2017-11-11

ما الذي صغَّر أزمة قطر في الملهاة السعوديّة!؟

عليم إدريسوف

فجأة، أصبحت قطر بالنسبة للمسؤولين السعوديين «قضية صغيرة جداً، ينبغي أن لا تشغل انتباه الناس». وهذا لا يعني شيئاً، في الواقع، سوى أن السعوديين وجدوا مدخلاً آخر للتعامل مع جوهر أزمتهم. أو بالأحرى، عثروا على مشروع بديل أهمّ، وأكثر جدوى ودافعية من إخضاع الدوحة.

 إذن، ما الذي جعل أزمة قطر تصبح صغيرة!؟

يجيب المسؤولون السعوديون على هذا السؤال في الشق الثاني من تصريحاتهم، فيقولون:

«هناك قضايا أكبر بكثير يجب على السعودية التعامل معها، بما فيها تلك التي تتعلق بإيران وسوريا واليمن».

 ليس الترتيب عشوائي، ووجود إيران على رأس القائمة ليس صدفة، فجوهر أزمة السعودية هو إيران..

 وهنا، فإن تنامي القوة الإيرانية لم يستنفر الحواس السعودية فقط، بل وضع الرياض أمام أسوأ كوابيسها؛ أي، ظهور توافق غربي مع طهران، عنوانه «الاتفاق النووي»، أوشكت المملكة أن تصبح معه فائضاً عن الحاجة في «سوق الأدوار الإقليمية»، ما جعلها عرضة لسياسات أميركية لا ترى فيها أكثر من ورم مزمن يتوجب التعامل معه جراحياً، وفق أسوأ سيناريوهات المحافظين الجدد من عقد التسعينيّات.

 لقد قاد ذلك الرياض إلى محاولة اخضاع الدوحة.

 وعملياً، المعطيات التي تفسر الموقف الجديد من «قضية قطر» كثيرة وملفتة؛ إذ بمقابل التقليل المفاجئ من شأن هذه الأزمة، هناك تصعيد على الجبهات مع إيران واليمن.

 وهنا، علينا أن نلحظ جيداً أن لا خطوات مباشرة جديدة تجاه سوريا، التي يحرص السياسيون السعوديون على ذكرها في قائمة اهتماماتهم وقضاياهم «الكبيرة»، مباشرة بعد إيران وقبل اليمن، تنبئ باهتمام السعوديين بها.

 وبالمقابل، فإن لبنان الذي لا يتم ذكره في قائمة «القضايا السعودية الكبيرة»، تخصه الرياض هذه الأيام بضغط استثنائي شديد، بدءاً من إجبار رئيس حكومته على الاستقالة، في ظروف مريبة ومربكة، إلى تهديد حكومته الحالية، التي تشكلت على قاعدة «التوافق من أجل الاستقرار»، بأنها ستعتبرها في حال واصلت العمل، «حكومة إعلان حرب».

 لا تريد الرياض الاستقرار في لبنان.؟!

 في الواقع، لا يرد ذكر لبنان في قائمة الاهتمامات السعودية، لأنه فعلاً غير مقصود لذاته، ولكن الرياض تضغط على استقراره لأنه، هو بالذات، المدخل الأقرب لترتيب الظروف لهجوم عسكري واسع على سوريا، تكون شرارته اشعال الجبهة بين إسرائيل وبين «حزب الله».

 لذا، من الملفت أن الرئيس المصري اهتم بإيصال رسالة إلى زعيم «حزب الله»، حسن نصر الله، يطلب منه فيها أن لا يهاجم (في خطابه السبت) رئيس الحكومة الحريري رداً على استقالته «فقد يكون الرجل تحت الإقامة الجبرية»، وأن لا يستفز في خطابه إسرائيل، إذ من المرجح أن ثمة حرب، تتعدى الحزب نفسه، جاهزة للإشعال.

المعطيات تتضمن الهجمات الإسرائيلية المتزايدة في الآونة الأخيرة على أهداف سورية، جاء كثير منها بذريعة قصف مواقع أو مخازن أو قوافل أسلحة قيل أنها تابعة لـ«حزب الله». وهذه ذريعة يمكن أن تستخدم لاحقاً لتوسيع أية حرب تشنها إسرائيل وحلفاؤها على لبنان باتجاه سوريا.

