2017-11-12

لماذا ينتحر الشعراء والكتاب أكثر من غيرهم؟

نعيم ناصر

سؤال شكّل مادة زخمة للباحثين والكتاب الأجانب والعرب على امتداد سنوات عديدة. وتفاوتت اجاباتهم عنه، فمنهم من عزاه إلى الأمراض النفسية التي ابتلي بها بعضهم، ومنهم من رده الى الظروف الإجتماعية والسياسية التي عصفت بمجتمعاتهم، في حين أرجعه البعض إلى أسباب عاطفية وخلافات زوجية، وبعض رابع رأى بأنه يكمن في فشلهم بتحقيق طموحاتهم الأدبية.  وما يزال هذا السؤال مادة للإجتهاد، وأعداد المنتحرين من هؤلاء المبدعين تزداد باضطراد.  فعلى سبيل المثال لا الحصر قدرت الشاعرة اللبنانية جمانة حداد عددهم في القرن الماضي في كتابها: "سيجيء الموت وستكون عيناك" بنحو 150 شاعراً وكاتباً على مستوى العالم، من بينهم 15 مبدعاً عربيا.

وعلى الرغم من أن ظاهرة الموت انتحاراً لم تقتصر على الشعراء والكتاب، وإنما طالت فئات إجتماعية عديدة وكل له أسبابه ومبرراته.  ولكن المبدعين، عموما، في مجال الأدب، سواء الذين انتحروا أو الذين نظّروا للموت، كانوا صادقين في ما ذهبوا اليه.  وهنا بعض من أقوالهم، ونبدأها  بسقراط الذي قال: "الموت قد يكون خيراً من الحياة". ورأى الفيلسوف الألماني نيتشه أن على الإنسان أن يجعل من موته عيداً، فيختار هو موعده وشكله ولحظاته، ولا يترك للقدر والموت المفاجىء أن يخطف منه هذا الإختيارالإيجابي.

وقال اميل سوران، الفيلسوف والكاتب الروماني: "لا ينتحر إلا المتفائلون .. المتفائلون الذين لم يعودوا قادرين على الإستمرار في التفاؤل.  أما الآخرون فلماذا يكون لهم مبرر للموت وهم لا يملكون مبررا للحياة".

وقال الروائي وعالم الفيزياء والرسام الأرجنتيني ارنستو ساباتو: "يعيش الإنسان اليوم في حالة توتر دائم، وهو يقف وجها لوجه أمام الدمار والموت والتعذيب والوحدة .. إنه انسان الحالات المتطرفة وقد أوشك أو على وشك بلوغ نهاية وجوده".

أما الروائي الروسي تولستوي فقال: "الموت .. الموت ينتظرك في كل لحظة"، في حين رأى الأديب الألماني فرانس كافكا "أن الإنتحار هو الحل الوحيد الممكن أمام الإنسان".

وردد كثير من الفلاسفة الغربيين في أحاديثهم وكتاباتهم العبارة الفلسفية الآتية: "عندما أكون موجوداً يكون الموت غير موجود، وعندما يوجد الموت أكون غير موجود، لذلك لا يهمني موتي". 

وهناك الكثير الكثير من آراء وأفكار الفلاسفة الغربيين الأقدمين والمعاصرين تناولت حقيقة الموت، ورأوه أمراً غامضاً وحدثا مقلقاً لدى الشعراء والفنانين، أوردها الكاتب جاك شورون في مؤلفه " الموت في الفكر الغربي" الصادر بالعربية عام 2000 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، وترجمه كامل يوسف حسن.

*  *  *

إن لعنة الإنتحار وفلسفة الموت، عموما، والكتابة عنها لم تقتصر على المبدعين الغربيين، وإنما تناولها كتّاب عرب عديدون.

وحسب الكاتب اللبناني عبده وازن، في مقال كتبه في صحيفة "الحياة" اللبنانية بتاريخ 8/8/1998 تحت عنوان: "المثقفون العرب والإنتحار: كتاب خليل الشيخ هل ينفصل أدب المنتحرين العرب على حياتهم أو يكملها ؟" فإن الإنتحار لم يشكل حالة مميزة في الحياة الثقافية العربية، بل ظل حدثاً على هامشها.  والمثقفون (العرب) المنتحرون لم يؤلفوا ظاهرة عامة مترسخة في صلب الحركة الثقافية العربية، مقدار ما كانوا افراداً مارسوا داخل الجماعة أفعالهم الخاصة  جداً.  ولعل ندرة المثقفين المنتحرين انعكست على الأبحاث التي تناولت ظاهرة الإنتحار فعدت نادرة بدورها.

وأضاف أن كثيرا من الأدباء العرب، كتبوا عن الإنتحار والموت من غير أن يقدموا عليه وبعض آخر فاجأ القراء والنقاد وانتحروا، فيما كان من المستبعد أن يقدموا على هذا الفعل.

وموضوع الإنتحار لدى الأدباء والمفكرين العرب، كظاهرة، لم تكن موجودة في العصور القديمة بهذا الشكل الذي بدت عليه في القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين.  وهو الأمر الذي تناوله المفكر البحريني محمد جابر الأنصاري في كتابه: "انتحار المثقفين العرب وقضايا راهنة في الثقافة العربية" وبحث فيه النزعات الإنتحارية لدى المبدعين والمثقفين العرب باعتبارهم أكثر الشرائح الاجتماعية ميلاً للإنتحار، لغلبة الجانب المبدئي القيمي على تكوينهم وتفكيرهم.  وشبههم بالرهبان البوذيين الذين يشعلون النار في أنفسهم احتجاجاً على الظلم وللتنبيه إلى قضية عادلة.

ورأى الأنصاري في مؤلفه سالف الذكر أن المبدع صاحب النزعة الإنتحارية يعاني من مشكلتين مبدأيتين:الأولى تتثمل في استحالة الإنسجام مع الآخرين، أو مع العالم، أو حتى مع النفس، بينما تتمثل الثانية في العجز أو القصور الجنسي والغرامي أو الإخفاق المرير في العلاقة الزوجية، بحيث تتضافر هاتان المشكلتان مع شعور المبدع بإخفاق قضيته الكبرى، سواء كانت قومية أو فكرية أو إنسانية، وبشكل تؤدي إلى بلورة قرار الإنتحار أو الإنجراف نحوه بصورة أو بأخرى.

وعن تقاطع الحب مع الموت قال الفيلسوف المصري عبد الرحمن بدوي في كتابه "الموت والعبقرية": "لست ادري ما العلة في هذا الإرتباط الوثيق الذي احسست به دائما بين الحب والموت، من اللحظة الأولى التي بدأ يمازج تجاربي الحية شيء من الوعي،  وربما الذي أعلمه حق العلم أني لا أكاد اتصور أحدهما دون الآخر، ولا استطيع أن أحيا تجربة الحب في نفسي دون أن أحيا في الآن نفسه تجربة الموت، إن كان ثمة تجربة للموت".

