2017-10-30

المسوغات الايديولوجية للإرهاب الصهيوني

نعيم ناصر

"الموت للعرب" عبارة تجدها مكتوبة على جدران بعض المساجد والبيوت في القرى والبلدات الفلسطينية المحاذية للمستوطنات في الضفة الغربية، وفي بعض القرى العربية في اسرائيل.  وأصبحت تتردد على السنة المتطرفين اليهود في أية تظاهرة ينظمونها في الدولة العبرية.  وهذه واحدة من التجليات العنصرية في الفكر الصهيوني.

ومظهر الكراهية للفلسطينيين، والدعوة إلى التخلص منهم كانت متداولة على ألسنة الزعماء الصهاينة، واصبحت اكثر تداولاً من قبل المتطرفين اليهود، بعد حرق وقتل الطفل محمد أبو خضير في القدس بتاريخ 2/7/2014 وحرق عائلة الدوابشة واستشهاد الأب والأم وطفلهما الرضيع وتشوه ابنهما الثالث في قرية دوما الواقعة في شمالي الضفة الغربية بتاريخ 31/7/2015.

وقد انتقلت عبارة "الموت للعرب" من أفواه المتطرفين اليهود الكبار إلى افواه الأطفال، كما أكد ذلك الكاتب الإسرائيلي "ياعيل باز" في أحد مقالاته. وليس هذا، فحسب، بل دخل ترديد العبارات العنصرية الموجهة للفلسطينيين ضمن أهازيج الأطفال اليهود في أثناء لعبهم وأخذت تتسلل إلى المناهج التربوية الإسرائيلية في المراحل الدراسية كافة إلى أن تكرست من قبل طواقم متخصصة من الخبراء والتربويين الإسرائيليين.

وفي غالبية كتب التدريس الإسرائيلية لا يزال اليهودي يوصف بأنه "جالب حضارة" والعربي هو "البدائي" و "المتخلف".  وتسعى كتب تدريس التاريخ العبرية - حسب الباحث الإسرائيلي د. ايلي فودا -  إلى انكار وجود الشعب الفلسطيني، ليس في فلسطين، فحسب، وإنما في دول العالم ايضاً. حتى الكتب التي صدرت في العقد الأخير من القرن العشرين لم تذكر عبارة "الشعب الفلسطيني" على الإطلاق، واستعيض عنها بعبارة "العرب في أرض إسرائيل"(1).

وتظهر فلسطين في كتب التاريخ العبري بلاداً صحراوية جاء اليها اليهود في أوائل القرن العشرين، ولم يكن يقطنها سوى أقلية من الرعاة العرب الذين يتصفون ب "الجبن" و "الخيانة" و "التخلف"، في حين تظهر الكتب نفسها اليهودي شجاعاً وذكياً وقادراً على استئصال الشرور(2).

وبدورها قالت المحاضرة الجامعية الإسرائيلية نوريت بيليد - الحنان في كتابها "فلسطين في الكتب المدرسية في إسرائيل": "إن الإنسان الفلسطيني يُختصر في كتب الجغرافيا والتاريخ واللغة والدراسات المدنية الإسرائيلية في صور عنصرية مشوهة .. فهو غائب في هذه الكتب، حتى ذاك الذي يعتبر مواطناً في إسرائيل وليس فقط اللآجئ الذي يسكن في الضفة الغربية وقطاع غزة".

وأضافت: "وإذا ظهر الفلسطيني في الصور فهو إرهابي بوجه مغطى (ملثم) أو عربي ينتمي إلى 22 دولة عربية (وليس لفلسطين) في ما ليس للإسرائيلي اي مكان آخر".

ورأت بيليد أن الكتب المدرسية الإسرائيلية "تركز على الفلسطينيين بوصفهم جماعة تشكل خطراً ديموغرافياً يتهدد الأغلبية اليهودية، لذا يجب التحكم بهم"(3).

وحسب بعض استطلاعات الرأي الإسرائيلية التي اجريت، مؤخراً، فإن نسبة العنصرية والكراهية للفلسطينيين والعرب أخذت ترتفع باضطراد في المجتمع الإسرائيلي.  وهذه الظاهرة لم تأت من فراغ، ولم تتسع بهذا الشكل لو لم يروّج لها زعماء الحركة الصهيونية والمسؤولون الإسرائيليون ورجال الدين اليهود المتطرفون، إضافة إلى التحريض من قبل بعض الكتّاب الإسرائليين ووسائل الإعلام العبرية المختلفة، مستندة في ذلك إلى الأسس الايديولوجية للصهيونية المستندة إلى تمجيد الذات اليهودية وكره الشعوب الأخرى، وخصوصاً الشعب الفلسطيني.  وما المجازر وعمليات القتل وتدمير البيوت ومصادرة الاراضي وقطع الطرق والتنكيل والإهانة والإذلال اليومي الذي يتعرض له أبناء الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة، إلا أحد تداعيات هذه الإيديولوجية المستلة من خرافات التاريخ و الماورائيات.

وبسبب الطبيعة العنصرية للصهيونية وما انتجته من ممارسات فاشية بحق الشعب الفلسطيني، قبل وبعد قيام إسرائيل، توصلت أغلبية دول العالم إلى قناعة أن الأساس الإيديولوجي لدولة إسرائيل، والمحرك لسياستها، وخصوصاً تجاه الشعب الفلسطيني، يستند إلى فلسفة عنصرية. وعليه أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في العاشر من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) عام1975  قرارها رقم 3379 باعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية، وصوت لصالحه وقتذاك 72 دولة وعارضته 35 دولة وامتنعت عن التصويت 32 دولة. وجاء في القرار المذكور أن العنصرية "عالميا غير صحيحة وتستنفر التوبيخ أخلاقيا، وهي غير عادلة إجتماعيا. إن التعاون الدولي والسلام يعتمدان على أن التحرر القومي والإستقلال وتصفية الكولونيالية، والكولونيالية الجديدة والإحتلال الأجنبي والصهيونية والابارتهايد والتفرقة العنصرية بأشكالها (...) ولهذا تدعو الجمعية العامة للأمم المتحدة جميع الأمم إلى مقاومة العنصرية والإمبريالية، وترى الصهيونية شكلاً عنصرياً وتقوم على التفرقة العنصرية"(4).

