر الآخر هو عملية الاستنزاف الاقتصادي التي فرضتها الرأسمالية على المنظومة الاشتراكية من خلال التصعيد المتواصل في الحرب الباردة وجر المنظومة الاشتراكية الى سباق لا ينتهي من التسلح، الامر الذي اثقل  الاقتصادي الاشتراكي واستنزفه من خلال السعي المتواصل الى صناعة وتطوير اسلحة جديدة والدفاع عن النفس.

هنا يجب التأكيد على ان هذا الامر يعكس قيمتين متناقضتين :

الاولى جوهرها السلام في سبيل تحقيق رفاهية الانسان وتطوره  الروحي وصون كرامته من خلال تكريس القدرات والثروات لذلك .وتمثلها القيم الاشتراكية السامية والقيمة النقيض،  والتي تمثلها الرأسمالية، هي قمة الربح وتكديس الثروة ولو حساب ارواح الناس وهذا فعلا ما كان وما زال حتى يومنا هذا لان هذه هي طبيعة الرأسمالية.

أي بديل اشتراكي نعرضه في ظل التطورات الراهنة الحاصلة على الشعبين في هذه البلاد، في كل فلسطين التاريخية، من اجل مستقبل عادل وآمن ومستقر ومزدهر لكليهما؟

عامر: نحن في الحزب الشيوعي طرحنا كان دائما وما زال هو ان الانسان  محور ومركز هذا الطرح بغض النظر عن انتمائه القومي والديني، وطرحنا هو اممي بامتياز ونرى اننا نمثل مصالح الطبقات المسحوقة ونسعى دائما للدفاع عنها.

ومن اجل ذلك نرى ان الاشتراكية هي المنفذ الذي ينقذ شعبي هذه البلاد من ويلات وأطماع الحركة الصهيونية والرجعية العربية. ونرى ان السبيل الى ذلك هو بخوض المعركة بجوانبها المختلفة، المعركة من اجل السلام العادل وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية وعودة اللاجئين، والمعركة من اجل  المساواة القومية والمدنية للجماهير العربية في اسرائيل ووقف سياسة التمييز العنصري، التي تتدهور في السنوات الاخيرة نحو ظواهر فاشية في المجتمع الاسرائيلي، والمعركة الطبقية  ضد الرأسمال المتوحش والاستغلال الطبقي البشع وفي سبيل حقوق العمال والكادحين في المدى الآني وفي سبيل مستقبل اشتراكي على المدى البعيد.

ومن اجل مواصلة هذا النضال والانتصار فيه، والوصول الى العيش المشترك للشعبين بكرامة وحرية وسلام، لا بديل عن النضال العربي اليهودي المشترك والذي يمثله حزبنا بوجهه الاممي المكافح والمناضل. وسعينا المتواصل لإقامة تحالفات وتعزيزها محليا وبرلمانيا لاننا نرى ان هذه المعارك هي الاهم  وهي معارك مصيرية لمستقبل هذه البلاد.

وهذا ما يعزز ثقتنا بحتمية انتصارنا في المعارك التي ذكرتها رغم صعوبتها وشراسة الخصوم.

كيف يُحيي الحزب الشيوعي في بلادنا ذكرى مئوية الثورة، وهل يحاور قوى سياسية واجتماعية أخرى في هذا السياق؟

عامر: قبل فترة وجيزة عاد وفد حزبنا من موسكو حيث شارك في الندوة العالمية التي نظمها الحزب الشيوعي الروسي لمئوية ثورة اكتوبر. ونحن هنا نستعد لعقد يوم دراسي يشمل العديد من المحاضرات والمداخلات لرفاق الحزب حول هذا الحدث الكبير يختتم في مهرجان سياسي واحتفالي. ونحن بصدد اصدار كتاب يشمل العديد من الدراسات حول جوانب مختلفة من ثورة اكتوبر ومواضيع اخرى ذات صلة. وهذه الدراسات والأبحاث ثمرة مجهود من قبل العديد من رفاق حزبنا. ونحن بصدد الإعداد والمبادرة لإقامة حوار وطاولة مستديرة مع العديد من القوى السياسية والأكاديمية  يهودا وعربا  حول الاشتراكية ومفهومها المعاصر.