2017-10-14

التنوير الليبراليّ والتنوير الماركسيّ

د. عماد الحطبة

ما هو التنوير؟ لعلّ هذا أحد أهمّ العناوين التي عرفها التاريخ الإنساني، ليس بما احتواه مقال كانط الشهير الذي اندرج تحت هذا العنوان، ولكن بكونه شكّل نقطة فارقة في التاريخ البشري يمكن أن نعتبرها نقطة الانتقال الحضاري من العصور الوسطى إلى العصور الحديثة.

 رغم أن مقالة كانط جاءت تتويجاً لما عرف بعصر النهضة الأوروبي وهو عصر حفل بالكثير من الإنجازات، ورغم أنني أكاد أجزم أن كانط نفسه لم يتخيل أن تُحدث مقالته كل هذا التأثير، ورغم أنَّ آخرين سبقوه في تمجيد العقل ودوره منذ أرسطو وحتى الفارابي، إلا أن نور عقل كانط كان أكثر أثراً وإشعاعاً. والسؤال لماذا؟

كان النظام الإقطاعي في أوروبا يتهاوى تحت ضربات معاول التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فمن جهة كانت الثورة الصناعية التي انطلقت في أواسط القرن الثامن عشر قد بدأت بخلق طبقة جديدة أكثر تنظيماً وتلاصقاً من خلال إلتقاء مصالحها وأقصد هنا الطبقة العاملة، كما أن هذه الثورة استدعت المزيد من الحاجة إلى الاختراع والتطوير لزيادة القدرة على الانتاج، وبالتالي تخفيض الكلفة.

من جهة أخرى، كانت الاكتشافات الجغرافية قد بدأت تؤتي ثمارها الاقتصادية بعد أن دخلت الآلة البخارية إلى المراكب البحرية في أواسط القرن الثامن عشر، أصبحت المراكب أكثر سرعة وأكبر حجماً وبالتالي أكثر قدرة على حمل كمية أكبر من المواد الخام، وبتكاليف أقل بكثير من نقلها عبر طريق الحرير.

لم يبق أمام عملية بناء النظام الاقتصادي الجديد سوى تحرير العقول من القيم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية السائدة، هذه القيم التي كانت تنبع في معظمها من خلفية دينية. كانت الحروب الدينية التي سادت أوروبا مابين القرنين السادس والسابع عشر قد ساهمت في التخفيف من سطوة الكنيسة الكاثوليكية وسيطرتها، وبدأت تظهر أصوات تعلن تمردها على الكنيسة بنسختيها الكاثوليكية والبروتستانتية.

في هذا السياق جاءت مقالة كانط الشهيرة التي نشرت أواخر القرن الثامن عشر بعنوان «ما هو التنوير» لتضع اللبنة الأولى في عملية تحرير العقل وفتح آفاقه. لكن هذا التحرير لم يكن معنياً بكسر الظلم والاستغلال السائد، أو تعديل أوضاع العمال والكادحين أو حتى القطع مع الموروث الديني في مضمونه الرجعي. ما طرحه تنوير كانط كان قطعاً شكليّاً للعلاقة مع النظام السائد، لصالح النظام الآخذ بالتشكل (الرأسمالية)، دون الإخلال بأساس العلاقة القائم على مبدأ الطاعة التي كانت تأتي من الخارج (القس، الشرطي، المدرس) وأصبحت تنبع من الداخل (العقل). وهذا واضح جداً في قوله: «أمير واحد (فريدريك العظيم) قال: جادل كما تشاء وعما تشاء ولكن أطع». والتنوير الكانطي (الحداثي الاوروبي) كما عبر عنه«:

التنوير لا يتطلب سوى الحرية». إن ربطنا بين هذين الموقفين اللذين وردا في نفس الفقرة من المقالة فإننا نستطيع بسهولة أن نصل إلى تعريف معقول للتنوير الكانطي وهوحرية استخدام العقل العام في الجدال كما تشاء وعما تشاء بشرط أن تطيع النظام السائد في النهاية.

