2017-10-08

مع ذكرى حرب 1973 أمريكا ترفع العقوبات عن السودان وربما تعيين  سفير سوداني  في تل أبيب قريباً!

عبدالرحمن الأمين-  واشنطن

أكدت مصادري التنفيذية بالإدارة الأمريكية عصر اليوم الخميس أن البيت الابيض سيعلن يوم غدٍ الجمعة رفع العقوبات الإقتصادية المفروضة على السودان منذ عقد التسعينات.

وأفادت المصادر في حديثٍ خاص اشترطت فيه عدم ذكر الأسماء أو الإدارات التي تتبع لها وبخاصة أنّ النشر سيسبق الإعلان الرسمي، أفادت أنّ الاعلان سيتضمن إلى جانب رفع كافة القيود التجارية والمالية رفع التمثيل الدبلوماسي وإرجاعه لمستوى السفير فضلاً على تطبيق كافة الخطوات التي تمّ الإتفاق عليها في المسارات الأخرى .

وبسؤالنا للمصادر عن القضايا ذات الصلة بـ"الحريات وحقوق الانسان" وعما إذا ما كان قد تم التغاضي عنها، كما تروج الأجهزة السودانية. عن ذلك أكدت مصادرنا أن إدارة ترمب أبلغت الخرطوم بوضوح لا لبس فيه أنّ واشنطن ستظل تراقب تصرفاتها وسلوكها في هذه الملفات الهامة بل وحذرتها من الاعتقاد أنّ رفع العقوبات يعني رضا أمريكا عن سجل الإنقاذ في حقوق الإنسان الذي وصفه الدبلوماسي بأنه (سيئ جداً ولن نسمح له بأن يكون أسوأ مما هو عليه ) على حد قوله. ورداً علي سؤال حول ما لو كانت إدارة الرئيس ترمب تعتزم حث حكومة البشير بإطلاق سراح الطالب عاصم عمر كإشارة لحسن النية وبدء مرحلة تحسن حقيقي في سلوكها وبخاصة أن حكم الإعدام الذي صدر بحقه جاء خلال محاكمة شهدت تسييساً واضحاً وإنتقدتها بشدة منظمات حقوق الانسان العالمية ، قال المصدر ما نصه: (الخرطوم تعلم تماماً موقفنا من هذه المحاكمة وغيرها من التصرفات مثل الذي جرى في معسكر كلمة ونحن نتطلع لتجاوبها معنا والتصالح مع الشعب السوداني الذي تحكمه). وعند سؤاله إن كان ذلك يعني قرب صدور عفو رئاسي من الرئيس البشير على الطالب عاصم عمر قال بإقتضاب (هذا مانتمناه ونرحب به).

وعلى محورٍ آخر نشطت الاجتهادات التحليلية لفهم خفايا القرار الامريكي الذي يتزامن مع يوم الذكرى الرابعة والأربعين لحرب 6 أكتوبر 1973. فقد علمنا أن القرار، وإن ظل سراً مكشوفاً منذ أن أعلن عنه الرئيس السابق أوباما في 13 يناير 2017، بيد أنّ الأصابع الإسرائيلية ظلت تضغط لصالح إتخاذه. ففي الآونة الآخيرة فإن جاريد كوتشنر، مستشار الرئيس ترمب وزوج إبنته إيفانكا (وينتميان للديانة اليهودية) مثّلا أكبر عنصر ضغط لصالح رفع العقوبات تمهيداً لتطبيع علاقات السودان بإسرائيل. ويأتي الاهتمام الإسرائيلي بالسودان ضمن تركيبة التحالف الإستراتيجي الجديد الذي تسعى إسرائيل لتخليقه في المنطقة بما يمكن تسميته بـ (كامب ديفيد 2). هذا التحالف هدفه إقامه جدار عازل ضد التوسعات الإيرانية والانتشار التركي في المنطقة العربية.

ففي المرحلة الأولى يتألف التحالف جغرافياً ما يشبه حدوة الحصان، وقوامه بعض الأقطار التي دعمت مبادرة الملك عبد الله في 2003 (والتي تعرف أيضاً بالمبادرة العربية).

الذي رشح من معلومات سرية يؤكد أن التطبيع الاسرائيلي مع السودان والتفاهمات السرية مع البشير قد إنتهت، ودخل اليوم مرحلة الاستحقاق بما يعني أن الخطوة القادمة هي تسمية البشير لسفيره في تل أبيب في موعد أقصاه أبريل القادم - أي 6 أشهر من الآن .

