2017-10-23

ملف: الذكرى المئوية لإنطلاق ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى

تمر على البشرية جمعاء الذكرى المئوية لإنطلاق ثورة أكتوبر الاشتراكية 1917 في روسيا، الثورة التي غيرت موازين القوى في العالم وبدأت بتغيير وجه العالم وإعادة بناء الحياة الجديدة للإنسان من منظور تاريخي مغاير لمنطق ورؤية البرجوازية وسلطتها وثقافتها وفكرها وممارساتها

ومنذ تفجر ثورة أكتوبر الاشتراكية، شهد العالم خلال العقود الماضية، متغيرات كثيرة جراء الواقع الجديد الذي فرضته هذه الثورة على صعيد روسيا والعالم.

وبمناسبة هذا الحدث العظيم الذي أدى لتأثيرات هائلة في تاريخ وحياة البشرية، نفتح ملف الذكرى المئوية لثورة أكتوبر 1917، من خلال نشر بعض الاسهامات الهامة التي تلقي الضوء على تلك الثورة وهويتها الفكرية والاجتماعية، وتتناول عوامل وظروف اندلاعها وأهدافها وتأثيراتها، والإخفاقات اللاحقة التي تبعتها وأدت إلى إنهيار النظام الاشتراكي.

----------------------

الذكرى الـ100 لثورة أكتوبر الاشتراكية

استخلاص الدروس والاستفادة منها

تاج السر عثمان

يصادف هذا العام مرور مائة عام علي ثورة اكتوبر الاشتراكية في روسيا التي كانت نقطة تحول مهمة في تاريخ العالم الحديث، وهي ذكري عزيزة علي كل البشرية التقدمية والإنسانية التي تحتفل بها في مشارق الأرض ومغاربها بهدف إستلهام الدروس والعبر منها في مسيرتها من أجل بناء نظام اشتراكي اكثر ديمقراطية وعدالة اجتماعية، وهذا هو جوهر و مضمون الاحتفالات التي تقوم بها الأحزاب الشيوعية والاشتراكية والعمالية وجماهير الطبقة العاملة في كل أنحاء المعمورة.


كانت ثورة اكتوبر الاشتراكية من أهم أحداث القرن العشرين التى رفعت فيها الجماهير في روسيا شعارات: الحرية – الخبز – السلام، مثلما كانت الثورة الفرنسية من أهم احداث القرن الثامن عشر التى رفعت فيها الجماهير في فرنسا شعارات: حقوق الانسان – الاخاء – المساواة، وكما يقول ماركس: “الثورات قاطرة التاريخ”، فقد كانت الثورتان الفرنسية و الروسية من أهم معالم التحول في التاريخ الانساني والاجتماعي. 

كانت الثورة الروسية نتاجا لتراكمات وملاحم نضالية خاضها الشعب الروسي ضد النظام القيصري حتى بلغت الأزمة الثورية قمتها بتوفر الظروف الموضوعية والذاتية التي حددها لينين بأن تصل التناقضات داخل الطبقة الحاكمة قمتها بحيث تعجز عن قمع الثورة إبان نشوبها، ويواكب ذلك نهوض جماهيري وجيش ثوري علي استعداد للدفاع عن الثورة حتى الرمق الأخير، ووجود القيادة الثورية التي تحدد البديل للنظام القائم. 

تلك اللحظة التي حدد فيها لينين ساعة الثورة بقوله: امس مبكر، غدا متاخر، بل اليوم.

كانت الثورة الروسية ملحمة جماهيرية حقيقية ونتاجا لمعاناة الجماهير والنجاح في تنظيمها في أشكال مختلفة، كانت مطالب الجماهير التي انهكتها الحرب العالمية الأولي الخبز والسلام والحرية، وخلف تلك المطالب نزلت الجماهير للشوارع حتى توجت ذلك بالإضراب العام وكانت الانتفاضة التي اطاحت بحكم آخر القياصرة الروس نيكولاي الثاني، وإنهاء الحكم القيصري الذي دام 300 عاما. هذا وقد عكس الصحفي الأمريكي “جون ريد” صورة حية لوقائع الثورة الروسية في كتابه “عشرة أيام هزت العالم”.

