2017-11-05

اعظم قضية ضمير في العصر الحديث

(3)

سعيد مضية

عصاب التناحر مع الوقائع

تواطأت دول الامبريالية والقوى المناصرة لإسرائيل مع انتهاكاتها للقانون الدولي وحقوق الشعب الفلسطيني، فتعلو أصوات الضمير، مفكرين وكبار مثقفين في جنبات المعمورة، ينتصرون للعدالة  وللحقيقة. مواقف الضمير تتعاظم حتى غلب على القضية الفلسطينية قضية الضمير الإنساني اليقظ واعظم قضية ضمير في العصر الحديث، كما قال الراحل العظيم نيلسون مانديلا.

"ما من سبب يبرر لـ"تيريزا ماي" افتخارها بوعد بلفور او بأسلوب تنفيذه، فتصريحها بهذا الصدد يتجاهل حقيقة أن اضطهاد اليهود عبر القرون حدث في دول أوروبا المسيحية وليس في فلسطين. كما لم تكن فلسطين خالية من سكانها كما يدعي الصهاينة- بلد بدون سكان لشعب بدون بلد"، كتبت صحيفة "مورننغ ستار" البريطانية في افتتاحيتها يوم الجمعة 27 تشرين اول الماضي معبرة عن موقف الشيوعيين البريطانيين.ثم مضى المقال إلى القول:"الانتداب البريطاني غير ديمغرافية فلسطين، اعقبها مجازر  وتطهير عرقي للعرب الفلسطينيين، عندما أرغمت وحدات عسكرية يهودية سبعمائة ألف إنسان على ترك وطنهم  قبل إقامة دولة إسرائيل... تواصل التطهير العرقي بخطوات واسعة منذ حرب الأيام الستة ضد الجيران العرب عام 1967".

وجاء في المقال، "إن تيريزا ماي وغيرها من حماة التوسعيين الصهاينة، ممن ينادون رياء بحل الدولتين لكن يرفضون إمعان النظر أين يمكن تطبيق الحل، إنما هم يخادعون مثل بلفور والمتآمرين معه. إنهم بعرفون أن المشروع الصهيوني  يشمل أبعد حدود التوسع الإسرائيلي، مع حصر الفلسطينيين داخل ما يماثل البانتوستانات  ذات الحكم الذاتي في جنوب إفريقيا" .

وختم المقال بتمجيد موقف قيادة حزب العمال البريطاني، "الاحتفال بذكرى وعد بلفور لا يستقيم مع دعم الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، الأمر الذي يفسر لماذا انضم وزير خارجية الظل لرئيسه، جيريمي كوربين، وامتنع عن حضور حفل الاستقبال العار".

ومحكمة بريطانية في لندن قطعت بأن معادة الصهيونية ليست مظهرا للاسامية. فقد ادعى فريزر ومحاميه، "انتوني جوليوس"، أن النقاشات في مؤتمر اتحاد النقابات البريطانية بصدد النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني سببت أذى لفريزر بصفته يهوديا. حوت القضية المرفوعة للمحكمة عشرة بنود رفضتها المحكمة جميعها، واعتبرتها كاذبة. وجه القضاة كلمات قاسية لعدد من شهود فريزر، خاصة جيريمي نيومارك، المدير التنفيذي لمجلس المنظمات اليهودية، حيث كذبت شهادته حول المعاملة المزعومة  من قبل الهيئة العامة لاتحاد النقابات البريطانية.

والأهم من ذلك توصلت المحكمة إلى قرار صارم ينفي اعتبار معارضة إسرائيل والصهيونية مظهرا للاسامية. قررت المحكمة أن "الايمان بالمشرع الصهيوني او التبعية لدولة إسرائيل او أي موقف من هذا القبيل لا يتخذ صفة الحصانة". وأضاف القرار، "إنها ليست جزءا أصيلا من اليهودية". من المرحب به التوصل لهذه الحقيقة البسيطة؛ التي ظل انصارإسرائيل يرفضونها بعناد ويتمسكون برفضهم قضية منطق وقانون.

ولّد القرار المهين تشنجا داخل المعسكر المناصر لإسرائيل. إخذ البعض ينادي بسريان مفعول ما يعرف"مركز الاتحاد الأوروبي لمراقبة العنصرية و'التعريف المعمول به "لرهاب اللاسامية"، على القانون البريطاني. طبقا لتعريف الاتحاد الأوروبي يعتبر لاساميا كل من يعارض الصهيونية ويصف إسرائيل "بنظام ابارتهايد" او دولة "عنصرية"، أويدعو للمقاطعة.