وفي تاريخ لاحق، وتأكيداً لقرارها السابق (3379) صادقت الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 14/12/1979 بأكثرية 106 أصوات، ومعارضة 11 صوتا، على قرار حمل رقم 13634 ادان الهيمنة.  واعتبر الصهيونية شكلا من اشكال الهيمنة.  وقد فسر القرار الهيمنة بأنها "سياسة دولة"، أو مجموعة من الدول، تقوم على التحكم بدول، أو بشعوب، أو بمناطق أخرى في العالم، سياسياً واقتصادياً وايديولوجياً، أو تقوم على السيطرة عليها واخضاعها" (5).

وانطلاقا من حقيقة أن من يتحكم بالمواقف والسياسات الدولية، وحتى بالجماعات وبالأفراد، هي المصالح، ونتيجة لإختلال موازين القوى لصالح الولايات المتحدة الأمريكية، بعد انهيار الإتحاد السوفياتي وحرب الخليج الثانية، وبفعل الضغوط الأمريكية اتخذت الجمعية العامة بتاريخ 16/12/1991 القرار رقم 8646 الغت بموجبه الحكم الوارد في القرار 3379 سالف الذكر، وخصوصاً ما يتعلق بدمغ الصهيونية بالعنصرية.  وما لفت الأنظار في حينه أن القرار صدر من دون حيثيات أو مناقشة، ومن دون الإستماع لوجهات النظر المخالفة أو إلى أي تفسير لمسوغات القرار السابق.  وصوت لصالح قرار الإلغاء 111 دولة، وعارضته 25 دولة، وامتنعت عن التصويت 13 دولة، من بينها سبع دول عربية(6).

إن تبرئة الصهيونية من العنصرية في القرار المذكور اعتبر سابقة خطيرة، وخروج سافر عن فلسفة وأهداف الأمم المتحدة، لأنه عني ببساطة إضفاء الشرعية على الجوهر العنصري للصهيونية، وعلى ممارسات إسرائيل التعسفية بحق المواطنين في الأرض الفلسطينية المحتلة، وتشجيع حكامها على الإمعان في التنكر لقرارات الشرعية الدولية التي تدعو دولة الإحتلال إلى الإنسحاب من الضفة الغربية وقطاع غزة، واحترام حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.

المسوغات الأيديولوجية للإرهاب الصهيوني

إن القناعة بممارسة العنف ضد الشعب الفلسطيني التي يؤمن بها زعماء إسرائيل، والتي تبرر لهم ارتكاب المجازر بحق أبنائه نابعة من الأيديولوجية الصهيونية التي يؤمنون بها، والتي وصفتها الأمم المتحدة، كما مر، شكلا من العنصرية ومن التمييز العنصري.  ومن هنا فإن الأساس الفكري المحرك للإرهاب الصهيوني يمكن تلمسه من خلال مبادئها الآتية:

تفوق ونقاء العنصر اليهودي:

تزعم الايديولوجية الصهيونية أن اليهود "أنقى جنس خلقه الله"، وان "وحدة الدم" و "أخوة الدم" و "نداء الدم" التي تبنى عليها هذه الايديولوجية هي التي "تميز اليهود عن غيرهم من الأجناس الأخرى"، وذلك على الرغم من أن علم الأجناس البشرية دحض هذا الفهم الغيبي، واعتبر اليهود كغيرهم من الأجناس الأخرى لا يرجعون في أصولهم إلى جنس واحد، كما أنه ليس في الطبيعة البشرية نمط عنصري محدد لليهود.  فاليهود العرب لديهم ملامح عربية، واليهود الأوروبيون لهم ملامح غربية، واليهود الأثيوبيون لهم ملامح أثيوبية .. وهكذا.  وإذا كان ثمة قواسم مشتركة بين بعض اليهود فهي ترجع إلى أسس اقتصادية واجتماعية ودينية، وإلى ظروف " الغيتوهات" التي عاش جزء كبير منهم فيها.

إن زعماء الدولة العبرية السابقين واللاحقين هم تلاميذ نجباء لأساتذتهم من أمثال هرتسل وماكس نوردو وآحاد هعام وجابوتنسكي وغيرهم من أعمدة الحركة الصهيونية وواضعي فلسفتها العنصرية.  وهؤلاء الزعماء لا يتركون مناسبة إلا ويعلنون فيها اخلاصهم للصهيونية وتمسكهم بمبادئها، التي تؤكد تفوق العنصر اليهودي على غيره من العناصر البشرية الأخرى.

إن مجاهرة بعض الزعماء الإسرائيلين السابقين بالألفاظ العنصرية مثل: "العرب حيوانات تدب على أربع" (بيغن)، و " العرب صراصير" (روفائيل ايتان)، و"العرب سرطان في جسم الدولة" (بن غال)، ووصف رئيس وزراء إسرائيل الأسبق اسحق رابين في حديث مع مجلة الأزمنة الحديثة الفرنسية (عدد شهر حزيران 1967) العربي بقوله: " أنه لا يقرأ ولا يتعلم ولا يفكر، ولا يحكم ولا يتخيل ولا يحارب .. حسبه أن يمتلك المال ليصرفه على رغباته الجنسية"(7).  وهذا ان دل على شيء فإنه يدل على مدى تشرب هؤلاء الزعماء المبادئ العنصرية الصهيونية والتزامهم بتطبيقها.