نعم، كانت ثورة اكتوبر نقطة تحول مهمة في تاريخ البشرية والعالم المعاصر، لأنها طرحت قضية تحرير الانسان من الحاجة والظلم والجهل ومن مآسي الحروب وأنهت الحرب العالمية الأولي بتوقيع معاهدة صلح “ بريست ليتوفسك” مع المانيا،وساهمت في تحرير شعوب المستعمرات من النير الاستعماري، وساهمت في نهوض حركة الطبقة العاملة في العالم، وتوفير احتياجات الكادحين الأساسية في التعليم والصحة والسكن وحماية الأمومة والشيخوخة...الخ، وقد نجحت الثورة الروسية في توفير تلك الاحتياجات ونقلت روسيا من دولة متخلفة الي دولة صناعية متقدمة ،غزت الفضاء وحولت الطاقة الذرية لخدمة البشرية، وحفظت التوازن العالمي، وساهمت في تحرير البشرية من النازية والفاشية بهزيمتها في الحرب العالمية الثانية، وغلت يد امريكا وحلفائها عن التدخل في شؤون البلدان الأخرى. 

كما كانت ثورة اكتوبر الاشتراكية منارة سامقة أعطت الأمل لكل العاملين والمضطهدين في العالم بإمكانية زوال استغلال الانسان للانسان، وتحقيق مجتمع تتحقق فيه الديمقراطية الحقيقية بمحتواها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وتحرير الانسان من كل اشكال الاضطهاد الطبقي والعنصري والجنسي والاثني ، وإقامة التنمية المتوازنة بين كل شعوب العالم، وضمان حق تقرير المصير كحق ديمقراطي انساني في ظروف الديمقراطية وحرية الإرادة، وكفالة حق الأقليات القومية في تنمية ثقافاتها ولغاتها الخاصة، وضمان المساواة الفعلية بين المرأة والرجل، باعتبار أن تطور اى مجتمع يقاس بمدى تحرر وتطور المرأة، وتحقيق السلم الوطيد في العالم، وتحقيق التعايش السلمي بين الشعوب بغض النظر عن انظمتها السياسية والاجتماعية، وتأكيد السيادة الوطنية للشعوب وعدم التدخل في شئونها الداخلية، وحقها في السيادة على مواردها الطبيعية .

اكدت ثورة اكتوبر أن التشكيلة الرأسمالية ليست خالدة، وان هناك امكانية للبديل الاشتراكي، وهذا هو المغزي الحقيقي لكل محاولات الكتاب والمثقفين المدافعين عن الرأسمالية لطمس معالم التجربة الاشتراكية وتصويرها بأنها كانت كلها شر، وأن فشلها فشل للماركسية، وأن الرأسمالية نهاية التاريخ، ولكن تطورات الأحداث دحضت تلك المزاعم.

رغم الانتكاسة المؤقته للتجربة الاشتراكية والتى نواصل التحليل العميق لها بهدف استخلاص دروسها، إلا أن القضايا التى طرحتها ثورة اكتوبر مازالت حية، ومازالت جذوتها متقدة، ونلحظ ذلك في النهوض الجماهيري الواسع في العالم ضد مآسي الرأسمالية المعاصرة العولمة أو المرحلة الجديدة من الامبريالية والتى تتمثل في زيادة حدة الفوراق الطبقية وشدة استغلال فائض القيمة النسبي (نتيجة الثورة العلمية التقنية) من العاملين بايديهم وادمغتهم، وشدة التناقض بين الطابع الاجتماعي للإنتاج وبين الملكية الخاصة لوسائل الانتاج بواسطة الشركات متعددة الجنسية، وضد تدمير البيئة والأمراض الفتاكة مثل: الايدز والتهديد بمخاطر الحرب النووية والجرثومية وإلغاء الديون الباهظة على بلدان العالم الثالث وضد سياسات التكيف الهيكلي التى ترفع فيها الدولة يدها عن تقديم خدمات التعليم والصحة ودعم السلع والخدمات الأساسية، ومقاومة التدخل العسكري وإقامة القواعد العسكرية في البلدان الأخري، والحل العادل لقضية شعب فلسطين، ومناصرة الشعوب التي ترزح تحت نير الأنظمة الفاشية التي تنتهك حقوق الانسان وتقمع شعبها في تقديم أبسط الخدمات لمواطنيها مثل النظام الحاكم في السودان.