وأبلغتنا بعض المصادر هنا أن قائمة الأسماء المرشحة لسفارة السودان الجديدة في تل أبيب تتضمن 6 أسماء تعتبر كلها ذات علاقة بالنظام الحالي، رغم إختلاف قوة إنتمائها للحركة الاسلامية، وأنها جميعاً ذات خلفية عسكرية. فمثلاً من جهاز الأمن تضم القائمة رئيس الجهاز السابق الفريق صلاح قوش، ويحى حسين وشخصيتين أخريين. أما عمر البشير ونائبه بكري حسن صالح فيحبذان الفريق (م) الفاتح عروة رغم عدم إنتمائه للإسلاميين .

ونُقل أنّ أساس هذا التفضيل ليترأس عروة أول سفارة سودانية بتل أبيب التقدير الشخصي للرئيس ونائبه لزميلهم العسكري فضلاً عن خلفيته الأمنية الواسعة وثقافته العالية وخبرته المكتسبة إذ عمل سفيراً للإنقاذ في الأمم المتحدة لقرابة 10 سنوات إنتهت في2005م .

يذكر أن العقيد (آنذاك) الفاتح عروة كان قد أشرف في تنفيذ أوامر رئيس جهاز الأمن ونائب رئيس الجمهورية اللواء عمر محمد الطيب، ورئيسه المباشر اللواء عثمان السيد، مدير الامن الخارجي، وأدار عملية نقل الفلاشا (وهم يهود أثيوبيين) إلى إسرائيل. بلغ عدد الفلاشا المُهجرِّين 8 ألف فرد وقد بدأ نقلهم من معسكرات سرية بالسودان يوم 21 نوفمبر 1984م بطائرات شحن عسكرية أمريكية عبر بروكسل ومنها إلى تل أبيب. هذه العملية المسماة (عملية موسي) توقفت في 5يناير 1985م بعد أن تسرب أمرها وإنكشفت للإعلام العالمي وواجه بسببها نظام نميري نقداً عربياً شديداً.

الاسقاطات السلبية لقرار اليوم برفع العقوبات الأمريكية عن السودان يلخصها السؤال التحليلي الشاخص الذي مفاده من أين ستأتي الحكومة بهذه الطاقية السحرية التي بإمكانها أن تترجم هذا القرار إلى إنجازات سريعة تمطر علي الشعب خبزاً وأدوية ومساكن وطباشير وكراسات ومواصلات ؟ فمنذ الاسبوع القادم ومع بدء سريان القرار الجديد ستجد الحكومة نفسها في موقف لا تحسد عليه البتة بعد أن ركلت أمريكا السلم الذي ظلت حكومة البشير تقف عليه لأكثر من عشرين تشكو ماسببته العقوبات من دمار لاقتصادها. هذه الشكوي، في وجهها الآخر، رفعت سقف التوقعات الشعبية إلى درجة عالية جداً لن يقبل الناس بعدها بوعود للانتظار. فالعقوبات الأمريكية ، وبالرغم من أنها لم تكن ذات صلة بسرقة النافذين لقرابة 70 بليون دولار هي حصيلة البلاد من بيع البترول مابين أغسطس 1999 -نوفمبر 2011 ، إلا أن الحكومة إستخدمتها كمشبك علقت عليها فشلها في تردي الإقتصاد وتحججت بها كأداة أمريكية لمحاربة نظامها الإسلامي. وأيضاً وبالرغم أن العقوبات لم تكن ذات صلة بسرقة النافذين لقرابة 55 بليون دولار هي حصيلة البلاد مما أستدانوه بإسم أجيالنا القادمة من ديون خارجية مابين يونيو 1989 وإلى مايو 2017، إلا أنها ظلت تتحجج بها رغماً أن حصيلة السودان عندما جاءت الانقاذ كانت 21 بليون دولار. المهم وفي كل الأحوال ظل الناس ينتظرون رفعها رغم أن هذه الارقام المذكورة للثروات المنهوبة لا تضم الذهب أو غيره من عينات الفساد الأخرى التي صارت واقعاً يومياً .

السؤال الاستطرادي هو: هل ستصبح العقوبات التي إستفادت الإنقاذ في السابق منها وإستثمرتها لسنوات في تبرير عجزها ، وبعد موافقة أمريكا علي رفعها بعد تنازلات أمنية وسياسية غير مسبوقة، هل ستوفر لأمريكا عكازا رقابياً أضخم من أي عصا حلمت بها، وبالنتيجة يصبح رفع العقوبات الحبل الذي سيلتف حول رقبة الانقاذ فيشنقها؟

سنرى .