أثبت التنقيب الأثري بطلان المدونات التوراتية، بينت أن أريحا لم تكن مسورة في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، حيث زعم أن يوشع وجنوده استباحوا المدينة بعد هدم أسوارها وحرقها وإبادة سكانها. أبقت الثقافة الغربية على هذا التلفيق التوراتي كما أبقت على مملكة داوود وسليمان المترامية ما بين النيل والفرات.

حتى الزمن الراهن ما زال الرب يخاطب الحاخامات كي يصدروا الفتاوى لقتل الفلسطينيين كواجبٍ ديني. الحاخام "اليعازر ملميد"، أصدر فتوى حلل فيها للإسرائيليين سرقة وحرق المحاصيل الزراعية الفلسطينية وقتل مواشيهم الزراعية وتسميم مياه آبارهم الي ان أصبحت هذه الجرائم مغامرات ليلية لشباب المستعمرات الإسرائيلية ضد القرى الزراعية الفلسطينية المجاورة. ويتطرفون أكثر، إذ وصف الحاخام يوسف عوفاديا الفلسطينيين حشرات وصراصير يجب دوسها بالأقدام، كما امر بدفن جثث المقاومين الإسلاميين داخل جلود الخنازير لتنجيسها، وكذلك ادعي ان المسيح القادم سيلقي جميع الكفار العرب في جهنم.

قدم كبراء الحاخامات الإسرائيليين بقيادة الحاخام المتطرف "دوف لينور" فتوى دينية لرئيس الوزراء الإسرائيلي "آرييل شارون" حللوا  فيها قتل المدنيين الفلسطينيين مستشهدين لذلك بملوك اسرائيل القدامي، مثل الملك شاؤول والملك داوود .

هذه الفتاوى الدينية المتطرفة تتحول إلى قوانين تُدرس في المدارس الإسرائيلية جنباً الي جنبٍ مع كتب الدين الحديثة التي تمجد القتلة مجرمي الحرب الإسرائيليين ، مثل كتاب "باروخ" الذي طوبه الحاخام اسحق جينزبرغ قديسا، لأنه اغتال عام 1994 المصلين وهم ركوع لصلاة الصبح. أقيم لهذا الطبيب القاتل مزار.

بصورة منهجية تتبع  في المدارس لغرض عسكرة الذهنية الإسرائيلية الأساليب التالية:
اولا تمجد المناهج الإسرائيلية القوة العسكرية والحرب كنظامٍ حياتيٍ لإسرائيل.

كلف عسكريون بإدارة المؤسسات التعليمية وتعليم الطلاب. تبنت وزارة التعليم الإسرائيلية برنامجاً باسم "تسافتا" لتأهيل العسكريين ورجال المخابرات المتقاعدين ليصبحوا معلمين ومدراء مدارس. هدف البرنامج، حسب أقوال "موتي ساجي"، البحث عن قادةٍ عسكريين ذوي خبراتٍ خاصة. ومنذ العام 2000 وضعت وزيرة التربية، ليمور ليفنات، قاعدة تنصيب عسكريين متطرفين على رأس الهيئات التدريسية، مما أوغل في عسكرة التعليم المدرسي.

 الثاًني: تنتشر في المستوطنات وفي القدس المحتلة مؤسساتٍ عسكرية دينية "يشيفوت هاهسادير"، بتمويل وزارة الدفاع، دمجت التطرف الديني بالتطرف العسكري، يديرها حاخامات متطرفون يزرعون تعاليم عنصرية صهيونية برسم الدين. يتلقى الطلبة في هذه المؤسسات تعاليم مشبعة بالعنصرية يكثر الحاخامات المعلمون تهجماتهم ضد العرب ويعارضون السلام معهم. فمثلاً الحاخام الشرقي البارز ايلي الباز مشهور بتهجماته الشديدة علي الإسلام وعلي النبي محمد (ص). اما الحـاخام الياهو ريسـكين ، من مسـتعمرة أفرات فمشـهور بتهكماته عـلي محاولات الحوار الدينية التي تجمع ما بين حاخامات اليهود من جهة والقسس المسـيحيين وشيوخ الاسـلام العرب من جهة اخري. اذ ينادي بان اللغة الوحيدة التي يفهمها العرب هي لغة الرصاص.

