2017-11-04

أمين عام"الحزب الشيوعي اللبناني" لـ"سبوتنيك":

دروس ثورة أكتوبر ضرورية لمواصلة النضال

لشهر أكتوبر الاشتراكية رمزيته المزدوجة بالنسبة إلى الشيوعيين اللبنانيين، فبفارق سبع سنوات عن ثورة أكتوبر عام 1917، تنادت مجموعة من الشخصيات المتأثرة بتعاليم الماركسية، وبوهج الثورة الروسية، إلى تشكيل حزب جديد، ذو بعد اشتراكي، باسم "حزب الشعب اللبناني"، في الرابع والعشرين من تشرين الأول الذي سرعان ما تحوّل إلى تسمية "الحزب الشيوعي اللبناني".

تحتفل روسيا ودول الاتحاد السوفيتي السابقة بالثورة البلشفية في السابع من تشرين الثاني/ نوفمبر، بدلا من الـ25 تشرين الأول/ أكتوبر، بسبب اعتماد التقويم الميلادي (تقويم غريغوري) في الاتحاد السوفيتي، في 14 شباط/ فبراير 1918، بدلا من التقويم اليولياني القديم، والذي كان معمولا به في الإمبراطورية الروسية.

وعلى مدار مئة عام، من ذلك الحدث الروسي الذي هزّ العالم، ورسم مصيره لقرن كامل، التصق الشيوعيون اللبنانيون بالمنظومة الاشتراكية التي ولّدتها ثورة أكتوبر، فبلغوا عصرهم الذهبي بانتصاراتها، وعانوا من الخيبات الكبرى بانكساراتها، وهو ما تبدّى بشكل خاص، حين انهارت تجربة تلك الثورة، بانهيار الاتحاد السوفيتي قبل ربع قرن.

ومع ذلك، لا يزال الشيوعيون ينظرون إلى ثورة أكتوبر، في مئويتها، على أنها الوهج الذي تأسس حزبهم في ظله، وباعتبارها تجربة لا يمكن تجاهلها، لا بل أن ثمة حاجة إلى استخلاص دروسها لتجاوز أزمة اليسار العربي عموماً.

يقول الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني حنا غريب، في حديث لوكالة "سبوتنيك" إن "ثورة أكتوبر هي أهم حدث في القرن الماضي، في العالم كله، بما أحدثته من تغييرات اقتصادية وسياسية واجتماعية، على مستوى الكرة الأرضية، وبما حققته من إنجازات لا تعد ولا تحصى لشعوب العالم المضطهدة، وللأحزاب اليسارية عموماً، والشيوعية بوجه خاص"، مشيراً، علاوة على ما سبق، إلى "دور الاتحاد السوفيتي في الحرب العالمية الثانية، ما يعني أنه لولا ثورة أكتوبر، لكانت الفاشية دمرت العالم".

ويضيف غريب أن "تلك الثورة قدّمت الكثير، فهي قدّمت، للمرة الأولى في تاريخ البشرية، أوّل تجربة جنينية للمجتمع الاشتراكي"، لافتاً إلى أن "هذه التجربة كان لها العديد من الإنجازات، مع أنها فشلت في نهاية المطاف"، لكنه يشدد على أن "المهم اليوم هو الاستفادة من دروس تلك التجربة، بصعودها وسقوطها، للنهوض من جديد، لمواصلة المعركة، خصوصاً أن العدوانية الأميركية ازدادت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وازدادت معها الحروب، إلى جانب مشاكل البشرية من فقر واضطهاد واستعمار المباشر لشعوب العالم".

ويرى غريب أن "ما يجري في العالم اليوم، يعيد التأكيد على أن الاشتراكية هي الحل، فيما الرأسمالية تزيد الاضطهاد والاستثمار والتمييز".

ويشير إلى أن"الذكرى المئوية لثورة أكتوبر، تتزامن بشكل كبير مع ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي اللبناني، الذي نشأ على وهجها، في موازاة حاجة موضوعية لشعبنا بنشوء حزب شيوعي".