وسار على درب هؤلاء مسؤولون ووزراء في حكومة نتنياهو الحالية.  فكثيرة هي التصريحات العنصرية التي خرجت من أفواهم. وهنا بعض منها رصدها العديد من الكتاب الإسرائيليين التقدميين، ونشروها في مواقعهم الالكترونية: "موشي يعلون وزير الدفاع السابق، وصف الفلسطينيين بالسرطان ووعد بأنه قد يستأصله إذا فشل العلاج بالكيميائي.  أما الحاخام ايلي بن داهان، نائب وزير الدفاع الحالي، أفيدور ليبرمان ومسؤول الإدارة المدنية في الضفة الغربية، فشبة الفلسطينيين بالحيوانات، وقال إن ارواح اليهود دائماً في مرحلة أعلى من الأغيار. وطالبت ايليت شاكيد وزيرة العدل بقتل امهات الفلسطينيين لأنهن ينجبن أفاعي وليس بشراً"(8).

إن هذه الأقوال العنصرية بحق العرب، عموماً، والفلسطينيين، خصوصاً، ما هي إلا تعبير عن أسّ الأيديولوجية الصهيونية، كما صنفها مؤسسوها وكبار زعمائها، ومارسها السياسيون الإسرائيليون. فهرتسل، الأب الروحي للصهيونية، انطلق في صياغة مقومات الأيديولوجية الصهيونية، من قبول العنصرية بوصفها عاملاّ ايجابياً.  ولهذا اتخذ منها موقفاً متساهلاً ومتسامحاً وكتب: "سلامنا ورفاهنا يضعفاننا بوصفنا يهوداً، ويطمسان عزلتنا.  فقط الضغط يبقينا ملتصقين بعرقنا (اليهودي) القديم .. فقط كره ما حولنا يجعلنا غرباء مره أخرى" (كتاب هرتسل، المجلد الأول بالعبرية ص 32) (9)

أما الزعيم الصهيوني ليوبنسكر، الذي سبق هرتسل في استخدام العنصرية لتأكيد تفوق اليهود عن غيرهم من الأجناس الأخرى، فقال: "إن افضلية اليهود في أن ينهضوا كأمة على قوميات أخرى تعود إلى انهم لعبوا دوراً أهمّ من الشعوب في حياة الأمم المتحضرة، ولهذا استحقوا أكثر من الإنسانية".  وأضاف من أجل اثبات مقومات "الأمة اليهودية": "إنهم - أي اليهود - ذوو ماض تاريخي وسلالة مشتركة غير ممزوجة عنصريا، ونشاط لا يمكن تدميره" ("الفكرة الصهيونية"، آرثر هرتسبوغ بالإنجليزية ص180)(10).

وهذا التأكيد على النقاء العنصري نجده في كتابات الزعيم الصهيوني ناحوم سوكولوف الذي خلف هرتسل في رئاسة الحركة الصهيونية العالمية .. فجواباً عن سؤال فيما إذا كان اليهود أنقياء عنصرياً كتب قائلاً: "إن النقاء (العنصري - العرقي) المطلق غير موجود، ولكن من المؤكد أن اليهود، نسبياً، أنقى عرق بين الأمم المتحضرة". (كتاب "تاريخ الصهيونية 1600 - 1918 بالإنجليزية ص189)(11).

وقد عززت هذه الفلسفة العنصرية الإيمان لدى الزعماء الإسرائيليين بفرادة "الشعب اليهودي" وتفوقه على سائر الشعوب والأمم. وفي هذا الإطار قال ناحوم غولدمان، الذي شغل لسنوات طويلة منصب رئاسة المؤتمر اليهودي العالمي في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، في خطاب له أمام اجتماع اللجنة التنفيذية للحركة الصهيونية الذي عقد في القدس الغربية في الفترة من 16- 23/3/1964: "إن الشعب اليهودي هو شخصية تاريخية  فريدة من نوعها .. انه شعب وديانة وعرق، وحامل مدنية خاصة، ولا يستطيع أي تعريف من التعاريف غير اليهودية ل "شعب"

  ل "امة"، ل "ديانة" أن يحدد بدقة هذه الظاهرة الخاصة التي تسمى الشعب اليهودي في التاريخ .. (هذا الشعب) الذي تميزه ثلاثة أسس: كونه شعباً عالميا .. كونه مرتبطاً بأرض إسرائيل، وكونه من ناحية تاريخية عامة، أشدّ الفرق في عدم تماثلها في تاريخ العالم .."(12).

و ل "بن غوريون" أول رئيس لحكومة إسرائيل بعد قيامها عام 1948، اسهامات في هذا "البازار" العنصري، فكان كثيراً ما يردد في خطبه وتصريحاته مفردات ومصطلحات مثل "الشعب الإسرائيلي فريد ومصطفى بين الشعوب".  ولعل ابرز ما كتبه في هذا الشأن كان عام 1944 في مقال حمل عنوان: "متطلبات الثورة" جاء فيه "إن ما يميز الثورة اليهودية المعاصرة بقيادة الصهيونية، انها ليست ثورة ضد نظام، فحسب، ولكنها ضد القدر .. ضد قدر فريد لشعب فريد".  وأضاف: "لا يوجد في تاريخ أية أمة ما يوازي مصير اليهود الفريد من نوعه .. كانت امتنا امة صغيرة لها روح عظيمة، وشعبنا كان يؤمن بأن عليه أن يؤدي رسالته الرائدة للعالم أجمع، تلك الرسالة التي بشر بها جميع انبياء اسرائيل.  وقد أعطى هذا الشعب للعالم حقائق ووصايا أزلية أخلاقية عظيمة"(13).

ولم تقتصر هذه التفوهات العنصرية على الزعماء السياسيين الصهاينة، بل تعدتهم إلى رجال الدين اليهود المتطرفين وهم كثر. ونستشهد في هذا الصدد بما قاله رابي الجيش الإسرائيلي الرئيسي في أوائل سنوات السبعينات من القرن الماضي، مردخاي بيرون في مقال نشره في جريدة "يديعوت احرنوت" الإسرائيلية حمل عنوان: "تفوق إسرائيل الروحي": "أنه نتيجة الإختيار في عملية تطوير الإنسانية اصبح شعب إسرائيل الوحيد بين جميع أمم العالم الموهوب باللياقة البيولوجية والميتافيزيقية الفريدة.  وهذا مكنه من الارتفاع فوق النسيج الطبيعي العامل في العالم، ومن الارتقاء إلى أعلى مرحلة في تحقيق التماثل مع الألوهية"(14).