هنا، لا يأمل الإسرائيليون والسعوديون القضاء مباشرة على «حزب الله»، ولكنهما يخططان أولاً لتحقيق ما لم يتم إنجازه في سوريا عبر سبع سنوات من الحرب الدموية، التي تم خوضها بالإرهابيين والمتشددين الوهابيين. وثانياً، يأملون بقطع خط التواصل الاستراتيجي الممتد من طهران حتى بيروت، مروراً ببغداد، بدلاً مِنْ إرضاخ قطر «الصغيرة جداً»، التي «ينبغي أن لا تشغل انتباه الناس».

 هل السعودية قادرة على تحمّل أربع جبهات؟

 لقد أثبتت حرب تموز/يوليو 2006 أن القضاء على «حزب الله» أمر مستحيل عملياً. وفي اليمن، تخوض السعودية مع شركائها منذ عامين حرباً ميئوساً منها، وكان يفترض أن تنتهي في غضون شهر. بينما في سوريا لم تسفر كل المناورات والاستثمارات السياسية والمسلحة عن أي نتيجة. بل على العكس، انقلبت الرهانات السعودية إلى مكاسب استراتيجية إيرانية.

وهذه العناوين كلها، هي على نحو ما، حروب سعودية بالوكالة ضد طهران، انتهت كما هو واضح بالفشل. بينما نعرف بالمقابل أن المملكة ليست بقادرة على خوض مواجهة مباشرة مع إيران؛ فما الجديد لدى الرياض؟

 تعتقد المملكة وبعض حلفائها أن حرباً إسرائيلية على «حزب الله»، تتوسع إلى سوريا، وتحظى بجهد عسكري تقدمه قوات على الأرض من الفصائل السورية المسلحة، مدعومة بالأميركيين، يمكن أن تحرم طهران ليس فقط من سوريا مستقرة، بل ومن ميزة الوجود العسكري في هذا البلد، وكذلك تقطع الجذور التي تصل «حزب الله» بماء الحياة الإيراني.

هنا، فإن الزيارة المريبة التي قام بها الوزير السعودي تامر السبهان الشهر الماضي إلى مدينة الرقة السورية، ليست بغرض إعادة الإعمار لطمس آثار القصف الأميركي المدمر، ولكن للبحث عن شركاء على الأرض السورية.

وبنفس الدرجة، فإن الإشاعات التي تم تداولها على نطاق واسع حول زيارة سرية عاجلة قام بها ولي العهد السعودي إلى «تل أبيب»، إن صدقت، فليس غرضها «أخذ الموافقة الإسرائيلية» على مشروع «نيوم» الاقتصادي الهائل، ولكن لإجراء «مصافحة ثقة» مع الشركاء الجدد.

وهنا، كذلك، المصالحة الفلسطينية التي رعتها عواصم شريكة للرياض، ليست سوى الخطوة الأولى لتحييد حركة حماس سياسياً، وتقييدها بترتيبات والتزامات فلسطينية داخلية.

ويفترض، في هذا السياق، أن تهيئ مثل هذه الحرب لضربة كبيرة في اليمن.

ماذا بشأن روسيا؟

ربما تنتظر موسكو، التي انتبهت إلى زيارة السبهان واكتفت بالتعليق على الجانب الأميركي منها، بعض المعطيات الإضافية التي تنقص مشهد الإعداد المحموم للحرب. وبالذات، معطيات تؤشر على أن هذه الحرب باتت ممكنة موضوعياً، وتمثل احتمالاً قائماً.

ومع ذلك، فإن العقلية التي تتعامل مع القضايا المعقدة بارتجال بالغ، يمكن أن تعيد السعوديين إلى مربع الانشغال بقطر كـ«قضية عظمى»، بالغة الأهمية!

وهذا لن يكون سخريةَ قَدَرٍ مضحكةٍ، بل ضرباً مِنْ مأساةٍ مبكيةٍ!

"هكذا"..