وأدلى الأديب النوبي الراحل ادريس علي دلوه في مسألة اقدام الكتاب والشعراء على الإنتحار في حوار صحافي اجري معه قبل وفاته عام 1910 بقليل فقال: "أرى أن مسألة الإنتحار أشرف وأنبل وسيلة للإنسحاب من واقع مهين.  فأنا لم أحب الحياة لما فيها من تفاهات وصراعات وتفاوت طبقي. وروايتي "تحت خط الفقر" تعري هذا الواقع وتفضح المستور وتكشف المسكوت عنه.  وقد مات ابني منتحرا، واكتشفت أن لا فائدة من الكتابة.  لقد حاولت الإنتحار بالقاء نفسي في نهر النيل أكثر من مرة، ولكن النيل أبى أن يبتلع جثتي".

وللكاتب السعودي عبد الرحمن منيف رأي في الحياة والموت، عبر عنه بقوله: "الحياة كلها صعوبات والدليل على ذلك أن الطفل حين يخرج من رحم امه يبدأ الحياة بالبكاء والصراخ، وتستمر الصعوبات يوما بعد يوم، منذ لحظة الميلاد وحتى ساعة الموت، ولا يخفف منها إلا رغد  العيش.  أما الموت فإنه يضع حدا للصعوبات كلها، والدليل أن الميت يتوقف عن الألم .. يتوقف عن الصراخ والإحتجاج تاركا هذه المهمة للذين حوله .. للذين ما زالوا على قيد الحياة".

*  *  *

ومن جملة المبدعين الأجانب، ولا سيما الشعراء والكتاب، الذين انتحروا في القرن الماضي وعددهم 135 مبدعاً نورد تسعة منهم مرتبة حسب أقدمية الانتحار كأمثلة عن الأسباب التي دفعتهم لإنهاء حياتهم، والوسيلة التي استخدموها في ذلك.  وهؤلاء هم:

سيرغي يسينين (1895 - 1925):

يعد من ألمع شعراء روسيا في القرن العشرين، جمع في شعره بين الرقة والحماس الثوري، وكان إنساناً ذكياً لطيف المعشر وعبقرياً، رغم أنه كان مدمناً على الكحول.  ورأى النقاد أن موهبة يسينين الشعرية ومجازيته المتألقة استندت إلى طبيعة الحياة في روسيا، والى الإنسان الروسي.  استلهم في شعره الفلكلور الشعبي، وتغذى ابداعه من حياة وكدّ الفلاحين الروس.

ورغم أن هذا الشاعر عاش حياة قصيرة (30 سنة)، إلا أنه ترك أثراً واضحاً في الشعر الروسي والعالم، وحظي بمكانة كبيرة، وبخاصة في روسيا المعاصرة، حيث تنتشر نصبه في مدن روسية عديدة.

لقد عاصر يسينين ثورتين روسيتين (ثورة 1905 وثورة 1917) وحرباً عالمية (الأولى) حصدت الملايين من الأرواح، وجلبت المآسي على من بقي على قيد الحياة، الأمر الذي أثر في نهج حياته كثيرا.  ففي ظل هذه الأحداث العارمة كتب ملحمتين: "روسيا تمتد" و "روسيا السوفياتية".

لقد ابتلي يسينين بالإحباط والإكتئاب الشديدين ولاحقه هوس الموت في السنوات الأخيرة من حياته، وحاول الإنتحار أكثر من مرة، فقد استلقى في احدى المرات تحت عجلات قطار، وفي مرة ثانية رمى نفسه في خزان وقود، ليتبعها بثالثة بقطع أوردته بقطعة زجاج.  ومن حسن حظه أن اصدقاءه كانوا بجانبه في تلك الأوقات، حيث أنقذوه من الموت. ولكنه نجح في المرة الرابعة حيث أقدم على شنق نفسه بربطة عنقه في أحد فنادق موسكو.

كونوسكي أكوتاغاوا (1892 - 1927):

كاتب ياباني كان يعتقد أنه مسكون بالشياطين، وكان دائم الحزن.  عانى من الهلوسة البصرية والسأم أدى به إلى إتخاذ قرار باقدامه على الانتحار بتاريخ 14/7/1927، بإطلاق النار على رأسه.  وقبل وفاته ترك رسالة قصيرة أوضح فيها الدوافع التي دفعته إلى اتخاذ قرار الإنتحار.

وقيل أنه قضى السنتين الأخيرتين من حياته في التفكير في موته والطريقة الأقل ايلاماً.  وكان الألم هو ما سعى للهروب منه، وفيه قال: "العالم الذي أعيش فيه هو واحد من الأمراض العصيبة الواضحة والباردة. الموت التطوعي يجب أن يمنحنا السلام والسعادة .. أنا الآن مستعد.  حيث الطبيعة أكثر جمالا من أي وقت مضى .. هي متناقضة كما يبدو .. لقد رأيت واحببت وفهمت أكثر من الآخرين.  لهذا لدي رغبة أكيدة في الراحة على الرغم من الآلام التي تحملتها حتى هذه اللحظة".

فلاديمير مايكوفسكي (1893 - 1930):

شاعر وكاتب روسي، نبغ في نظم الشعر في سن مبكرة، وانضم إلى حزب العمال الإشتراكي الروسي، الذي فجر ثورة اكتوبرالإشتراكية بقيادة لينين في العام 1917.  تعرض للإعتقال مرات عديدة في عهد الحكم القيصري لروسيا.

كتب مسرحيات وقصائد عديدة أبرزها: "غيمة في سروال" و "مجنون الإجتماعات" و "فظائع الأوراق" وغيرها.

أطلق النار على نفسه منتحراً بعدما فقد حبيبته التي تزوجت غيره، وبعد أن ضيق الخناق عليه من قبل السلطات السوفياتية، بسبب مضامين بعض قصائده.  وقال في الرسالة التي كتبها قبل انتحاره ووجدت بجانب جثته: "إلى الجميع لا تتهموا احداً بموتي .. أخواتي ورفاقي سامحوني هذه ليست الطريقة الصحيحة، ولكن لم يبق باليد حيلة .. ليلا حبيبتي .. أيها الرفيق - الحكومة: عائلتي هي ليلا وماما وأخوتي .. إذا دبرت لهم حياة مقبولة - فشكراً".

فرجينيا وولف (1882 - 1941):

كاتبة انجليزية لها العديد من الأعمال الروائية تميزت بطابعها المثير للجدل، من بينها: "الأمواج"، و"السيدة دالواي"، و "الليل والنهار"، و "غرفة جاكوب".

اصيبت هذه الكاتبة بحالة إكتئاب شديد، كتلك التي أصابتها بسبب حوادث الموت المتعاقبة في حياتها.  وازدادت حالتها سوءاً، بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية وتدمير منزلها في لندن، حيث أصبحت عاجزة عن الكتابة.  وفي يوم 28 آذار (مارس) 1941 ارتدت فيرجينيا وولف معطفها وملأته بالحجارة وأغرقت نفسها في نهر قريب من منزلها.