وقال الحاخام مناحيم شنيؤورسن: "الجسد اليهودي يختلف كلياً عن أجساد بقية الشعوب .. وما يصح على الجسد يصح كذلك على النفس والروح، إذ أن اصل أرواح الشعوب هو من طبقات النجاسة، بينما أصل روح بني إسرائيل من الروح القدس ذاتها"(15).

إن هذا الفكر العنصري الذي آمن ويؤمن به الزعماء الصهاينة، قديماً وحديثاً، هو الفكر نفسه الذي آمن به الفاشيون الألمان الذين ادعوا أن الجنس الآري هو أرقى الأجناس البشرية، وبناء عليه نصت المادة الرابعة من برنامج الحزب النازي الألماني على أن "المواطن هو فقط من ينتمي إلى الجنس الألماني ومن تجري في عروقه الدماء الألمانية"(16).  وهنا يجدر التذكير بأنه استناداً إلى هذا الفكر الفاشي أباد النازيون الألمان ملايين البشر، خلال الحرب العالمية الثانية، من اليهود والغجر وغيرهما من الشعوب في القارة الأوروبية.

العداء للسامية:

يرتكز هذا المبدأ - حسب الزعماء الصهاينة - على فكرة أن العداء للسامية (ويقصد به العداء لليهود) أزلي يقبع في أعماق اللاوعي الإنساني وفي التكوين النفسي للأشخاص غير اليهود، وذلك لكون اليهود "أنقياء الدم" ومن "عرق سام"، الأمر الذي أثار حقد الشعوب الأخرى عليهم.

وقد تعرض الكثير من اليهود في أوروبا، نتيجة لهذا المبدأ الصهيوني، للعديد من المذابح وحال بينهم وبين الاندماج في شعوب البلدان التي عاشوا بين ظهرانيها.  وهو الأمر الذي سعى لتحقيقه الزعماء الصهاينه لإحكام سيطرتهم على يهود العالم وتسخيرهم لخدمة أغراضهم السياسية.

ويعود ظهور مصطلح "معاداة السامية" إلى ثمانينيات القرن التاسع عشر. وقد فنّد علماء الاجتماع الماديون هذا المبدأ المثالي، وأكدوا من خلال المعطيات المادية والشواهد أن "معاداة السامية" ارتبطت منذ ظهورها بالمجتمعات الطبقية، وهي أحد أشكال الإضطهاد القومي والعنصري التي استخدمها الإستعماريون لكبح نضالات الشعوب الطامحة الى الحرية والاستقلال، وبخاصة في قارتي آسيا وافريقيا.  وما زالت الإمبريالية تستخدم مثل هكذا مفاهيم بشكل واسع في وقتنا الحاضر لتأجيج الصراعات القومية والإثنية والدينية بين شعوب العالم وبخاصة شعوب العالم الثالث لمواصلة نهب خيراتها.

وقد استغل الزعماء الصهاينة "معاداة السامية" استغلالاً كبيراً لتحقيق حلمهم الإستعماري في استيطان فلسطين، وتعاونوا في سبيل ذلك مع القوى الإستعمارية (العنصرية) التي ارتكبت المجازر بحق يهود أوروبا، ضاربين عرض الحائط بـ "مثلهم السامية" التي تدّعي الحرص على اليهود وحمايتهم وتوفير الأمان لهم.

وفي هذا السياق صرح حاييم لنداو، وهو عضو كنيست إسرائيلي سابق ووزير في حكومة بيغن في العام 1978، لصحيفة معاريف الإسرائيلية أن "الوكالة اليهودية كانت تعلم عن حقيقة ابادة اليهود (اثناء الحرب العالمية الثانية) عام 1942.  وبالرغم من أن أبعاد هذه الإبادة لم تكن معلومة، إلا أن هذه الحقيقة كانت معروفة لقيادة الوكالة اليهودية، وللأوساط اليهودية في الولايات المتحدة الأمريكية، وتتلخص في أنهم لم يلتزموا الصمت، فحسب، بل وصمتوا عمداً، وأخفوا ما يعلمونه" (17).

ولم يكتف الزعماء الصهاينة بذلك، بل عملوا على تشجيع العداء للسامية والترهيب بها.  فهرتسل أطلق على هذه الظاهرة اسم "حركة مفيدة لتطور الشخصية اليهودية".  وفي هذا السياق كتب في مذكراته ما يلي: "لقد اصبحت في باريس أنظر بشكل اوسع الى العداء للسامية الذي ابدأ الآن في تفهمه من وجهة النظر التاريخية وأصفح عنه.  والأكثر من ذلك اعترف بعدم جدوى وبطلان النضال ضد العداء للسامية"(18).

وقال الكاتب والمسرحي الإسرائيلي ابراهام يشوع، إن بعض القادة الصهاينة رحبوا بمظاهر اللاسامية، واختصر رأي هؤلاء على لسانهم  بقوله: "إن اللاسامية (اضطهاد اليهود) ليست سيئة أساساً.  فبدون الإضطهادات، وبدون المذابح، وبدون الغيتوات هل من الممكن أن تكون وحدة يهودية؟ أما كان اليهود يندمجون (في غيابها) مع سائر الأمم؟ هل كانوا يتحولون نحو الصهيونية وإلى أرض إسرائيل؟  لقد ساعدتنا اللاسامية"(19).

