2017-10-04

أميركا.. الدولة الوحيدة التي لا تملك بنكاَ مركزياَ.. من يملكها؟ (1)

أولغا شيدروفا

ترجمة: ياسر قبيلات

يُعتبر بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي عصباً أساسياً في المنظومة المالية، ليس للولايات المتحدة فقط، بل بالنسبة للعالم الرأسمالي برمته أيضاً؛ أي، كل العالم تقريباً. ولكن أغلب من يعرفون أو يشعرون بهذه الحقيقة، لا يدركون الطبيعة الفعلية لهذه «المؤسسة» الاحتكارية المهيمنة، التي تنشط كـ«بنك مركزي»، وتمارس نفوذاً فريداً على النظام المالي العالمي، وتتغلغل في مفاصله، وتسيطر عليه. وفي الغالب ينظر عامة الناس إليها نظرتهم إلى البنوك المركزية في بلدانهم، ولكن الأمر ليس كذلك..

 الكاتبة الروسية أولغا شيدروفا تتناول طبيعة هذه المؤسسة، وهي، كما يتضح من العنوان، تدعو إلى تأميمها..

(المترجم)

الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة في العالم، المحرومة من الحق في التحكم بالعملة الوطنية الخاصة بها. دور البنك المركزي يؤدِّيه بنك الاحتياطي الفيدرالي – وهو شركة مساهمة، أنشئت من 12 بنكاً من بنوك الاحتياطي الفيدرالي، التي هي بدورها تم إنشاؤها من البنوك التجارية على أساس إقليمي .

 من يمتلك مال أميركا

لا تمتلك الحكومة الأميركية نقدها الخاص. ولكي تشتري «عملتها الوطنية»، تصدر الحكومة سندات خزينة، ويطبع بنك الاحتياطي الفيدرالي الأوراق النقدية ويقدمها للحكومة كدين مقابل شراء سنداتها. ثم تالياً تشتري الدولة مرة أخرى سنداتها، وتعيد المال مع الفائدة إلى بنك الاحتياطي الفيدرالي. وهكذا، فإن المصدر الرئيسي لدخل بنك الاحتياطي الفيدرالي هو أرباح سك العملات – أي، الفرق بين تكلفة إنتاج الأوراق النقدية وقيمتها الأسمية. فإذا كانت تكلفة إنتاج ورقة المئة دولار هي 10 سنتات، فإن أرباح سك العملات عند إصدار تلك الورقة من فئة المئة دولار هي 99 دولاراً و90 سنتاً.

يعمل البنك الاحتياطي الفيدرالي في تحقيقه للأرباح بطريقة البنوك التجارية، وهو يحقق الربح ليس فقط من بيع الأوراق النقدية (الدولار) لحكومة الولايات المتحدة، ولكن أيضاً من الرسوم على مدفوعات الفائدة على سندات الخزانة، والدخل من معاملات الدفع، والودائع، ومعاملات الأوراق المالية .

 ويعتبر بنك الاحتياطي الفيدرالي، وفقا لقانون «مجلس الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة» هو كيان حكومي مع مكونات خاصة، وتشمل: مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي المعين من قبل رئيس الولايات المتحدة، لجنة السوق الفيدرالية المفتوحة، وبنوك الاحتياطي الفيدرالي الإقليمية (عددها 12 بنكاً) والمصارف التجارية التي تتلقى أسهماً غير قابلة للتصرف، ودخل ثابت من أسهم بنوك الاحتياطي الفيدرالي مقابل احتياطي رأس المال المدفوع، إلى جانب عدد من المجالس الاستشارية .

 في الواقع، فإن الحكومة لديها تأثير محدود جداً على بنك الاحتياطي الفيدرالي لعدد من الأسباب:

 أولاً، يتم تعيين مجلس الاحتياطي الاتحادي لمدة 14 سنة قابلة للتجديد. يذكر أن الرئيس الأميركي ينتخب لمدة 4 سنوات ومدة ولايته أقصاها 8 سنوات. وكما يقولون، يذهب الرؤساء ويأتون، ولكن قيادة بنك الاحتياطي الفيدرالي تبقى. وقد بقي الزعيم السابق للبنك غرينسبان في مكتبه لمدة 19 عاما، وعمل الرئيس الذي خلفه، بن برنانكي، منذ العام 2006 إلى أن غادر موقعه في العام 2012، بعد أن عاصر رئيسين؛ فالسلطة تتركز هنا، وليس في البيت الأبيض.

