2017-11-06

أعظم قضية ضمير في العصر الحديث

(الحلقة  4 والأخيرة)

سعيد مضية

مؤسسة لتربيط شبكة الضمائر في العالم

في هذه الحلقة الأخيرة نتناول مواقف الضمير المتضامن مع شعب فلسطين داخل إسرائيل والانظمة المناصرة، حيث تقف أغلبية الجمهور ضد المواقف الرسمية. وهذا يوضح كم هي واسعة أبواب تشكيل جبهة ضمير عالمية مع العدالة الفلسطينية، تأكيدا لما ذهب اليه الراحل العظيم نيلسون مانديلا. والخطوة الأولى تقتضي تشكيل مؤسسة داخل منظمة التحرير الفلسطينية، شعبية الطابع وليست بيروقراطية رسمية، تتولى مهمة تربيط شبكة التضامن الإقليمي والدولي، وحشد وتعبئة الرأي العام العالمي بحيث يضغط على  الدول الامبريالية المساندة لإسرائيل..

الصحفي الإسرائيلي،جوناثان كوك، مؤلف الكتابين "اسرائيل وصراع الحضارات: العراق، إيران وخطة إعادة تشكيل الشرق الأوسط" و"فلسطين المتلاشية: تجارب إسرائيل في تيئيس البشر"، نشر مقالا بمناسبة ذكرى وعد بلفور أشار فيه إلى ان ميناحيم بيغن رئيس وزراء اسرائيل الليكودي ، اطلق على قوانين الطوارئ البريطاني التي وضعتها لمكافحة المنظامات الإرهابية والتي ترأس إحداها، صفة "القوانين النازية". والقوانين النازية  ما زالت تطبق في إسرائيل. وأشار الكاتب أيضا إلى أن بلفور انكر وجود شعب فلسطيني وتعمدت الصياغة ذكر "أقليات غير يهودية " مكونة من مسلمين ودروز وآراميون (مسيحيون)، ثم عرب اسرائيليون.

وأضاف يقول"إن الوعد مزعج إذ يذكر ان الدولة اليهودية جاءت ثمرة مشروع كولنيالي صريح .. لكن بريطانيا اخلت حتى بالالتزام الواهي للفلسطينيين بحماية حقوقهم المدنية والدينية، بالطبع لم يجر التطرق للحقوق السياسية وبمرور الزمن حين جلت بريطانيا عن فلسطين عام 1948 أتاحت للصهاينة خلال ثلاثة عقود إنجاز ثلاث مؤسسات أساس للدولة: الوكالة اليهودية وهي مشروع دولة، والهاغاناة جيش منظم بقيادة وتجهيزات، والصندوق اليهودي القومي، الممول للمستوطنات وشراء الأراضي، بينما ضيقت الخناق على الفلسطينيين في أبسط شئون الحياة".

وفي الثاني من نوفمبر الجاري، ذكرى الوعد نقلت مجلة كاونتر بانش عن نشرة "المقاومة  الشعبية" مقالا للكاتبتين  الأميركيتين، كيفين زيس ومارغاريت فلورز، القياديتان في حركة المقاومة الشعبية، أوردتا فيه ان وعد بلفور يحتفظ بقيمة حتى اليوم نظرا لأن الدعاية الملازمة له تبرر تفوق العرق الأبيض والعنصرية والامبراطورية الاستعمارية. فقد آمن الامبرياليون البريطانيون ان الديمقراطية لا تليق إلا بـ"الشعوب المتحضرة والمنتصرة" وان "الشعوب الأصلية في إفريقيا وآسيا والعالم كله - جميعها 'أعراق تابعة’ لا يليق بها أن تحكم نفسها بنفسها". ونفس التحيز العنصري يطال الشعب اليهودي كذلك. فاللورد بلفور فضل ان يعيش اليهود بفلسطين بعيدا عن بريطانيا؛ فهناك يمكنهم أن يكونوا حلفاء نافعين لبريطانيا.

يمضي المقال إلى القول: في ذات الوقت يذكرنا بيل مويرز، في مقابلة مع الكاتب جيمز ويتمان، أن القانون الأميركي ينظر إليه باعتباره "النموذج لكل من اهتم في بدايات القرن العشرين بإقامة نظام عنصري أو دولة عنصرية. كانت أميركا القائدة في مختلف مناحي الحياة في القوانين العنصرية خلال الجزء الأول من القرن العشرين". ويشمل هذا قانون الهجرة الذي يمنع "غير المرغوب فيهم" من دخول الولايات المتحدة، وقوانين تكرس مواطنة من الدرجة الثانية للأميركييين من أصول أفريقية وشعوب غيرهم وتحظر الزواج بين الأعراق المختلفة. ألف ويتمان كتابا جديدا وثق فيه كيف أن هتلر استفاد من القوانين الأميركية قاعدة للدولة النازية".

