2017-11-19

ملف: الذكرى المئوية لإنطلاق ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى

ثورة غيرت العالم والفكر (1- 2)

تمر على البشرية جمعاء الذكرى المئوية لإنطلاق ثورة أكتوبر الاشتراكية 1917 في روسيا، الثورة التي غيرت موازين القوى في العالم وبدأت بتغيير وجه العالم وإعادة بناء الحياة الجديدة للإنسان من منظور تاريخي مغاير لمنطق ورؤية البرجوازية وسلطتها وثقافتها وفكرها وممارساتها

ومنذ تفجر ثورة أكتوبر الاشتراكية، شهد العالم خلال العقود الماضية، متغيرات كثيرة جراء الواقع الجديد الذي فرضته هذه الثورة على صعيد روسيا والعالم.

وبمناسبة هذا الحدث العظيم الذي أدى لتأثيرات هائلة في تاريخ وحياة البشرية، نفتح ملف الذكرى المئوية لثورة أكتوبر 1917، من خلال نشر بعض الاسهامات الهامة التي تلقي الضوء على تلك الثورة وهويتها الفكرية والاجتماعية، وتتناول عوامل وظروف اندلاعها وأهدافها وتأثيراتها، والإخفاقات اللاحقة التي تبعتها وأدت إلى إنهيار النظام الاشتراكي.

----------------------

ثورة اكتوبر غيرت العالم والفكر (1- 2)

د. مهند البراك

مرّت هذه الأيام الذكرى المئوية لإنتصار ثورة اكتوبر العظمى التي حوّلت الأمبراطورية الروسية المترامية الأطراف، بملايينها التي كانت تعيش في عصر القنانة والإقطاع والعبودية القيصرية الآرثذوكسية، الى دولة عصرية شغلت العالم طيلة القرن الماضي وصارت محط انظار دوله الفتية وأحزابه التحررية ومناضليه الساعين الى تحرر وانعتاق شعوبهم بالتضامن مع كل القوى الساعية الى تقدم ورفاه البشر، من جهة، وصارت محط مراقبة و نشاط مخططات انواع كيانات و اقطاب الرأسمال العالمي التي سعت الى وأدها و اجهاضها و تحطيمها منذ نجاحها، من جهة اخرى.

بعد ان حققت وأصابت وأخطأت، ولأول مرة في التاريخ دولة قائمة على اساس تحقيق السعادة و الرفاه للكادحين، وعلى اساس نشر روح التآخي القومي والديني والمذهبي وحرية المرأة ومساواتها بأخيها الرجل، وعلى اساس كشف و الغاء المعاهدات السرية لأقتسام العالم بين الأقطاب العظمى، فتسابقت مئات الحركات التحررية في العالم لخطب ودّها وللحصول على دعمها النزية الداعي الى التكاتف في وجه المخططات الشريرة الساعية الى الأحتلال والى التمييز العرقي، البشري، و القومي و الديني .

ويرى كثير من المحللين ان اهميتها ـ وبالتالي تقييمها كما يسعى البعض ـ لايمكن ان تُعرف او تُقاس الاّ اذا دُرست و حُسبت ابعادها في زمانها و ظروفها الوطنية الداخلية و ظروفها العالمية آنذاك و ما احدثت. ويصنّفها مؤرخون بانها لا يمكن ان تقلّ اهمية عن الثورة الفرنسية العظمى 1789 والثورة الصناعية في بريطانيا عام 1848، سواء في دورها الوطني الداخلي في بلد شغل سُدس الكرة الأرضية، او في تأثيرها الفكري و دورها الإقتصادي والإنساني العالمي، الى يومنا.

ويرى عديد من علماء التاريخ والمجتمع المعاصرين ان نجاح ثورة اكتوبر اثبت بأن النظريات الداعية الى دولة العدالة الإجتماعية، ليست رجماً بالغيب وليست رمادية ممكنة على الورق فقط ولا خيالية كـ "جمهورية افلاطون" وإنما انها ممكنة التطبيق، حيث نجحت وأنجبت دولة "اتحاد الجمهوريات السوفياتية" التي غيّرت مسار التاريخ العالمي طيلة القرن المنصرم ...