قبل أن تغضب من هذا التعريف أو تتهمه بالسطحية، فكر قليلاً.. ألم يصبح التنوير جزءاً أساسيّاً من بنية النظام الرأسمالي الآخذ بالتشكل؟ وهو جزء لا يمكن تطويره أو البناء عليه لتقويض النظام الرأسمالي من داخله (كما يحلم أغلب يسار اليوم)، لأن التنوير الحداثي الأوروبي يمثل المضمون الأخلاقي للرأسمالية، ودوره يكمن في ضمان استمرار الرأسمالية والأخذ بيدها عندما تتعثر.

لعل أبرز مثال على ما ذهبت إليه، هو ما فعله البريطاني جون ستيوارت مل (1806 – 1873) فهذا الفيلسوف والاقتصادي «التنويري» ورائد الليبرالية، قدم من خلال أبحاثه مضموناً أخلاقيّاً للرأسماليّة من خلال مقولته الشهيرة: «إن كل ما يقيد المنافسة الحرة هو الشر المطلق، وكل ما يطلقها هو الخير العميم». هذه المقولة تضمنت من جملة ما تضمنته إدانة لمفاهيم الاشتراكية بشكل عام، والماركسية بشكل خاص. لقد أضاف جون مل إلى الأخلاق الرأسمالية مصطلحات مثل (حرية المرأة) و(حرية الاعتقاد) و(حرية الأفراد)، فأصبحت جزءاً من بنية النظام الرأسمالي نفسه، وليست مجرد شعارات يطرحها مفكرون من مشارب فكرية وسياسية مختلفة. إن مقولة من مثل: « إن البشر جميعاً لو اجتمعوا على رأي وخالفهم في هذا الرأي فرد واحد، لما كان لهم أن يسكتوه، بنفس القدر الذي لا يجوز لهذا الفرد اسكاتهم حتى لو كانت له القوة والسلطة»، إذا لم تسبق لك قراءة جون مل، يمكن أن تتخيل أنك سمعت هذه الجملة في خطاب لروزفلت، أو كنيدي، أو كلينتون أو أوباما.

لقد احتكرت الرأسمالية مفهوم التنوير وكل ما تفرع عنه بحيث يبدو كل من يعاديها وكأنه توتاليتارياً أو ظلامياً لأنه يعادي الحرية والديمقراطية وهي الصورة التي ألصقتها الرأسمالية بالفكر الماركسي أولاً وبالدول الاشتراكية لاحقاً. يبدو هذا الاحتكار بأسوأ صوره عند المقارنة بين حالتين في التاريخ، فقد تم عزل هتلر من سياقه القيمي الاقتصادي الرأسمالي واعتبر مجرماً فرديّاً (حالة فردية) تبرأ منها النظام الرأسمالي وحصرها في مفهوم الهولوكوست، الذي استدعى التكفير عنه، تقديم الدعم لدولة (يهودية) تنشأ على أرض فلسطين على حساب تشريد أهل البلاد ومصادرة منازلهم وأراضيهم وخرق كل ما يمت إلى حقوق الانسان الليبرالية بصلة. أما ستالين فقد رُسمت له صورة الديكتاتور الذي قتل الملايين، مِنْ دون أدلة حقيقية، وتم تعميم هذه الصورة لتصبح الصورة النمطية لكل دول المعسكر الاشتراكي، لذلك لم تحصل بولندا التي كان شعبها هو الآخر ضحية للهولوكوست على نفس المعاملة المتسامحة التي حصلت عليها إسرائيل. نفس الموضوع ينطبق على المجازر ضد الأرمن التي لم يتم الاعتراف بها دوليّاً إلا بعد انفصال أرمينيا عن الاتحاد السوفيتي.

نستطيع اختصار كل ما سبق في جملة واحدة: كان التنوير الحداثي الأوروبي (الليبرالي) ضرورة وعامل مهمّ في قيام واستمرار النظام الرأسمالي، وهو يتمتع بنفس ميزات هذا النظام من أنه تنوير مخاتل ونفعي. لكن السؤال يبقى ماذا نفعل، هل نقبل بالظلم والظلامية ونرفض العقل والأنوار لأنها رأسمالية؟ قد يكون علينا صياغة هذا السؤال بشكل أكثر دقة، هل التنوير الحداثي الأوروبي - الكانطي - الليبرالي هو التنوير الوحيد؟