 ثانياً، مجلس الاحتياطي الفيدرالي هو السلطة النهائية التي يمكن أن تقرر صحة أوراق النقد (الدولار) من عدمها. وهذا لا يتيح له فقط إمكانية الإصدارات غير المنضبطة، بل يسمح كذلك بإعلان أية أوراق نقدية كعملة مزيفة، حتى لو كان تم إصدارها في الواقع من قبل نفس الاحتياطي الفيدرالي.

وأخيرا، إليكم الجزء الممتع. لقد تم الحرص على استقلال مركز الإصدارات النقدية عن الحكومة بسبب الحاجة إلى منع إمكانية استخدام هذه القضية المتعلقة بالمال في مصالح قصيرة الأجل للحكومة الأميركية (برئيسها المنتخب). على سبيل المثال، لتغطية العجز في الميزانية. وهذا يهدف لمنع الدولة من طباعة النقود وإجراء سياساتها المالية الخاصة، بعيداً عن المصارف .

 ولكن مجلس الاحتياطي الفيدرالي (المعين) يملك هذا الحق، دون مساءلة!

فن إنتاج الأزمات

إذا كان الاقتصاد الحقيقي يكسب من بيع المنتجات، فالبنوك تكسب من إنتاج الديون. مع نمو الديون في الولايات المتحدة ينمو ربح بنك الاحتياطي الفيدرالي. على سبيل المثال، في العام 2006 كان صافي دخل بنك الاحتياطي الفيدرالي 34.2 مليار دولار، وفي العام 2010 – 81,7 مليار دولار، وفي العام 2011 تراجع بنسبة 6 % – إلى مستوى 77,4 مليار دولار.

وهذا هو..

بينما يتحدث لعالم كله عن احتمال انهيار الاقتصاد الأميركي، فإن أرباح المصرفيين الاتحاديين من الأزمة نفسها زادت 2.38 مرة.

لقد دأبت منظومة الاحتياطي الفيدرالي، منذ ميلادها في أعقاب أزمة العام 1907 المصطنعة، على الاستفادة من «المطبعة»، باستدعاء الانهيارات الاقتصادية بانتظام.

والعديد من الاقتصاديين الأميركيين يضعون اللوم على مجلس الاحتياطي الفيدرالي في أزمات أميركا المتوالية في الأعوام: 1948-1949، 1953 -1954، 1957-1958، 1960-1961، 1969-1971 و1973-1975.

كانت أزمة الرهن العقاري في العام 2007 نتيجة مباشرة لسياسة بنك الاحتياطي الفيدرالي، التي عمدت إلى تخفيض معدلات الفائدة على القروض للبنوك التجارية إلى الصفر، وأغرقت أميركا حرفياً بالسيولة الرخيصة، التي أعطيت في شكل قروض رهن عقاري لأشخاص لا يملكون أي دخل، ولا وظيفة، بضمان الأصول التي سيتم تشييدها في المستقبل، ومِنْ دون تأمين.

ونتيجة لذلك، فإن معدل الزيادة السنوية في تكلفة الإسكان في الفترة ما بين 2000-2006 بلغت رقمين معتبرين. لقد ارتفع حجم ديون الرهن العقاري من 63 % في العام 1995 إلى 98% في العام 2005.

ويدرك أي شخص، حتى لو كان على غير معرفة بقوانين الاقتصاد، أن هذا الهرم ليس من شأنه إلا أن ينهار!

ولم يعرف العالم شيئاً حول تجارب بنك الاحتياطي الفيدرالي المحفوفة بالمخاطر، التي يتعرض الشعب الأميركي لها، إلا عندما بدات أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة تتحول بتسارع إلى أزمة مالية عالمية، وهو ما نحصد ثماره حتى الآن.

وتعد أزمة سوق الأوراق المالية في العام 2000، أقل شهرة من ذلك بكثير، رغم أنها دفعت المواطنين الأميركيين، الذين فقدوا مدخراتهم في المضاربة في البورصة، إلى سلسلة من حالات الانتحار.