يعتقد السياسيون، بمن فيهم جنرالات إسرائيليون، ان هذه المؤسسات تُحضر للإطاحة بنظام الحكومة الإسرائيلي المدني وتحويله الي نظام ديني صهيوني. وحسب دراسة أجرتها جامعة بار ايلان الإسرائيلية فان 99% من طلاب تلك المؤسسات العسكرية الدينية و90% من الإسرائيليين المتدينين الاورثوذكس يميلون الي تجاهل القوانين الإسرائيلية المدنية والي تنفيذ فتاوي الحاخامات الدينية اذا تضارب الاثنان. وقد اكد هذه النتيجة استفتاء عام قام به مركز هرتسليا عام 2006 اظهر ان 95% من الجنود والضباط الاسرائيليين المتدينين يتصورون انفسهم ينفذون أوامر الفتاوى الدينية بدلاً من القوانين المدنية في حال تناقض الاثنان. وقد ظهر هذا واضحاً عام 2004 عندما طبق رئيس الوزراء السابق ارييل شارون خطة الانفصال بنقل المستعمرات الصهيونية خارج قطاع غزة. فقد اصدر الحاخام البارز ابراهام شابيرو أوامره إلي طلابه والي أتباعه بان يهجروا الجيش الإسرائيلي في حال تطبيق خطة الانسحاب، بينما امر الحاخام "حاييم دروكمان" طلابه وإتباعه بإطلاق النار علي رجال الأمن الإسرائيلي اذا حاولوا إخلاء المستعمرات بالقوة.

 شهر الكاتب الإسرائيلي، "جوناثان كوك" بازدواجية معايير نظام القضاء في إٍسرائيل. نظام العدالة في إسرائيل يمارس الأبارتهايد. قاض بمحكمة بمدينة الناصرة اعترض على مطالبة المدعي العام إدانة طفل في السابعة عشرة بتعريض سيارة لخطر التدهور والحكم عليه بالسجن عشرين عاما. القاضي "يوفال شادمي"، قال بوجود تمييز عنصري في نظام القضاء الإسرائيلي لدى التعامل مع الأطفال اليهود والعرب، حيال قضايا تحمل توجهات إيديولوجية باتت معروفة على نطاق واسع.

وقال القاضي غولدستون، أثناء النظر في جرائم إسرائيل خلال العدوان على غزة، أي قبل ردته وحين أراد "إنقاذ إسرائيل من حماقاتها"، انه "صدم" حين علم ان الشرطة لم تعتقل احدا من اليهود المشاركين في مظاهرات اتخذت طابعا عنفيا، بينما رُفِض طلب محامين إخراج المتظاهرين العرب بكفالة وتم اعتقالهم لفترات طويلة، حتى في حالات كان الحكم فيها مخففا. كما أشار الى ان حالات من العنف مارسها شبان يهود ضد قوات الأمن تم تجميد الإجراءات القضائية ضدهم او إلغاءها قبل صدور حكم المحكمة.

مناهج التربية في إسرائيل وبرامج تربية أطفالها أشبه بمكرهة سياسية تستثير المشاعر والمدارك.لا يتطرق أنصار إسرائيل لهذه المكرهة، بل يدبجون المقالات والأبحاث لنشر صورة عن إسرائيل المحاصرة بكراهية العرب. ربما صدرت تصريحات وكتبت مقالات كارهة لإسرائيل، لكن المثير لكراهية إسرائيل تصرفاتها اليومية وليس مقالات العرب وتصريحات ساستهم. إسرائيل لم تمسك يوما عن تدبير المجازر واستهداف الأطفال والشيوخ والنساء، وإسرائيل لا تكف عن اغتصاب الأراضي وتنكيد معيشة الفلسطينيين بشتى السبل. سياسات إسرائيل تجد الدعم المطلق من جانب جماهير اليهود نظرا لتربية ممنهجة على كراهية العرب، والطعن في حقهم بوطنهم.

ينشأ الطفل الإسرائيلي مزهوا لكونه خُلق بين"شعب الله المختار"، وهذا الامتياز الالهي مصحوب بكراهية واضطهاد الاغيار. هؤلاء الاغيار، كما يدرّس الحاخامون في مدارسهم، عبارة عن أرواح حيواناتٍ خُلقت في أجساد بشريةٍ من اجل خدمة ومتعة شعب الله المختار. كما يدرس الأطفال ان ارض الله الموعودة قد سرقها لصوصٌ كافرون (العرب والمسلمون) وان واجبه الديني يتطلب منه تحقيق رغبة الله بتطهير الأرض الموعودة من هؤلاء الكافرين وبناء هيكلٍ لهذا الإله. عُجنت الكتب الدراسية الإسرائيلية بفكرٍ صهيوني عسكريٍ متعصبٍ ملوث بصبغةٍ دينيةٍ مشوهة.