وعندما كانت تنخفض معدلات الهجرة إلى فلسطين، لسبب أو لآخر، لم يتوان الزعماء الصهاينة أنفسهم عن استخدام العنف ضد اليهود لحملهم على الهجرة.  وقد اعترف بهذا صراحة بن غوريون بقوله: "أنا لا أخجل من الإعتراف بأنه لو كانت سلطتي تعادل رغباتي لاخترت عدداً من الشباب المخلص لقضيتنا وامرتهم بالتنكر والتظاهر بأنهم من غير اليهود، وملاحقة اليهود بطرق العداء للسامية الفظة .. عند ذلك ستفوق النتائج التي يحصل عليها مبعوثونا، الذين يلقون، منذ عشرات السنين، مواعظهم أمام الصم"(20).  وقد ترجم بن غوريون رغباته هذه إلى أفعال مادية على أرض الواقع حيث أمر بإغراق الباخرة الفرنسية ""باتريا" في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 1940 بركابها اليهود المهاجرين إلى فلسطين، الذين بلغ عددهم 1800 مهاجر، ما أدى الى مقتل 260 شخصاً منهم، وجرح 172 شخصاً، احتجاجاً على عدم سماح السلطات البريطانية لها بالرسو في ميناء حيفا.  ولم يكتف بن غوريون بذلك، بل أوعز لجهاز الأمن الإسرائيلي، في أوائل الخمسينات من القرن الماضي، عندما كان رئيساً للوزراء، بزرع القنابل في الأحياء والمصالح اليهودية في بغداد، أدى انفجارها الى مصرع عدد من اليهود العراقيين ونشر الرعب بينهم،  وذلك من أجل دفعهم الى الهجرة إلى فلسطين.

ولكن أياً من الفئات اليهودية التي يفضل الزعماء الصهاينة هجرتها إلى فلسطين؟ أجاب عن هذا السؤال حاييم وازمان، رئيس الحركة الصهيونية العالمية في الفترة الممتدة من عام 1920 وحتى العام 1964، وأول رئيس لدولة إسرائيل عام 1949 بقوله: "سيزول كبار السن .. فهم مجرد غبار .. غبار اقتصادي ومعنوي لهذا العالم الكبير .. وسيبقى الفرق فقط (الشباب)"(21).

المفاهيم التوراتية:

استندت الايديولوجية الصهيونية على بعض المفاهيم التوراتية من أجل تعبئة اليهود بالأفكار الشوفينية والعنصرية ضد الشعوب الأخرى، وبخاصة ضد الشعب الفلسطيني، على الرغم من أن الزعماء الصهاينة في أغلبيتهم كانوا لا دينيين ولا يؤمنون بالتوراة، وانما اتخذوها سندا لدعم مشروعهم السياسي القائم على اقامة دولة يهودية في أرض فلسطين.  وبذل هؤلاء الزعماء قصارى جهودهم لاقناع العديد من الحاخامات اليهود للترويج لمشروعهم سالف الذكر.  وقد نجحوا باقناع الكثيرين منهم بتبني الفكر الصهيوني ونشره بين أوساط اليهود، هادفين إلى تضليلهم ودفعهم إلى الإيمان بالمبادئ الصهيونية، مصورين لهم أن خلاص الديانة اليهودية يكمن في الصهيونية، وسعوا إلى تحريض اليهود ضد الفلسطينيين وإصدار الفتاوي التي تسمح باقتلاعهم من وطنهم بشتى الطرق.  وقد برز من بين هؤلاء الحاخامات، الحاخام ابراهام افيدام، حاخام الجيش الإسرائيلي السابق.  وكتب في هذا السياق قائلاً: "إنه في وقت الحرب، بحسب القانون الديني اليهودي، يجب على الجنود الإسرائيليين قتل أعدائهم المدنيين ذوي السلوك الجيد.  فقد قيل: "أقتل النخبة من غير اليهود، ويجب أن لا يوثق بغير اليهودي، وحتى الأشخاص الذين لا يؤذون جنودنا، لأنهم بلا ريب سيحاولون أذيتهم في مراحل أخرى من القتال، إما بتزويد العدو بالامدادات أو بالمعلومات".

وأضاف: "إذا صادفت قواتنا المدنيين، سواء في الحرب، أو خلال المطاردة، فهؤلاء بحسب القانون اليهودي، يجب أن يقتلوا لأنه من غير الممكن التأكد من أن هؤلاء عاجزون عن ردّ الضربة لنا.  ولكن بما أنه يجب عدم الوثوق بالعربي، في أي حال من الأحوال، فهذا يعني أنه من غير الممكن التأكد من أن هذا العربي لا يقوم برد الضربة ام لا، وبالتالي هناك طريقة واحد للتعامل معه ألا وهي قتله"(22).

أما الحاخام موشي بن زيون شيبيزاي، الذي شغل وظيفة حاخام مستعمرة "رامات جان" فكان أكثر صراحة من الحاخام افيدام في الدعوة إلى قتل الفلسطينيين.  وقد أصدر كتيباً في هذا الشأن ملأه بالدعوات إلى إبادة "الإرهابيين" ويقصد الفلسطينيين.  وقد تساءَل هذا الحاخام عن ما هية الظروف والأساليب التي ينبغي اتباعها لإبادة هؤلاء "الإرهابيين"، وعن كيفية القضاء على هذا الطاعون.

وفي معرض إجابته عن هذا التساؤل قال: "إن اليائسين بيننا يهزون أكتافهم بلا مبالاة، ولا يجيبون عن هذا التساؤل.  ولكن التوراة تجيب عنها بكل وضوح .. إنها تدعو إلى قتل الإرهابيين الذين يقتلون النساء والأطفال، ويزرعون الخراب والفوضى بيننا، وترحيل الفلسطينيين الذين لا يطيقون الحياة مع الإسرائيليين والذين يتآمرون لتدميرنا لا سمح الله"(23).

ومن الإنصاف أن نذكر في هذا المقام أن هناك العديد من الحاخامات اليهود رفضوا المبادئ الصهيونية ونبذوها.  وقد شكا أبرز مؤسسي الحركة الصهيونية، هرتسل ونورداو، في المؤتمر الصهيوني الثالث الذي عقد في بازل بسويسرا في عام 1899 من أن ملايين اليهود المتدينين لا يعرفون، ولا يريدون معرفة أي شيئ عن الصهيونية.  ورفضت الغالبية الساحقة منهم الرحيل عن البلاد التي ولدوا وعاشوا فيها والانتقال إلى فلسطين.