وانها رغم الأخطاء التي اقترفتها (1) والتي لايخلو منها اي تغيير هائل كالذي احدثته في روسيا المترامية وفي العالم، الاّ انها كانت التطبيق الخلاّق الأول للفكر الماركسي في زمان انتصارها مطلع القرن العشرين بإنشاءها دولة كبرى!! كانت السبب الأساسي للبدء بالتحشيد الرأسمالي العالمي ضدها ولإشعال حروب التدخل الطويلة لخنقها ولإيقاعها في شتى الفخاخ العملية والفكرية، التي وصلت الذروة في الهجوم الهتلري النازي عليها في محاولة لتحطيمها و فرض نظام احتكاري جديد عليها ..

والذي انتهى بدورها الباسل في تحطيمه وتحرير الدول الأوربية الشرقية منه (2)، بعد خسائر قاسية بالأرواح و الممتلكات، ووصولاً الى جهود الإحتكارات الغربية والصهيونية لتوريطه في حرب افغانستان، التي يكشف عنها النقاب تدريجياً، بعد ان تم كشف العديد من ملفات المخابرات المركزية الأميركية و البريطانية، عملاً بقوانين الأرشيف، والتي اعلنت في مواقعها على الأنترنت، اضافة الى تصريحات عدد هام من القادة و الموظفين الكبار فيهما .

ويرى خبراء سياسيون وتنظيميون، ان ذلك الأنتصار الأول للفكر الأشتراكي الذي تم بواسطة وعلى يد الحزب البولشفي الروسي، والذي لم يكن لينجح في الاستيلاء على السلطة وإقامة دولة من نمط جديد (3) لولا اسلوب بنائه و آلياته آنذاك، هو الذي ادىّ الى تبنّي غالبية الأحزاب العمالية والشيوعية وغيرها نمط بنائه وقواعده الحديدية في محاولتها تأمين الأنتصار على غراره آنذاك، بعد ان سميّ بـ "حزب من طراز جديد". وادىّ من جهة اخرى الى بلورة ستالين بعدئذ اسس بناء الحزب على ذلك النمط في كتابه "أسس اللينينية" التي فرضها بشكل اكثر صرامة على احزاب الأممية الثالثة التي لم تتفق كلها معه، كالحزب الشيوعي الفرنسي، الإيطالي ثم الصيني والإسباني وغيرها، رغم احتفاظ الجميع بوحدتهم في الموقف من الصراع بين المعسكرين العالميين آنذاك.

فيما يرجع آخرون تلك الصرامة الى تزايد حدة الصراع مع القوى الخارجية التي استشرست في صراع طويل ضد الإتحاد السوفيتي وأنجبت عشرات المنظمات الإرهابية السرية على غرار جماعات المئة السود الأولى وغيرها للقيام بأنواع التخريب على اراضيه. الأمر الذي ادىّ بتواصلها وتراكمها اضافة الى تراكم اخطاء وعوامل اخرى في بنائه و نشاطه، الى نشوء التطرف والتعالي وشيوع روح العصمة من الأخطاء وبالتالي الى البيروقراطية الحزبية والأوامرية الإدارية، والخروج عن المنهج العلمي الديالكتيكي الماركسي، في مواجهة التطورات العالمية الفكرية والعلمية، التكنيكية والمعلوماتية، في العقود اللاحقة .

ولا يمكن باي حال اغفال ان ثورة اكتوبر بقيادة ف . أ . لينين استطاعت ان تحل مشاكل القوميات على اسس الأممية البروليتارية وحق تقرير المصير، التي اقيمت على الآليات التي وحّدت شعوب روسيا القيصرية في مواجهة الاقطاع وسلطة رأس المال والقيصر ـ رغم ثغرات ونواقص ـ وحققت الكثير من المكتسبات للشغيلة من الجنسين بعد ان اطلقت حرية المرأة ومساواتها بالرجل، وحوّلت البلاد من دولة غلب عليها الطابع الإقطاعي الى دولة تسعى للكهربة و التكنيك والتقدم الصناعي، حتى وصلت وسابقت في الفضاء، وصارت قطبا من القطبين الأعظمين اللذين توقف على مباراتهما و نتائجها مصير المئات من الدول والحركات التحررية والإنسانية .