اما المناهج الدينية والاجتماعية الإسرائيلية فمليئة بتعصبٍ دينيٍ متطرف، وبتعالٍ اجتماعي علي الأغيار. اذ تمتلئ كتبهم الدينية بقصص انبياء اليهود القدامى الذين، تبعاً لأوامر ربٍ قاتلٍ، يرسلون اليهود لاقتراف جرائم حربٍ ضد الاغيار، وحرب الأرض المحروقة تبيد الضرع والزرع. حكايات دوّنها في التوراة كتبة في القرن الخامس قبل الميلاد متشنجين جراء الوضع البائس لليهود في ذلك العصر، راحوا يفبركون ماضي الملك العظيم وانتصاراته؛ حملوا قيم ذلك العصر ومعاييره حقدا على الأقوام المجاورة، أكسبها المستشرقون قداسة مختلقة كي تكون دليل عمل للجماعات المدعوة لإعادة الشرق تحت السيطرة الكولنيالية. أحقاد تدعو لإبادة البشر والبهائم وقطعان الماشية، وحرق المدن، قاطعين الأشجار المثمرة، ومدمرين المحاصيل الزراعية. وفي احيان كثيرة يهبط الرب من عليائه قاتلا يشارك في معارك إسرائيل، ومدينة أريحا في القرن التي استباحها يوشع وجنوده درس ومثال ملهم.

أثمر ترويج ثقافة العنصرية والقسوة مجتمعا لا يتعايش مع الحقيقة. الأوهام والأكاذيب جوهر سياسات إسرائيل وحكومات المستوطنين. كانت الأمور أفضل بكثير عام 1952، حين رفض أينشتين قبول منصب رئيس دولة إسرائيل بعد وفاة رئيسها الأول ،وايزمن. آنذاك برر أينشتين رفضه بأنه سيضطر للإدلاء بأقوال لا يقبلها المجتمع. فحرب التطهير العرقي ألحقت لوثة بالعقل الإسرائيلي.

 وفي الوقت الراهن لا يجد مؤرخ موضوعي، مثل إيلان بابه، يسرد الحقائق مكانا له في الحياة الأكاديمية بإسرائيل. اشتكى مؤلف كتاب "التطهير العرقي في إسرائيل" إن "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" لا تقبل الرأي الآخر حتى داخل الحرم الجامعي. الأوصاف التي تطلق عليه هي من عينة "أكبر المعادين للسامية"، التي وصفه بها بن درور،  رئيس تحرير صحيفة معاريف. ودعا الكاتب الصحفي "أريئيل سيجيل" إلى مقاطعته أكاديميا.

"لقد قاطعوني في جامعتي وكانت ثمة محاولات لإبعادي عن مكان عملي. أتلقي كل يوم تهديدات ضد حياتي. يعتبرونني تهديدا للمجتمع الإسرائيلي ويعتقد شعبي أنني مجنون او أن آرائي غير ذات موضوع. إسرائيليون كثيرون يعتقدون أنني عميل للعرب" قالها بابه بمرارة، وأردف القول:"... في السنوات الست الأخيرة أصبحت حكومة إسرائيل أكثر عدائية وقمعا بسبب الدعم الذي تحظى به. الآن يشعرون أنه بإمكانهم فعل أي شيء يخطر على بالهم.".

سبب آخر دفعه للإقامة خارج إسرائيل كما صرح هو، "الاعتقاد بأن من الأسهل دفع عملية السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين من الخارج وليس من داخل إسرائيل".

في تصريح لصحيفة "الغارديان" البريطانية، يقول بابيه "إسرائيل تطمع لأن تكون جزءا في العالم المتحضر الديمقراطي. نجحت في مقاومة قرارات الأمم المتحدة العديدة التي أدانت سياساتها، واكثر من هذا، خططت للحصول على وضع متميز داخل الاتحاد الأوروبي. تجسد المكانة المرتفعة للمؤسسة الأكاديمية الإسرائيلية في المجتمع البحثي العالمي. هذا الدعم الغربي لإسرائيل باعتبارها "الديمقراطية الوحيدة" في الشرق الأوسط. يمكن للجيش الإسرائيلي والشاباك المضي، وسوف يمضيان، في تدمير البيوت، طرد العائلات، إهانة المواطنين والقتل اليومي للنساء والأطفال بدون أن تتم محاسبتهما محليا أو دوليا، محميين بهذا الدعم الخاص للمؤسسة الأكاديمية وبوسائل الإعلام الثقافية الأخرى."

تحدث الصحفي "جدعون ليفي" عن التناقضات الداخلية للشخصية الإسرائيلية: "الاسرائيليون تميزهم ظواهر غريبة عجيبة: إنكار واقع  احتلالهم والزعم انهم متدينون وعلمانيون، وشعب الله المختار ولا يخطئون... لا يوجد شعب في العالم يحتل ويقول عن حاله ضحية. شعب مختار وضحية. هذه التوليفة خطيرة جدا... الأجهزة اسرائيلية تثابر في شيطنة الفلسطينيين وبالتزامن تتظاهر بوجه إنساني حضاري من خلال مساعدة مناطق منكوبة في العالم بعد كل زلزال وكل تسونامي أو أي كارثة أخرى".

إنه عصاب الهرب من الحقيقة ومجافاة الواقع.

يتبع/ الحلقة لرابعة