2017-10-17

الاقتصاد الرأسماليّ.. أزماتٌ تتطلَّبُ حلولاً وحلولٌ تُنتجُ أزماتٍ

فهمي الكتوت

من سمات الأزمة الرأسمالية أنَّ الحلول تصبح أسبابا لتفاقمها، فقد لجأت المراكز الرأسمالية الى سياسة تقليص الانفاق على الخدمات العامة وخفض عائدات الطبقة العاملة من الإنتاج للحد من عجز موازناتها، فكانت النتائج مخيبة للآمال، وبدلاً من تخفيض العجز، تفاقمت الأزمة المالية وضربت مفاصل الاقتصاد الرأسمالي ودخل في نفق الركود الاقتصادي نتيجة تراجع القدرة الشرائية للعمال والفقراء والمهمشين عامة.

وحين اتُبعت سياسات نقدية عمادها التوسع في الانفاق الممول بالقروض وبأسعار الفائدة الصفرية التي فرضتها البنوك المركزية لتحفيز الاقتصاد، أصبحت هذه السياسات تهدد بحدوث فقاعة مالية قد تعرض العديد من المصارف لخطر الإفلاس. وإن ثلث البنوك ذات الصلة بالنظام المالي على مستوى العالم لا تزال تعاني من صعوبات، ولن تستطيع تحقيق أرباح مستدامة حتى الأشهر الأولى من العام 2019 وفق ما أورده صندوق النقد الدولي بسبب تدني نسبة الفوائد بشكل مفرط التي أغرت الكثير من الشركات والمستثمرين بالحصول على قروض عالية. الأمر الذي أدى إلى تراكم الديون المترتبة على الشركات والأفراد، فقد أظهرت البيانات المصرفية أن أوروبا ترزح تحت جبال من الديون الرديئة كما وصفها صندوق النقد الدولي التي تصل قيمتها نحو تريليون دولار. فالحلول التي اتبعت في الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي للخروج من الازمة أصبحت أسباباً للدخول في دورة جديدة من الأزمات.

رُبَّ قائل يقول؛ ما هي مصلحة البنوك في الإقراض بأسعار الفائدة الصفرية التي تفرضها البنوك المركزية، ويجيب على هذا السؤال الاقتصادي نورييل روبيني قائلاً إن أسعار الفائدة الاسمية الصفرية (هي معدلات الفائدة قبل احتساب نسب التضخم) فالإقراض السلبي يعوض القطاع المصرفي خسائر مفترضة تعادل نسبة التضخم، ويزيد روبيني: «يتهافت مدخرون كثر على عدد قليل من الاستثمارات المجدية، فإن سعر الفائدة التوازني يصبح منخفضاً، إن لم يكن سلبياً، إذا عانت الاقتصادات المتقدمة من الركود المزمن».

وقد حذر الصندوق في الاجتماع السنوي مع البنك الدولي قبل أيام من اتساع المخاطر على أداء الاقتصاد العالمي جراء ارتفاع أعباء الديون في كثير من البلدان بشكل مفرط. وجاء في التقرير الذي نشر على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن أن النظام المصرفي وقطاعات اقتصادية أخرى تعاني من ضغوط كبيرة جراء خدمة الديون. وقد تسببت سياسات التقشف التي اتبعتها البلدان الرأسمالية عامة والمتمثلة بزيادة تكلفة الخدمات الاجتماعية وزيادة الضرائب على الطبقة العاملة والشرائح المتوسطة الدخل وتخفيض الأجور أحياناً، إلى زيادة الاعتماد على القروض المصرفية لتغطية النفقات الضرورية، وتشير معلومات البنك الدولي أن نسبة قروض الأفراد في الدول النامية تعادل نحو 65 % من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي. بينما تقدر نسبة قروض القطاع الخاص في الأردن نحو 77% من الناتج المحلي الإجمالي، كما تشكل نسبة مديونية الأفراد إلى دخلهم في الأردن نحو69.3 %. في حين بلغت هذه النسبة نحو 40 % في نهاية العام 2008 وارتفعت إلى نحو 63 % في نهاية العام 2014 وفق معلومات البنك المركزي الاردني. وهي نسبة مرتفعة جداً تعكس الظروف البائسة للمواطنين.

فالأخطار التي تهدد بانفجار فقاعة مالية جديدة قبل خروج الاقتصاد الرأسمالي من أزمته، تعيدنا للأسباب ذاتها التي أدت إلى اشعال أزمة الرهن العقاري بعد رفع الفائدة على المقترضين، واليوم تطل من جديد أخطار الفقاعة المالية من خلال ما يوصف بالقروض الرديئة متلازمة مع سياسات التراجع عن الفائدة الصفرية والبدء برفع سعر الفائدة.