وحث المقال على "وجوب حماية حق المشاركة في مقاطعة إسرائيل طبقا للتعديل الأول، نظرا لأن حق الاعتراض على نظام الأبارتهايد في إسرائيل يندرج ضمن التعديل .في هذا الأسبوع عيُن كينيث ماركوس بوزارة التعليم مركّزا للحقوق المدنية. هو يدير مجموعة أطلقت على نفسها اسم مركز برانديس لحقوق الإنسان وتمارس فعليا مهاجمة الجماعات والأفراد ممن ينظمون حملات داخل الجامعات الأميركية ضد الأبارتهايد الإسرائيلي. ماركوس أسندت إليه  مهمة التحقيق في هذه المخالفات" - ذئب لحراسة القطيع!!!

حدث التحول في الراي العام  الأميركي في أعقاب مجزرة المتضامنين الدوليين في هجوم عسكري من جانب الجيش الإسرائيلي يوم 31 أيار على سفينة  حملت المعونات الإنسانية لغزة المحاصرة. ويزداد عدد الناس الذين وعوا الضرورة الملحة لأن يتحدى المجتمع المدني الحصار المفروض على قرابة المليوني فلسطيني في قطاع غزة بفضل الدعم الأميركي لإسرائيل.

فيكتوريا بوش اكاديمية اسرائيلية مناهضة للاحتلال، كتبت تقول: وصلتُ إسرائيل قبل أربعين عاما، ومضى زمن طويل حتى ادركتُ أن مجرد وجود إسرائيل، كما هي اليوم، قائم على التطهير العرقي المتواصل لشعب فلسطين. وهذا يوضح كذب الحركة الصهيونية التي شرعت تقيم دولة قومية يهودية في منطقة يقطنها شعب ينتمي لقومية اخرى. وهذا ما استوجب التطهير العرقي.

ومضت تقول، البرت اينشتين على اطلاع منذ زمن بعيد على أكاذيب الصهيونية . بعيد الحرب العالمية الثانية اشتكى من أن الصهاينة لا يبذلون الجهد الكافي للتوصل الى اتفاق مع العرب الفلسطينيين. لم يصغ الصهاينة لشكاوى اينشتين، ولذا فنحن هنا بعد مائة عام نعيش في دولة يهودية قومية يهيمن عليها قوميون عسكريون، يواصلون بلا كلل استعمار البلاد وتهويدها تحت السيطرة العسكرية على جانبي الخط الأخضر (حدود 1967). أجيال من اليهود انضموا للجيش كي يوفروا الغطاء العسكري. الشباب تعرضوا لغسيل ادمغة كي يؤمنوا ب "كفاح إسرائيل من أجل البقاء". تحت هذا الشعار تمضي إسرائيل إلى حتفها. إسرائيل تنتحر من خلال مصادرة الأراضي وبناء المستوطنات غير الشرعية وهدم البيوت.

"دور الولايات المتحدة في الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني"، عنوان كتاب ألفه الأميركي جيريمي هاموند، مدير الموقع الإليكتروني "فورين بوليسي جورنال". قدم عرضا للكتاب ميشيل هاجر، عضو اللجنة التأسيسية للمنظمة الدولية لتطوير القانون في روما وشغل لفترة زمنية منصب مديرها العام.  يطرح الكتاب قضية مقنعة مفادها أن الولايات المتحدة تواطأت بصورة روتينية مع إسرائيل لقطع الطريق على عملية سلام حقيقية، ولتجنب الانصياع للقانون الدولي وتضليل الميديا الرئيسة. قدم جيريمي هاموند سجلا نفيسا لتنسيق  الولايات المتحدة مع إسرائيل ضد مصالح الشعب الفلسطيني، تستهين بالقانون الدولي ما يلحق العار بأميركا.