ستظل شعارات ثورة اكتوبر واقعية وحيوية وباقية تنتظر الانجاز ، بعد استخلاص دروس فشل التجربة الاشتراكية والتى اهمها أن التحول الاشتراكي لايمكن ضمانه إلا عبر الديمقراطية وإسهام الجماهير النشط في تلك العملية، وأن الطريق للاشتراكية لا يسير في خط مستقيم وإنما هو طريق معقد تتخلله تراجعات وهزائم، وأن الاشتراكية هى عملية لا تتحقق بضربة واحدة وإنما هى عملية طويلة تتحقق فيها مطالب واحتياجات الانسان المتنوعة باستمرار، وكل خطوة نخطوها في هذا المضمار تقربنا من الاشتراكية وأن الديمقراطية هي الطريق السالك للاشتراكية، وان هدف الاشتراكية الوضاءة تتنوع طرق الوصول اليه ويعتمد على خصائص وتقاليد كل بلد، وتظل الاشتراكية الأمل في وجه هجمة الرأسمالية المعاصرة (أو العولمة أو المرحلة الجديدة من الامبريالية) على كل مكتسبات الشعوب التى حققتها في الدول الاشتراكية السابقة وفي دول الرفاه مثل: الحق في مجانية التعليم العام والخدمات الصحية والحق في السكن والضمان الاجتماعي وحقوق الامومة والطفولة والشيخوخة... الخ، وأصبحت البشرية الآن أمام طريقين :اما البربرية المدمرة للحضارة البشرية أو الاشتراكية. 

ولاشك ان التجربة الاشتراكية التى قامت في الاتحاد السوفيتي السابق سوف تشكل رصيدا تاريخيا مهما، سوف تستند اليها الحركة الشيوعية والاشتراكية العالمية بعد دراستها واستخلاص دروسها في بناء نماذج اشتراكية تستند الى ظروف وخصائص كل بلد بتنوعه السياسي والفكري، وان التجارب العملية بإخفقاتها ونجاحاتها تغنى وتثري الفكر النظري. 

وتجئ الذكرى المئوية لثورة اكتوبر في ظروف تمر بها الرأسمالية بأزمة عميقة مثل الأزمة المالية عام 2008 التيعصفت باوهام: أن الرأسمالية نهاية التاريخ والاندفاع المجنون في سياسة اقتصاد السوق الحر والخصخصة، كما اعطت الأزمة مثالا حيا علي بشاعة النظام الرأسمالي الذي يعمل علي حل أزماته علي حساب الكادحين، كما في محاولة انقاذ مؤسسات الرأسمالية في امريكا علي سبيل المثال بضخ: 700 مليار دولار علي حساب دافعي الضرائب، وبالتالي بثت هذه الأزمة وعيا جديدا لدي الطبقة العاملة والفئات الوسطي التي زادت من معاناتها. 

رغم سقوط النماذج الاشتراكية في بلدان الاتحاد السوفيتي وبلدان شرق أوروبا، إلا أن الماركسية مازالت تحتفظ ببريقها، ويتخوف المفكرون البورجوازيون من نهوض أقوى للحركة الشيوعية بعد الازمة الاقتصادية الكبيرة التي يشهدها النظام الرأسمالي العالمي، واستخدام المنهج الماركسي نفسه في تقويم تلك التجارب واستخلاص دروسها، والاستفادة منها في قيام نماذج اشتراكية اكثر عدالة وديمقراطية إنسانية.