2017-11-07

ويبقى الحبُّ هو السّرُّ

محمّد علي طه

لسبب ما، أحتفظ به لنفسي، عدتُ اليوم إلى مقالٍ رصينٍ كتبه قبل عقدين النّاقد والمترجم العراقيّ البارز د. عبد الواحد لؤلؤة بعنوان "جبرا.. مترجمًا" ونشرناه يومئذ في مجلّة "إضاءات" لصاحبها صديقي النّاقد د. نبيه القاسم، فقرأته للمرّة الثالثة بمتعة وحنَوتُ رأسي إجلاًلا لهذا المبدع القاصّ والرّوائيّ والشّاعر والمترجم والفنّان العربيّ الفلسطينيّ الكبير الذي كما يشهد تلميذه النّجيب "لا يترجم إلّا ما يروق له ويختاره بنفسه عن قناعة بأهميّة النّصّ ومعرفةٍ بظروفه الثّقافيّة".

ترجم جبرا خمسة وعشرين كتابًا عن اللغة الانكليزيّة استهلّها بترجمة رواياته "صراخ في ليل طويل" الّتي كتبها باللغة الانكليزيّة ثمّ ترجم فصلين من كتاب "الغصن الذّهبيّ" لجيمس فريزر وأمّا آخر ترجماته فـ "حكايات لافونتين" و"الأمير السّعيد وحكايات أخرى" لأوسكار وايلد وكان الدّافع لترجمة العملين الاخيرين هو تثقيف الأطفال وأمّا الحافز فهي "ديمة" حفيدة جبرا ورفيقة مشاويره في شارع الأميرات ببغداد، ونستنتج من هذا، أنّ جبرا بدأ التّرجمة بتثقيف الأدباء والكبار وأنهاها بتثقيف الأطفال والصّغار.

حرص جبرا في مشروعه التّرجميّ على أن ينقل روائع الأدب الانكليزيّ والغربيّ إلى اللّغة العربيّة فترجم ستّ مسرحيّات لوليم شكسبير بالإضافة إلى "السّونيتات" بدأها بمسرحية "هاملت" وختمها بمسرحية "الليلة الثّانية عشرة" كما ترجم رواية "الصّخب والعنف" لفوكنر ومسرحية "في انتظار غودو" لصموئيل بيكيت واهتّم بنقل القصص القصيرة والمقالات الفنيّة والنّقديّة مثل "الأديب وصناعته" و"الحياة في الدّراما" و "الأسطورة والرّمز".

يؤكّد د. لؤلؤة أنّ جبرا كان يقرأ النّص الأدبيّ وينزل إلى أعماقه أو "يغور فيه" قبل أن يترجمه، ويذكر أنّ جبرا كان يرى بالتّرجمة عمليّة إبداع تقوم على حبّ النّصّ واذا لم تكن كذلك فهي حتمًا رديئة ولا تستحق القراءة، وأمّا الحبّ فيجب أن تسنده معرفة اللّغتين، "ومهما تكن معرفة المترجم باللغة الأصليّة عميقة، وهذا شرط أساسيّ فإنّ معرفته للغته يجب أن تكون أعمق"، ويضيف "أمانة المترجم يجب أن تكون مطلقة ويجب أن يتصدّى لأدق الظّلال ويعرف كيف يستنبع الألفاظ والصّيغ لاحتواء تلك الدّقائق فيحقّق انتقال الشّحنة الصّوريّة والمعنويّة من لغة إلى أخرى. ويبقى الحبّ هو السّرّ. هو العامل المساعد الخفيّ في ذلك كلّه".

قال أحد المبدعين إنّ التّرجمة عملية خيانة كبرى للنّصّ الأدبيّ وأمّا جبر فأستطيع أن أقول بأنّه حوّلها إلى عملية إبداعيّة سرّها الحبّ.

كانت التّرجمة أو عمليّة النقل، كما سمّاها الجاحظ، وما زالت جسرًا لنقل الحضارات وأعتقد أنّ المترجم الرّصين حينما يترجم كتابًا أو نصًّا أدبيًّا يمتزجه شعورٌ بالخوف والوجل، واحساسٌ بالتّحديّ، وتصميمٌ على الإخلاص والأمانة لأنّ المترجم أديب بلغتين ومبدع بلغتين أيضًا.