ويشدد غريب على أن "استخلاص الدروس من تجربة ثورة أكتوبر، أمر بالغ الأهمية، لكي نواصل نضالنا، خصوصاً في ظل التطورات الخطيرة التي تشهدها منطقتنا العربية".

ويرى غريب أن "ثمة صراعاً كبيراً يجري اليوم على المستوى الدولي، بما يجعلنا أمام مرحلة انتقالية، ليست بالتأكيد مرحلة انتقال بين الرأسمالية والاشتراكية كما كان الأمر في السابق، ولكنها مرحلة انتقال من نظام القطب الواحد، الذي يتراجع، أمام تقدّم قوى صاعدة في العالم، تسعى إلى تأسيس نظام جديد متعدد الأقطاب بحد أدنى من الاستقلالية والتشارك في صنع القرارات الدولية، وهذا أمر نراه إيجابياً".

ويضيف "من الأهمية بمكان، أن نشهد هذا التحوّل، الذي يتبدّى اليوم، لوقف نظام الهيمنة الأميركية، الذي تتخذ فيه القرارات في الولايات المتحدة، وما على الدول الأخرى سوى تنفيذ تلك الأوامر".

ويوضح أن "ما يتضح اليوم أنّ ثمة مواجهة كبيرة تجري حالياً، وهي مستمرة برغم تعنت الولايات المتحدة في رفضها التنازل عن الدور الذي وضعته لنفسها للسيطرة على العالم".

ويقول الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني أن "ما يدفعنا أكثر إلى مزيد من التفاؤل، ونحن نحيي الذكرى المئوية لثورة أكتوبر، هو تصاعد أزمة الرأسمالية العالمية، فالجدير بالذكر أن رأس المال المعولم كان يسعى دائماً لحل أزمته عن طريق شن الحروب ضد شعوب العالم، والسيطرة على ثرواتها، وهو أمر يتكرر اليوم، ولكن مع فارق جديد، وهو الانقسام الذي بدأ يظهر داخل الولايات المتحدة نفسها، هو ليس انقساماً عادياً على مستوى صناع القرار، بل بات يشمل تحرّكات في الشارع ضد الخطاب الشعبوي والعنصري الذي يمثله دونالد ترامب في هذا المرحلة".

ويضيف غريب إلى ما سبق أن "ثمة مسافات بدأ الأوروبيون اتخاذها من السياسات الأميركية"، إلى جانب "المواجهة المستمرة في العالم العربي ضد تلك السياسات، والتي ازدادت حدّتها مع مجيء ترامب إلى الشرق الأوسط، وتأسيسه لذلك الحلف العسكري في قمة الرياض، والذي يستهدف تجديد المشروع الأميركي بأدوات جديدة، بعد الضربات التي تعرّض لها خلال السنوات الماضية".

انطلاقاً من ذلك، يبدي غريب اعتقاده أن المواجهة مع "الإمبريالية" في المرحلة المقبلة، ستكون أشدّ، خصوصاً "بعد انتقال المشروع الأميركي من الرهان على تقسيم المنطقة العربية مذهبياً، إلى اللعب على الوتر العرقي والإثني لمزيد من التقسيم والشرذمة، والدليل ما حدث مؤخراً في كردستان".

ويشير غريب إلى أن "الصراع ضد السياسات الأميركية، سواء على المستوى العالمي، أوفي المنطقة العربية، بات يشمل قوى دولية صاعدة مثل روسيا والصين وإيران، كما أن ثمة خلطاً للأوراق على مستوى حلفاء الولايات المتحدة، إن في الحلف الأطلسي، أو خارجه، والمقصود بذلك تركيا على وجه الخصوص، إلى جانب السعودية وباقي دول الخليج، وهو ما يدفعنا إلى القول إن الصراع مفتوح على كل الاحتمالات".