وتنطلق معاداة هؤلاء المتدينين اليهود للصهيونية ولمشروعها في إقامة الدولة العبرية، إلى مفاهيم توراتية تقول إن فكرة إقامة دولة لليهود دون انتظار "المخلص" يتناقض مع ما جاء به التلمود الذي نص على أن الرب هو ذاته الذي سيجمع اليهود في دولة واحدة يوما ما.  وقد بلغ الأمر ببعض الحاخاميين اليهود أن حرّموا على قادة الحركة الصهيونية في أول نشأتها دخول الكنس للتعبد، ودعوا اليهود المتدينين إلى مقاطعتهم التامة كون ايديولوجيتهم "غير اليهودية تلحق الضرر بعقيدتنا المقدسة، وتهدم أسسها وان التوراة تحرم الصهيونية"(24).  ولا زال كثير من اليهود يرون أن إسرائيل ليست هي الأرض المقدسة التي وعد بها الله اليهود، ويعتقدون أن "المخلص" سيفتح لهم أبواب أرض الميعاد الحقيقية.  وليست هذه المفاهيم التوراتية بجديدة على اليهود المتدينين، وانما هي امتداد لمفاهيم متوارثة آمن بها من كانوا يسمون ب "اليهود الإصلاحيون"، حيث أسقطوا من صلاتهم الشعائر التي تدعو إلى عودة اليهود إلى فلسطين، ورفضو أعتبار اليهود أمة، كما تريدهم الصهيونية، بل طائفة دينية.  وقد فسروا مهمة "المخلص" بأنها تستهدف تحرير الناس قاطبة من النقائص، وتعميم السعادة في الأرض، وليس إعادة احياء المملكة اليهودية القديمة.

وفي هذا الشأن كتب الحاخام أولمربيرجر، زعيم اللجنة اليهودية الأمريكية المناهضة للصهيونية في إحدى مقالاته: "نحن لا نعترف بالصهيونية، وليس لنا، كما لا يجب أن تكون لنا، أية واجبات، ولا حقوق قومية إزاء مواطني إسرائيل".  وأضاف: "بالنسبة لليهود المعاديين للصهيونية تعتبر إسرائيل دول أجنبية تماما، كما هي بالنسبة للأمريكيين المعادين للصهيونية على اختلاف معتقداتهم"(25).

وقال الحاخام الأمريكي حاييم بلاو في مقال كتبه في مجلة "نيويورك تايم" الأمريكية، الصادرة بتاريخ 11/3/1971: "ليس للسياسيين الصهاينة حق التكلم باسم الشعب اليهودي (...) فالأعمال الراهنة للصهيونية جعلتها عدواً لدوداً للشعب اليهودي"(26).

وبدوره قال كبير حاخامات فيينا، موسى فريدمان في أثناء زيارته لمخيمي صبرا وشاتيلا، ووضعه اكليلاً من الزهور على النصب التذكاري لضحايا مجزرة هذين المخيمين المقام على مدخل مخيم شاتيلا في الذكرى الخامسة والثلاثين على وقوعها: "كنت أتطلع لهذه الزيارة منذ وقت طويل وأشعر بالخجل وتأنيباً للضمير للفظائع التي تم ارتكابها وذبح المدنيين. فباسمي وباسم الديانة اليهودية، ومن واجبي الأخلاقي والديني كيهودي التعبير عن ادانتي لهذه الفظائع، وأن أعبر عن تضامني مع الضحايا"، مضيفاً أنه كرجل وداعية للسلام والحوار بين الأديان يعارض المشروع الصهيوني الاستعماري الذي تقوده الحركة الصهيونية باسم الدين اليهودي، وقامت من خلاله بسرقة أرض الفلسطينيين وطردهم من بيوتهم باسم اليهودية. ودعا المجتمع الدولي إلى دعم مقاومة الشعب الفلسطيني ودعم حقوقه المشروعة.(27)

وتنشط في إسرائيل في الوقت الراهن وفي الولايات المتحدة الأمريكية حركة دينية معادية للصهيونية تدعى "ناطوري كارتا" (حارس الأرض).  ومن ضمن مبادئها ترى الحركة أن إقامة دولة يهودية علمانية في فلسطين ضرب من الإلحاد ومعصية الخالق.  ولهذا لم تعترف الحركة بدولة إسرائيل، وعارضت سيطرتها على القدس الشرقية.  كما حرّمت على أعضائها قبول الهوية الإسرائيلية، أو الإنتخاب والترشيح للمجالس البلدية أو البرلمانية.

ولم تقتصر معاداة الصهيونية ومبادئها على ما تقدم ذكرهم، بل شملت يهوداً علمانيين مشبعين بقناعات تقدمية وانسانية، وذلك بسبب تبني الحركة الصهيونية لأيديولوجية رجعية عنصرية، وبسبب الجرائم التي ارتكبتها وترتكبها اسرائيل بحق الشعب الفلسطيني، حيث أدرك كثير من هؤلاء، وفي مقدمتهم عالم الفيزياء الشهير البرت أينشتين، والبرفسور إسرائيل شاحاك، وعالم الإجتماع جورج تامرين وعالم اللغة تشومسكي، والمستشرق مكسيم رودنسن، والكاتب ايلان بابيه، والصحافيان الإسرائيليان جدعون ليفي وعميره هاس وغيرهم، أن إسرائيل لم تعد الدولة الضعيفة المهددة من قبل جيرانها العرب، وهو ما اشار اليه المؤرخ البريطاني ارولند تونبي بقوله: "إن الناس يصلون إلى الوعي بحقيقة أن إسرائيل ليست الدولة الصغيرة المهانة المفتقرة إلى الحماية، بل هي دولة عنيدة متكبرة ذات تطلعات توسعية، وتمثل خطورة على السلام"(28).