 وكان رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، آلان جريسبان، قد دفع في العام 1999 نحو اصدار قانون «غرام ليتش بليلى» لتحديث النظام المالي من أجل الحد من الضغوط التضخمية على الدولار. وبموجب هذا القرار، ألغى الكونغرس قانون «جلاس – ستيغال» للعام 1932، الذي يضع القيود على حيازات البنوك ومؤسسات ضمان الأموال وشركات التأمين الأخرى. وبالتالي منع اعلان أسعار الأوراق المالية بشكل تعسفي من قبل مصدرها، أو من قبل المصارف التي تملكها، بل خلال جلسات التداول في البورصة. وهكذا، حرمت البنوك من امكانية نفخ «فقاعات تضخيم»، وتأمين السيولة للأسهم والالتزامات الأخرى لشركات القطاع الخاص. وفي العام 1999 تم رفع الحظر، ما أدى إلى زيادةٍ في أسعار أسهم الشركات الأميركية أعلى بكثير من تكلفتها الحقيقية .

 وهنا، سارع الوكلاء الماليون على الفور إلى لاستفادة بفرص المضاربة المدعومة بتكنولوجيا التداول الجديدة عالية التردد HFT. هذه التكنولوجيا تسمح للتجار بإجراء تحليل فوري لكميات هائلة من المعلومات عن السوق، ما يمكِّن من تنفيذ عدد كبير من الصفقات في يوم التداول، وفتح موقف واحد خلال فترة قصيرة (تصل إلى عدة ثوان)، وتحقيق أرباح قياسية من أولى التغييرات الطفيفة على أسعار الأوراق المالية.

وشهدت الفترة من 1999 إلى ربيع العام 2000 ذروة التعامل مع شركات الإنترنت HFT، وهو ما استقطب على نحو فوري أموال المواطنين بمبالغ تجاوزت عشرات المليارات من الدولارات. وبين عشية وضحاها، ظهرت آلاف المواقع الإلكترونية التي تنشط في مجال العمليات المالية والأسهم المتداولة الكترونياً. وبعد ذلك بعام، عاد كل شيء إلى المربع الأول: «فقاعة الصابون الإنترنتية» انفجرت مثيرة فضيحة مدوية، دفنت تحتها مدخرات الملايين من الأميركيين .

ولكن هذا ليس كل شيء..

لقد أصبحت تكنولوجيا HFT سلاحاً حقيقياً، ما يعطي الفرصة لدفع أسهم أي شركة وأي بورصة نحو الإنهيار التام خلال بضع دقائق، فقط. مثال ذلك هو يوم 6 أيَّار/مايو 2010، عندما اختفت في أسواق الأسهم الأميركية 862 مليار دولار خلال 20 دقيقة فقط. ولتنفيذ العمليات المالية تم إنشاء وسائل بديلة للدفع، بما في ذلك الخدمات المصرفية عبر الإنترنت، البطاقات الإلكترونية المغفلة الهوية، والحسابات الافتراضية، وغيرها من الوسائل الصادرة عن جهات تجارية خاصة. وهذا زاد في كمية المعروض من النقود الافتراضية غير المحسوبة، وهو يتيح امكانية «التصفير» الفوري لحسابات الباحثين عن الربح السريع .

وفي الواقع، ليس من فرص فعلياً لدى المستثمرين الصغار الراغبين في كسب المزيد من المال بوساطة التجارة الإلكترونية: بمقابل رشوة تمنح البورصة لعملائها «المختارين» الفرصة لرؤية عامة لجميع العطاءات، قبل أي شخص آخر. وإذا عرفنا أن «الشخصيات» الرئيسية التي تسجل أرقام تداول عالية وكبرى في أميركا هي بنوك: غولدمان ساكس، ومورغان ستانلي، وعشرات من البنوك الكبرى، التي توفر 70 % من عمليات دوران البورصة اليومي عبر تكنولوجيا التداول ذي التردد العالي، حينها يمكن تخمين من هم هؤلاء العملاء «المختارين»، الذين يحظون بالرعاية.

نظرة أولى على المضاربة عبر الإنترنت توضح أنها تقوض اقتصاد الولايات المتحدة وصدقيَّة الدولار «الرسمي» الصادر عن مجلس الاحتياطي الفيدرالي. وهو ما يُفترض أن يكون غير مقبول بالنسبة للاحتياطي الفيدرالي. ومع ذلك، دعونا نتذكر أسماء البنوك العاملة في البورصة وتستثمر في نفس الوقت بمجلس الاحتياطي الاتحادي وينتسب إليها مدراؤه. وبالإضافة إلى ذلك، فإن بنك الاحتياطي الفيدرالي غذى سوق المال والأوراق المالية بكمية هائلة من المال المجاني، وبهذا الأسلوب وضع كامل «العبء التضخمي» على تلك الدولارات التي تم شراؤها من أسهم شركات تكنولوجيا المعلومات .