وقبل انتحارها كتبت لزوجها ليوناردو وولف رسالة تضمنت ما تعاني منه من اكتئاب وهلوسة جاء فيها: "عزيزي أنا على يقين بأنني سأجن، ولا أظن بأننا قادرون على الخوض في نقاش مشكلاتنا الرهيبة مرة أخرى.  كما لا أظن بأنني سأتعافى هذه المرة.  لقد بدأت أسمع اصواتا وفقدت قدرتي على التركيز.  لذا سأفعل ما أراه مناسبا (...) لست قادرة على المقاومة بعد الآن، واعلم انني افسد حياتك،  وبدوني ستحظى بحياة أفضل (..) لا أستطيع حتى أن أكتب هذه الرسالة بشكل جيد .. لا أستطيع أن أقرأ". 

وعقب وفاتها بفترة عمد زوجها على دفن رفاتها في حديقة "مونكس هاوس" في "رودميل ساسيكس" ووضع على قبرها "رخامة" كتب عليها العبارة الآتية المستمدة من روايتها "الأمواج": سأقذف نفسي امامك غير مقهورة أيها الموت ولن استسلم".

أوسامو دازي (1909 - 1948):

كاتب ياباني يعتبر من أبرز روائيي اليابان في القرن العشرين، عرف بأسلوبه الساخر والمتشائم، علاوة على هوسه بالإنتحار وخياله الواسع.

اتسمت رواياته بأسلوب هو أقرب إلى السيرة الذاتية، وهو تيار أدبي كان معروفا في زمانه.  وابرز أعماله الروائية روايتي: "الشمس الغاربة" و "لم يعد إنساناً".

رحل دازي متأثرا بصراعاته الداخلية والعائلية، جنباً إلى جنب مع معاناته كمناضل وعضو في إحدى الحركات الماركسية اليابانية التي قادته إلى السجن والتعذيب على يد النظام العسكري الأمبراطوري.  منحته هذه التجربة شحنة كبيرة وعمقاً إنسانياً في كتاباته الأدبية الرائعة.

كان أوسامو دايزي مدمناً على المورفين والكحول، وقضى بعض الوقت في مصحات نفسية، وعاش حياة رهيبة دفعته إلى محاولة الإنتحار أربع مرات، منها محاولتان قبل بلوغه سن العشرين.  ونجح في الإنتحار بتاريخ 13/6/1948 هو وعشيقته برمي نفسيهما في قناة "تاما" في طوكيو.

أرنست هيمنغواي (1899 - 1961):  

كاتب أمريكي شهير حصل على جائزة نوبل للآداب عام 1954 عن روايته "العجوز والبحر".  شارك في الحربين العالميتين الأولى والثانية، حيث اصيب في الأولى بجروح خطيرة أقعدته أشهراً في المستشفى.  وعمل مراسلاً حربياً  لتغطية وقائع الحرب الأهلية الاسبانية التي اندلعت في العام 1936 بين الإشتراكيين والفاشيين.  وفي أواخر أيامه انتقل للعيش في كوبا، حيث عانى هناك من اضطرابات عقلية.

للروائي همينغواي روايات وقصص قصيرة عديدة، أشهرها: "الشمس تشرق أيضاً"، و"الرجل العازب" و "وداعاً للسلاح" و "لمن تقرع الأجراس".  امتازت مضامينها بالسوداوية والتشاؤم.  وقد أنهى حياته بالإنتحار  بأن أطلق على نفسه النار من بندقية صيد بتاريخ 2/7/1961.  ولأسرة همينغواي تاريخ طويل في قتل أنفسهم إذ انتحر والده كلارنس واختاه غير الشقيقتين أورسولا وليستر، وحفيدته مارغاوك.

وعرف عن هيمنغواي ادمانه على الكحول، ومن أكثرالشخصيات غرابة، فقد كان يكره شراء ملابس جديدة ويرفض رفضاً باتاً ارتداء ملابس داخلية، وكان يرهب من استخدام الهاتف ويحمل دائما في جيبه تعويذة، ولدية ميل دائم للرحلات والسفر.  كما عرف عنه أنه لم يكتب كلمة واحدة في أيام الآحاد لسبب غير معروف.

سيلفيا بلاث (1932 - 1963):

شاعرة وروائية أمريكية، تعد من أكثر شاعرات القرن العشرين شهرة، أثارت بعد انتحارها اهتماماً شعبياً ونقدياً أكبر من الذي أثارته في حياتها القصيرة.

قالت عنها الشاعرة اللبنانية جمانة حداد في كتابها سالف الذكر (سيجيء الموت وستكون له عيناك): "ناضلت في سبيل حريتها وكانت تسعى إلى الكمال في كل ما تقوم به.. أدخلت مراراً إلى المصحات العقلية، حتى أنها عولجت بالصدمات الكهربائية، فكانت تكتب كمن يعرف، وكمن يقتل، وكمن يكتب ليقامر بمصيره.

تعبر قصائدها عن مأساة ذات حجم كوني لكنها مكبوتة بعناية في الأعماق.. شعرها ذو صوت ولغة ونبرة مزدوجة، مستسلم تارة لغنائية الصور والمشاعر، مضبوط بصرامة التقشف واللغة الذهنية والأفكار المحتشدة".

عاشت بلاث المأساة قبل أن تكتبها متأثرة بفلسفة الشاعر الإنكليزي "ييتس" الذي كان يرى أن الإنسان لا يعيش الحياة إلا إذا خبر مآسيها. واستخدمت في كتاباتها أكثر الصور سوداوية كالتعذيب والاختناق والتلاشي والعدم.

تزوجت بلاث الشاعر "تيد هيوز" عام 1956، بعد قصة حب بينهما دامت سنوات ثم تدهورت علاقتهما بعد خيانة زوجها لها وسيطرته على مجريات أمورها، فأصيبت باكتئاب شديد لازمها فترة من الوقت دفعها إلى الانتحار بوضع رأسها في فرن غاز بعد أن سدت منافذ مطبخها كي لا يتسرب الغاز إلى غرفة أطفالها، وكان ذلك بتاريخ 11/2/1963.

لسيلفيا بلاث العديد من دواوين الشعر منها: "المحبوبان" و "المتجول على البحر" و "العملاق" و "أرييل" و "أشجار الشتاء" و "عبور الماء" و "الصرح العظيم".

ولها مجموعة قصص بعنوان: "رعب جون وانجيل الأحلام"، ولديها كذلك مجموعة قصص قصيرة ومقطوعات نثرية حملت عنوان: "جوني بانيك وكتاب الأحلام المقدس".

ولبلاث روايتان هما: "ضجيج النواميس" و "الناقوس الزجاجي"، والأخيرة نشرتها قبل شهر من انتحارها. كما كتبت مجموعة قصص مرحة للأطفال بعنوان: "كتاب السرير".

وفي قصيدتها "السيدة أليعازر" قالت عن الموت: "الموت فن ككل شيء آخر وهو فن أتقنه بشكل استثنائي".