لقد اصبحت الإنتقادات الموجهه إلى الصهيونية داخل الدولة العبرية ظاهرة ملموسة، وهو ما نطالعه في برامج وأنشطة بعض الأحزاب الديمقراطية والجمعيات الإنسانية والحقوقية.  كما يزداد عدد الشخصيات الأكاديمية والثقافية والأدبية المعادية للنهج الصهيوني، يوماً بعد يوم في اسرائيل، وفي العديد من الدول، وبخاصة في القارتين الأوروبية والأمريكية، وينشطون في شكل بارز لفضح ممارسات إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني.  ومع أهمية هذه الأصوات، إلا أنها ما زالت محدودة، وبخاصة داخل دولة إسرائيل.

"أرض الميعاد":

تعبتر فلسطين أهم مبدأ يسعى إليه الزعماء الصهاينة لتنفيذ أطماعهم فيها، ويزعمون أن اليهود متعلقون بأرض الميعاد (فلسطين) منذ آلاف السنين، انطلاقا من "نبوءة" التوراة التي وعدتهم بذلك.  وبناء على هذا الأمر، وبحسب ما جاء في الأدبيات الصهيونية، سيعمل الزعماء الصهاينة كل ما في وسعهم، وسيستخدمون كافة الأساليب من أجل تجميع اليهود في "أرض الميعاد".  وصور هؤلاء الشعب الفلسطيني بأنه دخيل على "وطن" اليهود و "غازٍ" له، وبالتالي لا بد من تطهيره عرقياً ليتسنى لليهود التمتع بوطنهم.  وفي هذا الشأن كتب هرتزل: "فلنفترض أننا أجبرنا على أن نخلي بلداً من الوحوش، فإن من الواجب ألاّ نقوم بهذا العمل وفقاً لأسلوب الأوروبيين في القرن الخامس، كأن نأخذ الرمح ونذهب كلاً على حده للبحث عن الدببة، بل يجب علينا تنظيم حملة صيد كبيرة ومن ثم تجميع الحيوانات كلها معأ، والقاء القنابل المميتة وسطها"(29).

ووصف آحاد هاعام، وهو أحد كبار الزعماء الصهاينة، في مقال كتبه تحت عنوان: "الحقيقة من فلسطين" في وقت مبكر (1895) معنى الممارسة الصهيونية، فقال: "نعتقد أن العرب متوحشون يعيشون كالحيوانات، ولا يفهمون ما يجري حولهم .. إنهم (الصهيونيون) يعاملون العرب بعداء وقوة ويجردونهم من حقوقهم، ويسيئون لهم بدون سبب حتى يتفاخروا بهذه الأعمال، وليس بيننا من يعارض هذه الميول الإستخفافية الخطيرة"(30).

وعبر الأديب الصهيوني بيير بورخوف، مرشد ما يسمى بالصهيونيين الإشتراكيين عن رأيه بسكان فلسطين والعرب فقال: "إنهم بلا ثقافة ويفتقرون إلى الملامح القومية، وهم بسهولة وبسرعة يتطبعون بأية ثقافة واردة عليهم إذا كانت أعلى من ثقافتهم. إنهم لا يستطيعون أن يتوحدوا في مقاومة التأثيرات الخارجية بصورة منظمة، وليسوا قادرين على المنافسة القومية" (كتابه "حول مسألة صهيون والإقليم"ص282)(31).

وقال ابن غوريون: "ليس في بلادنا مكان إلا لليهود.  إننا سنقول للعرب ابتعدوا، فإذا لم يوافقوا وقاوموا فسنبعدهم بالقوة .. إن العرب شعب متخلف وغير جدير بالثقة، وأن العربي لا يفهم سوى لغة القوة"(32).

ورغم تمسك الشعب الفلسطيني بوطنه على امتداد آلاف السنين، إلا أن حاييم وايزمان كان يصر على خلو فلسطين من السكان العرب، ويقول: "هناك بلد اسمه فلسطين، وهو بدون شعب، وهناك من جهة أخرى الشعب اليهودي، وهو بدون أرض، إذن من الضروري والجوهري أن توضع الجوهرة في الخاتم"(33).

وفي السياق ذاته قالت غولدا مائيير، رئيسة وزراء إسرائيل السابقة: "لا يوجد هناك (في فلسطين) شيء اسمه الفلسطينيون، أو شعب اسمه الشعب الفلسطيني .. ثم جئنا نحن وطرناهم واخذنا بلدهم .. لم يكن لهم وجود"(34).

وقال مناحيم بيغن، رئيس وزراء إسرائيل السابق: "يجب أن نحارب وان نكمل قتالنا.  إن بلادنا (فلسطين) المعطاة لنا من الرب هي وحدة لا تتجزأ".  وأضاف: "علينا أن نكره ونحارب .. ولولا انتصارنا في دير ياسين (مذبحة دير ياسين سنة 1948) ما كانت لتقوم دولة إسرائيل" وطلب من الجنود الإسرائيليين ألا يكونوا رؤوفين عندما يقتلون عدوهم العربي .. "عليكم ألا تشفقوا عليه ما دمنا لم نقضي بعد على الحضارة العربية التي سنبني على انقاضها حضارتنا"(35).

أما وزير الحرب الإسرائيلي السابق موشيه ديان، فقال في حديث لصحيفة " جيروزاليم بوست" الإسرائيلية أجري بتاريخ 10/8/1967: "إذا كنا نملك التوراة، وإذا ما اعتبرنا انفسنا شعب التوراة وجب علينا امتلاك الأراضي التوراتية .. أراضي القضاة والحكماء .. أرض القدس والخليل واريحا وغيرها من الأماكن.  وعلى الدول الأجنبية أن تفهم أن سيناء ومرتفعات الجولان ومضائق تيران وجبال غرب الأردن، وبغض النظر عن أهميتها الإستراتيجية هي في قلب التاريخ اليهودي"(36).

