2017-10-10

المسافة بين المصالحة وإنهاء الانقسام

نهاد أبو غوش

تبدو المسافة بين المصالحة وإنهاء الانقسام شاسعة وبعيدة، وأبعد منها تلك التي تفصل بين إنهاء الانقسام وبين بناء الوحدة الوطنية الفلسطينية التي نتغنى بها جميعًا وندعو لها، ولكنها للأسف لم تكن قائمة على امتداد العقود الثلاثة الماضية.

من دون التهوين من أهمية اتفاق المصالحة الذي أبرم مؤخراَ، وما تلاه من خطوات مهمة أبرزها توجّه حكومة الحمد الله لغزة ومباشرتها لمهماتها ومسؤولياتها تجاه المحافظات الجنوبية، تبدو المصالحة حتى الآن أقرب إلى اتفاق عرضي عابر، دفعت إليه ظروف وحسابات محلية وإقليمية عابرة، وبالتالي سيظل الاتفاق عرضة للانهيار في حال تبدُّل الظروف والحسابات المشار إليها.

ليس خافياَ أنَّ المصالحة تمت بين أطراف مأزومة، فالقيادة الشرعية مأزومة، لأن شرعيتها محلُّ طعن أطراف عربية ودولية، لأنها لا تسيطر على قطاع غزة، وأزمة حماس مركبة ومضاعفة بسبب رهاناتها الفاشلة على المحاور الإقليمية وتنقلها بين هذه المحاور، والشعب الفلسطيني كله مأزوم بسبب تراجع مكانة قضيته واستمرار معاناته وتردي أوضاعه المعيشية، واستشراس حكومة الاحتلال في تنفيذ مخططاتها العدوانية دون حسيب أو رقيب، ودون رد يرقى إلى مستوى التحديات من قبل الحركة الوطنية بكل تلاوينها.

والمشكلة في استناد مشروع المصالحة إلى منطق الأزمة والحاجات العابرة، هي أنها قابلة للانتكاس عند أول انفراجة سواء كانت وهمية أو حقيقية، فالشراكة في إدارة شؤون غزة سوف تكون مزعجة لحماس التي ذاقت طعم الاستفراد في السلطة، والقيادة ستجد في حماس شريكاَ مزعجاَ يقيّد حريتها في الحراك السياسي، كما يزعج استفرادها في القرار، وعند ذلك ستكون الحجج والذرائع جاهزة لقطيعة جديدة أقسى وأمرّ وربما نهائية هذه المرة.

الرأي العام الفلسطيني ليس مندفعاَ ولا متحمساَ لقبول البيانات المتفائلة بشأن المصالحة، فإلى جانب هذه البيانات ثمة من ينفخ في شرر الأزمات، وربما يضع العصي في الدواليب أو يزرع الألغام في طريق المصالحة، ولا عجب في ذلك فقد ترتبت مصالح وامتيازات في ظل الانقسام وبسببه، واتسع الشرخ، ونمت ثقافة القطيعة والعزلة وانعكست على شتى المجالات السياسية والاجتماعية.

حتى تتوّج المصالحة بإنهاء حقيقي للانقسام، لا تكفي النوايا المخلصة والإرادة السياسية، وهما ضروريتان ومطلوبتان، بل ينبغي إنهاء وتصفية كل مظاهر الانقلاب ونتائجه، ومعالجة أسباب الانقسام من جذوره، وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة تضمن الشراكة والتعددية والتداول السلمي للسلطة، والاحتكام للشعب وصندوق الاقتراع عند ايِّ خلاف قادم، وتعزيز قوى المجتمع المدني من مؤسسات ونقابات واتحادات شعبية بحيث تشكل حصناَ منيعاَ يحمي النظام السياسي العتيد.

أما الوحدة الوطنية فهي ما زالت شعارًا جميلاً، ولكنها ما زالت بعيدة المنال في ظل غياب إستراتيجية وطنية موحدة، وامتلاك كل طرف سياسي لبرنامجه الخاص وثوابته بعيداَ عن القواسم المشتركة، وعن استيعاب مبدأ حركات التحرر الوطني الأساس القائم على قانون الوحدة والصراع وتغليب التناقض الأهم مع الاحتلال أو الاستعمار على كل ما عداه من تناقضات وخلافات داخلية.