ديون البلاد – ربح البنوك

الفكرة القومية التي تكمن في جوهر الولايات المتحدة هي العيش على القروض. بحساب أن الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة يبلغ 14 تريليون دولار. وهو ما يمثل 20 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، فإن الاستهلاك السنوي للولايات المتحدة هو ضعف حجم الناتج المحلي الإجمالي، ويمثل 40 % من الاستهلاك العالمي .

لقد ارتفع سقف ديون الولايات المتحدة في العام 1940 حوالي مائة مرة. وفي تاريخ 2 مجلس الشيوخ الأميركي على زيادة الدين القومي إلى 16.7 تريليون دولار. وبلغت ديون الولايات المتحدة في 17 كانون الأوَّل/ديسمبر 2012 ما قيمته 16,382 تريليون دولار. وكان الدين العام قد تجاوز في وقت سابق، 3 آب/أغسطس 2011، الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة .

وهذه أقل كثيراً من أن تكون كل ديون الولايات المتحدة..

ديون الولايات، وديون الدولة عن التأمين الطبي، وتأمين التقاعد، وديون الشركات، والديون عن استحقاقات البطالة، والديون الأسرية، الخ، هي حوالي 115 تريليون دولار. أما خدمة الفائدة على هذه الديون فتتراوح من 4 إلى 5 تريليون دولار سنوياً.

هذا في حين أن ديون الولايات المتحدة تتزايد باطراد..

وعلاوة على ذلك، فإنَّه إذا كان ضخ السيولة النقدية في وقت سابق يؤدي إلى نمو الاقتصاد الأميركي، فإن كفاءة الزيادة الأخيرة في سقف الدين تنخفض، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى تسريع نمو الدين العام، باعتبار أن ذلك سيكون لازماً للحفاظ على مستوى معتدل من النشاط الاقتصادي.

كما سبق القول، فإن واحدة من وظائف بنك الاحتياطي الفيدرالي هو عدم السماح للحكومة باستخدام الصلاحيات المالية في تلبية مصالح قصيرة الأجل. وفي الواقع، فإن المستثمرين من القطاع الخاص لم يقفوا فقط ضد المبادرات التطوعية من قبل الحكومة، ولكنّهم أيضاً يصدرون كميات لا تحصى من الدولارات، خارج السيطرة، لتحقيق مصالحهم الخاصة.

 لقد أظهر التدقيق الأول من نوعه في تاريخ وجود الاحتياطي الفيدرالي، الذي أجري في العام 2012، أنه أثناء وبعد أزمة العام 2008، أصدرت الشركات الخاصة سراً ووزعت 16 تريليون على بنوكها. ومن بين البنوك التي تلقت هذه الأموال: غولدمان ساكس – 814 مليار دولار، ميريل لينش 200 مليار دولار، سيتي جروب – 2,5 تريليون، ومورغان ستانلي – 2 تريليون دولار، بنك أوف أميركا – 1,3 تريليون دولار، ورويال بنك اوف سكوتلاند ودويتشه بنك حصلا على 500 مليار دولار. وتلفت الانتباه، هنا، حقيقة أن من بين المستفيدين من التمويل بنوك أجنبية، وهو ما تمنعه قوانين الولايات المتحدة منعاً باتاً.

الإصدار غير المنضبط يمكن أن يؤدي ليس فقط إلى تضخم جامح في الولايات المتحدة نفسها، ولكن من شانه أن يقود كذلك إلى فقدان الدولار مكانته كعملة احتياطية عالمية.

ومع ذلك، فإن الخطر الرئيسي الذي يهدد أميركا هو أن الادارة المتعسفة التي يمارسها بنك الاحتياطي الفيدرالي، الذي يوزع يميناً وشمالاً دولارات غير مضمونة، تغرق الدولة الأميركية بالديون، باعتبارها مسؤولة إزاء الدائنين من الصين واليابان وروسيا والاتحاد الأوروبي، وتجعلها مدينة بجميع أصولها.

وفي الواقع، فإن الولايات المتحدة لم تعد ملكاً، لا لشعبها ولا لحكومتها، فقد تجاوزت ديونها حجم ثرواتها الوطنية، بعدة مرات.