وإذ يرى غريب أن "كل الأطراف المنخرطة في الصراع الحالي على المنطقة العربية، تنطلق من أهداف ومصالح خاصة بها"، يشير إلى أن "أصحاب القضية انفسهم غائبين اليوم، والمقصود بذلك حركة التحرر العربية، التي ينبغي أن توحّد جهودها، في إطار هذه المعركة الشرسة، وذلك لكي لا تنتهي بتقاسم نفوذ على حساب مصالح الشعوب العربية".

ويشدد غريب في هذا السياق على "ضرورة تشكيل مشروع مقاومة عربي على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب الكفاح المسلّح، في ظل تصاعد التهديدات من قبل إسرائيل، ناهيك عن تواجد الأساطيل الغربية عند سواحلنا، وهو ما لا يمكن مواجهته بالموقف السياسي فحسب، وإنما بمقاومة فعالة على الأرض، وهو ما يفترض تحقيق مشروع الدولة المقاومة، لكي لا تقتصر المواجهة على الإطار الحزبي، بل تتحوّل إلى حالة وطنية شاملة".

ولكن يبقى السؤال حول إمكانية النهوض بالمشروع التحرري العربي، في ظل غياب الحاضنة الدولية، التي وفّرتها ثورة أكتوبر في مطلع القرن العشرين، من خلال خلق قوة دولية عظمى كالاتحاد السوفيتي، وهو ما يستتبع سؤالاً آخراً حول رهان اليساريين العرب، في مشروعهم التحرري على القوى الصاعدة دولياً، في القرن الحادي والعشرين، كما هي الحال بالنسبة إلى روسيا.

وفي هذا الإطار، يقول الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني إن "الكرة في ملعبنا أولاً، إذ يجب علينا أن نبلور المشروع، قبل الذهاب إلى الآخرين"، لافتاً إلى أن "توحّد قوى اليسار والتحرر أمر أساسي، وهذه القوى ليست قليلة، على مستوى العالم العربي، وهو ما أظهرته ثورات الشعوب العربية، وبالتالي فإنّ ثمة أولوية لبناء المشروع الشامل، النقيض للسياسة العدوانية الأميركية، بقيادة جذرية قادرة على الربط بين التحرير والتغيير، وهو ما لم يحدث في السابق، سواء خلال مرحلة سايكس-بيكو، أو في المراحل اللاحقة، مع البرجوازية الصغيرة، في مصر والعراق وسوريا، التي انتهى مشروعها بالفشل".

ويرى غريب أن "بلورة مانيفستو شيوعي عربي يجعل من الممكن تحقيق التعاون مع القوى الدولية، التي تتقاطع مع المشروع التحرري العربي في مواجهة السياسات الأميركية، وهو أمر ضروري، في مرحلة ما، فيد واحدة لا تصفّق، وثمة حاجة إلى التكامل على المستوى الدولي، خصوصاً في ما يتعلق بالجانب العسكري".

ولعلّ الرهان الشيوعي على النهوض بمشروع التحرر العربي، في ظل المتغيرات الدولية بعد مئة عام على ثورة أكتوبر، يدفع إلى التساؤل عمّا إذا العالم مهيأ اليوم إلى ثورة أخرى، لا تستنسخ التجربة الأساسية، ولكنها تشابهها في مفاعيلها، على النحو الذي يحقق التغيير الذي طالما سعت إليه القوى اليسارية في العالم العربي.

على هذا التساؤل، يجيب غريب أن "المرحلة الحالية أقرب إلى أن تكون مرحلة ثورات وطنية تحررية تفتح طريق الثورة الاشتراكية، وليس أكثر من ذلك، فالصراع لم يحسم على المستوى الدولي، بين نظام القطب الواحد والنظام المتعدد الأقطاب"، لافتاً إلى أن "ما يجري اليوم هو تجارب مقاومة على مستوى شعوب لحسم الصراع المذكور، في موازاة يسار جديد يتكوّن في أوروبا، خارج الإطار التقليدي، وخارج التكتلات السابقة".