وكان دايان طالب في وقت سابق من حكومته "أن تخيّر من بقي من الفلسطينيين على قيد الحياة بين الرحيل، وبين أن يواصلوا حياتهم مثل الكلاب في إسرائيل"(37).  وكتب رئيس وزراء إسرائيل الحالي بنيامين نتنياهو في كتابه: "اختلاق إسرائيل القديمة" قائلا: " إن العرب خلقوا بالاكاذيب شعباً فلسطينياً جديداً في الضفة والقطاع، وهذا يعني أن لا وجود لشعب فلسطيني حتى في الضفة أو في القطاع"(38).

ورغم "تواضع" رئيس قسم الفلسفة الأسبق في الجامعة العبرية في القدس برميا هويوفال واعترافه بوجود الشعب الفلسطيني، إلا أنه قال: "إن القول بعدم وجود فلسطينيين يعني أنه على الرغم من وجود هؤلاء، فيجب إعتبارهم وكأنهم غير موجودين، والنظر إليهم على انهم ليسو بشراً"(39).

وبعد:

لقد جسدت الحركة الصهيونية مبادئها العنصرية على أرض الواقع بإقامة دولة إسرائيل بعد أن شردت الغالبية العظمى من الشعب الفلسطيني من وطنه فلسطين، ومعاملة من بقي منه معاملة عنصرية، حيث حرمت الكثيرين من حقوقهم المدنية والثقافية والإجتماعية.  وفي الوقت نفسه الذي تنكرت فيه إسرائيل لقرارات الأمم المتحدة التي دعت إلى عودة اللآجئين الفلسطينيين إلى وطنهم، وتعويض من لا يرغب في العودة ، اقرت بتاريخ 5/7/1950 "قانون العودة" الذي يمنح حق المواطنة في إسرائيل لكل يهود العالم.  وقد ثبّت هذا القرار في قانون الجنسية الإسرائيلية الصادر بتاريخ 1/4/1952.

وتجسدت تلك المبادئ، كذلك، في احتلال ما تبقى من فلسطين (الضفة الغربية وقطاع غزة) في العام 1967، واحتلال اراضٍ عربية أخرى، ما زالت تحتفظ ببعضها حتى الآن، وترفض الإنسحاب منها، رغم القرارات العديدة التي صدرت بذلك من الأمم المتحدة.

اما الممارسات اللا إنسانية والعنصرية بحق المواطنين الفلسطينيين والعرب فحدث بلا حرج، وهي مادة إعلامية متناولة باستمرار في وسائل الإعلام المختلفة، حتى وقتنا الحاضر.  وسيبقى زعماء إسرائيل مخلصين لعنصريتهم الصهيونية، مهما ادّعوا بأنهم رسل الحضارة الغربية في منطقة الشرق الأوسط.

المراجع:

  1. ناصر، نعيم، قراءة في كتاب الأكاديمية الإسرائيلية نورات بيليد - الحنان "فلسطين في الكتب المدرسية في إسرائيل"، مجلة "شؤون فلسطينية" رام الله، العدد: 252.
  2. المصدر نفسه.
  3. المصدر نفسه.
  4. ناصر، نعيم مقال "على هامش قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بإلغاء دمغ الصهيونيى بالعنصرية"، مجلة "صوت الوطن" العدد: 29 (كانون الثاني) 1991، التي صدرت في قبرص في أوخر الثمانينات من القرن الماضي وتوقفت في أوائل التسعينات.
  5. المصدر نفسه.
  6. المصدر نفسه.
  7. سليمان، علي كتاب "العنف في الأدب الصهيوني"، منشورات الهيئة السورية للكتاب، وزارة الثقافة، دمشق 2011، الفصل الآول، ص 16.
  8. الحروب،خالد "البرلمان الأردني والعرب وقوانين اسرائيل العنصرية "جريدة القدس المقدسية، 14/8/2017.
  9. توما، اميل، كتاب "الصهيونية المعاصرة" الدار العربية للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، ص62.
  10. المصدر نفسه، ص 62.
  11. المصدر نفسه، ص 63.
  12. المصدر نفسه، ص 63.
  13. المصدر نفسه، ص 64.
  14. جريدة "يديعوت أحرنوت" الإسرائيلية، 23/4/1973.
  15. "العنف في الأدب الإسرائيلي" مصدر سبق ذكره، ص 61.
  16. مجموعة من الكتاب السوفييت، كتاب "الجوهر الرجعي للصهيونية" إصدار: دار التقدم، موسكو، 1975، ص73.
  17. المصدر نفسه، ص 67.
  18. المصدر نفسه.
  19. جريدة "كول عاهام" الإسرائيلية، 10/3/1963.
  20. "الجوهر الرجعي للصهيونية، مصدر سبق ذكره، ص 69.
  21. المصدر نفسه.
  22. شاحاك، إسرائيل كتاب "حقيقة بيغن وشركاه" منشورات مجلة فلسطين المحتلة، ص 132.
  23. المصدر نفسه، ص 142.
  24. "الجوهر الرجعي للصهيونية" مصدر سبق ذكره، ص 38.
  25. المصدر نفسه ص 38.
  26. المصدر نفسه، ص 39.
  27. جريدة القدس المقدسية 27/9/2017.
  28. "الجوهر الرجعي للصهيونية" مصدر سبق ذكره، ص 18.
  29. المصدر نفسه، ص 23.
  30. جريدة الإتحاد" الحيفاوية، 28/4/1982.
  31. توما، اميل "منابت العنصرية في الصهيونية"، مجلة الجديد، حيفا، 2/3/ 1980.
  32. "العنف في الأدب الصهيوني" مصدر سبق ذكره ص 22.
  33. المصدر نفسه، ص 24.
  34. المصدر نفسه، ص 24.
  35. المصدر نفسه، ص 46.
  36. المصدر نفسه، ص 60.
  37. المصدر نفسه، ص 63.
  38. المصدر نفسه، ص 25.
  39. المصدر نفسه ص 25.