يوكيو ميشيما (1925 - 1970):

كاتب ومسرحي وروائي وممثل ومخرج ياباني، واسمه الحقيقي كيمتياكي هيراوكا، رشح للحصول على جائزة نوبل للأدب ثلاث مرات، وكان معروفاً على مستوى عالمي، ويعد من أشهر الكتاب اليابانيين في القرن العشرين.  وقد جمعت مضامين أعماله الأدبية بين القيم الجمالية الحديثة و القيم التقليدية، وكانت الجنسانية والموت والتحول السياسي من أبرز محاورها.

ومن أبرز أعماله الأدبية "خيانة الفضيلة" و "المعبد الذهبي" و "اعترافات قناع" و "البحار الذي لفظه البحر" و حب محرم" و "رشوة ملاك" وهذه الأخيرة أكملها يوم انتحاره.

أنهى ميشيما حياته بطريقة "الهاراكيري"  وهي قطع الأحشاء بواسطة سيف من اليسار إلى اليمين في 25 تموز (يوليو) 1970، وذلك عقب محاولة إنقلاب فاشلة شارك فيها لتغيير نظام الحكم في اليابان، وبعد القاء خطبة حماسية أمام آلاف الجنود حذر فيها من خطورة توجه اليابان نحو الغرب.

وفي بداية العام الجاري (2017) تم الكشف عن تسجيل بصوت ميشيما يتحدث فيه عن الأسباب التي دفعته للإنتحار.  ومما جاء فيه: "أشعر بأن الموت يتسرب إلى جسدي وأشعر بالإحباط تجاه ما أصبحت عليه اليابان ولا أجد طريقا لتصحيح أوضاعها سوى بالكتابة".  وقال منتقداً كتاباته:

"الخلل في أعمالي يكمن في أن الهياكل دراماتيكية بشكل كبير .. فأنا أصيغ أعمالي مثل اللوحات الزيتية .. أنا أكره الصور على الطريقة اليابانية التي تترك مساحات فارغة".

ياسوناري كاوباتا (1899 - 1972):

أديب ياباني أهله ابداعه النثري المكتوب بلغة شعرية راقية وغامضة  للحصول على جائزة نوبل في الأدب عام 1968، التي تعد أول جائزة يحصل عليها أديب ياباني.

خلف كاوباتا وراءه اثنتي عشرة رواية أشهرها: "راقصة أيزو" و "عصابة اوساكا القرمزية" و "بلد الثلج" و "منزل الجميلات النائمات" و "ذراع واحدة".

انتحر الكاتب بخنق نفسه بالغاز. وتفاوتت الإجتهادات حول تفسير سبب انتحاره، منها صحته المعتلة، ومنها قصة حب فاشلة، وصدمته من انتحار تلميذه وصديقه يوكيو ميشيما في العام 1970.

*  *  *

ولعنة الإنتحار لم تفتصر على المبدعين الأجانب، بل طالت مبدعين عرب عديدين، ولا سيما من الشعراء، وقد أحصينا 23 مبدعاً قضوا انتحاراً خلال القرن الماضي وأوائل القرن الحادي والعشرين ينتمون إلى مصر وسورية والعراق والأردن ولبنان والسودان والجزائر والمغرب وفلسطين. هنا أبرز هؤلاء وعددهم 13 شاعراً وكاتباً، مرتبة وفق تاريخ انتحارهم.

أحمد العاص (1903 - 1930):

شاعر مصري كان معروفا في عصره، أصدر ديواناً يتيما بعنوان : "ديوان العاصي"، كتب له الشاعر المعروف أحمد شوقي مقدمة شعرية يشيد في اول بيت فيها بالتشابه بين اسم العاصي ونهر العاصي في سورية.

التحق العاص بمدرسة الطب في القاهرة، ولما اصيب بمرض السل هجر دراسة الطب والتحق بكلية الآداب، وتخرج في قسم الفلسفة ليعمل موظفا بمكتبة الكلية.

انعكست حياته المرضية القاسية وثقافته الفلسفية وحساسيته الشعرية على  قصائده، فجاءت متشائمة ذات نظرة عبثية إلى الحياة.

انتحر بحرق نفسه وهو في السابعة والعشرين من العمر بعد أن اصدر ديوانه سالف الذكر عام 1926.  وأصدر إلى جانبه رواية بعنوان: "غادة لبنان" وقصة بعنوان: "الأديب المنكود".

إن عالم العاص الحزين القاتم لم يفرّج همه، فغلبته هواجسه المرضية، حتى أغلق نوافذ مسكنه في القاهرة وأنهى حياته بأن دهن جسمه بمادة حارقة ثم آوى إلى فراشه، حيث أخذت هذه المادة تنال منه بالتدريج، وتحرق الفراش ببطْء من التاسعة صباحاً وحتى الخامسة صباحا من اليوم التالي، حيث قضت هذه المادة عليه وأحرقت الغرفة، خلا قصاصة ورق كتب عليها بخط يده "جبان من يكره الموت.. جبان من لا يرحب بذلك الملاك الطاهر.. إني استعذب الموت وهو لي كالعطر".

فخري أبو السعود (1915 - 1940):

شاعر وناقد مصري ابتعث ضمن بعثة دراسية إلى إنكلترا في الفترة (1932 - 1937). وحين عاد إلى وطنه اصطحب معه زوجته الإنكليزية التي تعرف عليها في رحاب الجامعة، والتي انجبت منه ولدين. وحدث ان سافرت زوجته إلى لندن مع ولديه قبل نشوب الحرب العالمية الثانية بأسابيع قليلة، ولما اشتعلت ميادين القتال في أوروبا عام 1939، واستهدفت الطائرات الألمانية المدن البريطانية الرئيسية وموانئها حيث كان ولداه ضمن الأطفال البريطانيين المرحلين إلى الولايات المتحدة بواسطة سفينة بحرية من أجل تجنيبهم أخطار الحرب، حيث غرقت السفينة بمن فيها.  أما زوجته فقد منعتها أجواء الحرب من العودة إلى مصر، فانقطعت أخبارها عنه ففقد صوابه وشجاعته معاً.

وكانت هذه الحادثة الأليمة (ضياع اسرته) سبب انتحاره بعد أن أطلق النار على رأسه في شهر آذار (مارس) 1940.

كتب ابو السعود خلال حياته القصيرة كتاباً بعنوان: "الثورة العربية" ثم كتاباً آخر بعنوان: "مقارنة بين الأدبين العربي والإنكليزي" وترك ثلاث مخطوطات لكتب هي: "الخلافة الإسلامية"  و"الشاعر محمود سامي البارودي" وكتب عشرات المقالات في المجلات المصرية: "الرسالة" والثقافة" و "الهلال" وجمعت قصائده بعد وفاته في كتاب حمل عنوان: "فخري أبو السعود.. حياته وشعره".

صالح الشرنوبي (1924 - 1951):

شاعر مصري رومنتيكي و"صعلوك" رغم تعليمه الديني، عمل مدرساً في عدد من المدارس المصرية وفصل منها لصعلكته. أحب ابنة عمه ولكن اخوتها رفضوا تزويجه اياها.