أستطيع الادعاء هنا - مِنْ دون تردد - أن الماركسية كانت أعظم نظرية تنويرية في التاريخ البشري. لقد استطاعت الماركسية تقديم فهم جديد للتنوير من حيث أنه ليس حرية الفرد بوصفه كياناً فيزيائيّاً يمتلك عقلاً (قوة) له الحق باستعماله ليصبح عقلاً (فعالاً) بهدف تحقيق زيادة إنتاج السلع وبالتالي تحقيق تراكم رأس المال، وهو في هذا السياق قادر على الجدال كما يشاء وعما يشاء بشرط البقاء مطيعا للنظام (System). أما التنوير الماركسي فنظر إلى الإنسان من حيث أنه ذات عاقلة تمتلك عقلاً (قوة) وأنَّه تمكن عبر التاريخ الإنساني من الارتقاء ليصبح عقلاً (فعالاً) وهو قادر على الوصول إلى الوعي من خلال تحليل ونقد الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بوساطة منهج مادي جدلي، ليصبح عقلاً (مستفاداً)، عندها يتوقف الإنسان (الفرد) عن كونه «إمعة» فيبادر للانخراط في النضال مع أبناء طبقته، لتشكل هذه الطبقة وعيها بذاتها ولذاتها فتبادر إلى الثورة على الظلم. وهذا هو جوهر الماركسية.. إنّها الثورة التي تستند إلى نظرية ثورية.

لقد كانت تنويرية ماركس تنويرية ثورية هدفها الوصول إلى الوعي والعدالة، أما تنويرية كانط الليبرالية فكان هدفها الوصول إلى إنتاج السلع وتحقيق الربح.

بهذا الفهم فإن التنوير الماركسي هو النقيض المباشر والحاسم للتنوير الليبرالي، رغم أنف كل المحللين والدارسين الذين يحاولون وضع ماركس في سياق تنويري حداثي تقليدي اعتماداً على قراءة منقوصة ومغرضة (عمداً) لكتابه «غربة العمل».

وبعد

يبرز اليوم الحديث عن التنوير في الوطن العربي كما كان الحال عليه في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين أو ما سُمي بعصر (النهضة) العربية. وتحمل كل قوى المجتمع لواء هذا التنوير الذي يكاد يصبح بلا ملامح، فهو تنوير إسلامي متشدد (استعادة أمجاد المسلمين) وتنوير إسلامي معتدل (الإخوان المسلمين) وتنوير ليبرالي صرف، وتنوير ليبرالي يساري، وأخيرا رفض التنوير والتهكم عليه لأنه منتج ليبرالي رأسمالي.

يدرك الماركسي الجذري أن التطرف منتج فرعي من منتجات التنوير الأوروبي الحداثي، فتحت شعارات الحرية والديمقراطية جاء هتلر بانتخابات «نزيهة وحرة وشفافة» في النصف الأول من القرن العشرين، وحصل «الإخوان» على حصة من الحكم في الدول العربية إبان عصر الحوكمة الرشيدة التي جاءت مع بيل كلينتون (1993 – 2001)، وعندما لم يستطع الليبراليون (الصرف) تحقيق التوازن لخلق «الشرق الأوسط الجديد» الذي أرادته وزيرة الخارجية الأميركية كوندليزا رايس (2005 – 2009)، جاء الربيع العربي ليصنع الفوضى (اللازمة) لتحقيق التغيير (المطلوب).

لقد تحالف الليبراليون مع الاسلام السياسي (...) صوره قبل ما يسمى الربيع العربي (الإخوان في الأردن، السادات مع السلفيين والإخوان، البشير والإخوان). وبعد ذلك، تحالفوا في الربيع المشؤوم (النهضة ونداء تونس، الإخوان وحزب النور). ولقد أصبحت الأنظمة والدول الوطنية صورة للقمع والظلم (...). أما داعش والنصرة والقاعدة فهي مجرد إنحرافات متطرفة في مسيرة ثورة «الربيع العربي» لتحقيق الحرية والديمقراطية، وقد استجلبتها الأنظمة القمعية نفسها. وكأن التاريخ الليبرالي يعيد نفسه، المرة الأولى كمأساة (الحرب العالمية الثانية) والثانية كمهزلة (الربيع العربي(.