وحتى صارت سمة الانتقال من الرأسمالية الى الأشتراكية سمة معترفا بها في العالم، وصارت الأشتراكية هي الأمل وحلم خلاص ملايين المحرومين من الظلم و الطغيان والإستغلال الأقتصادي والروحي والديني في العالم في تلك الحقبة التاريخية. ففي منطقتنا العربية الشرق اوسطية صارت دور النشر العربية ومنذ ستينات القرن الماضي تتسابق على نشر المطبوعات الأشتراكية، بل وصارت كثير من الحركات القومية التحررية في الشرق الأوسط تتزيّن و تتمنطق بالأشتراكية (4) للوصول الى عقل وقلب الكادحين بصياغتها مصطلحات جديدة لم تعرف سابقاً: كـ "الإشتراكية العربية " و"الإشتراكية الرشيدة"، اضافة الى حركات اسلامية كبيرة غدت تتحدث وتفسّر "اشتراكية النبي محمد" و "اشتراكية امام المتقين علي" و"اليمين واليسار في الإسلام" ووصل الأمر الى الإعلان عن نشوء المنظمات "الإسلامية الإشتراكية" التي كادت احداها ان تصل الى الحكم في ايران في انتخابات مطلع الثمانينات من القرن الماضي (5).

الأمر الذي لم يكن بمعزل عن مواقف الإتحاد السوفيتي من قضايا نضال الشعوب والدول العربية وعموم البلدان النامية، ودعمه ايّاها من اجل تحقيق حقوقها العادلة ونجاحها في صراعاتها ضد السياسات الأمبريالية والأحتلال والنهب والتمييز وإشعال الفتن القومية و العرقية و الطائفية .

وفيما يذكر كثيرون و يكتبون عن "ربيع براغ" في 1968 وعن نضال "اتحاد النقابات الحرة البولونية" ـ ليس فالينسا في الثمانينات وعن الدعوة الى الديمقراطية في اوروبا الشرقية حينها، الاّ انهم لا يذكرون شيئاً ـ لأسباب متعددة لا يتسع لها المقال ـ عن التحولات الجدية التي كانت تموج بها الحركات العمالية والنقابات وأحزاب وأنظمة اوروبا الغربية الصناعية ذاتها، بسبب تزايد النفوذ الفكري والإنساني للأشتراكية بمدارسها المتنوعة، لحاجة الأوساط العمالية والكادحة لها لرسم طريق نضالها من اجل الحصول على حقوقها المهضومة .

حتى صار الأمر يهدد بانفصال ايطاليا الرأسمالية عن الناتو، بعد ان شرعت مؤسسات ايطالية هامة بالتقارب وبالدعوة الى تأسيس عقود عمل مع الدولة السوفيتية في مطلع سبعينات القرن الماضي كطريق لحل الأزمة الأقتصادية التي تسببت ببطالة الملايين فيها، بسبب الصراع المرير للأحتكارات، وكان ذلك التحوّل هو السبب المباشر في حادث اختطاف واغتيال رئيس الوزراء الإيطالي المعتدل "الدو مورو" آنذاك (6).     

اضافة الى ما كانت تسببه دولتا السويد والمانيا الغربية من قلق في اوروبا الغربية الرأسمالية، لتحقيق احزابهما الحاكمة منجزات وحقوق للشغيلة بسبب تزايد شعبية وضغوط النقابات والحركات العمالية واليسارية، التي لعب وجود كتلة شرقية قائمة فعلاً على الأرض دوراً هاماً في تزايد نفوذ القوى اليسارية وأفكار الأشتراكية والعدالة الإجتماعية فيهما مطلع الثمانينات، بعيداً عن ادراك ما كان يموج داخل الكتلة الشرقية فعلاً .

وبسبب ذلك النفوذ الفكري بالقناعة، ينسى قسم لماذا ؟ ومَنْ ؟ كان وراء الأنقلابات العسكرية الدموية التي اجتاحت العالم والشرق الأوسط واميركا اللاتينية تحديداً طيلة نصف القرن الماضي وأزهقت آلافاً مؤلفة من التي عبّر بشأنها الرئيس الأميركي الاسبق جورج دبليو بوش عن اعتذار الولايات المتحدة عنها (!!) في خطابه السنوي عن حال الإتحاد عام 2003، واليوم وبعد افول الأتحاد السوفيتي الذي كان يُتّهم بكونه منبع العنف، ازداد العالم جموحاً وتزايد العنف و برزت مخاطر رهيبة يشيعها النهب والعنف والإرهاب المتنوع، وتعود الصراعات الى اساليب الوحشية القروسطية .