مارس الشرنوبي كل أنوع الصعلكة، وكتب أروع القصائد التي غلب على مضمونها الشك والحزن والحرمان والموت، حينما كان يقيم في قن دجاج أو على أسطح أحد المنازل، أو في مغارة بجبل المقطم في القاهرة، أو في "بدروم" احدى العمارات.

كتب عن ابداعه عدد من أبرز الأدباء والكتاب المصريين مثل كامل الشناوي وصالح جودت.  وقال عنه العقاد إنه "لو عاش لبزّ شوقياً في شعره".

انتحر الشرنوبي بأن ألقى بنفسه تحت عجلات قطار عام 1951، ووجدت في جيبه قصاصة ورق أوصى فيها أسرته بطباعة قصائده وإصدارها في ديوان.

عبد الباسط الصوفي (1931 - 1960):

شاعر سوري درّس مادة اللغة العربية في عدد من مدارس محافظتي حمص ودير الزور، ثم أوفدته وزارة التربية والتعليم السورية إلى جمهورية غينيا في شهر شباط (فبراير) 1960 لتدريس اللغة العربية وهناك اصيب بانهيار عصبي عقب إصابته بمرض التهاب السحايا، وأدخل الى أحد مستشفيات كوناكاري، وهناك حاول أن يلقي بنفسه من الطابق الثالث لكن أحدى ممرضات المستشفى انقذته. ومع ذلك أنهى حياته بأن شنق نفسه بأنشوطة بيجامته بتاريخ 20/7/1960، أي بعد خمسة أشهر من إقامته في غينيا، عانى خلالها من العزلة النفسية والجسدية.  وما يدعو للغرابة أنه ذات يوم كتب رسالة إلى صديقته وصف فيها الإنتحار بالعبارات الآتية: "ما أسخف فكرة الإنتحار يا صديقتي، انني امقتها بعد أن كنت أقدسها في الماضي.. لماذا أقف أمام الحياة ذلك الموقف السلبي الإنهزامي؟".  وفي ما بعد غير رأيه وكتب:" ليس هذا عالمي الذي أبحث عنه.. إنني غريب وأشعر بغربتي في كل دقيقة، خير لي أن انتحر بسرعة من أن أنتحر ببطْء .. أنا الآن منقطع عما يجري في العالم من أحداث".

اتصفت قصائد عبد الباسط الصوفي بالتشاؤم والحزن. صدر له ديوان شعر وحيد بعد وفاته بعنوان: "أبيات ريفية" عن دار الآداب ببيروت في عام 1961. كما أصدرت وزارة الثقافة والإرشاد القومي السورية في عام 1968 كتاباً عنه بعنوان: "آثار عبد الباسط الصوفي الشعرية والنثرية".

إبراهيم زايد (1944 - 1972):

شاعر ورسام عراقي تخرج في معهد الفنون الجميلة ببغداد، وشارك في معارض جماعية مختلفة.  عمل مخرجا صحافيا في عدد من الصحف والمجلات العراقية، ثم انتقل إلى بيروت حيث أقام إلى أن انتحر باطلاق النار على رأسه يوم 24/4/1972.  واحيطت ظروف وأسباب انتحاره بشيء من الغموض، إذ عزاه البعض إلى هموم سياسية، والبعض الآخر إلى عوامل عاطفية، وحتى مالية، لكنه شيّع في بغداد بوصفه شهيد المقاومة الفلسطينية كونه كان منتسباً إلى احدى الفصائل الفلسطينية.

كتب قبل انتحاره على قصاصة ورق: "لقد قررت الانتحار .. آسف لازعاجكم".

لم يعرف زايد كشاعر إلا بعد انتحاره حيث نشرت له مجلة "مواقف" اللبنانية قصيدة عنوانها:"وردة الضحايا" كانت آخر ما كتبها.

تيسير السبول (1939 - 1973):

شاعر وقاص أردني، تميز بشخصيته القوية وبسرعة البديهة والذكاء والإحساس المرهف.  كانت أبرز أعماله رواية "أنت منذ اليوم" التي حازت على جائزة مجلة "شعر"، ومجموعة شعرية بعنوان: "أحزان صحراوية". كان وقع هزيمة الجيوش العربية في حرب حزيران 1967 شديداً عليه .. فمنذ ذلك التاريخ أخذ على عاتقه إعادة قراءة تاريخه مستلهماً من الماضي ما يعينه على مواجهة مستقبل غائم وغامض.  وكان شكا في عدد من رسائله التي وجهها إلى صديقه الروائي العراقي فؤاد التكرلي خلال عامي 1969 و 1973، من عدم قدرته على ممارسة الكتابه وعزوفه عنها.  وقال في إحدى هذه الرسائل:"هل تتساءل معي ما جدوى حياة الإنسان الذي خبر لذة الكتابة، ثم يجد نفسه عاجزا عنها؟  ليتك تساعدني في بحث القضية .. ماذا سأكتب؟".  وقال في رسالة أخرى موجهة الى الصديق نفسه:"لا أكتب ولا أستطيع الكتابة .. إن شعوراً حاداً بعدم الإستقرار يستولي عليّ.  وعبثاً احاول في مثل هذه الظروف النفسية البحث عما يسمى بالخلق".

وقال صديقه الأديب سليمان القوابعة عنه: "بدأت تظهر على ملامحه علامات التعب والانهيار النفسي والحزن الدفين وتفاجأت بنهايته عندما أقدم على الانتحار حيث وضع حدأ لها، بعد معاناة طويلة، بطلق ناري في يوم 5/11/1973 في أعقاب حرب اكتوبر (تشرين أول) 1973 والمفاوضات التي أعقبتها بين المصريين والإسرائيليين في خيمة الكيلو 101".

أنطوان مشحور (1936 - 1975):

شاعر ورسام ومخرج لبناني، انتحر باطلاق النار على رأسه يوم 17/7/1975. ووجدت بالقرب من  سريره بعد وفاته صور لزوجته اليونانية التي هجرته بعد خلاف حاد بينهما.

لمشحور مجموعة شعرية باللغة الفرنسية بعنوان:"أعشاب الليل الطويلة" صدرت عام 1965. وكان كتب عن الموت قائلاً: "كل عشبة على الضفاف سوف تكون قدري المائي. وكي لا ادرك قط حدودا لكرب سوف يحوم ظل "الأوفيليات" الميتة على جلدي.  سأبسط خيوط الدم في جسدي شراعاً وسأقول وداعاً للأرض".

وأضاف:" أتقدم بين تنهيدات الطحالب، وما همني إن كنت جئت إلى الدنيا في شكل إنسان.  أنني أراني الأثير الأصلي لما لم ينوجد قط .. منذ رحيلي نبتت على جسدي كمية من الأعشاب المجهولة ومن الأزهار .. لن أرجع أبدا إلى هذه الأرض".