أما الغاضبين من كل شيء تقريباً (ومعهم الكثير من الحق.. فمعظم ما يجري في بلادنا يسبب الحنق والإحباط)، فإنهم لا يقدمون شيئاً في سبيل التغيير الحقيقي، مجرد جمل وشعارات يمكن أن يرددها أي ماركسي، بل إن كل الماركسيين يرددونها، بمناسبة ومِنْ دون مناسبة، لكنها لا تعكس الواقع على الأرض حيث تمت إزاحة الوعي الشعبي باتجاه المواقف الأكثر يمينية، وفقدت القوى اليسارية الراديكالية معظم تأثيرها على الجماهير، وابتعدت الأحزاب اليسارية (الشرعية) عن الطروحات الجذرية والثورية (تحت طائلة القانون).

في ظل هذه الحالة التي وجد الماركسي الجذري نفسه فيها (وهو أحد أسبابها)، لم يكن ثمَّة إلا واحد مِنْ خيارين، الانكفاء واعتزال العمل العام والاكتفاء بانتقاده، وهو خيار عززته وسائل التواصل الاجتماعي التي منحت مثل هذا المناضل منصَّةً (افتراضيّة) للنضال، آخذين بعين الاعتبار أن التراث النضالي لليسار العربي خلال السنوات الثلاثين الأخيرة لم يكن ذا محتوى نضالي ثوري حقيقي قدر ما كان ذا محتوى خطابي ديماغوجيّ. الحل الآخر الانخراط بالواقع وخوض معاركه، وهو شعار استغله الكثير من اليساريين لتبرير انحرافاتهم الليبرالية. هنا يتبادر الى الذهن سؤال، أليست قضايا البشرية متشابهة، مثلاً قضية الإرهاب، المرأة، توزيع الثروة، النظام الاقتصادي، وبالتالي فإن كل تيار فكري أو سياسي يطرح لها حلولاً (حتى العجائز الجالسات أمام بيوتهن يحاولن)؟ يكمن الفرق الحقيقي بين التيارات في الحلول التي تطرحها وليس في القضايا التي تتبناها.

فعندما يتبنى الماركسي التنويري قضية المرأة، مثلاً، فهو يراها جزءاً من النضال في سبيل التقدم الاجتماعي الضروري لتحقيق التغيير المطلوب، والحديث (الساذج) عن أنَّ القضية ليست قضية رجل وامرأة بل قضية مجتمعات، يصلح لأن يكون شعاراً في إذاعات الستينيات؛ فالواقع يقول إنَّ المرأة تعاني في مجتمعاتنا وإنَّ هذه المعاناة ازدادت خلال السنوات العشر الأخيرة بما يتطلب معالجة خاصة.

أما التنويري الليبرالي، فهو يتبناها في نفس سياق تبنيه لحرية الرجل، أو حتى المجتمع، في إنتاج سلعة رائجة وتحقيق الربح. نفس التصور ينطبق على الموقف من إسرائيل، ففي الوقت الذي يراه الليبرالي في سياق إنساني يجعل من إيقاف المعاناة الانسانية أولوية دون تغييب أساليب النضال الأخرى مع بعض التحفظ على «العنف» لأنه (سيؤدي إلى عنف مقابل)، ويراه الإسلامي (المعتدل والمتشدد) في سياق الأمر الإلهي الذي يمكن أن يتراوح بين «اقتلوهم حيث ثقفتموهم» وحتى «إن جنحوا للسلم فاجنح لها»، فإن الموقف الماركسي الحقيقي يرى في دولة اسرائيل أداة إمبريالية وأن الصراع معها يقع في سياق الصراع التناحري مابين الرأسمالية الإمبريالية وكل تفرعاتها التي هي «شر مطلق» وبين الشيوعية التي هي «خير مطلق».

ما أريد الوصول إليه كخلاصة، أن الماركسية نظرية تمتلك جوهراً أخلاقيّاً تنويريّاً، وأن ما قدمته للبشرية في سبيل نهوض الأمم وتحررها وتحقيق العدالة يفوق في أهميته ما قدمه أي فكر آخر وفي المقدمة الفكر التنويري الأوروبي الحداثي، وأن كل شيوعي مطالب بخوض معركة التنوير بأدوات واقعه، وحسب المنهج الماركسي، وتعففه عن مثل هذه المعركة ليس طهارةً أو نقاءً ولكنه تخاذلٌ وانهزامٌ.