مارك بروجينسكي يهودي أميركي صاحب موقع اليكنروني"ميدل إيست .اورغ"، كتب مقالة مختصرة ومكثفة كعادته في 16 اكتوبر/تشرين اول 2017 عنوانها "المقاومة الفلسطينية للاحتلال العنيف مبررة تماما". جاء في المقالة: "بصراحة للفلسطينيين كل الحق بالمقاومة ومهاجمة اولئك الذين احتلوا بلادهم بعنف وبما يناقض الشرعية، يدمرون قراهم وبيوتهم، ويحشرونهم داخل معازل هي أسوأ من سجن الأبارتهايد. يغتالون ويسجنون قادة كفاحهم، وبصورة مرعبة يتحدّون القوانين الدولية والعديد من قرارات الأمم المتحدة.

بعد أن دان إسرائيل ومن يناصرها أضاف القول: بذا فمن المبرر تماما الكفاح والمقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي ومستوطناته. علاوة على ذلك يعود لأولئك الذين يعانون ويناضلون تقرير ما عليهم عمله ومتى وكيف يمارسون مقاومتهم، وليس ذلك من حق الجالسين على مقاعد وثيرة المتلهين بما سمي عملية السلام .

ضمن حملات مقاطعة إسرائيل ثقافيا ألغى فنانون عالميون حفلات دعت إليها إسرائيل، منهم إلفيس كاستيلو وجيل سكوت هيرون وفرقة الباكسيس، إشعارا منهم بتضامنهم المبدئي مع شعب فلسطين، على غرار مقاطعة أبارتهايد جنوب إفريقيا المنهار. واتخذت حركات عمالية وكنائس مواقف مبدئية بالمشاركة في حملات (بي دي إس). وفي مدينة اوكلاند الأميركية انضم عمال الميناء إلى المقاطعة وامتنعوا عن تنزيل شحنة باخرة نقل إسرائيلية ردا على مجزرة الفلوتيلا في عرص المتوسط أثناء إبحارها وهي تحمل المعونات الغذائية لقطاع غزة المحاصر.

ففي الولايات المتحدة  تجارأ خمسة عشر  مسؤولاً دينياً واستجمعوا ضمائرهم وتحدوا تابوهات واشنطون الراسخة. هم يمثلون الطوائف الرئيسية في المذهب البروتستانتي وجهوا رسالة يستحثون فيها الكونغرس على التحقيق في ما إذا كانت المساعدة الأميركية غير المشروطة لإسرائيل، تساهم في انتهاكات حقوق الإنسان الفلسطيني.  فالقانون  الأميركي ينص على  منع مساعدة أي دولة تنخرط في نمط ثابت من أنماط انتهاكات حقوق الإنسان؛ وبناءً عليه عبرت الرسالة عن القلق من تعريض القانون الأميركي للانتهاك من جانب إسرائيل.لكن الخطوة قوبلت بتهديدات تروع المبادرين للطلب وتحرض على معاقبتهم.

أشير في الرسالة إلى أن الحياة اليومية للفلسطينيين تشهد بدورها «حالات قتل للمدنيين، وهدم للمنازل، وترحيل قسري، وقيود على التحرك من مكان لآخر». واختتمت الرسالة بالقول إنه إذا ما تبين أن إسرائيل ليست ملتزمة بالقوانين الأميركية الخاصة بحقوق الإنسان، فإنه يجب تفعيل القانون وقطع المساعدات.

وفي الولايات المتحدة صدر بيان صحفي عن اللجنة الأميركية للأكاديميين من اجل مقاطعة إسرائيل يبشر ببلوغ عدد الموقعين على الانضمام للجنة الرقم خمسمائة. قال أستاذ العلوم السياسية بجامعة بار إيلان، غيرالد ستاينبرغ ، عضو اللجنة التأسيسية للهيئة الاستشارية الدولية للحريات الأكاديمية ان الداعين لمقاطعة إسرائيل كان محدودا  في العام  2009 ، حين  تأسست الهيئة، وقيل حينئذ انها تشكل خطورة لو وصلت عضويتها رقم الخمسمائة  . ويسر الهيئة ان تعلن  ان العضوية تجاوزت الرقم المهدد بالخطر. وهذا انتصار كبير لتنامي المقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل، وللحركة من اجل العدالة والمساواة في إسرائيل، نظرا لأن المدافعين عن الأمر الواقع قد لاحظوا مرارا ان شرعية دولة إسرائيل لدى الرأي العام العالمي مهددة من قبل حركة المقاطعة.

 كما كتب مايك ماركوسي مؤلف كتاب "لست من اجل نفسي: رحلة يهودي مناهض للصهيونية"، ان كل شخص تقريبا حانق على إسرائيل.حتى في اوروبا باتت إسرائيل تعتبر الأخطر في العالم، وغدت دولة مارقة.