رجاء عليش ( لم يعرف تاريخ ولادته وتوفي عام 1979):

كاتب وروائي مصري مغمور (في عصره) لم يحظ باعتراف النقاد، ومؤلفاته لم تنل رواجاً واسعاً، وكان يشكو من قبح شكله، ومن نفور النساء منه.  وأكثر ما كان يؤلمه التعليقات الجارحة التي نالت من هيئته وقصر قامته. (لم يتسنى لنا معرفة مكان ولادته ولا طبيعة عمله، على الرغم من المراجع العديدة التي أطلعت عليها).

وقال عن وضعه النفسي: " أنا رجل بلا امرأة .. بلا حقل قمح .. بلا زجاجة نبيذ .. بلا كرة للعب .. بلا ذكريات مضيئة .. بلا طريق للمستقبل .. ستكتُب على قبري العبارة الآتية: "هنا يعيش إنسان مات أثناء حياته .. أنا رجل تلعنه المرأة في الشارع وتحبه في السرير .. أنا ملك يرتدي ثياب صعلوك .. مفكر يلعب بدمية طفل صغير .. مهرج يحاول أن يخلع قناع الضحك من فوق وجهه دون جدوى، فالطبيعة وضعته هناك والصقته وحيداً ليبقى للأبد .. أنا افكر كأنني أحلم وأحلم كأني أفكر".

أصدر عليش كتابين، الأول بعنوان:"لا تولد قبيحا" والثاني حمل عنوان:"كلهم أعدائي". ومثلت مضامين هذين الكتابين صرخات احتجاج غاضبة ضمنها معاناته من سخرية المجتمع من قبحه.

وكتب في مؤلفه "لا تولد قبيحا": "أصبحت أومن أن القبح ربما كان افظع العاهات وأكثرها ايلاماً وتدميراً للنفس الإنسانية على الإطلاق".

وقبل لحظات قليلة من انتحاره بمسدس وجهه إلى رأسه عام 1979 كتب رجاء رسالة إلى النائب العام في مكان اقامته قال فيها: "عشت هذه السنين أحلم بالانتقام من افراد المجتمع الذين افلحوا في أن يجعلوني اكفر بكل شئ".

يذكر أن عليش أقدم على الإنتحار فور انتهائه من تأليف روايته "كلهم أعدائي" التي كتب على غلافها العبارة الآتية: "ارقد ايها القلب المعذب فوق صدر أمك الحنون واسترح إلى الأبد .. دع أحلامك الميتة تتفتح كزهرة تعيش مليونا من السنين .. أنت أيها الملاح التائه في بحار الظلمات البعيدة لقد جئت إلى امك الأرض لتعيش في حضنها إلى الأبد.  القيت بمراسيك في المياه الدافئة وأمنت من الخوف .. نفضت عن شراعك الثلج والبرودة، وايقظت الشمس في قلبك واسترحت إلى الأبد .. نم هانئاً سعيدا يا من لم تعرف الراحة في حياتك.  أحّس بالأمن يا من عشت دائما بعيون مفتوحة من الخوف .. الموت أبوك والأرض أمك والسلام رفيقك والأبد عمرك".

خليل حاوي (1914 - 1982):

شاعر وأديب لبناني درس في إحدى المدارس الحكومية في قرية "الشوير" إلى ان بلغ الثانية عشرة من عمره، حيث اضطر إلى ترك المدرسة بعد أن مرض والده والعمل في مهنة البناء ورصف الطرق ... وفي الفترة التي كان يعمل فيها كان يكثر من القراءة والكتابة ونظم الشعر الحر والموزون باللغتين الفصحى والعامية.  أتقن بجهوده الخاصة اللغات العربية والفرنسية والإنكليزية، وتمكن من إكمال دراسته الثانوية، ثم الجامعية في الجامعة الأمريكية ببيروت، التي تخرج فيها بتفوق مكنته من الحصول على منحة للإلتحاق بجامعة كامبردج البريطانية ونال فيها شهادة الدكتوراة، ثم عاد إلى لبنان وعمل استاذاً في الجامعة الأمريكية حتى وفاته.

ابتعد حاوي في شعره عن المواضيع الوصفية والمعاني والصور المستهلكة، واستضاء بثقافته الفلسفية والأدبية والنقدية، وجعل النفس والكون والطبيعة والحياة موضوع شعره.  وأبرز دواوينه: "نهر الرماد" و "الناي والريح، و "بيادر الجوع"، و "من جحيم الكوميديا".

انتحر حاوي بإطلاق النار على رأسه عقب الإجتياح الإسرائيلي للبنان وخلال حصار بيروت في العام 1982، وما زال انتحاره لغزاً قيل فيه الكثير، فبعض المهتمين بشعره عزوه إلى الإجتياح الإسرائيلي، والبعض الآخر أرجعه إلى حالة الإحباط التي كان يعانيها، وبخاصة بعد محاولته الإنتحار أكثر من مرة وفشل.

وعانى في سنواته الأخيرة من الوحدة القاسية والتوتر بعد خيبات عديدة شخصية وقومية.

صافية كتّو (1944 - 1989):

شاعرة جزائرية، واسمها الحقيقي زهرة رابحي، عملت في مجال تدريس اللغة الفرنسية، ثم صحافية في وكالة الأنباء الجزائرية.

كتبت أشعارها وقصصها باللغة الفرنسية، وصدر لها عن دار النشر "نعمان" بكندا مجموعة شعرية بعنوان: "صديقتي القيثارة" عام 1979 ضمت 67 قصيدة باللغة الفرنسية، كما صدر لها عن دار النشر ذاتها مجموعة قصصية بعنوان: "الكوكب البنفسجي" عام 1983 ضمت 14 قصة غلب عليها الخيال العلمي.

توفيت "كتو" انتحاراً بعد أن القت بنفسها من على جسر "تيلمي" الكائن في وسط الجزائر العاصمة في شهر كانون الثاني (يناير) 1989.

كانت صافية تكتنز بين جوانحها شحنات من الألم والخوف والفراغ، تطورت إلى اكتئاب أخذ منحى تصاعدياً أضفى عليها "برودة في الروح"، كما وصفت نفسها في إحدى قصائدها التي حملت عنوان:"في هذا اليوم"، وجاء فيها: "في هذا اليوم شعرت بالبرد يعشعش في روحي وجليد الكابة يضغط على كياني".

وقد أنشأ مبدعون جزائريون شباب في العام 2008 جمعية ثقافية باسمها هي "جمعية صافية كتو للإبداع الثقافي لمدينة العين الصفرا".  والعين الصفرا هي المدينة التي ولدت فيها هذه الشاعرة وتقع في الجنوب الغربي للجزائر.