وبالمقارنة يرى مؤرخون محايدون، بان الأنظمة الرأسمالية المتنوعة القائمة اليوم لم تأت بوصفة سحرية او نظرية لرجل علم او فيلسوف محدد معيّن، بقدر ما انها تكوّنت عبر صراعات مريرة وتغييرات عاصفة و ثورات وأزمات حادة استهلكت ارواح ومصائر، و نظريات صعدت و افلت، طيلة قرون، حتى صارت تسعى الى تشجيع الإبداع والتجديد والعلوم، التي تحقق ارباحاً افضل لرأس المال، النابع من مبادئها الربحية التنافسية ذاتها، دون تقييد ديني او اخلاقي في واقع الحال ودون الاهتمام الحقيقي بمصائر البشر ـ وبالذات خارج بلدانها ـ عدا تخصيص معونات خيرية لإدامة مكانة و سمعة انظمتها وفق قوانين ضريبية وائتمانية معمول بها، رغم البهرجة الإعلامية المنادية بالمبادئ السامية التي ترى فيها مؤسساتها بكونها ضرورة قصوى لتسويق بضائعها وبالتالي سياساتها. وهي في مواقفها كثيرة التنوع وتسير بوتيرة كثيرة التعاريج والصعود والنزول تتمحور على ضمان ارباحها، الأمر الذي يهدد حتى بتصادمها العنيف فيما بينها ايضاً .

اضافة الى انها اعتمدت اساليب استعمار الشعوب الأخرى وسرقتها وقامت بسوق ابناء تلك الشعوب الى حروبها هي وأدامت تلك السرقات التي امّنت وتؤمن لها مصادر مالية وتقنية وبشرية اسطورية، دعمت تمويلها وتمويل الفتن والحروب التي اشعلتها، والتي بالمقابل واجهها الإتحاد السوفيتي السابق سياسيا باستخدامه المتكرر لحق النقض الفيتو في الأمم المتحدة.

وواجهها ماليا وعسكرياً من خزينة دولته التي أُرهقت بالهبات والمعونات بلا مقابل لشعوب العالم النامي وللدول المستقلة حديثاً، وفي محاربة الفاشية والحروب العدوانية، كتمويله السد العالي في مصر بلا مقابل، وإعادته تسليح الدول العربية التي تضررت بسبب خساراتها في حروبها مع اسرائيل، التكاليف الهائلة بلا مقابل او بمدفوعات اسمية ايضاً، اضافة الى تمويله حركات التحرر في كل انحاء العالم كما حصل في فيتنام وكوريا والمنظمات الفلسطينية غيرها وبلا مقابل. وكان آخرها تنازله دون مقابل عام 1989 عن كل ديونه لجزيرة الحرية "كوبا" والتي بلغت بحدود 20 عشرين مليار دولار بسبب ضائقتها المالية التي تسبب بها الحصار. وغيرها من الأموال الفلكية من ميزانيتها ـ تجنبت الصين الاشتراكية مثلاً القيام بذلك الدعم و بتلك الضخامة و وفرت تلك الأموال داخلياً لها ـ .

(يتبع 2)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- راجع سياسة الإصلاح المقترحة من لينين لحل الأخطاء، المعنونة بـ "السياسة الإقتصادية الجديدة ـ النيب ".

2- اشارت الإحصاءات الرسمية السوفيتية في نهاية الحرب العالمية الثانية التي استكملت في عام 1990 عن خسارة اكثر من 20 مليون انسان، اضافة الى عشرات المدن الكبرى المخرّبة وآلاف المدن الصغيرة والقرى، اضافة الى الخسائر اللوجستية الهائلة في كل نواحي الحياة .

3- بعد ان جرت محاولات في بلدان اخرى وفشلت.

4- رغم التحوّل الحقيقي ايضاً، الذي جرى في عدد منها .

5- منظمة مجاهدي خلق في عام 1981 التي وثّقت حتى وقتذاك نضالها على منهج المادية التاريخية واختلافها مع المادية الديالكتيكية، لأنها تمس الدين، وفق تعبير وثائقها آنذاك .

6- راجع كتاب"اندريوتي: بين السياسة، المخابرات السرية والمافيا" ـ شهادات ووثائق محاكمة الرئيس الإيطالي الأسبق اندريوتي ـ وثائق الأحزاب ووثائق المنظمات السريّة السياسية، الدينية و المافيوية ـ ريجينا ايغيل/ دار هيربيغ، عام 2001. بالأنكليزية والألمانية .