2017-10-07

المصالحة الفلسطينية نحو تعزيز الموقف الفلسطيني في مواجهة الرؤية الأمريكية للتسوية

وليد العوض

عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني

بعد طول انتظار وبتدخل مباشر من جمهورية مصر العربية، طغى الحديث مجدداَ عن استئناف مسيرة المصالحة بعد أن توقفت لسنوات عدة> فخلال النصف الأول من الشهر الماضي استطاعت مصر وضع قطار المصالحة على سكة الانطلاق بعد أن تسلل اليأس لقلوب كل المتابعين لهذا الملف الشائك، وبعجالة سريعة لمجريات ما حدث، يمكن القول إن التحرك المصري الأخير أفضى إلى إعلان حركة (حماس) في بيان واضح فجر السابع عشر من أيلول الفائت، عن حل اللجنة الإدارية في قطاع غزة، ودعوتها لحكومة التوافق الفلسطينية للقدوم إلى غزة لتولي مسؤولياتها، بالإضافة للقبول بإجراء الانتخابات العامة والاستعداد للحوار الجدي لتنفيذ اتفاق المصالحة الموقع في القاهرة في أيار 2011.

إن هذا التطور الهام ما كان له أن يتحقق لولا أن مصر دخلت بكل ثقلها على هذا الملف، الأمر الذي يطرح سؤال مشروع، يتركز حول ما هي دوافع مصر لهذه الخطوة التي انتقلت بموجبها مصر من دور الراعي إلى دور الضامن للتنفيذ. بتقديري أن هذا يعود إلى دور مصر ومكانتها وحرصها على إنهاء هذا الملف الذي بدأته قبل سنوات ولا تريد أن يبقى مفتوحا لتلعب به دول أخرى في الإقليم، بالإضافة لانه من الطبيعي أن تسعى كل دولة من دول الإقليم في إن يكون لها دوراَ فاعلاَ، بل ومؤثراَ في ما يجري من تحركات داخل الأروقة والدهاليز السياسية بالإعداد لانجاز صفقة سياسية لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، علاوة على ذلك، فلم يعد بمقدورها متابعة تردي الأوضاع الإنسانية والاقتصادية في غزة ومخاوفها من أن يؤدي ذلك إلى انفجار شامل لن تكون هي بمنأى عنه. هذا بالإضافة إلى أن الأمن القومي المصري وما يجري من تغول للإرهاب في سيناء بات يتطلب تحييد غزة بكل معنى الكلمة عن هذا الملف، ولهذين الغرضين لجأت خلال الثلاثة شهور الأخيرة إلى تفاهمات ذات طابع أمني وإنساني مع حركة )حماس)، لكن هذه التفاهمات فتحت دائرة التساؤل والخشية من أن يؤسس ذلك لتحول الانقسام إلى إنفصال دائم، لذلك جاءت الخطوة المصرية الأخير بمثل هذا التدخل المؤثر لتوفير غطاءَ سياسياَ لهذه التفاهمات، وليكن هذا الغطاء في إطار عملية المصالحة.

ومن هنا يمكن فهم تطور الدور المصري علاوة على رغبة مصر بعدم تمدد النفوذ الإيراني إلى غزة بما يتيح لها نفوذا يتجاوز ما حصلت عليه في سوريا ولبنان والعراق، وما من شك فان هذا الدور المصري جاء متقاطعاَ مع ما تصبو له دول أخرى في الإقليم كافة، وبذلك يمكننا القول ان الإرادة الإقليمية توفرت هذه المرة بقيادة مصر للمضي قدماَ في ملف إنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة. إن هذه الإرادة لم يكن لها أن تتوفر لولا توفر إرادة دولية لإغلاق هذا الملف، تجلى ذلك في بيان الرباعية الأخير.

ولهذه الإرادة أيضا أهدافها التي يمكن أن نلخصها برغبة المجتمع الدولي خاصة الإدارة الأمريكية، بتهيئة المناخ والساحة على الصعيد الفلسطيني بما يمكن الرئيس الأمريكي من طرح مشروعه الذي ما زال يحضر له منذ أن تولى الحكم مطلع العام الجاري. من هنا يمكن القول أن قطار المصالحة الذي وضع على سكة الانطلاق، توافرت له الإرادة الدولية والإقليمية وأيضا الرغبة الفلسطينية وما شهدته حركة (حماس) من تطورات سواء على صعيد وثيقتها السياسية أو انتخابات مكتبها السياسي الأخير الذي مركز القرار فيها في قطاع غزة، مما جعلها أكثر ابتعاداَ عن دول بعينها في الإقليم، لكنها أكثر اقتراباَ وحاجة لتسوية علاقاتها مع مصر باعتبارها المنفذ الوحيد.

إلى جانب هذا وذلك، فإن تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وتفاقم الأزمات التي نتجت عن إجراءات السلطة الأخيرة سواء فيما يتعلق بموظفي القطاع العام والكهرباء والصحة وغيرها من إجراءات قد أرخى بثقل كبير لم تعد حركة (حماس) بقادرة على حمله الأمر، الذي دفعها للذهاب نحو تفاهمات مع خصمها التاريخي النائب محمد دحلان. لكن هذه التفاهمات أحدثت شرخاَ وتبايناَ في صفوفها، فآثرت الذهاب للمصالحة التي يمكن أن توفر لها مظلة فلسطينية وإقليمية وقبول دولي.

الآن وبعد أن حدث هذا الانفراج الجزئي في ملف المصلحة، يمكن القول إن العجلة تتقدم للإمام وقد تجلى ذلك في قدوم حكومة الوفاق الوطني الى قطاع غزة ، حيث استقبلت استقبالا شعبيا حاشدا عكس الرغبة الشعبية في إنهاء الانقسام. هذا وقد تزامن مع وصول وفد الحكومة الى قطاع غزة، وصول وفداَ مصرياَ رفيع المستوى، وهو ما يعكس مدى الاهتمام والإصرار المصري لإنجاح هذه المصالحة.

اليوم وبعد أن هدأت طبول الترحيب، ما زال المواطن ينتظر خطوات ملموسة تخفف من الأعباء التي يرزح تحت وطأتها منذ 11 عاماَ، وذات الوقت يمكن ملاحظة أن عجلة المصالحة تدور  ببطىء. ولكن وفقاَ لحركة عقارب الساعة لأصحاب الإرادات الفلسطينية والإقليمية، فإن مسيرة المصالحة انطلقت برغبة إقليمية ودولية ومن الصعوبة وقفها، ولكن من المهم فلسطينياَ وضع هذه المصالحة في إطار تلبية مصالح الناس وتعزيز صمودها ومعالجة الأزمات التي سببها الانقسام وتحييد قضايا الناس وحاجاتها عن التجاذبات السياسية، والعمل على تعزيز الموقف الفلسطيني وتقويته في إطار حماية المشروع الوطني الفلسطيني وتعزيز كفاح شعبنا لنيل حقوقه في إقامة دولته الفلسطينية وعاصمتها القدس وحل قضية اللاجئين طبقا للقرار 194، مع أهمية الحذر الشديد من كافة المحاولات الرامية لوضع ذلك في إطار التساوق مع الرؤية والمسعى الأمريكي لاستئناف جهود التسوية.