عبد الرحيم أبو ذكرى (1943 - 1989):

شاعر سوداني تخرج في جامعة الخرطوم، وحصل على الماجستير في اللغة والأدب الروسيين في جامعة الصداقة في موسكو، ثم التحق بمعهد الإستشراق التابع لأكاديمية العلوم السوفياتية في موسكو ونال درجة الدكتوراة في فقه اللغة، وترجم إلى اللغة العربية أروع الأعمال لعدد من أبرز المثقفين والكتاب والشعراء الروس منهم: مايكوفسكي وباسترناك وبوشكين وتشيخوف، وله ديوان شعر صدر عام 1973 بعنوان:"الرحيل في الليل" تطرق فيه إلى النفس التواقة والأمل المجهول، وقدم في قصائده صوراً بليغة عن الصراع النفسي الذي يعتمل في صدر الباحث عن الكمال والرافض لواقعه.  وتحدث فيها (قصائده) عن الموت حديث العارف، ووصفه بدقة واقعا معاشا بين الناس.

لجأ أبو ذكرى إلى الإنتحار، عقب تدهور حالته النفسية بأن قفز من نافذة في الطابق الثالث عشر من مبنى أكاديمية العلوم السوفياتية في موسكو، بعد أن أحرق معظم قصائده وأوراقه.

قال عنه الناقد السوداني عبد القدوس الحاتم انه  "كان مرهفاً وفائق الحساسية ودائم الوساوس (...)    نشأ في كنف أب صارم وقاسٍ عمل في سلك الشرطة، وكان يعاقب أطفاله أشد العقاب لأتفه الأسباب.  وظل أبو ذكرى يحمل جراحات طفولته التي لم تندمل أبداً حتى غادرنا من النافذة".

مهدي الراضي (1951 - 2007):

روائي عراقي مغترب أقدم على شنق نفسه في مسكنه بدمشق، جراء ضغوط نفسية شديدة المت به نتيجة فشله في التعامل مع محيطه السياسي والإجتماعي.  فقد كان يرى أن السياسة العربية متشبعة بالرأي الأوحد وقامعة للرأي الآخر.  كما أنه طرق باب الحب والعشق، ولم يجن سوى الفشل والتعاسة، ذلك أنه وقع في غرام إحدى الأديبات ليكتشف لاحقاً أنه حب من طرف واحد.

وقد تحدث الراضي عن معاناته قبل انتحاره في روايته التي حملت عنوان: "بيان الحب والعذاب" الزاخرة بمضامين خيبات الأمل وسوداوية الحياة التي عاش في ظلها.

وللكاتب روايات أخرى منها: "حفلة اعدام" و "العراق المهجور" و "مدن الشمع" و "حفلة غدان" والأخيرة كتبها في أثناء اقامته في الولايات المتحدة، وحصلت على جائزة عالمية.

فرانسوا أبو سالم (1951 - 2011):

كاتب ومخرج مسرحي فلسطيني وممثل، أنجز الكثير من الأعمال المسرحية العالمية مثل "خطف في الرأي" عام 1979. كما أخرج أول أوبرا فلسطينية بعنوان: "السلطانة بائعة السمك" كما أخرج أفلاماً عدة متنوعة، احدها عن القدس العربية القديمة.

كتب فرنسوا مسرحيات عديدة باللغة العربية منها "ذاكرة النسيان". وآخر مسرحية كتبها كانت بعنوان: "ظل الشهيد".  وتقديراً لإبداعاته المسرحية منحه الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات جائزة فلسطين في العام 1998.

قال عنه المخرج والممثل الفلسطيني راضي شحادة:" إن فرانسوا هو أبو المسرح الفلسطيني الحديث".  وأضاف أن "فرانسوا هو معلم الإبداع ويحظى بطاقة ابداعية فيها دقة وصدق واجتهاد نابع من وعي ثقافي متحيز للثقافة الفلسطينية .. انه انسان شمولي في الفكر الفلسطيني. والقضية الفلسطينية بالنسبة له قضية اخلاقية وفكرية، وليس مجرد علاقة انتماء.  من هنا تنبع عظمتها كقضية أممية .. وهو كان انساناً كرس جل وقته من أجل النهوض بالمسرح الفلسطيني". توفي فرانسوا في الأول من شهر تشرين أول (اكتوبر) 2011 بعد أن ألقى بنفسه عن سطح مبنى قيد الإنشاء في رام الله.

عن دوافع انتحاره قالت امه الفرنسية فرانسين غاسبار:"قال لي في إحدى المرات سأقتل نفسي، فقلت له إذا فعلت ذلك ستقتلني، فضحك وقال: أنا لا يمكن أن اقتلك"، وأضافت أن فرنسوا عانى في أواخر حياته من نوبات اكتئاب شديدة، وانه كان يعاني من قلة النوم وعدم رغبته في الطعام.  وقال صديقه عامر خليل الذي كان آخر انسان تحدث معه فرنسوا بالهاتف: "عندما أخبرته أنني قادم لرؤيته بعد الانتهاء من البروفات المسرحية أجابني: يمكن ما تلحقني".  وأضاف: "أنا أعرف فرنسوا منذ 31 عاماً، عندما كان عمري 17  عاماً .. أعتقد أنه اتخذ قراراً بتحديد يوم موته بهذه الطريقة التي ربما عبرها كان يبحث عن الخلود".

*  *  *

 ما تقدم نبذة مبتسرة عن ثلاثة عشر شاعراً وكاتباً عربياً تسنى لنا التحدث بايجاز شديد عن ظروف وملاباسات انتحارهم، بما توفر لنا من مراجع عربية تكاد تكون شحيحة.  وهناك عشرة شعراء وكتاب لم يتسنى لنا التحدث عن ابداعاتهم ومسببات انتحارهم لعدم تمكني من الحصول على مراجع عنهم، وهم مرتبون على التوالي حسب أعوام انتحارهم:

أولاً: الكاتب المصري اسماعيل أدهم الذي انتحر بالقاء نفسه في البحر عام 1940.

ثانيا: الشاعر المصري منير رمزي، وقضى انتحارا باطلاق النار على رأسه عام 1945.

ثالثا: الشاعر السوداني محمد عبد الرحمن شيبون الذي انتحر باطلاق النار على رأسه عام 1961.

رابعاً: الروائي المصري وجيه غالي الذي انتحر بإبتلاع كمية كبيرة من الحبوب المنومة عام 1969.

خامساً: الشاعر المصري أحمد عبيدة وقضى بحرق نفسه عام 1974.

سادساً: الشاعر العراقي قاسم جبارة وقضى باطلاق النار على رأسه عام 1987.

سابعا: الشاعر الجزائري عبدالله بو خالفه وقضى بقذف نفسه تحت عجلات قطار عام 1988.

ثامناً: الشاعر الجزائري فاروق اسميرة، وقضى بالقاء نفسه من مكان شاهق عام 1994.

تاسعا: الشاعر المغربي كريم حومار، وقضى بشنق نفسه عام 1997.

عاشرا: الكاتبة المصرية أروى صالح وقضت بالقاء نفسها من مكان شاهق عام 1997.