وقال، كل ما قلته بات معروفا على نطاق واسع ، لكن ليس للجميع؛ والمشكلة تكمن في الرقابة الذاتية، والميديا لا تصرح بكل شيئ ونادرا ما تكشف الممارسات العنصرية الإسرائيلية. توجد كمية ضخمة من الدعاية والتضليل حتى لا تدرك الجماهير حقيقة ما يجري .ولا بتوقف الأمر عند هذا الحد، رغم أهميته؛ وعلى الملتحقين بحملة (بي دي إس) ان يضعوا الحقائق بمتناول الناس.
ومضى إلى القول، "أحد المكونات الرئيسة لسلاح إسرائيل هو ما يسمى "القضايا الحقوقية"، وفحواها محاولات لتسخير المحاكم لضرب المعارضين. لاقت هذه الاستراتيجية التي استخدمتها كل من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا صدمات مضادة ، عندما رفضت محكمة في لندن  في نهاية آذار 2017 قضية رفعها روني فريزر من جمعية اكاديميين من اجل إسرائيل ضد اتحاد النقابات، بسبب ترديد إدانات لإسرائيل في احد اجتماعاتها

نظمت ندوة في نادي حيفا الثقافي بمناسبة صدور كتاب باللغة العربية (كيف تولد المخربة وكيف تموت) يشمل مقالات غدعون ليفي ترجمها المربي أمين خير الدين. شكلت المقالات مرآة من خلالها يرى الإسرائيليون حقيقة أنفسهم واحتلالهم البشع وجرائمهم، لكنهم بدورهم يبادرون لتحطيم المرآة . لم يكتف بسرد قصص القتل المجاني للفتيان والفتيات القاصرين، بل يأتي بالخلفيات القاسية التي تدفع هؤلاء لعملياتهم ضد كل ما يرمز له الاحتلال. تذكر الإعدامات باعتراف جريء للدكتور أوري ميليشطاين أهم مؤرخ عسكري في اسرائيل "ان طهارة السلاح كذبة اسرائيلية كبيرة"، لافتا الى ان الجيش الاسرائيلي قتل أسرى فلسطينيين ومصريين ومدنيين عشرات المرات منذ النكبة في قرى كفر قاسم وقبية وحرب1967  لكنها لم تؤد لضجة واسعة بعكس قضية قتل الشاب الشريف على يد الجندي ليؤور ازاريا وذلك ببساطة لعدم وجود كاميرا خلال تلك الجرائم التاريخية التي وثق ليفي المئات منها.

شارك بالندوة موثق جرائم الاحتلال، المصور المعروف اليكس لايبك، وهو كاشف صورة فضيحة الحافلة رقم 300 عام 1984 يوم وثق قتل شابين فدائيين من غزة وقعا بالأسر بعد خطف حافلة إسرائيلية من تل أبيب إلى دير البلح. وقتها صادرت المخابرات الإسرائيلية الكاميرا لكن لايبك نجح بإخفاء الفيلم في جيبه ونشرت صحيفة «حداشوت» الإسرائيلية صورة الشابين من غزة وهما ما زالا على قيد الحياة بعدما أعلنت الشرطة الاسرائيلية عن مقتلهما خلال عملية تخليص الرهائن ليثبت بذلك أنهما قتلا بعد أسرهما.

في الندوة تحدث غدعون ليفي صاحلب المقالات وبسخريته المعهودة قال:  عليك ألا تجرؤ مثلا على السؤال لماذا ينتهك الطيران الاسرائيلي أجواء لبنان، اما الصاروخ السوري الدفاعي الذي يعترض طائراتهم المعتدية فهو بالنسبة لهم عدوان... كذلك فإن إلقاء حجر فلسطيني هو شغب وإخلال بالنظام اما الدبابة الاسرائيلية التي تقتحم مخيم عسكر فهو نظام وطبيعي وفق المنطق الإسرائيلي الأعوج».

من استنتاجات ليفي الخطيرة أنه "لن يأتي تغيير من داخل إسرائيل، مشددا على أن إسرائيل لن تغير مواقفها ولن تنهي احتلالها إلا بعد ان تدفع ثمنا حقيقيا وبضغط خارجي دولي كما حصل ضد جنوب أفريقيا العنصرية".

خلاصة ما تقدم تستدعي وقفات الضمائر الحية مؤسسة فلسطينية - أممية تحشد وتعبئ شبكات التضامن مع القضية العادلة لشعبنا الفلسطيني. ينبغي أن لا يشعر ضمير يتحدى انه معزول او وحيد!