*  *  *

وختاماً وبالاستناد إلى الشعراء والكتاب المنتحرين الذين تحدثنا عنهم، وهم تسعة شعراء وكتاب غربيين (أربعة يابانيين وامريكيان وروسيان وانجليزي) وثلاثة عشر شاعراً وكاتباً عربياً (أربعة مصريين وعراقيان ولبنانيان وأردني وجزائرية وفلسطيني وسوري وسوداني)، يمكننا القول إن ظاهرة انتحار الكتاب والشعراء، سواء كانوا أجانب أو عرب، اكتنفها الكثير من الغموض، وبقيت سراً من بعدهم صعب على الكثير من المهتمين فهم مغزاها، أو تأويل مسبباتها، رغم محاولاتهم الجدية  فك طلاسمها بالتحليل تارة، وبالتأويل تارة أخرى.

ربما يُعرف عن الشعراء والكتاب رهافة حسّهم ورومانسيتهم الزائدة، وغرقهم في الخيالات.   وربما لمح المقربون منهم خيباتهم العديدة في الحياة سواء كانت خيبات شخصية أو وطنية.  كما قد يظهر عليهم جراء ذلك النزوع نحو الوحدة والتوتر والتألم لأسباب تكاد تكون مجهولة.  ومع ذلك نجد ان أغلب الشعراء والكتاب المنتحرين، على مستوى العالم، كانت تفوح من كتاباتهم قبل اقدامهم على هذه الخطوة، رائحة الموت، كما رأينا في ما تقدم ذكره.

 إن الإنتحار ليس وقفاً على الشعراء والكتاب، كما يقول الشاعر السوداني عبدالله شابو، لكن لأنهم أكثر الناس حساسية يكون انتحارهم مدعاة للحزن الشديد. 

وعن أسباب هذه الظاهرة يرى شابو أنها كثيرة جدا، ولكنها في الغالب تكون اجتماعية نفسية، وتنشأ في الأصل من التناقض بين واقع الشاعر وبين طموحاته. فهو لحساسيته المرهفة يتصور أموراً يصعب بلوغها.  وهذا التناقض بين حياته وما يأمل منها وبين الواقع يدفعه إلى الكآبة الشديدة.

ومعروف في علم النفس أن الكآبة تعد من المسببات الرئيسية التي تدفع إلى الإنتحار، عموما، وعليه فإن الشاعر أو الكاتب، كأي إنسان موجود في زمان ومكان ما. فإذا ما لم ينسجم وجدانيا مع هذا الزمان والمكان كانت النتيجة الحتمية في كثير من الأحيان الإكتئاب الشديد ثم الانتحار.

ويقول شابو في توصيف مسألة انتحار الشعراء والكتاب إنها "مسألة معقدة تتداخل فيها المسببات باعتبار أن للشاعر والكاتب عالمين مختلفين. ووفق هذين العالمين يقرعان الواقع وجدانياً بحسهما لا بعقلهما. بالشعر والكتابة، عموما، تفكير وجداني، والفلسفة العقلانية تفكير وجداني ثان، فإذا ما رفضهما الناس، أو بعضهم، ولم يجد هؤلاء المبدعون القنوات التي يفرغون فيها ذواتهم، يمكن أن يموتوا كمداً، وهم أصحاب القرار في ذلك".

إن مفهوم الإنتحار، عموما، في علم النفس، كما يرى الدكتور السوداني نصر الدين محمد ادريس، رئيس قسم علم النفس بجامعة إفريقيا العالمية، يشير إلى ان الشخص المنتحر يكون قد وصل إلى مرحلة نفسية سيئة نتيجة لمجموعة من الإحباطات، الأمر الذي يدفعه إلى وضع حد لحياته، وبالتالي فإن ظاهرة انتحار الشعراء والكتاب، تعني أن هؤلاء يعانون من مشكلات تأصلت داخل تكوينهم النفسي عززها نوعية التنشئة التي تأثروا بها إلى جانب بيئتهم المحيطة بهم، ما يجعل معاناتهم صعبة لا يستطيعون تحملها ما يؤدي بهم إلى الإنتحار.

وللمعاناة هذه وجهان، أحدهما يكون سبباً في ابداع هؤلاء الشعراء والكتاب، والآخر سبباً في إنهاء حياتهم بالإنتحار.

كلمة أخيرة:

على الرغم من أن التداعيات النفسية الشديدة التي ألمت بالمبدعين، عموماً، ودفعتهم إلى وضع حد لحياتهم، إلا أنه لا يمكن عزلها عن واقعهم السياسي والإجتماعي، الذي عاشوا في ظله، وكان سبباً، وإن غير مباشر في بعض الأحيان، في اقدامهم على الإنتحار.

فالكتاب والشعراء الأجانب الذين تناولنا ظروف انتحارهم ترعرعوا ونشأوا في عالم مليء بالحروب والقتل، تتنافس الدولة الكبرى في ما بينها على الإستغلال والهيمنة الإستعمارية، ونهب خيرات الشعوب، ولا سيما في القارتين الإفريقية والآسيوية وقارة أمريكا اللاتينية وعاشوا حربين عالميتين ذهب ضحيتهما عشرات ملايين القتلى، ومئات ملايين الجرحى، عدا عن التدمير الهائل الذي شهدته البلدان التي كانت طرفا في هاتين الحربين. 

أما الكتاب والشعراء العرب، فقد عانى معظمهم من استبداد الإستعمارين القديم والجديد وأعوانهما من الحكام العرب، الذين نهبوا خيرات شعوبهم، وقمعوا الحريات، ولم يسمحوا للكلمة الحرة المعبرة عن آمال وطموحات هذه الشعوب أن ترى النور.

وليس هذا، وحسب، بل عمدوا إلى اعتقال مئات الشعراء والكتاب العرب، وزجوهم في السجون والمعتقلات، لا لذنب اقترفوه، وإنما  لكلام كتبوه أو قالوه دفاعاً عن تطلعات شعوبهم، وحريتهم باختيار من يحكمونهم.  كما سدوا أبواب العمل في وجوههم أملا في استدراجهم ليكونوا أبواقاً لهم.

هذا ناهيك عن سلسلة الهزائم التي شهدها عدد من الدول العربية على يد إسرائيل، واحتلالها للأرض الفلسطينية وأجزاء من أراضي كل من مصر وسورية ولبنان والأردن، الأمر الذي زاد في معاناة هؤلاء المبدعين العرب، وبالتالي كانت سبباً من الأسباب، التي دفعتهم إلى الإنتحار.

وكي لا يزداد عدد المنتحرين من هؤلاء المبدعين، يفترض أن تزول هذه المسببات، سواء الذاتية أو الموضوعية، حتى يعم التفاؤل بين أوساطهم .. فهل هذا ممكن؟

المراجع:

  1. www.ultrasawt.com
  2. www.alquds.co.uk
  3. www.grenc.com
  4. www.yasser-best.blogspot.com
  5. mustafadabbas.wordpress.com
  6. daharchives.alhayat.com
  7. www.almamlakahnews.com
  8. www.alhaya.ps/arch-page.php
  9. www.dw.com
  10. www.djazairess.com
  11. www.thawra.sy/-print-veiw.asp
  12. www.sasapost.com
  13. www.manmersal.blogspot.com
  14. www.alhayat.com
  15. www.masress.com
  16. www.alreyad.com